مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 14

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 257 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

فقوله ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ (البقرة: 213) هذا مبنيٌّ على الاختلاف الّذي وقع، ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (البقرة: 213) أي : الكتب، فالمراد بالكتاب جنس الكتب ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ (البقرة: 213) وقد جعلوا هنا في المختصر أنّ الضّمير يعود على التّوراة (وما اختلف في الكتاب الّذي أنزله الله وهو التّوراة ) باعتبار أن الحديث سابقًا كان عن بني إسرائيل فوقع منهم الاختلاف، كما قال الله ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ (البينة: 4) ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا يقولون سيأتي نبيٌّ ونؤمن به فلمّا جاءهم هذا النّبيّ وقع الاختلاف، منهم ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ به ومنهم من كفر به، قال ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: 213) ما الّذي صرفهم عن الإيمان بالنّبيّ -‘ -؟ البغي ﴿بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: 213) قال الله فيما سبق من آياتٍ ﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾ (البقرة: 90) قال ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213) وقبلها قال ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213)، ولذلك كان النبي ﷺ ممّا يقول إذا قام من اللّيل وتهجّدٍ يقول : (الله مّ ربّ جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك. إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيمٍ ) كما ثبت في مسلمٍ.

ثمّ قال الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214) انتقل الخطاب هنا بعد أن كان الحديث عن بني إسرائيل، والحديث عن الّذين آمنوا بصيغة الغيبة ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (البقرة: 213) ثمّ قال ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (البقرة: 214) لذلك يقال هذا التفاتٌ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (البقرة: 214) أيٌّ : أيّها المؤمنون؟ أتظنون أن تدخلوا الجنة ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم﴾ (البقرة: 214) فتأمّلوا - رحمكم الله - أنّ الله قال قبل ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ﴾ (البقرة: 211) وهذا فيه دعوةٌ إلى الشّكر وهنا دعوةٌ إلى الصّبر، فالإنسان يجمع بين البابين بين شكرٍ وصبرٍ، وقد تقدّم معنا في الآية الكريمة ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) الآية، أنّ الله ذكر فيها صنوف الابتلاءات، ومنها ﴿ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾، فجاء هنا ذكر البأساء والضّرّاء

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (البقرة: 214) قالوا في المختصر (أم ظننتم - أيّها المؤمنون - أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم ابتلاء مثل ابتلاء الماضين من قبلكم ) فبعضهم جعل الاستفهام هنا للإنكار، يعني : لا تظنّوا، وبعضهم جعله من باب التّشويق.

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم﴾ (البقرة: 214) يعني كونوا على استعداد تام من أنّ الجنّة ليست رخيصةً، وأن الجنة لا بد أن تُحفَّ بالمكاره، ففيه إثارةٌ لهم وبيان أنّه لا بدّ من الابتلاء. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم﴾ (البقرة: 214) أيٌّ : ولم يصبكم ابتلاء مثلٍ ابتلاء الماضين من قبلكم. فقوله ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم﴾ (البقرة: 214) ليس المراد : أن يأتيكم خبرهم، إنّما أن يصيبكم مثل الّذي أصابهم ماذا أصابهم يا ربّنا؟﴿مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ﴾ (البقرة: 214) أصابهم شدّة الفقر والمرض، وزلزلتهم المخاوف فهذا معنى البأساء والضّرّاء فأصابهم من مرضٍ ومن الشّدّة ومن الجوع وما إلى ذلك، ﴿وَزُلْزِلُوا۟﴾ من شدّة الابتلاءات. ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 214) من شدّة الابتلاء والتّمحيص حتّى يقولوا متّى نصر اللّه؟ ﴿أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214) قوله ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 214) قال بعضهم هذا على سبيل الاستبطاء يعني : يستعجلون بالنّصر فإن قال قائل : هل الرّسول يقول ذلك؟

1- قال بعضهم : المراد به أهل الإيمان معه، وليس هو؛ لكن عطفوا عليه تعظيمًا لشأنه.

2- وبعضهم قال : إنّ في الآية الكريمة لفًّا ونشرًا غير مرتّبٍ وكأنّ المعنى ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ﴾ (البقرة: 214) يقول الّذين ﴿امَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، ويقول الرّسول : ﴿أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾، فيكون قوله ﴿أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214) من قول الرّسول، ويكون قوله ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 214) من قول الّذين آمنوا، ولكن فيه لفٌّ ونشرٌ غير مرتّبٍ. باعتبار أن الرسول ذُكر أولًا، لكنّ القول ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 214) كان من حقّ أهل الإيمان لأنّه أقرب لقوله ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ﴾ (البقرة: 214) ولأنّ قوله كان جوابًا، فهم بدأوا وهو أجاب ﴿أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214)

