سورة البقرة — الجزء 15
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) يعني فأتوا محلّ الزّرع، ومحلّ الولد هو القبل، قال ﴿فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) أيّ جهةٍ شئتم وكيفما شئتم، لأنّهم كانوا يرون كما جاء في سبب نزول الآية : إنّه إذا أتاها من خلفها في قبلها فالولد يكون أحول فأنزل الله الآية، يعني : أنّه لا مانع أن يأتي الرّجل امرأته قائمةً أو جالسةٍ أو مستلقيةٍ لكن في كلّ الأحوال يكون هذا في القبل فقوله ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) ليس المراد به أن يأتي الرّجل امرأته في دبرها فإنّ هذا محرّمٌ، وقد دلّت عليه نصوصٌ كثيرةٌ وأحاديث كثيرةٌ عن النبي ﷺ، وإنّما المراد به الطّريقة لا بأس بها شريطة أن تكون وهي طاهرةٌ وفي قبلها.!
ثمّ قال ﴿وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ﴾ (البقرة: 223) فإذا حدّثنا الله عن الدّنيا كما تقدّم فإنّه يدعونا أيضًا إلى العمل للآخرة وتقدّم قريبًا في قوله ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197) كذلك هنا قال ﴿وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ﴾ أي لا تغفلوا عن العمل للآخرة، وممّا يدخل في قوله (وقدّموا لأنفسكم) أنّكم تريدون من هذا الجماع : الرّزق بالأولاد الّذين يقومون على الدّعوة إلى الله ويفعلون الطّاعات والخيرات بقصد التّقرّب إلى الله وقصد الذّرّيّة الصّالحة ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 223) ولم يقل (وبشّر المؤمنين بماذا ) فهذا فيه عمومٌ (حذف المتعلّق ).
ثمّ قال ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 224) ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً﴾ لِّأَيْمَٰنِكُمْ قالوا هنا في المختصر (ولا تجعلوا الحلف بالله حجّةً مانعةً ) فيكون معنى (عرضةً ) يعني : لا تجعلوا الله عارضًا أو مانعًا أو حاجزًا لكم بسبب حلفكم به من البرّ وفعل الخيرات وذلك أنّ الواحد كان يدعى إلى فعل الخير أو يقال له هيّا بنا ننفق على فلانٍ، أو نزور فلانًا فيقول : حلفت ألّا أفعل فيكون الحلف بالله مانعًا من فعل الخير فقال الله ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ﴾ (البقرة: 224) أي لا تجعلوا الحلف بالله مانعًا من فعل الخير ولكن كفِّروا عن الأيمان وافعلوا الخير وهذا كما جاء في سنة رسول الله (من حلفٍ على شيءٍ ثمّ رأى فرأى غير الأخيرة فليأتِ الّذي هو خيرٌ ويكفّر عن يمينه أو تكفر عن يمينه ويأتي الّذي هو خيّرٌ ) فالإنسان إذا حلف على ترك طاعة أو على فعل معصيةٍ، أو على ترك خيرٍ يقال له كفِّر عن يمينك وافعل الخير، هذا معنى ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟﴾ (البقرة: 224) أيٌّ : ﴿إِلَّا﴾ تبرّوا وتتّقوا، أيٌّ : أنتم تفعلون ذلك من أجل عدم البرّ والإحسان والتّقوى والإصلاح لا تفعلوا ذلك.
2- وهناك معنى ثانٍ في الآية ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ﴾ (البقرة: 224) أي لا تكثروا من الحلف بدون داعٍ فإنّ العبد يعظّم ربّه - ولذلك قال الله ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ (القلم: 10) فالحلف بالله يكون عند وجود الحاجة إلى ذلك، ولا يكثر الإنسان من الحلف بدون داعٍ كما قال بعض المفسّرين. قال ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 224) فيه فضل الإصلاح بين النّاس وفيه أنّ الرّبّ سبحانه لطيف ورفيقٌ بعباده فأباح لهم أنّ يحنثوا في اليمين من أجل أنواع فعل الخير وعدم شرط الخير، فسبحان اللّه هذا من كرم الله وإحسانه أنّه حلفٌ بالله ألّا يفعل الخير، يقال له أحنث في يمينك وكفر عن يمينك وائتِ الّذي هو خير لك قال ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 224) سميعٌ لأصوات العباد عليمٌ بنيّاتهم.
قال الشيخ حفظه الله
• تحريم النّكاح بين المسلمين والمشركين، وذلك لبعد ما بين الشّرك والإيمان.
﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ (البقرة: 221) وقوله ﴿وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟﴾ (البقرة: 221).
• دلّت الآية على اشتراط الوليّ عند عقد النّكاح؛ لأنّ الله تعالى خاطب الأولياء لما نهى عن تزويج المشركين
استدلّ هؤلاء بقوله﴿وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟﴾ (البقرة: 221) فقالوا إذًا الخطاب للأولياء، وهناك كلامٌ طويلٌ بين العلماء في هذه القضيّة معروفٌ في باب التّفسير والفقه.
• حثّ الشّريعة على الطّهارة الحسّيّة من النّجاسات والأقذار، والطّهارة المعنويّة من الشّرك والمعاصي.
ولذلك جمع الله بينهما فقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222).
