وقفات مع قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر جزء2 خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
صدر المجلس بآية التدبر
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله عز وجل بهذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم.
وقد توقف بنا الحديث في اللقاء السابق عند قول الله جل ذكره، وتعرَّفنا، يا أيها الإخوة الكرام، في اللقاء السابق على الخمر وحرمتها، وكيف أن الإسلام حرمها لأسباب كثيرة وأن النصوص الشرعية جاءت تترى تدل على حرمتها وجُرم فاعلها. نسأل الله السلامة والعافية. عرفنا كذلك، أن الخمر كل مسكر فكل ما أسكر فهو خمر وكل خمر حرام و«كل مسكر حرام».
كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، وإن الناظر في الشريعة الغراء يجد أن الأدلة على ذلك كثيرة فها هو جابر رضي الله عنه كما في صحيح الإمام مسلم يروي لنا حديثًا عن رسول الله ﷺ وذلك أنَّ رجلًا من جيشان وجيشان من اليمن أتى ﷺ ليسأله عن شراب يشربونه ببلدته.
كل مسكر حرام وتغيير الأسماء لا يحل الخمر
وهذا الشراب مصنوع من الذرة هكذا مصنوع من الذرة. فقال الرسول ﷺ أو يسكر قال نعم. فقال ﷺ: «كل مسكر حرام». «إن على الله عهدا لمن يشرب مسكرًا أن يسقيه من طينة الخبال» قالوا وما طينة الخبال يا رسول الله قال: «عرق أهل النار أو عصارة أهل النار». فهذا وعيد أكيد لمن يتناول المسكرات يبين فيه الرسول الكريم ﷺ أن القضية ليست في أن يصنع هذا الشراب من الذرة أو من القمح أو من الشعير أو غير ذلك.
وقد تقدم معنا قبل في حديث ديلم الحميري رضي الله عنه عند أبي داود في الخطبة الماضية حينما سأل رسول الله ﷺ إنا بأرض شديدة البرد ونعمل فيها أعمالًا شديدة فيشرب بعضنا شرابًا نتقوى به من القمح. فقال: «أَوَ يُسْكِرُ؟». قال نعم قال فاجتنبوا قال. فإنَّ الناس غير تاركيه قال: «إن لم يتركوه فقاتلوهم». هكذا قال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد قال أهل العلم يدخل في ذلك أيضًا ما يطعم فيسكر فالمسكرات يدخل فيها الأشربة ويدخل فيها كذلك الأطعمة التي تؤدي إلى السكر فإنَّها تأخذ نفس الحكم لذلك لما ظهر ما يقال له: الحشيش أو الحشيشة، ولم تظهر إلا في أواخر القرن السادس الهجري وبداية القرن السابع الهجري كما ذكر عدد من أهل العلم أفتى العلماء بتحريمها وألحقوها بالخمر.
وقالوا: بل هي أشد خبثًا وأعظم ضررًا لأنَّها تغيب العقل وتضيع المزاج وتجعل الإنسان في الأخلاق المرذولة من الخنوثة والدناءة وما إلى ذلك. نسأل الله السلامة فيلحق بذلك كل ما يتناوله المرء مما يغيب عقله من شراب أو طعام أو غير ذلك. ولذلك في حديث طارق بن سويد رضي الله عنه حينما سأل الرسول ﷺ عن الخمر فنهاه.
فقال: ﴿أَنَّمَا﴾ أصنعها للدواء قال: «إنها داء وليست بدواء». هذه أحاديث كثيرة ثابتة صحيحة عن رسولنا محمد ﷺ فسواء أكان هذا المتناول مشروبًا أم كان مطعوما. بل بين الرسول ﷺ أن ناسا من أمته سيشربون الخمر لكنهم يغيرون اسمها. فقال: «ليشربن ناس من أمتي خمرًا يسمونها بغير اسمها». فالعبرة ليست بالأسماء وإنَّما بالحقائق والمعاني فلو سمي هذا الشراب شرابًا روحيا أو شرابًا من أجل كذا وكذا فليسمي أولئك هذا الشراب ما يسمون فإنه لن يغير من حكمه شيئًا فلو أن الخمر أُطلق عليها اسم آخر، أترى يتغير حكمها؟.