وقوله ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾ (البقرة: 214) يعني إلى أن يصل الأمر للرّسول إلى أن يقول، وأمّا على قراءة نافعٍ ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾ (البقرة: 214) بالرّفع على أنّها حاليّةٌ : تقصٍّ الحال باعتبار أنّ السّياق يحكي حالاً أو يقصّ حالاً : ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وهذا كلّه يدلّ على شدّة الابتلاءات والامتحانات، وأنّه لا بد من التّمحيص ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 141)

ثمّ قال الله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 215)

جاء هنا ذكر سؤالٍ ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 215) وما وجه هذه الآية؟ أو وجه الصّلة فيها بما سبق؟

من وجوه صلتها بما سبق والله أعلم أنّ الحديث السّابق كان فيه ذكرٌ للإنفاق، قبل ذكر الحديث عن الحجّ. ﴿وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195) وذلك أنّ الجهاد : جهادٌ بالنّفس وجهادٍ بالمال. فناسبَ هذا أن يذكر بعض مصارف هذا الإنفاق لأنّ من مصارفه الإنفاق في أبواب الجهاد في سبيل الله، فلذلك قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 215) وأيضًا فالسّورة الكريمة ذكرت مجموعةٌ من الأسئلة، وقد تقدّم من قبلُ ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ﴾ (البقرة: 189) فيكون لهذه الآية صلة أيضًا بالأسئلة السّابقة، وأنّ هذه أسئلة هدي النبي ﷺ وكلّها في باب التّشريعات، ولذلك آية ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ﴾ (البقرة: 177) جمعت بين الحديث عن الصّبر والإنفاق أيضًا، فهذا من التّفصيل بعد الإجمال.

﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 215).

قوله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 215) السّؤال ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾؟ وليس لمن ينفقون؟ لكنّ الجواب : ﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (البقرة: 215) بيّن لهم المصارف الّتي ينفق إليها، فكان الجواب غير السّؤال، لذلك بعضهم : أدرج الآية أو جعل الآية من الأسلوب الحكيم. فماذا تنفقون؟ هذا معروفٌ، وهو أنّ الإنسان ينفق ما تيسّر له، ولذلك جاء الجواب عنه أيضًا في قوله ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219) ولكنّ السّؤال الأهمّ أن تسألوا لمن تنفقون؟ فجاء الجواب عنه : فيقال هذا أسلوبٌ حكيمٌ، الجواب : بما هو أنفع وأكثر سائلٍ للسّائل. ويحتمل واللّه أعلم أنّهم سألوا سؤالين ذكر الله أحدهما، وأجاب بالاثنين، أو أجاب عن الاثنين، فكأنّهم قالوا يسألونك ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ ولمن ينفقون؟ فقال ﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ (البقرة: 215) فبين أنّ الإنفاق يكون بالخير.

ثمّ بين المصارف فقال (فللولدين وٱلأقربين ) وبدأ بالوالدين لأنّهم أهمّ وأعظم ﴿وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (البقرة: 215) وعلم من ذلك أنّ النّفقة هنا ليس المراد بها الزّكاة، لأنّ الوالدين لا يعطيان من الزّكاة وإنّما أنفقتم : النّفقة؛ لأنّ النّفقة على أنواع منها نفقةً واجبةً، ومنها نفقةٌ مستحبّةٌ فقد تكون النّفقة واجبةً وقد تكون مستحبّةً وأهمّ المصارف في ذلك برّ الوالدين ﴿وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 215) وما تفعلوا من خيرٍ؟ لم يقل ﴿وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ﴾ (البقرة: 273) إنّما قال (وما تفعلوا) ليكون أعمّ فقوله (وما تفعلوا) أي : بالإنفاق بالمال أو بالجهاد بالبدن فيقول ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ﴾ (البقرة: 215) يشمل أبواب الجهاد بالمال وبالنّفس ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 215) فهو عالمٌ بالنيات في النّفقات سبحانه (ß).

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• ترك شكر الله تعالى على نعمه وترك استعمالها في طاعته يعرضها للزّوال ويُحيلها بلاءً على صاحبها

ودليل ذلك ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211) وذلك أنّ النّعم إذا كفرت فرّت.

• الأصل أنّ الله خلق عباده على فطرة التّوحيد والإيمان به، وإبليس وأعوانه هم الّذين صرفوهم عن هذه الفطرة إلى الشّرك به :

﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ (البقرة: 213) تقدّم أن الجمهور على أنّ المعنى : كان النّاس أمّةً واحدةً على الإيمان والتّوحيد.