• ترغيب المؤمن في أن يكون نظره في أعماله - حتّى ما يتعلّق بالملذّات - إلى الدّار الآخرة، فيقدّم لنفسه ما ينفعه فيها.
ولذلك لما قال الله ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) فهذا حديثٌ عن الجماع وهذا من الملذّات قال أي اجعلوا هذا وسيلةً إلى الآخرة..﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ﴾ (البقرة: 223)
لذلك قال أهل العلم : أنّ عادات أهل اليقظة عباداتٍ وإنّ عبادات أهل الغفلة عاداتٍ، فعادة أهل التّقوى أنّهم يحوّلونها إلى عباداتٍ، ولذلك بإمكان المرء أن يحول أكله وشرابه وشهوته وأموره الدّنيويّة إلى قرباتٍ يتقرّب بها إلى الله (إنّي لأحتسب نومتي كما احتسب قومتي ) وذلك إذا استحضر الإنسان نيّته، وكان مخلصًا في عمله لربّه محتسبًا عند الله عزّ وجلّ. ونقف عند هذا الحدّ، ونسأل الله السّداد والتّوفيق - والله أعلم وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أنّ لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 225)
هذه الآية الكريمة مناسبةً للآية الّتي سبقتها، وهي قول الله - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 224) فالآيتان الكريمتان تتحدّثان عن بعض أحكام اليمين. فالأولى حذّرت النّاس من كثرة الحلف بلا داعٍ، أو من أن يجعل الله - حائلاً بين العبد وفعله الخير، ثمّ جاءت هذه الآية الثّانية ليحدّثنا الله فيها - سبحانه وبحمده - عن الفرق بين اليمين اللّغو وبين اليمين المنعقدة، فهناك يمينٌ يقال لها : لغو اليمين : وهي الّتي يقولها الإنسان دون قصد منه. لذلك قال ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ﴾ (البقرة: 225) قالوا هنا في المختصر (لا يحاسبكم الله بسبب الأيمان الّتي تجري على ألسنتكم من غير قصدٍ ) فلغو اليمين : هي اليمين الّتي تجري على اللّسان من غير قصد صاحبها، كأنّ يقول الإنسان : (لا والله وبلى والله ) وهو غير عاقدٍ على هذه اليمين، فحينئذٍ لا كفّارةً فيها، ولا شيءً عليه في ذلك، وهذا ما فسّرت به أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - هذه الآية : كقولٍ (لا والله وبلى والله )، وكذا قال بذلك كثيرٌ من أهل التّفسير سلفًا وخلّفا. فهذه يقال لها يمين لغوٍ ولا كفّارةً فيها.
﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ﴾ (البقرة: 225) أي : عقدتم العزم والتّصميم عليه. فحينئذٍ يلزمكم أن توفّوا بهذه اليمين الّذي حلفتموه، فإذا لم تفعلوا ذلك فإنّها الكفّارة، (فكفارة اليمين ) تكوّن : في هذه اليمين المنعقدة، الّتي انعقد قلب صاحبها على تنفيذها، فحينئذٍ إمّا أن يكون بارًّا بيمينه فيأتي الّذي يريد، وأمّا أن يختار الحنث وحينئذٍ فعليه الكفّارة، ومن أهل العلم من فسّر اللّغو في اليمين : بأن يحلف الإنسان على الشّيء ظانًّا أنّه كذلك، ثمّ يظهر أنّه بخلاف ما حلفٌ عليه. فهذه تعد يمينًا لغو لا كفّارةً فيها حينئذٍ أيضًا، أو لا يعاقب عليها صاحبها؛ لأنّه ما قصد الكذب فيكون في ذلك رفع الحرج عنه وأنّه ليس بكاذبٍ.
﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 225) وهذا فيه أنّ الإنسان يؤاخذ على عزمه وتصميمه وعزم القلب وتأكيده وإلّا فهناك أدواءٌ إنّما هي نابعةٌ من القلب كالحسد والرّياء والعجب ونحو ذلك نسأل الله السّلامة والعافية.