لكن هذا الشراب كما قلت: على نفس الوصف فإنَّه يأخذ نفس الحكم بلا اختلاف، ولا شقاق
استشراء المسكرات والمخدرات والتقوى حسب الاستطاعة
يا أيها الإخوة الكرام، تقدم أن تناول المسكرات ويتلو ذلك ويتبعه تناول المخدرات التي تؤدي إلى الفتور وفقد الأعصاب وما إلى ذلك قد استشرى بين فئات من الناس وليس في طبقة دون أخرى فظهر ذلك بين الأغنياء والفقراء وظهر بين الأطفال والشباب والنساء إلا من رحم الله جل وعلا لذلك كان على الأمة، أن تدرك أبعاد هذا الخطر وأن تترصد له وأن تعمل على إيقافه قدر استطاعتها والله قال ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟ وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾2 (التغابن: 16).
هذا الأمر قد استشرى بين أسر المسلمين وللأسف الشديد. بل إنك تعجب حينما تقرأ بعض الإحصائيات فترى أنه يوجد من شاربي هذه المُسكِرات، ومن متناول تلك المخدرات ما يفوق نسبهم نسب بعض البلاد غير المسلمة. وذلك لأنَّ أعداء الإسلام أرادوا القضاء على المسلمين فوجدوا هذه طريقة سهلة ميسورة. وذلك أن يفسدوا الشباب فإذا بهم لا يعملون، ولا يلتفتون إلى أمر شرعي.
بل ولا إلى أمر دنيوي يصلح الله به حالهم وتتقدم به الأمة فحينئذ تفسد فيفسد المجتمع وتضيع أمة بأكملها إلا إذا أيقظها الله من سباتها كذلك كثير من الجرائم ﴿أَنَّمَا﴾ يصدر من جراء تلك الجريمة الخطيرة النكراء فكثير من جرائم القتل وكثير من جرائم الاغتصاب والزنى والسرقة والاعتداء على المحارم ما سبب ذلك تجد أن العلة في ذلك ترجع إلى أن الذي قد أتى بتلك الجريمة من متعاطي الخمور والمسكرات والمخدرات.
وهذا كثير وكثير من الأخبار لا تخفى عليكم. لكن الإنسان يجب عليه أن يقف وقفة صادقة مع نفسه. نسأل الله أن يصلح أحوالنا وبلادنا يا أيها الإخوة الكرام. إن تناول المسكرات وتعاطي المخدرات له أسباب كثيرة من أعظمها ضعف الوازع الديني وضعف مراقبة الله عز وجل. فإنَّ العبد الذي يعظم الله ويعظم شعائر الله، يعني: أن إيمانه قد ضعف مراقبته لربه ضعفت في بداية.
الأمر أغلق عليه حجرته وتناول هذا الشراب أو تلك الحبوب أو هذا الشيء الذي يشمه أو يتناوله بأي طريقة من الطرق تناوله في غياب عن أهله، وفي غياب عن أسرته وبدون علم من أحد ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ فالله عز وجل لا تخفى عليه خافية ولو أنَّه يتذكر أن الله يراه وأن الله سيحاسبه على ما قدم وعلى ما أتلف به نفسه وماله ترك الصلاة ترك الأفعال الطيبة اقتراف المحرمات.
ثم إنَّ السيئة لا تأتي مرة واحدة أعني لا تكبر هكذا وإنَّما تتأتى عن طريق تدرّجها. فإنَّ للشيطان مداخل فلا يأتي الشيطان إلى الشاب أو إلى غيره ممن تناول المخدر أو المحرمات ليأمره بذلك لأول وهلة. ﴿أَنَّمَا﴾ يتقدم إليه بشيء يسير ثم بيسير حتى يصير بعد ذلك ممن يتناول هذه المحرمات ثم إذا به يكون ممن أدمنه بحيث يضطر إليه.
بل ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ مفارقته لا يكاد يستطيع ذلك. ولذلك لما أجروا الإحصائيات وجدوا أن نسبة كبيرة ربما تبلغ الثمانين من المئة ممن يتناولون المخدرات لا بد أنهم قبل ذلك شربوا الدخان أنا لا أقول إن كل من يشرب الدخان سيشرب مخدرًا لا هناك كثير ممن يشرب الدخان أو ممن يدخن ولو عرض عليه مخدر بآلاف الجنيهات لن يقبل.