• أعظم الخذلان الّذي يؤدّي للفشل أن تختلف الأمّة في كتابها وشريعتها، فيكفر بعضها بعضًا، ويلعن بعضها بعضًا

وهذا يؤدّي إلى الفشل، ولذلك حذّر الله سبحانه ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: 213) إلى آخر الآية الكريمة.

• الهداية للحقّ الّذي يختلف فيه النّاس، ومعرفة وجه الصّواب بيد الله، ويطلب منه تعالى بالإيمان به والانقياد له

﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213)

وتقدّم أنّ النّبيّ صلوات ربّي وتسليماته عليه يدعو بهذا الدّعاء (اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بأذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيمٍ ).

• الابتلاء سنة الله تعالى في أوليائه، فيبتليهم بقدر ما في قلوبهم من الإيمان به والتّوكّل عليه :

ولذلك قال ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم﴾ (البقرة: 214) فهذه سنةٌ ماضيةٌ.

• من أعظم ما يعيّن على الصّبر عند نزول البلاء، الاقتداء بالصّالحين وأخذ الأسوة منهم

ولذلك ذكرنا الله بما يقول هؤلاء حينما يقولون ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 214) ويأتيهم الجواب ﴿أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214)

قال الله سبحانه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)

هذه تشريعات متتابعة يجاور بعضها بعضًا، وكلّها تؤدّي إلى إصلاح الفرد والمجتمع.

فبعد أن حدّثنا الله - عن بعض أحكام الحجّ، وحدّثنا عن بعض أحكام النّفقات حدّثنا هنا عن بعض أحكام الجهاد ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾ (البقرة: 216) فُرض عليكم الجهاد أو القتال بضوابطه وشروطه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) طبعًا لا شرعًا، فالكراهية هنا المراد بها : كراهية الطّبع؛ لأن الإنسان يكره إتلاف نفسه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) لأنّه يعود عليكم بالنّصر والتّمكين والظّفر بالأعداء والحصول على المغانم وما إلى ذلك.

﴿وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) وعسى أن تحبّوا شيئًا الرّكون إلى الدّنيا، وعدم القتال في سبيل الله، مع أنّ فيه الشّرّ لكم فأنتم تظنّون أنّ فيه الإبقاء على أنفسكم؛ لكنّ في حقيقة الأمر فالتّخلّف عن الجهاد فيه الخذلان وفيه تسلّط الأعداء ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216) وهذه الآية وإن وردت في سياق الكلام عن الجهاد لكنّها آيةٌ عظيمةٌ وجميلةٌ وعامّةٌ، وقاعدة عظيمةٌ جليلةٌ ينبغي للمسلم أن يستصحبها في كلّ أحواله

﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)

ينبغي للعبد ألّا يغفل عن هذا الأصل الأصيل والقاعدة الجليلة العظيمة ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)

ولذلك قرّر أهل العلم أنّ تشريعات الله - فيها تحقيق المصالح وفيها درء المفاسد ثمّ قد يكون في هذا المأمور به المصلحة الخالصة أو الغالبة، وقد يكون في المنهي عنه المفسدة الخالصة أو المفسدة الغالبة، كما أنّ ما أمرنا الله به ففيه مصلحةٌ خالصةٌ أو راجحةٍ، وما نهانا الله عنه ففيه مفسدة خالصة أو غالبة.

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾

قال الله - سبحانه - ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (البقرة: 217) هذا مناسبٌ لما جاء قبل ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 215) وستأتينا أسئلة أخرى متتابعةٍ، ولذلك الأسئلة متقاربةٌ ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ (البقرة: 219)،

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ (البقرة: 220) ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾ (البقرة: 222) وهكذا أسئلةٌ متتابعةٌ وهذا يدلّ على أنّ السّورة كان فيها الجواب والشّفاء لأسئلة النّاس على الأحكام والتّشريعات.

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 217) ماذا ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾؟ (قتالٖ فيه) يسألونك عن الشهر الحرام، القتال فيه. ماذا عن القتال في الشّهر الحرام؟ أين كان ماشي على حكم القتال في الأشهر الحرم؟ والمراد بالأشهر الحرم هنا : الأشهر الأربعة : (شهرٌ ذي القعدة وذي الحجّة والمحرّم ورجب ) ثلاثة متواليات أو متتابعات كما بيّن النبي ﷺ شهرٌ ذي القعدة وشهر ذي الحجّة شهر محرّمٍ (ورجب مضرٌّ ) الّذي هو بين جمادى وشعبان، فقال الله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (البقرة: 217) وذلك كما جاء في بعض الرّوايات أنّ بعض المسلمين وقع منهم قتل في أوّل رجب أو في بداية شهر حرام، وفي بعضها أنّه دون قصد فعيّر المشركون المسلمين بذلك، كيف يقع منكم ذلك وأنتم أهل الإسلام وأهل الإيمان وأنتم تعظّمون الأشهر الحرم فرد الله عنهم ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (البقرة: 217) بعض العلماء ذكر لفتةً جميلةً :