ثمّ قال الله سبحانه
﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 226)
هذه الآية الكريمة تتحدّث عن حكم من الأحكام يتعلّق باليمين أيضًا، إلّا أنّه خاصٌّ بحلف الرّجل على عدم قربان زوجته، فهذا وجهٌ ذكره بعد الآية السّابقة؛ فإذا كانت الآية السّابقة تتحدّث عن الإيمان بصفةٍ عامّةٍ؛ فإنّ هذا حديثٌ عن يمين الرّجل على امرأته ألّا يقرّبها وألّا يجامعها وألّا يطأها فهذا يقال له إيلاءٌ. فقوله ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ (البقرة: 226) أي للّذين يحلفون على ترك جماع نسائهم (تربّص) ما معنى تربّصٍ؟ أيٌّ (انتظارٌ ) ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (البقرة: 226) أي : انتظار مدّةٍ لا تزيد عن أربعة أشهرٍ ابتداءً من حلفهم، فالرّجل الّذي يحلف ألّا يقرب امرأته. يقال له : لك مهلةٌ، هذه المهلة مدّتها أربعة أشهرٍ؛ فإن تراجع قبل نهاية الأربعة الأشهر فحينئذٍ ﴿ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 226) وما عليك إلّا أن تكفر عن يمينك، وحينئذٍ تقرّب زوجتك ولا حرج عليكما؛ أمًّا إذا مضت الأشهر الأربعة دون أن يراجع أو دون أن يرجع في يمينه ودون أن يجامعها فحينئذٍ قال الله ﴿وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 227) فحينئذٍ ينبغي له أن يطلق تلك المرأة؛ لأنّ في إمساكها الإضرار. ثمّ اختلف الفقهاء في ذلك هل بعد مضيّ هذه المدّة تطلق عليه أم أنّ القاضي يلزمه بالطّلاق حينئذٍ قال الله ﴿وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 227) وعلم من ذلك - والعلم عند الله - أنّ الرّجل لو (آلى) على زوجته ألّا يقرّبها لمدّة أقلّ من ذلك فانتهت المدّة ثمّ عاد إلى الجماع فإنّه لا يلزمه الكفّارة حينئذٍ إذا وفّى بما حلف عليه. وقد حلف النبي ﷺ ألّا يقرب نساءه شهرًا -‘ - وأوفى بذلك - صلوات الله وتسليماته عليه - فلم تلزمه كفّارة حينئذٍ.﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَآءُو﴾ (البقرة: 226) أي : رجعوا إلى جماع نسائهم بعد حلفهم على تركه في مدّة أربعة أشهرٍ فما دونٌ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 226) وهو رحيمٌ - – لأنّه شرع الكفّارة وجعلها مخرجًا لعباده.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ﴾ (البقرة: 227) قالوا هنا (وإن قصدوا الطّلاق باستمرارهم على ترك جماع نسائهم وعدم الرّجوع إليه ) فهم عازمون على هذا، مصمّمون عليه، فحينئذٍ يكوّن الطّلاق لئلّا يكون هناك أضرارٌ، ويستفاد من هذا أيضًا أنّه لا ينبغي للزّوج أن يغيب عن زوجة مدّةٍ طويلةٍ تتأذّى منها المرأة، وقد حدّها بعض العلماء بأربعة أشهر قياسًا على ما ورد هنا في أمر الإيلاء، ومنهم من جعلها (ستّة أشهرٍ ).
على كلّ حالٍ : لا ينبغي أن يغيب عنها غيابًا يؤذيها ويضرّها قال الله سبحانه ﴿وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 227) قالوا هنا في المختصر (سميع لأقوالهم الّتي منها الطّلاق عليمٌ بأحوالهم ومقاصدهم وسيجازيهم عليها ) فقوله (سميعٌ) مناسبٍ لقوله (الطّلاق : للأقوال ) وقوله (عليمٞ) مناسب لما أضمرته نفوسهم أو صدورهم من النّيّات والمقاصد.
ثمّ قال الله (﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢٢٨)
هذا حديثٌ عن عدّة المطلقة، ناسبةً أنّ الله - ذكر ما يتعلّق بالإيلاء، وهذا الإيلاء قد يفضي بالمرء إلى الطّلاق، ولذلك قال ﴿وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 227) ثمّ بعد ذلك قال ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) إذا وقع طلاقٌ، فماذا تصنع المرأة؟ تعتدّ المرأة هذه المدّة ففي هذه المدّة تمتنع عن التّزيّن وعن ما لا يحلّ لها أن تفعله، وكذلك لا يجوز لأحدٍ أن يتزوّجها، أو أن يخطبها إلى غير ذلك من أحكامٍ معروفةٍ تتعلّق بالمرأة المعتدّة، سنعرض لبعضها في أثناء تفسير الآيات بإذن الله – ï –
﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) قوله (المطلّقات) لفظ عامٍّ؛ لأنّه جمعٌ محلّى بأل، دخلت عليه الألف واللّام، فالمعنى : كلّ المطلّقات هذا هو الأصل؛ لكنّ هذا العام عام مخصوصٍ فليس كلّ المطلّقات (عدّتهنّ ثلاثة قروءٍ )، هناك مطلّقات عدّتهنّ على خلاف ذلك أو على غير ذلك.
فقوله (وٱلمطلّقت) جاءت نصوصٌ تدلّ على أنّ المراد بالمطلّقات هنا المطلّقات المدخول بهنّ؛ لأنّ المطلقة قبل الدّخول عليها قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (الأحزاب: 49) فلو أنّ شخص عقدٍ على امرأةٍ ثمّ طلّقها ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يدخل بها فما عدّتها؟ الجواب لا عدّةً عليها، وبناء عليه؛ فما معنى قوله (وٱلمطلّقت) أي والمطلّقات المدخول بهنّ غير الحوامل؛ لأنّ المطلقة الحامل عدّتها بوضع الحمل، لأنّ الله قال ﴿وَأُو۟لَـٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 4) [ الطّلاق : 4 ]، فعرفنا إذ إنّ معنى المطلّقات أي : المطلّقات غير الحوامل والمطلّقات المدخول بهنّ. إذا المراد المطلّقات المقصود بهنّ غير الحوامل هذا من جهةٍ، هناك تخصيصٌ آخر، أن تكون تلك المطلقة من ذوات الحيض؛ لأنّ المطلّقات اللّاتي لم يحضن أو اللّاتي لا يحضن بسبب اليأس أو نحو ذلك، فإنّ عدّتها ثلاثة أشهرٍ. كما قال الله - مبيّنًا هذا الحكم في سورة الطّلاق ﴿وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (الطلاق: 4) [ الطّلاق : 4 ] أي : واللّائي لم يحضن كذلك عدّتهنّ ثلاثة أشهرٍ، وعليه فمعنى (والمطلّقات) أي : والمطلّقات المدخول بهنّ ذوات الحيض غير الحوامل ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾، وأيضًا المراد بهنّ الأحرار، لأنّ الأمّة عدّتها حيضتان كما وردت بذلك بعض الأدلّة الّتي تدلّ على هذا.