لكن انظر إلى كل من تناول مخدرًا أسألك هل تراه تناول المخدر أولًا أم أنه تدرج شرب أولًا سيجارة تلتها أخرى ثم بعد ذلك قيل له هذا الشراب أو هذا الشيء ليس عاديا. وهذه السيجارة ليست عادية، ﴿أَنَّمَا﴾ هي سيجارة من البانجو وما إلى ذلك فتناولها ثم تزايد الأمر وتفاقم وهكذا. بل وكثير منهم ﴿أَنَّمَا﴾ يشربون ذلك ابتداء عن طريق التجربة يقول له خد جرِّب بس هو لا يريد أن يشرب المسكر ﴿أَنَّمَا﴾ أخذها عن طريق التجربة فجربها مرة فوجد أنه بحاجة إلى إعادة التجربة فكررها حتى صارت عادةً وكيفًا وصارت مزاجًا سيئًا.
نسأل الله المعافاة من ذلك كله وفي كثير من الأحيان ﴿أَنَّمَا﴾ يحدث ذلك في أوقات اللعب واللهو، وفي أوقات السهرات والليالي الماجنة ففي بعض السهرات يقول لا الليلة ليلة عرس أو ليلة سهرة أو ليلة حظ أو ما أشبه ذلك فيجرب لأول مرة ليشرب مسكرًا أو ليتناول مسكرًا أو ليشرب سجارة محرمة ليس من عادته وليس من دأبه أن يتناولها ﴿أَنَّمَا﴾ شربها مشاركة لأصحابه وإحياء بزعمه لليلته فوقع في الفخ.
مراحل التحريم وصد الخمر عن الصلاة
نسأل الله السلامة. ضعف المراقبة وضعف الوازع الديني الذي يحافظ على الصلاة لا يشرب مسكرًا، لا يقوم بذلك. وقد تقدم معنا في اللقاء السابق أن الخمر حرمت بمراحل من ذلك ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾3 (النساء: 43) فالإنسان الذي يصلي يحافظ على نفسه، وعلى صلاته فصلاته كما قال الله: ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾4 (العنكبوت: 45).
ولما ذكر الله أسباب تحريم الخمر قال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾5 (المائدة: 91). قربوا بين الصفوف يرحمكم الله رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام. إذن من هذه الأسباب غياب الوازع الديني وضعف الإيمان في القلوب فلو قوي الإيمان ما تجرأ على محارم الله حينما يعلم، أن شارب الخمر ملعون وأن الرسول عليه الصلاة والسلام: «لعن الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها». وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه فمن يريد أن يكون ملعونًا مطرودًا من رحمة الله عز وجل؟ ويزداد.
الأمر عند بعض الشباب الذين يريدون أن يحصلوا على أموال كثيرة في زمان قصير فهو يريد أن يبني الدور وأن يشيد العقارات وأن يكون صاحبًا للشركات فلا يجد وسيلة أسهل من أن يكون من تجار المخدرات ليؤذي بلدا. بل ليؤذي وطنا ليؤذي أمة ليهلك الناس، ولا يدري عن ذلك شيئًا وإذا كان قتل نفس واحدة قتلا للناس جميعًا والله عز وجل قال ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾6 (المائدة: 32).
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾7 (المائدة: 32) فكيف بهذا الذي يودي بأمة أو يودي بمجموعة كبيرة من الشباب لأن مآل هذا الأمر الموت كما لا يخفى عليكم يشرب ويشرب إلى أن يموت ويضيع بعد أن ينفق أهله الأموال الكثيرة أقول لهؤلاء لا بارك الله في تلك الأموال، ولا في تلك التجارات وإنك ستلقى جزاءك في الدنيا قبل الآخرة.
تعزير تجار المخدرات وحد الحرابة
ولذلك في شأن تجار الحشيش والمخدرات والمسكرات يعزرهم ولي الأمر بما يراه صالحًا ولو وصل الأمر إلى إعدامهم أو قتلهم فلا تثريب عليك لأنَّ في ذلك إبقاء على أمة وعلى شباب، وعلى أناس كثيرين. وقد قال الله: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾8 (المائدة: 33). ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾ ﴿أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ فمن هذه الأسباب غياب الإيمان أو ضعف الإيمان في القلوب من هذه الأسباب كذلك، أن الشخص يمر بظروف متقلبة فأموره متغيرة يشعر بالهم والكرب والاكتئاب والقلق لا يجد مجالًا للرزق أو لا يجد مجالًا للعمل يجد أسرته مزعزعة بين أبيه وأمه شقاق كذلك يجد من زوجته عنتًا يجد من أولاده ما يجد يجد الأسرة والعائلة والناس من حوله فيجد أنهم يصيبونه بالاكتئاب والقلق فيريد أن يخرج من ذلك فيظن، أن في تناول المسكرات وتعاطي المخدرات العلاج وهيهات هيهات أنت في الحقيقة تهرب من الحقيقة إلى خيال لا يدوم ويفسد عليك أكثر مما يصلح.