وهو أنّ الله قال ﴿قُلْ قِتَالٌ﴾ (البقرة: 217) لم يقل (القتال فيه) ﴿قُلْ قِتَالٌ﴾ (البقرة: 217) هكذا بالتّنكير، وكلامهم أيضًا في الأوّل كان للتّنكير ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ (البقرة: 217) وقالوا : إنّ التّنكير إذا تكرّر فإن الثاني بخلاف الأول وهذا وارد. وكأنّ الله يقول : القتال فيه كبيرٌ لكنّ ما وقع من المسلمين ليس بكبيرٍ؛ لأنّهم معذورون فيه ولم ينتهكوا من حرمات الله؛ بل أنتم الّذين انتهكتم حرمات الله. لكن بصفةٍ عامّةٍ القتال في الأشهر الحرم كبيرٌ ولكنّ هناك ما هو أكبر منه، وهو الصّدّ عن سبيل الله والقتال فيه كبيرٌ، وهنا تمّ الكلام ثمّ قال :

﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 217) نعم، القتال في الأشهر الحرم كبيرٌ، كبيرة أو أمر عظيم عند الله ومستنكر؛ ولكنّ الصّدّ عن سبيل الله والكفر به - والمسجد الحرام : يعني منع المؤمنين ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ ﴿وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 217) صدّ النّاس عن المسجد الحرام. فيكون معنى : ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 217) ولذلك قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (الحج: 25) [ الحجّ : 25 ] فعلم أنّ قوله (‌وٱلمسجد ٱلحرام) متعلّقٌ بالصّدّ ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 217) هذا أكبر وأعظم، وهذا يبيح القتال في هذه الأشهر من باب درء المفاسد ويستفاد من هذا : أنّه عند تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى منها، فعند تزاحم المفاسد يرتكب الأخفّ من باب ارتكاب أخفّ الضّررين، وهذه قاعدةٌ معروفةٌ لدى أهل العلم.

قال الله ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ (البقرة: 217) الفتنة : صرف النّاس عن الدّين ودعوتهم وصدّهم عن سبيل الله أو معنًى ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ (البقرة: 217) تعذيب أهل الإيمان وحملهم على الكفر بالله أكبر من القتل الّذي تتحدّثون عنه، ثمّ قال الله

﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟﴾ (البقرة: 217) هذه بغيتهم ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ فالله - بين في هذه الآية الكريمة القتال في الأشهر الحرم كبيرٌ وعظيمٌ لكن هناك ما هو أعظم ممّا صنعه أولئك فقال الله - ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 217) إلى آخر الآية الكريمة، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنّ حرمة القتال في الأشهر الحرم نسخت وأنّ القتال في الأشهر الحرم ليس بحرامٍ وعلى هذا جمهور أهل العلم. لكنّ ذهب بعض العلماء : إلى بقاء التّحريم ولكنّهم فرّقوا بين البدء وبين الاستمرار، فالممنوع هو البدء أي لا يبتدئ أهل الإسلام غيرهم بالقتال في الأشهر الحرم، لكن إن كان القتال استمرارًا لما كان سابقًا هذا لا تثريب عليهم ولا حرج؛ لأنّه يثبت في الدّوام ما لا يثبت في البدء.

وأيضًا : فرّقوا بين ما يكون من باب الدّفع ومن باب الطّلب فما يكون من باب الدفع فهذا في كلّ وقتٍ، فلو أنّ قومًا اعتدوا على أهل الإسلام في الأشهر الحرم أو في غيرها فإنّهم يدفعون عن أنفسهم كما لا يخفى. على هذا اتّفاق أهل العلم؛ لكنّ الجمهور كما قلت على النّسخ بصفةٍ عامّةٍ والله أعلم.