قال سبحانه ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) أن ينتظرن بأنفسهنّ ثلاث حيضٍ، إذا عدّة المرأة المطلقة بهذه الشّروط السّابقة أو بهذه الأوصاف السّابقة. ما عدّتها؟ ثلاثة قروءٍ، وما المراد بقوله ثلاثة قروءٍ؟ اختلف المفسّرون في ذلك اختلافًا كبيرًا، وكذا اختلف الفقهاء في ذلك اختلافًا معروفًا، وهنا رجّحوا أنّ المراد بالقروء : (الحيض أو الحيضات ) فقالوا في المختصر (ينتظرن بأنفسهنّ ثلاثة حيض )، وهذا ما رجّحه بعض الفقهاء. فقالوا : إنّ المراد بالقروء : الحيض، وهذا القول له وجهةٌ - والعلم عند الله -ï.
واستدلّوا على ذلك بأدلّةٍ. منها : - أنّ المرأة كما جاء في بعض الأحاديث تدع الصّلاة أيّام أقرائها. وما معنى أيّام أقرائها؟ أي : أيّام حيضها، فعلم من ذلك أنّ المراد بالقروء : هو الحيض، وعلى كلّ حال فسبب الاختلاف بين المفسّرين والفقهاء عدّة أمورٍ : : منها أنّ لفظة القرء مشتركٍ لفظيٍّ يستعمل بمعنى الحيض ويستعمل بمعنى الطّهر
وهذا يدلّ على أنّه من أسباب اختلاف المفسّرين في بعض المواضع وقوع الاشتراك اللّفظيّ في بعض الكلمات بمعنى أن تكون هناك كلمةٌ تحتمل معنيّين فيفسّرها بعض العلماء أو بعض المفسّرين بتفسير بأحد الوجهين، ويفسّرها الآخرون بالوجه الآخر،.
من هذا : - هذه الكلمة الّتي معنا (القرء )، فالقرء بمعنى الحيض والقرء بمعنى الطّهر، وقالوا لأنّ الأصل في مادّة القرء (قرأ ) تدلّ على الجمع، فالدّم يجتمع في الرّحم فيكون الحيض، والرّحم يفرّغ منه الدّم فيكون الطّهر. وأيضًا (القرء ) يدلّ : على معنى الوقت، والحيض له وقته والطّهر له وقته، فمن أجل ذلك وقع الاشتراك في هذه الكلمة.
ومن أسباب الخلاف أيضًا قوله (ثلثة) في هذه الآية.
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) فبعض العلماء قالوا : إنّ ثلاثةً جاءت هكذا (ثلثة) والّذي يناسب هذا العدد أن يكون معنى قوله (قروٓءٖ) الأطهار : لأنّ الطّهر مذكّرٌ ومعروفٌ أنّ ثلاثةً يكوّن التّمييز معها مذكّرًا، فقالوا : إذا ثلاثة أطهارٍ؛ وليست ثلاثة حيضاتٍ؛ لأنّه لو كان المراد بذلك حيضاتٍ لقيل (ثلاث قروءٍ ) لأنّ ثلاثة تذكّرٌ مع المؤنّث وتؤنّث مع المذكّر في المعدود والتّمييز كما هو معلومٌ. فاستدلّوا على هذا، لكن يردّ على هذا لأنّ المعتبر هنا بالمذكور، والمذكور هو لفظةٌ (قروءٌ ) وهي محتملةٌ للأمرين.