المسكر ليس سعادة والمفاهيم المغلوطة عند الشباب
بل إنه لا يصلح إذ إن هذه الأشياء تفسد عليك عقلك وتفسد عليك صحتك وتفسد عليك مالك وتفسد عليك همومك، ومَنْ الذي شرب من هؤلاء فسعد، ومَنْ الذي تعاطى المخدرات فشعر بالسعادة ﴿أَنَّمَا﴾ هي نشوة مؤقتة لا تتجاوز وقتًا إلا قليلًا ثم بعد ذلك يعود إلى همِّه وكربه ولو ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ مستيقنا بالله عالمًا أن ما يقدره الله خير وأن ما عند الله ينال بطاعته وأن الله قال ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾9 (البقرة: 216) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾10 (البقرة: 216).
وكم من مشكلة ضاقت فلما ضاقت انفرجت وانفرجت بإذن الله عز وجل من هذه الأسباب الشهيرة أيضًا الصحبة السيئة الرفقة السيئة رافق صحبة سيئة كان لا يشرب شيئًا من هذه المحرمات. بل ولا يفكر فيها فهو من أسرة طيبة من أسرة صالحة تحافظ على الصلاة وتحافظ على الأخلاق الجميلة فيقوى مرة ويضعف أخرى، يثبت مرة ويتزلزل أخرى حتى يكون مثلهم وإن هؤلاء ﴿أَنَّمَا﴾ يبدأون بالمجاني فيعطونه دون مقابل فيشرب ثم يشرب ثم بعد ذلك يطلب ولو كان بالمال الكثير ولربما سرق أباه ولربما سرق غير ذلك كل ذلك من أجل أن يصل إلى الحرام.
نسأل الله السلامة والعافية. أسباب كثيرة تؤدي بالناس أو بكثير من الناس إلى مثل هذه الأمور من ذلك غياب الأسرة غياب التربية غياب الوعي الموجود بين الناس أين الأسرة التي تتفقد أولادها أين الأب الذي يسأل عن ولده حين يغيب أين الأب الذي يسأل عن ولده حينما يغلق عليه حجرته لماذا يغلقها
ولأي شيء يسمع ولأي شيء يشاهد هذا الجهاز أو الهاتف الذي بيده ما الذي ينظر فيه وما الذي يقلب فيه من صفحات لأنَّ من الأسباب التي تؤدي إلى ذلك كما لا يخفى عليكم مشاهدة الأفلام الإباحية والمسلسلات الماجنة وتلك المناظر التي تؤجج الفتن والتي تشعل الكوامن فيهيج هذا الإنسان فلا يجد إلا مثل هذا الشيء ثم بعد ذلك يقارف المحرمات.
نسأل الله السلامة. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من هذه الأسباب كذلك المفاهيم المغلوطة لدى بعض الناس فلدى بعض الشباب اعتقاد أن شرب هذه الأشياء وتناول تلك الحبوب مما يجعل الإنسان يطرب ويعيش متعة وسعادة وربما تزداد قوته في إتيان امرأته أو الشهوة وما يتعلق بالأمور التي لا تخفى على الناس فيظن أنه بذلك سيقوى وسيقدر وسيفعل ويفعل وها أنتم رأيتم الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يرخص لأولئك الذين كانوا يتناولون المسكر من أجل أن يتقووا على برد البلد أو على الأعمال الشديدة ﴿أَنَّمَا﴾ قال اجتنبوه فإلى من يعمل ويقول أريد أن تزداد قوته وإلى من يرى أنه يريد أن تزداد قوته كذلك في إتيان امرأته أقول لك: «إنها داء وليست بدواء».