قال الله ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (البقرة: 217) هنا قيد الأمر بقوله (فيمتّ ) لذلك بعض العلماء قالوا : الرّدّة محبطةً للأعمال، وبعضهم قال : الرّدّة محبطةً للأعمال إذا مات الإنسان على الرّدّة، أمّا إذا تاب إلى الله تاب الله عليه ولم تبطل أعماله السّابقة، ولذلك ترد مسائل فيها خلافٌ : كشخص مثلاً حج ثمّ ارتدّ ثمّ تاب وعاد إلى الإسلام هل يلزم بحجّة أخرى؟ ويقال إنك حينما ارتددت بطل عملك أم يقال ما دام أنّه قد تاب إلى الله وهو في الحياة فإنّه لا يبطل عمله؟

هذا قيدٌ يصلح للتّقييد أو يقيّد به على قول كثيرٍ من الفقهاء والله أعلم، ولذلك فقوله ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 88) [ الأنعام : 88 ] يقولون هناك إطلاقٌ وهنا في آيةٍ ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ فيقيّدون المطلّقات بما جاء في تقييدٍ في الآية وهو الموت على الكفر.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218) تأمّلوا آمنوا وهاجروا وجاهدوا، فهذا يعني أنّه لا بد من الإيمان والعمل الصّالح، ثمّ قال ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 218) هذا يرجو رحمة الله فهو ليس مغرورًا؛ وإنّما يعمل الصّالحات، وقوله ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 218) فهم لا يتّكلون على أعمالهم ولا يدرون بما يختم لهم ولا يدرون أقبلهم الله أم لم يقبلهم؟ ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218) ثمّ جاء سؤالٌ آخر عن تشريعاتٍ أخرى (يسـٔلونك عن ٱلخمر وٱلميسر ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ﴾ ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾٢١٩)

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ (البقرة: 219) فبعد أن حدّثنا الله عن القتال في سبيله، وهذا فيه حفاظٌ على الدّين فالجهاد شرع للحفاظ على الدّين ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: 193) وفيه حفاظ على النفس أيضًا لأنّهم إذا تركوا فإنّهم يستأصلون أهل الإسلام، جاء الحديث عن الحفاظ على العقل وديننا قد جاء بحفظ الضّروريّات وحفظ المقاصد المعروفة من الضّروريّات والحاجيّات والتّحسينيات كما يقول أهل العلم بالمقاصد فقال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ (البقرة: 219) قالوا هنا في المختصر (الخمر كلّ ما غطّى العقل وأذهبه ) فالخمر ما خمر العقل (غطّى عليه )، ومنه قيل للخمار : الخمار، فأصل المادة يدل على التغطية فهو يذهب العقل ويغطّيه فيذهب عقل الإنسان لا يدري معه ولا يميّز.

قال هنا ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ﴾ (البقرة: 219) السّؤال ليس عن صناعة الخمر، ولا عن أسماء الخمر؛ إنّما السّؤال عن حكمها فهذا هو المناسب فالنّبيّ ‘ إذا سئل فالسّؤال عن الأحكام التّشريعيّة ففهم أنّ السّؤال عن الأحكام التّشريعيّة، كذلك حكم (الميسّر ) : قالوا في المختصر (وهو : ما يؤخذ من المال عن طريق المنافسات الّتي فيها عوض من الطّرفين المشتركين في المنافسة ) فحينئذٍ يكون في هذا ميسر لأنّه الأصل كما جاء عن النبي ﷺ (لا سبق إلّا في نصل أو خفّ أو حافرٍ ) العوض : يكون في هذه الثّلاثة؛ وأمّا العوض من الطّرفين في المنافسات الأخرى فإنّ هذا لا يسوّغ، ومعروفٌ أحكام الميسّر والمسابقات في بابها الخاصّ بها من الفقه.

فقال الله ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (البقرة: 219) فيهما إثمٌ كبيرٌ وأضرارٌ كبيرةٌ، وآثام كبيرةً. وفيما بعض المنافع، فالذين يبيعون الخمور يحصلون على الأموال، هذه الأموال، وكذلك في الميسّر هذا يربح وهذا يخسر فالذي يربح يرى أن الميسر منفعة؛ لكنّها منفعةٌ قليلةٌ حرمت من أجل المفسدة الكبيرة؛ ولذلك تقدّم أنّ الشّرع يأتي بنفي المفاسد الخالصة والغالبة - فحتّى وإن كان في الخمر بعض منافع، وإن كان في الميسّر بعض منافع؛ لكن لا يلتفت إليها والحكم للأكبر أو للأغلب، وهذه الآية تتحدّث عن مرحلةٍ من مراحل من مراحل تحريم الخمر لأنّ الله لما ذكر الآثام وذكر المنافع (ذكر الوجهين ) لكنّ فيه الآية الأخرى في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: 90) [ المائدة : 90 ] هذا دلّ على تحريمٍ قطعيٍّ، على أنّه تحريمٌ بلا مريةٍ وبلا شكٍّ، لذلك جاء عن عمر - رضي الله عنه - لما نزلت الآية الّتي معنا قال (الله مّ بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ) فالآية كانت تتحدّث عن مرحلةٍ من مراحل الخمر وعليه يفسّر الإثم : بالضّرر وإلّا لو قيل ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ﴾ (البقرة: 219) المراد بالإثم المعصية هذا يؤكّد أنّها حرام من بادئٍ الأمر ولذلك بعضهم يفسّر الإثم : بالضّرر.