وأمّا الفريق الآخر فقالوا : بل إنّ كلمة ثلاثةٍ تدلّ على أنّ المراد بذلك الحيضات وليست الأطهار. من أين أخذوا ذلك؟ قالوا : - لأنّ الله قال ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) ونحن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ العدّة تكون بالطّهر، فالمرأة ينبغي للزّوج أن يطلقها في الطّهر الّذي لم يجامعها فيه (وهو الطّلاق السّنّيّ )، فهناك طلاقٌ سنّيٌّ وطلاقٌ بدعيٌّ. وربّنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1) لذلك السّنة ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الرّجل أن يطلق امرأته أن يطلقها في طهّر لم يجامعها فيها ولا يطلقها في أثناء حيضها، أو في طهّر جامعها فيه؛ إنّما يطلقها في الطّهر الّذي لم يجامعها فيه. وبناء عليه : لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ العدّة تكوّن بالأطهار فطلّقها الزّوج في أثناء الطّهر، ونحن نقول : إنّها ثلاثة أطهارٍ، فسنحسب هذا الطّهر العدد الأوّل، ونقول هذا هو القرء الأوّل؛ لأنّه طلّقها في الطّهر، ثمّ بعد ذلك تحيض فتطهّر سيكون القرء الثّاني، ثمّ بعد ذلك تحيض فتطهر فيكون القرء الثّالث. مع أنّها في حقيقة الأمر؛ إنّما مرّ عليها طهران وجزء من طهّر وليس ثلاثة أطهار كاملةٍ، وذلك أنّ الرّجل قد يطلق امرأته في آخرٍ طهرها : رجل طلق امرأته في آخرٍ مدّة الطّهر دون أن يجامعها في هذا الطّهر فأصدر كلمة الطّلاق : (أنت طالقٌ ) ثمّ حاضت بعدها بوقتٍ يسيرٍ، فحينئذٍ نقول ذهبٌ طهّر!؛ مع أنّ بقيّة الطّهر مضى ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصدر الطّلاق، فقالوا كالأحناف قالوا كيف يكون هذا؟ والعدد ثلاثة وهو خاصٌّ؛ لأنّ قوله (ثلاثةٌ ) الأعداد عندهم من الخاصّ، وبناء عليه فهي قطعيّةٌ دلالتها فلا ينبغي أن يفهم على أنّه اثنين وجزء على أنّه اثنان وجزء، وبناء عليه فقالوا : إنّما يتمّ هذا إذا طلّقها في الطّهر ثمّ بدأ العدد من الحيض، بأنّ طلّقها في الطّهر، فلمّا جاءت الحيضة ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : هذا القرء الأوّل، فلمّا طهرت ثمّ حاضت قيل هذا القرء الثّاني ثمّ طهّرت فقيل هذا هو القرء الثّالث فرجّحوا أنّها ثلاث حيضٍ وهذا هو الأقرب - والعلم عند الله - من حيث التّرجيح؛ وإلّا فالمسألة ورد فيها خلافٌ طويلٌ بين أهل العلم.
وعلى كلّ حالٍ : - فالّذي عليه جمهور الصّحابة تفسير الإقراء أو تفسير القروء بالحيضات، فهذا مرويٌّ بأسانيد صحيحةٍ عن عددٍ من الصّحابة كعمر بن الخطّاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم ووردت رواياتٌ عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة - رضي الله عنهم - أنّهم فسّروا القرء بالطّهر؛ لكنّ ورد عن زيد بن ثابت وابن عمر خلاف ذلك في فتاويهم فيبقي أنّ عائشة - رضي الله عنها - من الصّحابة هي الّتي قالت : إنّ المراد بالقرء هو الطّهر، ولا نعلم أنّها خالفت ذلك بخلاف زيد بن ثابت وابن عمر فثبت عنهما خلاف ذلك موافقةً لجمهور الصّحابة من تفسير الأقراء بالحيضات، على كلّ حالٍ لا نطيل بأكثر من هذا لكنّ لعلّ الّذي جرّنا إليه تفسير كلمة قروء والتّعوّد على فقه الخلاف بين المفسّرين الاختلاف بينهم في تفسير بعض الكلمات - والعلم عند الله.
قال الله سبحانه ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لا يحلّ لهنّ ) أيٌّ : لهؤلاء المطلّقات ﴿أَن يَكْتُمْنَ﴾ (البقرة: 228) : يخفين ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحمل، فالمرأة تكون حاملاً فلا تخفي حملها. لأنّها تريد أن تقصر عدّتها، أو أن تترك هذا الزّوج، تتّقي الله - سبحانه - فإذا كان هناك حملٌ تخبر به، إذا كان هناك شيءٌ يتعلّق به، وكذلك أيضًا فيما يتعلّق بأمر الحيض هي اضبط به هي الّتي تقول لنا طهرت أو لم تطهّر هي الّتي تقول حاضت أو لم تحض فهي مؤتمنةٌ على ذلك. ولذلك استدلّ العلماء بهذا على أنّ النّساء مؤتمناتٍ في باب العدّة وما يتعلّق بها
(إن كنّ يؤمنّ بٱللّه وٱليوم ٱلأٓخر) هذا فيه تشجيع لهنّ أن يتّقين الله في هذا الأمر.
قال ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا﴾ (البقرة: 228) (وبعولتهنّ) المراد بقوله (وبعولتهنّ) : أزواجهنّ المطلقون لهنّ، الزّوج الّذي طلّق المرأة هو أحقّ برجعتها في أثناء العدّة، ولذلك هنا سؤالٌ في قوله : ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 228) على ما يعود اسم الإشارة (ذلك) يعود على العدّة، أيٌّ : في أثناء العدّة ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا﴾ (البقرة: 228) يعني : إنّ الزّوج أحقّ بأن يراجع امرأته في أثناء العدّة وذلك في الطّلاق الرّجعيّ. والمراد هنا بقوله ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 228) أيٌّ : في الطّلاق الرّجعيّ (في الطّلقة الأولى والطّلقة الثّانية) للزّوج المطلق أن يراجع امرأته في أثناء عدّتها ولا يلزمه عقدٌ جديدٌ ولا مهر جديدٍ؛ بل ولا إذنها على قول جمهور العلماء.
قال الله سبحانه ﴿إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا﴾ (البقرة: 228) ينبغي له أن يريد بهذا الإصلاح، لا يقصد بالرّجعة الإضرار؛ إنّما يقصد بالرّجعة الإصلاح ﴿إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 228) ولذلك المهر الجديد والعقد الجديد إنّما يلزمان إذا انقضت العدّة؛ أمّا إذا لم تكن العدّة قد انقضت في الطّلاق الرّجعيّ فالرّجل يراجع امرأته دونما مهر جديدٍ أو عقدٍ جديدٍ.
قال الله سبحانه (ولهنّ) أي : لهؤلاء النّسوة (للزّوجات ) ﴿مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ﴾ (البقرة: 228) الزّوجات لهنّ من الحقوق مثلٍ ما عليهنّ من الواجبات ﴿بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: 228) فبين الله - سبحانه - أنّ للزّوجة حقوقًا وأنّ عليها واجباتٌ، وفي المقابل فللزّوج حقوقٍ وعليه واجباتٌ. ولذلك الّذي يحلّ كثيرًا من الإشكالات والمشكلات الّتي تقع بين الزّوجين أن يعرف كلٌّ واحدٌ منهما ماله وما عليه؛ لكن للأسف الشّديد كثيرٌ من النّاس يعرفون ما لهم ويغفلون عمّا عليهم، فحينئذٍ تقع الإساءة ونسأل الله السّلامة.
وتأمل بدأ الله بهنّ فلم يقل (وعليهنّ مثلٌ الّذي لهنّ ) إنّما قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ﴾ (البقرة: 228) وهذا فيه الملاطفة وبيانٌ للطف الله - وإكرامه للنّساء.
قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228) أي : يرجع في ذلك إلى العرف ما هو معروفٌ بين النّاس كما قال (وعاشروهنّ بالمعروف).
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: 228) وهذه الدّرجة هي درجة القوامة، فهي ليست درجةً في الاستبداد؛ وإنّما هي درجة رعايةٍ كما قال ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 34) لذلك تُفسَّر الدرجة المذكورة هنا بقوله ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 34) وقد حكم ابن عبّاس - رضي الله عنهما - لمثل ذلك، فكان يقول : إنّي لأتزيّن إلى امرأتي كما أحبّ أن تتزيّن امرأتي لي. وكذلك كان يقول : لا أريد أن أستنظف حقّي من امرأتي. (لا يريد أنّ يستنظف حقّه من امرأته )؛ لأنّه إذا استنظف حقّه وطلب حقّه كلّه! ينبغي أن يؤدّي الواجب الّذي عليه من كلّ وجهٍ. والإنسان منّا قد يقع منه تقصيرٍ، فيتجاوز أيضًا عن بعض الحقوق.
﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 229)
قال الله سبحانه بعد ذلك ﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ﴾ (البقرة: 229) ما المراد بالطّلاق في الآية؟ أي : الطّلاق الرّجعيّ مرّتان، فهناك طلقةٌ أولى يكوّن بعدها رجعةً، وطلقة ثانيةٍ بعدها رجعةً؛ وأمّا الطّلقة الثّالثة فليس بعدها رجعةً إلّا بعد زواجٍ آخر كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى. فلذلك قوله ﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ﴾ (البقرة: 229) أي : : الطّلاق الرّجعيّ الّذي منه رجعةً، ولذلك قالوا هنا في المختصر (الطّلاق الّذي يمتلك فيه الزّوج الرّجعة طلقتان )، وتأمل الآية : قال (مرّتان ) ولم يقل (طلقتان ) قال بعضهم : استدلّ بهذا أو يستفاد من هذا : إنّ الطّلاق السّنّيّ ينبغي أن يكون مرّةً بعد مرّةٍ لا أن يكون مرّةً واحدةً؛ فلا يطلق الإنسان الطّلقات الثّلاث دفعةً واحدةً؛ وإنّما يطلق ثمّ بعد ذلك يراجع ثمّ بعد ذلك إنّ احتاج الطّلاق طلق مرّةٍ ثانيةٍ فيكون هناك فرق بين التّطليق والرّجعة.
قال الله سبحانه ﴿فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (البقرة: 229) إمّا أن يمسك الرّجل امرأته بمعروفٍ، وإمّا أن يسرّحها بإحسانٍ، واستفيد من هذا : إنّ من ألفاظ الطّلاق التّسريح. يعني يقول لها : أنت مطلقةٌ أو طالقة أو مسرّحةٍ، ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 229) ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا﴾ (البقرة: 229) أي : من المهر، فالزّوج يعطي المرأة المهر قال الله سبحانه
﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) فلا يحلّ له أن يأخذ ممّا أتاها شيئًا إلّا في حالةٍ ﴿إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 229) قالوا هنا في التّفسير (إلّا أن تكون المرأة كارهةً لزوجها بسبب خلقه أو خلقه ويظنّ الزّوجان بسبب هذا الكره عدم وفائهما بما عليهما من الحقوق فليعرضا أمرهما على من له بهما صلة قرابةٍ أو غيرها فإنّ خاف الأولياء عدم قيامهما بالحقوق الزّوجيّة بينهما فلا حرج عليهما أن تخلع المرأة نفسها بمالٍ تدفعه لزوجها مقابل فراقها ) في هذه الحالة المرأة تفتدي نفسها كما ورد في الحديث أقبل الحديقة وطلّقها تطليقةً وهذا ما يقال له الخلع؛ بأن تفتدي المرأة نفسها بدفع مال لزوجها. وذلك لأنّها تكره البقاء معه ولا تتحمّله وتخاف أنّ تظلّمه وليس بظالمٍ لها، فحينئذٍ تختلع منه، فحينئذٍ لا حرج عليه في أن يأخذ ما اتّفقا عليه.
قال ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ﴾ (البقرة: 229) أي افتدت به نفسها بالخلع ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (البقرة: 229) لا تتجأوزوها ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 229).
﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 230)
(فإن طلّقها) أي أن طلّقها طلقةً ثالثةً، إذًا الطّلاق مرّتان أيّ الطّلاق الرّجعيّ، فإنّ طلّقها طلقةً ثالثةً. هذا معنى (فإن طلّقها).﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ﴾ (البقرة: 230) الطّلقة الأولى بعدها رجعةً والثّانية بعدها رجعةً وأمّا الثّالثة فحينئذٍ قال الله ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ﴾ (البقرة: 230) قالوا هنا في المختصر أي (حتّى تتزوّج رجلاً غيره زواجًا صحيحًا لرغبة لا لقصد التّحليل ) لذلك لعن الرّسول (المحلّل والمحلّل له ) وهذا هو التّيس المستعار، فلا يأتي شخص من أجل أن يحلّها له؛ وإنّما يكون زواجًا مقصودًا منه الزّواج وديمومة العشرة. (حتّى تتزوّج رجلاً غيره زواجًا صحيحًا لرغبة لا لقصد التّحليل ويجامعها في هذا النّكاح ) ولذلك ما معنى قوله ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ﴾ (البقرة: 230) ليس العقد فقط. وإنّما العقد والوطء، لأنّ النّكاح يأتي بمعنى العقد، ويأتي بمعنى الوطء وقد دلّت السّنة على أنّ المراد (بالنّكاح ) هنا (الوطء بعد العقد ليس العقد فقط )، ولذلك الرّسول ‘ قال (حتّى تذوّقي عسيلته ويذوق عسيلتك ).
قال الله سبحانه ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾ (البقرة: 230) إنّ طلّقها هذا الزّوج الثّاني، وأرادت أن تعود إلى الأوّل بعد انقضاء عدّتها وانتهاء العلاقة بينهما. فحينئذٍ لا ﴿جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾ ﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 230) لذلك قالوا هنا في المختصر (طلّقها الزّوج الثّاني أو توفّي عنها هذا الزّوج الثّاني، فلا إثم على المرأة وزوجها الأوّل أن يتراجعا بعقدٍ ومهرٍ جديدين إنّ غلب على ظنّهما ) وهذا معنى : ﴿إِن ظَنَّآ﴾ (البقرة: 230) وهذا فيه أنّ غلبة الظّنّ معمولٍ بها في الشّرع، فهنا الظّنّ لا يقال (إنّ الظّنّ أكذب الحديث ) المراد هنا : غلبة الظّنّ، غلب على ظنّهما أنّهما سيقيمان حدود الله وسيحافظان على هذا البيت.
قال ﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 230) أن يقوما بما يلزمهما من الأحكام الشّرعيّة.﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 230) وهذا يستفاد منه أنّ المرء ينظر في نفسه، فإنّ رأى قوّةً في الإقدام على شيءٍ أقدم وإلّا أحجم، وكذلك في تولّي أمر من الأمور ينظر في حال نفسه.وهذا معنى ﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 230) والأمر كما قال الله ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة: 14) [ القيامة : 14 - 15 ].
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• بين الله تعالى أحكام النّكاح والطّلاق بيانًا شاملاً حتّى يعرف النّاس حدود الحلال والحرام فلا يتجاوزوها
لذلك جاءت الآيات ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 229) وجاء ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 230).
• عظم الله شأن النّكاح وحرّم التّلاعب فيه بالألفاظ فجعلها ملزمةٌ، والغى التّلاعب بكثرة الطّلاق والرّجعة فجعل لها حدًّا بطلقتين رجعيّتين ثمّ تحرّم عليه إلّا أن تنكح زوجًا غيره ثمّ يطلقها.
فالباب مقيّدٌ وأمامه طرقٌ مشروعةٌ فهناك طلقةٌ ثمّ رجعةٌ ثمّ طلقةٌ ثمّ رجعةٌ ثمّ طلقةٌ، ثمّ بعد ذلك يكون هناك نكاحٌ آخر.
• المعاشرة الزّوجيّة تكون بالمعروف، فإنّ تعذّر ذلك فلا بأس من الطّلاق، ولا حرج على أحد الزّوجين أن يطلبه: لذلك قال الله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ﴾ (البقرة: 229) فإذا كان لها أنّ تختلع فله أيضًا أن يطلق. حينئذٍ والله قال ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 130) [ النّساء : 130 ]
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231)
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 231) لا تزال الآيات الكريمة تحدّثنا عن بعض أحكام الطّلاق، قال الله :
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 232) ما المراد ببلوغ الأجل هنا؟
المراد ببلوغ الأجل هنا : مقاربة انقضاء العدّة. أيٌّ : شارفن انقضاء العدّة ولمّـا تنقضي بعدٌ، رجل طلق امرأته طلقةً أولى أو ثانيةٍ، وقبلٌ انقضاء العدّة هو مخيّرٌ بين أمرين ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 231) إمّا أن يمسكها بمراجعتها؛ وإمّا أن يسرّحها بأن يتركها تنقضي عدّتها دون مراجعةٍ. فيكون هذا هو المعنى، إذًا ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ (البقرة: 232) أي : طلاقًا رجعيًّا ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 231) أيٌّ : قاربن انقضاء العدّة، ولماذا فسّرنا بلوغ الأجل بذلك؟ لأنّ الله قال ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 231) والزّوج إنّما يملك الإمساك والتّسريح حينما تكون زوجةٌ في أثناء العدّة؛ وأمّا إذا انقضت العدّة فإنّه لا سلطةً له عليها. فالآية الكريمة تبيّن أنّ الزّوج حين يطلّق زوجته له أن يراجعها في أثناء العدّة ولكن عليه أن يتّقي الله، فإذا أراد الإمساك بالمعروف فحيٍّ هلّا به؛ وإلّا فإنّه التّسريح بمعروفٍ أيضًا ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟﴾ (البقرة: 231) لا يجوز أن يمسكها مضرًّا بها من أجل الإضرار بها فهذا فيه اعتداءٌ (لّتعتدوا) أي : لأجل الاعتداء ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ﴾ (البقرة: 231).
﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾ (البقرة: 231) لا ينبغي أن تتّخذ آيات الله محلّ استهزاءٍ بالتّلاعب بها، ولذلك ورد في الحديث (ثلاث جدّهنّ جد وهزّهنّ جدّ منها الطّلاق )؛ وإن كان قد ضعف الحديث لكن عليه عمل كثيرٍ من أهل العلم، قال الله ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 231) وهنا في المختصر في مواضع كثيرةٍ يقولون في مثلٍ هذه المقامات (﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلا يخفى عليه شيءٌ وسيجازيكم بأعمالكم )، وتقدّم أنّ هذا معنى مهمٌّ. فالله حين يخبرنا بأنّه عليمٌ أو بأنّه خبيرٌ فالمراد أيضًا : والله سيجازينا على أعمالنا نسأل الله سبحانه أنّ يعفو عنّا.
ثمّ قال الله (﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٢٣٢)
هنا لأولياء المسلمين أو الخطاب هنا لأولياء النّساء (لوليّ المرأة ) لذلك فسّر جماهير المفسّرين الآية على معنًى : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 232) أي : فانقضت عدّتهنّ، هنا الحديث عن امرأةٍ طلّقت طلقةٌ أولى أو ثانيةٍ ثمّ انقضت العدّة، ثمّ أراد زوجها أن يعأودها أو أن يراجعها، حينئذٍ لن يستطيع ذلك إلّا بعقدٍ جديدٍ ومهرٍ جديدٍ ولابدٍّ من إذنها وإذن وليّها. ويقول : أريد أن أتزوّج ابنتك، وقد كانت زوجًا له من قبلٍ. فيقول له : اذهب لا مكان لك هنا ولا موقع. فقد فعلت وفعلت. فربّ العزّة - سبحانه - يقول (فبلغن أجلهنّ) يعني : فانقضت عدّتهنّ، ما الدّليل على؟ (فلا تعضلوهنّ) يعني : لا تمنعوهن أن ينكحن أزواجهنّ بأن تعود إلى زوجها بعقدٍ جديدٍ ﴿إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، ورجّحنا هذا لأنّ سبب النّزول يدلّ على هذا كما في البخاري في حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه - حينما زوج أخته لرجل ثمّ طلّقها وانقضت عدّتها، ثمّ أراد أن يعاودها فعتب عليه في ذلك ألم أزوّجك وكذا ) فأنزل الله الآية الكريمة ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ﴾ (البقرة: 232) ولذلك من نفيس ما يذكر عن الإمام الشّافعي - رحمه الله - أنّه قال (دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين ) يعني : أنّ السّياق الأوّل دلّ على أنّ معنًى (فبلغن أجلهنّ ) : أي قاربن انقضاء العدّة ولمّـا تنقضي؛ ودلّت الآية الثّانية وفيها الخطاب لأولياء النّساء على أنّ معنًى (فبلغن أجلهنّ ) أي : انقضت العدّة، ولذلك سياق الكلام ما قبل الآية وما بعد الآية أو ما قبل الجملة وما بعد الجملة، هذا مهمٌّ جدًّا في فهم الآيات، وقد ضلّ من ضلّ في تفسير القرآن إلّا بسبب البتر وبسبب ابتعادهم عن النّظر إلى سياق الآيات، وسياق السّور القرآنيّة وما إلى ذلك.
قال الله (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾) ذلكم ما المراد بقوله (ذلكم ) يعني : ذلكم ترك العضل، : ترك عضل المرأة ومنعها، ترك ذلك ﴿أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 232) ما معنى أزكى لكم؟ قالوا في المختصر (أكثر نماءٍ للخير وأشدّ طهرًا لأعراضكم وأعمالكم من الأدناس ) تكون المرأة مائلةً للعودة إلى زوجها. وأخوها أو أبوها يرفض رفضًا باتًّا لماذا؟ ﴿ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 232)