كما علمنا الرسول الكريم ﷺ وكم من علاج فيه غُنية عن مثل هذه الأبواب بفضل من الله والدواء مشروع ولا حرج فيه لكنه يكون بطريقة حلال وبشراب حلال وبدواء مباح كما تدل على ذلك الأدلة. ثم إنَّ بعض الناس كذلك حينما توضع بعض الأدوية التي فيها نسبة من هذه العقاقير أو من هذه الكحولات أو المخدرات وما إلى ذلك ويبيحها بعض العلماء في حالة الضرورة بشروط واضحة جلية لذلك لا ينبغي صرف تلك الأدوية إلا في وضعها الصحيح وبما معه من إثبات طبي على ذلك.
لكن الشباب يهرولون ويجدون من يبادر لهم بهذه الأشياء فيبيعها لهم ويقول ليس لي دخل وأنا لا أعرف شيئًا عن ذلك اتق الله ربك. فإنَّ هذا لا يرخص لك. فإنَّ البائع مشارك للمشتري وإن الذي يعطي مثل الذي يأخذ فليتقِ الله عز وجل ربه في ذلك كله ﴿أَنَّمَا﴾ عليه أن يراعي الضوابط الطبية وكثير من الشباب ﴿أَنَّمَا﴾ يتجهون إلى ذلك لأنَّ سعرها أرخص فهم يتجهون إلى ما كان أرخص فيزيدون منه شيئًا فشيئًا دون أن يحتاجوا إلى مصاريف باهظة يا أيها الإخوة الكرام أسباب تعاطي المخدرات كثيرة غياب كذلك التوعية في كل المجالات فينبغي أن تعم التوعية جميع الأماكن ففي المساجد توعية في مراكز الشباب توعية في المدارس توعية في الوظائف توعية تجرى التحاليل المستمرة حتى يدرك أولئك.
ثم إننا نقول إن الوقاية خير من العلاج، وإن الدفع أيسر من الرفع، فمحاولة حفظ الأولاد ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقعوا في فخاخ المخدرات أسهل بكثير من أن يقعوا ثم بعد ذلك نذهب إلى علاجهم، وإلا كم تتكلف الحكومات من الإنفاق على أمثال هؤلاء. بل كم يتكبد أولياء الأمور حينما ينفقون على أولادهم الذين صاروا مدمنين وكم من أسرة تمزقت.
فهذا ترك زوجته بلا مال وترك أولاده بلا مال وسبب ذلك تناول المخدرات. نسأل الله السلامة والعافية. الوقاية خير من العلاج لا تترك ولدك يضيع، وبعد ذلك تريد أن تعالجه ﴿أَنَّمَا﴾ ابدأ به من البداية، راقبه، علِّمه الصلاة خذه بيدك إلى المسجد تتبعه فيما يصنع، وفيما يسمع، وفيما يرى وفيما ينظر، راقبه، حاسبه كذلك بعض الفتيات يصنعن ذلك.
نسأل الله السلامة والعافية. نحن بحاجة ماسة إلى أن يراجع كل واحد منا نفسه وأن ينظر إلى أسرته إلى أقرب الناس إليه تفقد إيمانك وازدد من طاعة الله وابتعد عن معصية الله، ولا تستهن بالمعصية فالمعصية اليسيرة بعد ذلك تصير كبيرة. نسأل الله عز وجل أن يعافينا، يا أيها الإخوة، من الآفات كلها الإقبال على القرآن الإقبال على ذكر الله الإقبال على الصلاة الإقبال على الطاعات كل ذلك سبب ناجح في النجاة من هذه الأدواء وتلك الأمراض بفضل الله سبحانه وتعالى.
يا أيها الإخوة الكرام الحديث عن هذه القضية خطير. وقد تقدم حديث لي ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سلسلة الداء والدواء عن داء المخدرات الأسباب والعلاج لكنه فيما قلت، لعل فيما قلت غُنيةً وكفاية. نسأل الله أن يُعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا وأن يزيدنا علمًا اللهم اهد قلوبنا اللهم أصلح شبابنا اللهم أصلح شبابنا اللهم اهد أولاد المسلمين اللهم اهد أولاد المسلمين اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وأصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى ﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك وأقم الصلاة.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟ وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التغابن 16 ↩
- آية: ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 43 ↩
- آية: ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 45 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 91 ↩
- آية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 32 ↩
- آية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 32 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 33 ↩
- آية: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 216 ↩
- آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 216 ↩
من سلسلة: سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم (35 درسًا)