قال الله ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219) جاء هنا سؤالٌ عن ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219) يعني : ما زاد عن الحاجة، قالوا في المختصر (وقد كان هذا أوّل الأمر ثمّ شرع الله بعد ذلك بالزّكاة الواجبة في أموالٍ مخصوصةٍ وأنصبة معيّنةٍ ) ولا يعني هذا أنّ الآية منسوخةٌ، ولكن يقال جاء فيما بعدُ ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219) ما زاد عن الحاجة ثمّ بعد أن بيّن الله أنّ ما زاد عن الحاجة قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًّا، والواجب منه هو ما كان في ذلك الزّكاة فجاء تفصيله بعد ذلك (كذلك يبيّن ٱللّه لكم ٱلأٓيت لعلّكم تتفكّرون) فمن غايات بيان الآيات التفكر فيها.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• الجهل بعواقب الأمور قد يجعل المرء يكره ما ينفعه ويحبّ ما يضرّه، وعلى المرء أن يسأل الله الهداية للرّشاد

ولذلك قال ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) فالإنسان يجهل عواقب الأمور (قد يجعل المرء يكره ما ينفعه ويحبّ ما يضرّه ) لذلك هذا الإنسان يفوّض أمره إلى الله ويتبع شرع الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).

• جاء الإسلام بتعظيم الحرمات والنّهي عن الاعتداء عليها، ومن أعظمها صدّ النّاس عن سبيل الله تعالى

﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 217).

• لا يزال الكفّار أبدًا حربًا على الإسلام وأهله حتّى يخرجوهم من دينهم، والله موهنٌ كيد الكافرين.

الكافرين : قال الله ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟﴾ (البقرة: 217).

• الإيمان بالله تعالى، والهجرة إليه، والجهاد في سبيله؛ أعظم الوسائل الّتي ينال بها المرء رحمه الله ومغفرته.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218).

• حرمت الشّريعة كلّ ما فيه ضرر غالبٍ وإن كان فيه بعض المنافع؛ مراعاة لمصلحة العباد.

لذلك قال الله ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (البقرة: 219) إذا كان إثمهما أكبر من نفعهما فعلى النّاس أن يجتنبوها ولذلك جاء التّحريم بعد ذلك.

(﴿فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢٢٠)

قال سبحانه (في ٱلدّنيا وٱلأٓخرة) قال كثيرون من أهل التّفسير هذا متعلّقٌ بما سبق في الآية الّتي قبلها، قال الله (كذلك يبيّن ٱللّه لكم ٱلأٓيت لعلّكم تتفكّرون ٢١٩ في ٱلدّنيا وٱلأٓخرة) قال بعضهم يقدّم لكم ما يتعلّق بأحكامٍ، فجعلوه يتعلّق بقوله، وبعضهم جعله يتعلّق (بالتّفكّر ) ويكون المعنى : ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ : في أمور الدنيا والآخرة، لا أنّ قوله (في ٱلدّنيا وٱلأٓخرة) ظرفٌ للتّفكّر، لأنّ التّفكّر لا يكون في الآخرة مثلٍ هذا أنّه يتفكّرون في أمور الدّنيا والآخرة. وقالوا هنا في المختصر في التّفسير (شرع ذلكي تتفكّروا فيما ينفعكم في الدّنيا والآخرة ) أي : فيما ينفعكم في أمر دنياكم وأمر آخرتكم.

قال ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ (البقرة: 220) وجه المناسبة ظاهرٌ فهي أسئلةٌ تبع بعضها بعضًا، كلّها أسئلةٌ موجّهةٌ للرّسول -‘ - قصد منها تعليم النّاس بالأحكام التّشريعيّة.﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ (البقرة: 220) أيٌّ : عن القيام بأمر اليتامى من الولاية عليهم، وإصلاح أموالهم واستعمالها.

فقال الله سبحانه ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 220) قالوا هنا في المختصر (قلّ مجيبًا إيّاهم : تفضّلكم عليهم بإصلاح أموالهم من غير عوضٍ أو مخالطةٍ في أموالهم؛ خير لكم عند الله وأعظم أجرًا، وهو خير لهم في أموالهم ) فيكون المعنى : إصلاح لهم خير من تفضّلكم عليه دون أخذ أجر منهم للتّفريق بين مالكم وأموالهم مع القيام عليها وتنميتها فهو خير لكم عند الله وخيرٍ لهم في أنّ المال يكون خالصًا لهم ومع ذلك ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ﴾ (البقرة: 220) إذا وقعت مخالطةً تحتاجون إليها في باب النّفقة على الزّوج أو في الطّعام والشّراب فإنّه لا حرج في ذلك، وذلك أنّ بعض الصّحب الكرام قد شقّ عليهم الأمر، فكانوا إذا وضعوا من مال اليتيم في باب الإطعام والنّفقة ثمّ أكلوا معه قالوا نخشى أن نكون قد أكلنا أكثر ممّا لنا، وأن يكون هذا اليتيم قد أكل أقلّ ممّا دفع! فحينئذٍ نكون قد ظلمناه! فما كان منهم إلا أن عزلوا اليتيم عنهم، أو أرادوا عزل اليتيم وعزل طعامه عنهم، بأن يأكل اليتيم منفردًا، فربّنا بيّنٌ أنّ الأمر في ذلك يسيرٌ ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ (البقرة: 220) فالله يعلم من المفسد ومن المصلح فهذا المصلح : لا يريد إفساد مال اليتيم؛ وإنّما كان هذا بالمعروف، ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (البقرة: 220) أي : لشقّ عليكم بهذه التّكاليف لكنّ مثل ذلك ميسورٌ إذا كان الإنسان قاصدًا بذلك الخير، وليس قاصدًا بذلك الإفساد في مال اليتيم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 220).

قال الله بعدها ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 221)

﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (البقرة: 221) تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام انتقال من الحديث عن اليتامى إلى الحديث عن النّكاح، وهذا أيضًا فيه انتقالٌ لأحكامٍ تشريعيّةٍ أخرى، وهذا سيجرّنا لحديثٍ عمّا يتعلّق بأحكامٍ من ذكر المحيض، ومن ذكر الطّلاق ومن ذكر العدّة، وما إلى ذلك وهكذا في السّورة الكريمة تحدّثت عن أحكامٍ تشريعيّةٍ متنوّعةٍ.

قال الله ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ (البقرة: 221) فبين الله أنّه لا يجوز نكاح المشركات حتى يؤمنَّ بالله رب العالمين وقوله هنا ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ﴾ (البقرة: 221) أمّا أن يقال أنّ قوله ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ﴾ (البقرة: 221) عام لكنّه خصّص بالكتابيّات لأنّ الله قد قال ﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (المائدة: 5) فبين أنّه يجوز نكاح الكتابيّات، فبين أنّه يجوز نكاح المرأة اليهوديّة أو النّصرانيّة المحصّنة العفيفة وقوله هنا ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ﴾ (البقرة: 221) المشركات عام لكنّ خصّص من ذلك الكتابيّات فإنّه يجوز.

2-أو أن نقول إنّ المشركات المراد بها هنا الكافرات وأمّا الكتابيّات فقد ورد في الآية الأخرى.

فإمّا أن يقال : إنّ هذا عامٌ خصّص؛ أو نقول : إنّ المشركات هنا : المراد به من بداية الأمر الكافرات.

﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ (البقرة: 221) وإن كان قد ذهب بعضهم كعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وقال (أيّ شرك أعظم من أن تقول : إن عيسى إلهٌ لها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ربّ العالمين ) فلذلك هو يرى أنّ أيضًا : الّتي تعبّد عيسى أو تدّعي أنّه إلهٌ لا يجوز التّزوّج منها.

لكنّ جمهور أهل العلم على جواز ذلك قالوا : لأن الله قد أثبت أن أهل الكتاب يقولون هذا ﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: 72) ومع ذلك سمّاهم بأهل الكتاب، ولم ينفِ عنهم هذه التسمية والله تعالى أعلم.

قال الله ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة: 221) فالمعول عليه هو الدّين، وهذا فيه أنّ الدّين هو أولى وأعظم ما يلتفت إليه عند النّكاح فقال ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة: 221) لكنّها مؤمنةٌ فهي خير من مشركةٍ أي حرّةً، ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة: 221) ولذلك قالوا هنا في المختصر (وأنّ امرأةً مملوكةً مؤمنةً بالله ورسوله خير من امرأةٍ حرّةٍ تعبّد الأوثان، ولو أعجبتكم بجمالها ومالها ) فالدّين أعظم قال (ولو أعجبتكم) وهذا فيه أنّه لا حرج على الإنسان قبل الزّواج أن ينظر إلى المرأة وأن تعجبه فهذا ممّا يحدث ديمومة المعاشرة أو المعيشة بينهما (لأنّه أحرى أنّ يؤدم بينكما ) كما في حديث النّبيّ -‘ – (انظر إليها ) هذا الاستفادة من قوله (ولو أعجبتكم).

قال (ولا تنكحوا) هذا فيه أنّه لا يجوز للمرأة أن تتزوّج من مشركٍ، وهذا عامٌ باقٍ على عمومه وبناء عليه فلا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتزوج من مشرك، ولا من يهودي ولا من نصراني ولذلك قال الله ﴿وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: 10) [ الممتحنة : 10 ]، هذا فيما يتعلّق بحقّ الكافرات وكذلك بقيّة الآية بين الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ﴾ (الممتحنة: 10) وقد تقدّم تفسير ذلك في سورةٍ الممتحنة.

قال الله ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (البقرة: 221) أيضًا فيه التّعويل على الدّين وقوله هنا ﴿وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: 221) استدلّ به فريق من أهل العلم على اشتراط الوليّ؛ لأن الخطاب مُوجَّه للأولياء، ما قال (ولا تنكحن المشركين ) (ولا تنكحوا ) فبين أنّ الوليّ هو الّذي ينكح (مولّيته أن ينكح ابنته أو أخته ).

فقال ﴿وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ﴾ (البقرة: 221) قال في المختصر (أولئك المتّصفون بالشّرك رجالاً ونساءً يدعون بأقوالهم وأفعالهم إلى ما يقود إلى دخول النار )، هذا فيه بيان العلّة. إذا قلت لماذا حرّم على المؤمّن أن يتزوّج من المشركات؟ صحيح. ولماذا حُرِّم على المؤمنة أن تتزوج من المشرك؟ الجواب أنّهم يدعون إلى النّار؛ فأنت إذا تزوّجت منها فيوشك أن تستجيب لدعوتها فتكون من أهل النّار، واستدل بذلك بعض العلماء على تحريم الخلطة بالمشركين وبأهل البدع والضّلالات قالوا : لأنّ الخلطة مع الزّواج فيها فائدةٌ وهو المعاشرة، ومع ذلك منعت فكيف إذا لم تكن هناك فائدةٌ فحينئذٍ تكون أشد منعًا.

قال ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 221)

ثمّ انتقل الحديث إلى حكمٍ يختصّ بالنّساء وهو المحيض: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222)

قالوا هنا في المختصر : (وهو دمٌ طبيعيٌّ يخرج من رحم المرأة في أوقاتٍ مخصوصةٍ ) قال ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (البقرة: 222) هذا الدّم أذًى، ومعروفٌ أنّ الأذى ينبغي للإنسان أن يتجنّبه فكان بيان حكمه : بأنّه أذى دليلٍ على ما سيأتي من حكمة فلأنّه أذى أمرنا الله باعتزاله قال ﴿فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222) قوله ﴿فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ﴾ (البقرة: 222) في زمان الحيض وأيضًا في موضع الحيض، في إتيان المرأة في موضع الحيض قال ﴿فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222) المراد بالاعتزال هنا : اعتزال الجماع، ولذلك قال -‘ – (اصنعوا كلّ شيء إلّا النّكاح ). فالمنهي عنه هو الجماع، قال ﴿فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222) أيٌّ : لا تقربوا وقوله - ﴿حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222) يقول في المختصر (حتّى ينقطع الدّم عنهنّ، ويتطهّرن منه بالغسل ) ويشهد لهذا القراءة الأخرى المتواترة ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222) إذًا لا يجوز للإنسان أن يأتي امرأته الحائض حتّى ينتهي حيضها وحتّى تغتسل

(فإذا تطهّرن) أي : اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222)

قالوا هنا في المختصر (فإذا انقطع وتطهّرن منه فجامعوهن على الوجه الّذي أباح لكم : طاهراتٍ في قبلهنّ ) إذًا يأتي الرجل امرأته وهي طاهرة ليست حائضًا، ليست حائضة ويأتيها في قبلها، أيٌّ : في المحلّ في الفرج وليس في الدّبر.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222) فجمع الله بين الطّهارتين قال ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ﴾ (البقرة: 222) وهذا فيه التّوبة إلى الله من المعاصي ﴿وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الأذى والخبائث ففيه أنّ الإنسان يجمع بين طهارة بدنه وبين طهارة عمله، وقال بعضهم : يحبّ التّوّابين : أي من وقع في المعصية، ويحبّ المتطهّرين ممّن حافظ على نفسه ابتداءً لمٌّ يقع فإنّه ولكنّه قدّم التّوّابين لئلّا يغترّ المتطهّر ولفتح باب التّوبة كذا قال فريق من أهل العلم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222).

﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 223)

﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ (البقرة: 223) زوجاتكم، المراد بالنّساء هنا الزّوجات، بدليل السّياق، لأنّ السّياق يتحدّث عن قضيّة الجماع، وهو يتعلّق بالمرأة : الزّوجة ﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 223) أيّ محلّ حرث لكم يلدن لكم الأولاد.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة