سورة البقرة — الجزء 16
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
ثمّ قال الله جلّ ذكره (﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢٣٣)
﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: 233) هذا أيضًا من تتمّة الأحكام المتعلّقة بالزّوجين، فإنّ الزّوج والزّوجة قد يرزقان بالمولود، فماذا للمولود عليهما؟ فذكر الله بعض حقوق هذا المولود. فقال ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: 233) وقوله ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ : دلّ على أنّ هذا ليس بواجبٍ، أيٌّ : ليس بواجبٍ على المرأة أن تتمّم إرضاع ولدها لمدّة حولين، لكنّ الأصل أن ترضعه وألّا تقصر في أصل الرّضاعة؛ لكنّ إتمام الحولين هذا لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ. وقد ذكر بعض العلماء أنّ : التّعبير بقوله (حولين) لأنّ هذه المدّة يتحوّل فيها هذا الطّفل الرّضيع من حالٍ إلى حال نتيجة هذا الإرضاع لهذه المدّة الّتي تبلغ السّنتين
. قال الله سبحانه ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: 233) ﴿وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233) وعلى المولود له : وهو الأب (زوج المرأة ) فهو : المولود له يعني (ولد له )، واستفيد من قوله ﴿وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ﴾ (البقرة: 233) أنّ الولد ينسب إلى أبيه، أنّ الولد ينسب إلى أبيه ﴿وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233) لذلك قالوا هنا في المختصر (والد الطّفل نفقة الوالدات المرضعات المطلّقات ولباسهنّ ) والآية عامّةٌ ليست خاصّةً بالمطلّقات، ولكنّ الحديث جاء بعد ذكر المطلّقات؛ ولأنّ الخلاف والصّدام يقع عند الطّلاق، وإلّا فالمرأة الّتي تكون مع زوجها (فأمرها معروفٌ أنّ نفقتها وكسوتها على زوجها ) لذلك بعض المفسّرين : خصّص ذلك بالمطلقات بالنّظر إلى سياق الآيات.
قال الله ﴿وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 233) هذا فيه أنّ النّفقة تكون بحسب الوسع، كما قال الله أيضًا ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ (الطلاق: 7) [ الطّلاق : 7 ]
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ﴾ (البقرة: 233) لا تضار هذه الوالدة بسبب ولدها، ولا يضارّ هذا الزّوج وهو المولود له بسبب ولده، فأحيانًا تأتي المرأة وتقصد الإضرار بزوجها، فتستعمل هذا الأمر عن طريق الولد فتحأول أن تؤذي زوجها (بالولد )، وكذلك العكس. قد يؤذي هذا الزّوج المطلق (هذا الرّجل ) يؤذي امرأته بسببه (بسبب الولد ) أو بسبب ابنها، بأن يحرمها منه، أو أن يصنع معها بعض الأشياء الّتي تضرّ بها فنهى الله عن الأضرار، لا تكن هذه المرأة مضرّةً ولا يكن هذا رجل صاحب أضرارٍ أيضًا، فقال :
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ﴾ (البقرة: 233) وقد اختلفوا في هذه الباء في قوله (بولدها )؛ لكنّ كثيرون ذهبوا إلى أنّها سببيّةٌ وهذا الّذي ذكروه هنا إذ قالوا في المختصر (ولا يحلّ لأحد الأبوين أن يتّخذ وسيلة إضرارٍ للآخر، وعلى وارث الطّفل إذا عدم الأب وكان الطّفل ليس له مال مثلٍ ما على الأب من الحقوق ) وهذا في قوله ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 233) لو أنّ الزّوج المطلق مات، فحينئذٍ من يتولّى أمر الطّفل؟ الوارث، لأنّ الغنم بالغرم أو الغرم بالغنم، فكما أنّ الورثة يستفيدون من هذا الزّوج أو من هذا الأب فكذلك يغرّمون وكذلك يكونون مسؤولين عن الإنفاق على هذا الولد، وهذا فيه أنّ النّفقة على هذا تتعلّق بالعصبات فهي على أبيه فإنّ مات أبوه فعلى عصبته على ورثته ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 233).
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: 233) إنّ أراد الزّوجان أو المطلقان (المطلق وامرأته الّتي طلّقها ) إنّ أرادا فطامًا لهذا الطّفل قبل مضيّ السّنتين عن تراضٍ منهما وتشأور. وهذا فيه مشروعيّة الشّورى بين الرّجل وامرأته؛ بل بين الرّجل ومطلّقته؛ فإذا كان هذا موجودًا بين المطلق ومطلّقةٌ لأنّ الحقّ مشتركٌ. وهو وجود الولد الّذي بينهما فكيف بها إذا كانت تحته وإذا لم تكن مطلقةً! وهذا فيه أنّ الإسلام دعا إلى هذه المشورة الّتي تقع بين الزّوجين، قال الله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 233) يعني أن تطلبوا إرضاع الأولاد من غير الأمّ إذا أبت الأمّ، أو كانت عزيزةً عن الإرضاع أو لم تستطع أو بسبب مانعٍ فحينئذٍ لا مانع أن تطلبوا إرضاع الولد عند امرأةٍ أخرى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233) أيٌّ : ما اتّفقتم عليه مع المرضعة من أجرةٍ، وهذا فيه جواز أخذ الأجرة على الإرضاع بأن يطلب من امرأةٍ أخرى أن ترضع ولدها على أجرةٍ فهذا لا حرج فيه.
قال الله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 233) هناك أحكامٌ كثيرةٌ تتعلّق بالآية وأحكام الرّضاعة، وما إلى ذلك. لكنّنا نذكر ما يناسب هذا الكلام وقد فصلت بعض الشّيء في ذلك في التّعليق على عمدة التّفسير في اختصار تفسير ابن كثيّر رحمه الله تعالى. قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• نهي الرّجال عن ظلم النّساء سواءٌ كان بعضل مولّيته عن الزّواج، أو إجبارها على ما لا تريد.
وذلك بقوله ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 232) فلا يعضلها، لا يمنعها من العودة إليه ولا يكرهها على شيءٍ.
• حفظ الشّرع للأمّ حقّ الرّضاع، وإن كانت مطلقةً من زوجها، وعليه أن ينفق عليها ما دامت ترضع ولده
لذلك هي مقدّمةٌ على غيرها فإنّ رغبت في الإرضاع فهي المقدّمة، وعليه أن ينفق عليها ما دام ترضع ولده.
• نهى الله تعالى الزّوجين عن اتّخاذ الأولاد وسيلةً يقصد بها أحدهما الإضرار بالآخر.
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ﴾ (البقرة: 233) وتأمل قوله ﴿لَا تُضَآرَّ﴾ (البقرة: 233) هذا الفعل، يمكن أن نفهم منه (لا تضارر، لا تضارر ) ) فإنّ هذا التّشديد أحتمل أن يكون بمعنًى : (لا تضارر، لا تضارر )، يعني : لا يقع منها مضارةً ولا يقع عليها مضارةً، ولكن جاء التّصريح بعد ذلك ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ﴾ (البقرة: 233) أي لا يقع منه ولا عليه أيضًا.
• الحثّ على أن تكون كلّ الشّؤون المتعلّقة بالحياة الزّوجيّة مبنيّةً على التّشأور والتّراضي بين الزّوجين.
وذلك من قوله (فلا جناح) من قوله ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 233) وقبلها قال ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: 233)
قال الله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة: 234)
هذا حديثٌ عن عدّة المرأة المتوفّى عنها زوجها، فبعد أن جرى حديثٌ عن عدّة المرأة المطلقة جاء الحديث عن عدّة المرأة الّتي توفّي زوجها، ما عدّتها يا ربّنا؟ قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234) فعدّة المرأة المتوفّى عنها زوجها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234)، وهذا إذا لم تكن حاملاً؛ فإنّ كانت حاملاً فإنّ عدّتها بوضع الحمل على ما ذهب إليه جماهير أهل العلم سلفًا وخلّفا وذلك لأنّ الله قال ﴿وَأُو۟لَـٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 4) [ الطّلاق : 4 ]، وسبيعة الأسلميّة - رضي الله عنها - حين وضعت بعد وفاة زوجها بمدّةٍ يسيرةٍ قال لها الرّسول -‘ – (قد حللت فانكحي من شئت ) ولم يلزمها بأن تمكث هذه المدّة المذكورة في الآية الكريمة.
فعلم أنّ : المتوفّى عنها زوجها على قسمين : -
2 - وإمّا أن تكون غير حاملٍ فعدّتها أربعة أشهرٍ وعشر.
والّذي عليه أهل العلم أو إن شئت فقل الّذي عليه جمهور العلماء : إنّ هذه الآية الكريمة ناسخةً للآية المذكورة بعد والّتي ستأتينا قريبًا بإذن الله وهي قوله ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة: 240) فقالوا : كانت عدّة المرأة المتوفّى عنها زوجها كانت عدّتها حولاً كاملاً، ثمّ بعد ذلك نسخ الحكم وصارت العدّة أربعة أشهرٍ وعشرًا.
وعليه فإذا قال قائلٌ : كيف ذلك؟ أوليس النّاسخ يكون متأخّرًا؟
فالجواب بلى. النّاسخ يكون بعد المنسوخ، لكنّه من المعروف أنّ التّرتيب الّذي أمامنا والّذي نراه في المصحف ليس بحسب النّزول، وبناءٌ على هذا القول الّذي ذهب إليه الجمهور. فآيةٌ ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ﴾ (البقرة: 240) هي الآية الّتي نزلت سابقًا، ثمّ بعد ذلك نزلت هذه الآية. فهي وإن ذكرت قبلها؛ لكنّها نزلت بعدها، أيّ هذه الآية من حيث النّزول نزلت بعد أيّةً ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة: 240) وهناك من يرى أنّ الآية الأخرى ليست منسوخةً لكن لها توجيهٌ آخر سيأتي بيانه بإذن الله تعالى في أثناء الدّرس.
قال الله سبحانه ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 234) فإذا بلغن : انقضت العدّة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 234) أيٌّ : ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ﴾ ممّا كان ممنوعًا عليهنّ في تلك المدّة لكن أيضًا بالمعروف، وبما لا يكون مخالفًا شرعًا ولا عرفًا.
قال الله سبحانه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 240) تأمّل ولم يقل ( فلا جناح عليهنّ ) مع أنّه ينبغي للمرأة أن تلتزم بهذا، هذا فيه أيضًا أنّ أولياء الميّت يراعون حرمة هذه المرأة، وأنّهم يراقبونها في تنفيذ هذا الحكم، لذلك قال ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 240) أي : : باشروا متابعتهنّ في تنفيذ ذلك، ثمّ قال الله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة: 271) قالوا هنا في المختصر (لا يخفى عليه شيء من ظاهركم وباطنكم وسيجازيكم عليه ) وهذا واضحٌ.
ثمّ قال الله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 235)
هذا حديثٌ عن خطبة المرأة المتوفّى عنها زوجها. هل يجوز ذلك؟ معروف أنّ المرأة الّتي توفّي عنها زوجها لن تعود لزوجها مرّةً أخرى فهو قد مات، لكن مع ذلك هل يجوز خطبتها في أثناء العدّة؟
فيقال : - إنّ التّصريح بالخطبة في أثناء عدّة المرأة المتوفّى عنها زوجها لا يجوز؛ وإنّما الّذي يجوز في ذلك عدم التّصريح. فالممنوع هو التّصريح بالخطبة؛ بأنّ يذهب إليها ويقول لها أو يقول لوليّها : (أريد أن أخطب ابنتكم )، فهذا لا يجوز في أثناء العدّة، إنّما ينتظر حتّى تنقضي العدّة؛ لكنّ أمًّا التّكنيّة وعدم التّصريح كان يقول : (إنّي لأرغب في امرأةٍ صالحةٍ ) فهي تفهّم من هذا أنّه يريدها هي؛ ولكنّه لا شيءً، ويجوز لزوجها أن يراجعها، فلا يجوز لأحدٍ أن يتقدّم لها ﴿وَلَآ أَن﴾ يعرض بخطبةٍ أصلاً، ولذلك أيضًا ورد في الحديث عنه -‰ – (ليس منّا من خبب امرأةً على زوجها ) فهذا لا يجوز بحالٍ من الأحوال؛ إنّما الكلام على الطّلاق البائن (امرأة لن ترجع لزوجها، وكذلك في المتوفّى عنها زوجها ) كما في الآية الكريمة. قالوا في المختصر (دون التّصريح بالرّغبة؛ كان يقول : إذا انقضت عدّتك فأخبريني ولا إثم عليكم فيما أخفيتم في أنفسكم من الرّغبة في نكاح المعتدّة بعد انقضاء عدّتها )
قوله ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ﴾ (البقرة: 235) فأنت تكنّ وتسرّ في نفسك : إنّك تريد الزّواج؛ لكنّك لا تصرّح فأنت غير مؤاخذٍ بهذا ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ (البقرة: 235) أي : من شدّة الرّغبة فأباح لكم التّلميح دون التّصريح هذا هو المعنى ﴿وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (البقرة: 235) قال ﴿وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (البقرة: 235) ) على النّكاح بأن يواعدها في السّرّ : إنّني أعلن نكاحك بعدٌ انقضاء عدّتك فهذا لا يجوز، وبعضهم فسّر ﴿وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (البقرة: 235) : : بالزّنا، وبعضهم فسّره بالنّكاح أو بالعقد؛ أيًّا ما كان الأمر، أقوالٌ متعدّدةٌ لأهل العلم؛ لكن في كلّ الأحوال لا يجوز له التّصريح ومن فسّره (بالزّنا ) ردّ عليه بأنّ الزّنا لا يجوز في كلّ الأحوال ليس في وقتٍ دون وقتٍ بل في كلّ الأحوال فهو محرّمٌ كما لا يخفى.
﴿إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (البقرة: 235) وما المراد بالقول المعروف : هو التّعريض والتّلميح دون التّصريح، قال الله ﴿وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 235) أي : عقد النّكاح ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ﴾ (البقرة: 235) بأن تنقضي العدّة. إذا ما معنى حتّى يبلغ الكتاب؟ ما المراد (بالكتاب ) هنا : حتّى يبلغ الكتاب يعني : - حتّى تنقضي مدّة العدّة (الكتاب الّذي وقته الله وجعله أمدًا لانقضاء العدّة ).
﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 235) فهو غفورٌ حليم سبحانه، ومن معاني الحلم : الاحتمال للأعلىى من الأذى فإذا قيل لك : كنّ حليمًا بأن تحتمل الأذى وإن كنت أعلى من الأدنى. والله هو الحليم فلا أحد أصبر على أذًى يسمعه من الله - إنّهم يدعون له الولد ثمّ هو يعافيهم ويرزقهم، سبحانه (؟ )
قال (لّا جناح عليكم إن طلّقتم ٱلنّسآء ما لم تمسّوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضةٗ ومتّعوهنّ على ٱلموسع قدره وعلى ٱلمقتر قدره متعا بٱلمعروف حقًّا على ٱلمحسنين ٢٣٦ وإن طلّقتموهنّ من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ﴿تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢٣٧)
يبيّن الله - لنا حكمًا يتعلّق بحقوق المرأة ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (البقرة: 236) إذا طلّق رجل امرأته قبل المسيس (قبل الدّخول ) فماذا لها من حقوقٍ؟ قال ﴿أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (البقرة: 236) هنا مسألتان، أو أمران أو قضيّتان :
قد يطلق الرّجل بعد أن عقد عليها وقبل أن يمسّها، أو يدخل بها ويكوّن : قد فرض لها مهرًا بأنّ بيّن لها أنّ مهرك كذا فحينئذٍ ماذا لها؟ لها نصف ما فرض لها، نصف ما فرض : نصف المهر.
الحالة الثّانية : إنّه لم يفرض لها شيئًا، أنّه لم يفرض لها شيئًا، فماذا لها؟ قال الله - سبحانه - ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 236) فحينئذ ليس لها مهر، ولكن لها متعةٌ لأنّه لم يفرض لها فرضًا.
ولذلك قالوا هنا في المختصر (لا إثم عليكم إنّ طلّقتم زوجاتكم اللّائي عقدتم عليهنّ قبل أنّ تجامعوهن وقبل أن توجّبوا مهرًا محدّدًا ) والمهر هذا في قوله ﴿أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (البقرة: 236) المراد بالفريضة هنا : المهر، قالوا (فإذا طلّقتموهنّ على هذه الحال فلا يجب لهنّ عليكم مهر، وإنّما يجب إعطاؤهنّ شيئًا يتمتّعن به، ويجبر كسر نفوسهنّ بحسب الاستطاعة ) وهو ما يسمّى بالمتعة، فيكون لها متعةٌ، وما قدرها؟ يكون بحسب استطاعة المطلق ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 236)
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237) وهي الحالة الثّانية ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (البقرة: 237) أي بيّنتم أنّ لها مهر كذا وكذا، لذلك الحالة الأولى يقال لها : المفوّضة الّتي فوّضت في المهر، أو الّتي لم يسمّى لها مهر، قال هنا ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (البقرة: 237) فيكون لها نصف المهر، إذا طلّق الرّجل امرأته قبل الدّخول بها فلها نصف ما إذا كان قد سمّى لها صداقًا (مهرًا )، ولكن هل المطلقة هذه الّتي سمّي لها مهر؟ لها نصف المهر، وهل لها مع ذلك المتعة أيضًا؟ أم ليس لها متعةٌ؟
اختلف الفقهاء في ذلك
1 - فمنهم من قال لا متعةً لها؛ وإنّما لها نصف المهر؛ لأنّ هذا الّذي ذكره الله في مقابل المتعة؛ فإذا لا يكون لها متعةٌ ويكون لها موسم ما وإنّما لها نصف المهر فقط، وهذا ما قاله ابن عمر إذ قال : لكلٍّ مطلقةٍ متعةٍ إلّا الّتي طلّقها ولم يدخل بها وقد فرض لها فلها نصف الصّداق ولا متعةً لها
2 - وقال آخرون لها أيضًا المتعة. لأنّ الله قال ﴿وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 241) وقوله (وللمطلّقت) أي : لكلّ المطلّقات فأخذوا بعموم الآية الكريمة.
قال هنا ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237) ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ﴾ (البقرة: 237) أي : إلّا أن يسمحن لكم به إنّ كنّا رشيدات؛ إلّا أن يعفون بأن تعفو المرأة فتقول : خذ المهر كلّه لا أريد منك شيئًا، فهذا معنى ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ﴾ (البقرة: 237) يعود هذا على المرأة، فالنّون في قوله ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ﴾ (البقرة: 237) هي نون النّسوة ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ﴾ (البقرة: 237) هذه نون النّسوة، ولذلك لم تحذف، ولو كانت النّون الّتي تأتي مع وأو الجمع لحذفت لأن (أن ) ينصبّ معها الفعل لكنّها نوّن النّسوة.
﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237) هنا وقع اختلافٌ كبيرٌ ومشهورٌ بين المفسّرين والفقهاء في تحديد المراد بقوله ﴿أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237) من الّذي بيده عقدة النّكاح؟
1 - فقال فريقٌ : - المراد به الزّوج، وهذا ما فسّروه هنا في المختصر قالوا (أو يسمح الأزواج أنفسهم ببذل المهر كاملاً لهنّ بأن يقول الزّوج بل خذي المهر كلّه ) يسمح لها خذي المهر كلّه لا أريد منه شيئًا، قال ﴿أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237)
2 - والقول الثّاني : أنّ المراد به الوليّ.
إذا هما قولان الّذي مال إليه كثيرٌ من المفسّرين وهو ما رجّحوه هنا أنّ المراد به هو الزّوج، وهذا مرويٌّ عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فسّر أنّ قوله سبحانه ﴿أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237) بالزّوج، وروي هذا مرفوعًا عن رسول الله -‘ - لكنّ فيه مقالاً من حيث الصّحّة. وهذا قال به فريق من العلماء والفقهاء، فمن الفقهاء أبو حنيفة والشّافعي، وعدد من العلماء أيضًا يذهبون إلى هذا وذهب إليه الطّبري - رحمه الله تعالى - وعدد من المفسّرين.
ويؤيّد هذا القول : أنّ قوله ﴿أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237) فالّذي بيده عقدة النّكاح هو الزّوج، وأمّا الوليّ فليس بيده عقدة النّكاح؛ وذلك أنّ هذه المرأة حينما تكون زوجة وحينما تكون لدى زوجها فإنّ الّذي بيده أن يطلق أو لا يطلق هو الزّوج وليس الوليّ، فالوليّ كان في بادئٍ الأمر : يزوّج أو لا يجوز بإذن هذه المرأة، فلمّا تزوّجها زوجها، فمن الّذي بيده عقد النّكاح؟ هو الزّوج، فهذا هو الأقرب للمعنى.
ثمّ الأمر الثّاني : إنّه ليس للوليّ أن يفرّط في حقّ مولّيته أو مولّيته ليس هذا من حقّه، ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ أن يقول لن نأخذ شيئًا وخذ كلّ شيءٍ لأنّ هذا حقّ المرأة ثمّ إنّ حقّ المرأة إذا أسقطته فهذا من قوله ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ﴾ (البقرة: 237) لذلك أيضًا كما قلت ذهب إليه أبو حنيفة والشّافعي وهو ظاهرٌ مذهب أحمد، ورجّحه من المفسّرين الطّبري والواحديّ والبيضأويّ وغيرهم من المفسّرين. ولكن يحمل الآية على أنّ المرأة والله أعلم كان من كانت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تأخذ المهر كاملاً ولا يزال هذا في كثيرٍ من البلدان أو في بعض البلدان فيكون معنى قوله ﴿أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ (البقرة: 237) بأن يكون المهر مع المرأة كاملاً فيعفو بأن يتركه عندها دون أن يطالبها به، القول الثّاني : إنّه (الوليّ ).
قال الله ﴿وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237) وأنّ تتسامحوا في الحقوق بينكم أقرب إلى خشية الله وطاعته، ولا تتركوا أيّها النّاس تفضّل بعضكم على بعضٍ، والمسامحة في الحقوق ﴿وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 237) ما أحوجنا إلى أن نتأمّل هذه الآية، وأن نتأمّل قوله ﴿وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: 237) فالواحد لا ينبغي أن ينسى الفضل والتّفاضل والمسامحة بينه وبين النّاس، وأنّ الله قد منّ عليه فليسامح وليعفو.﴿وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237).
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• مشروعيّة العدّة على من توفّي عنها زوجها بأن تمتنع عن الزّينة والزّواج مدّة أربعة أشهر وعشرة أيّامٍ.
وهذا واضحٌ من الآية الأولى هنا وهي قوله ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234)
• معرفة المؤمّن باطّلاع الله عليه تحمّله على الحذر منه تعالى والوقوف عند حدوده.
قال الله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 235) لذلك هذه الآية وأمثالها تحمّل العبد على مراقبة الله والحذر منه.
• الحثّ على المعاملة بالمعروف بين الأزواج والأقارب، وأن يكون العفو والمسامحة أساس تعاملهم فيما بينهم : قال الله ﴿وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237) وما أحوج النّاس إلى تأمل هذه الآيات الكريمة الجليلة الّتي تدعو إلى العفو وإلى مراعاة الفضل والمسامحة نسأل الله الكريم من فضله.
﴿حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ (البقرة: 238)
هذه الآيات الكريمة فيها أمرٌ بالمحافظة على الصّلوات، وقد يقول قائل ما وجّه الصّلة بين الحديث عن الصّلاة والحديث عن الطّلاق والعدّة، وما إلى ذلك من أحكام الأزواج؟ ويقال : إنّ هناك مناسبةٌ عامّةٌ وهناك مناسبةٌ خاصّةٌ : -
ومن هذه المناسبات العامّة : إنّ سورة البقرة كما تقدّم سورةً تتحدّث عن الشّرائع والأحكام، فبعد أن حدّثنا الله عن بعض أحكام الطّلاق والعدّة وما إلى ذلك، حدّثنا عن الصّلوات أيضًا والمحافظة عليها، فديننا فيه تشريعاتٌ فيه العبادات وفيه المعاملات. وهكذا سورة البقرة. تتنقّل بنا من تشريعٍ إلى تشريعٍ، ومن حكمٍ إلى حكم آخرٍ.
باب المناسبات باب فسيحٍ، ولا ينبغي أن يقتصر المرء فيه على نظر وجه الرّبط أو على تأمّل الرّبط بين آيةٍ وآية فحسب، وإنّما قد تكون المناسبة بين موضوعٍ وموضوعٍ، وبيّن سياقٌ وسياقٌ، بين قصّةٍ وقصّةٍ. فهذا أعون على إدراك المناسبات.
المناسبة الخاصّة : ومن جهةٍ أخرى فإنّ الله - لما ذكّرنا بما يجب على الرّجل تجاه امرأته الّتي طلّقها قبل المسيس، وذكر لنا ما يتعلّق بالمتعة وبدفع المهر، أو نصف المهر قال سبحانه ﴿وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: 237).
فمن المناسبات الخاصّة :
(1) : ما الّذي يعيّن الإنسان على التّقوى؟ وما الّذي يعيّنه على معرفة الفضل وعدم نسيانه، وعلى المسامحة : إنّها الصّلاة. لذلك قال ﴿حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾ (البقرة: 238) يدلّ على أنّ هناك صلة وثيقةٍ بين صلاة المرء، وبين معاملاته { بين معاملته مع زوجة ومعاملته مع مطلّقته }
(2) : وأيضًا ذكر الأمر بالمحافظة على الصّلوات بعد الحديث عن الطّلاق كان فيه إشارةٌ - والله أعلم - إلى أنّ من الخلافات الّتي تقع بين الزّوجين، يمكن حلّها إذا كانت هناك محافظةٌ على الصّلوات، فالحفاظ على الصّلوات سبب في معالجةٍ أكثر الخلافات والنّزاعات.
(3) : ومن جهةٍ أخرى : فمن المناسبات أيضًا - والعلم عند الله - : إنّه لا ينبغي للإنسان مع كثرة همومه ومع كثرة مشكلاته أن يغفل عن الغاية الّتي من أجلها خلق : وهي عبادة الله من صلاة ونحوها، والصّلاة من أجل العبادات وأعظمها، وهي من أجل القربات إلى الله سبحانه كما لا يخفى، وكثير منّا حين يكون مهمومًا أو حين تكون لديه بعض المشكلات لا سيّما يتعلّق ببيته وأسرته تراه يقصر في الصّلاة، أو في خشوعها وما إلى ذلك فجاءت الآيات مذكّرةً بهذا إلى غير ذلك من مناسباتٍ يمكن للمرء أن يقف عليها إذا تأمّل وأدرك وفتح الله له.
قال سبحانه ﴿حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾ (البقرة: 238) وقوله (وٱلصّلوة ٱلوسطى) من باب عطف الخاصّ على العام، وقد اختلفوا في الصّلاة الوسطى على أقوالٍ كثيرةٍ، لعلّ أرجحها ما ذكروه أنّ المراد بالصّلاة الوسطى صلاة العصر. وأرجح الأقوال أنّها العصر أو الفجر، وأرجح القولين أنّها العصر، ويدلّ على ذلك حديث الرّسول -‘ – (شغلونا عن الصّلاة الوسطى : صلاة العصر ) قال ﴿وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ (البقرة: 238) قالوا هنا في المختصر (مطيعين خاشعين ) إذا ما المراد بقوله قانتين؟ قالوا مطيعين خاشعين، وأيضًا جاء في الحديث، حديث زيد ابن أرقم - رضي الله عنه – (كنّا نتكلّم في الصّلاة فأنزل الله قوله ﴿وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ (البقرة: 238) فأمرنا بالسّكوت) فقوله ﴿وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ (البقرة: 238) بأنّ لا يتكلّم الإنسان في للدّنيا وهو يصلّي؛ وإنّما الصّلاة خاصّةً بالذّكر وقراءة القرآن والتّسبيح.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 239) بين الله لنا أنّ الصّلاة لا ينبغي تركها أو التّفريط فيها، ولو كان في مقامات القتال والجهاد والخوف (فإن خفتم) أيّ من عدوّ ونحوه فلم تقدّروا على أدائها تامّةً، قال ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (البقرة: 239) ما معنى (فرجالًا) أي : فصلوا رجالاً مترجّلين؛ ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ (البقرة: 239) أي : راكبين، إذا ما معناه : يخرج رجال أيّ فصلوا مشاةٌ على أرجلكم، وهذا معنًى رجالاً أو ركبانًا يعني : راكبين، قال بعض العلماء : هذا حينما يداهمهم العدوّ؛ وإلّا فهناك صلاة خوفٍ، لذلك بعضهم قال : هذا كان قبل صلاة الخوف، وقال آخرون : لا تعارض بين هذا وبينما وردت من صلاة الخوف في سورة النّساء، وكما جاء في أحاديث عن النبي ﷺ؛ وإنّما يقال الخوف له مراحل؛ فأحيانًا يكون الإنسان قادرًا على الصّلاة المعروفة الّتي وردت في صفة صلاة الخوف؛ وأحيانًا يداهم العدوّ المسلمين، يداهمهم وهم يصلون يتصرّفون ذهابًا وإيابًا فلا يتمكّنون من الوقوف صفوفًا؛ فحينئذٍ يأتي هذا الّذي ذكره الله هنا ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (البقرة: 239).
(فإذآ أمنتم) وتأمّل لمّا ذكر الخوف قال (فإن خفتم) ولمّـا ذكر الأمن قال (فإذآ أمنتم) على أنّ الأمان هو الأساس وهو الأكثر، وهذا من لطف الله ورحمته بعبادة ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 239) أيًّ : اذكروا الله بجميع أنواع الذّكر، ومنه الصّلاة بأن تصلّوا صلاةٌ تامّةٌ، وكاملةٌ بأركانها وشروطها وضوابطها وأذكارها.
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 240)
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة: 240) هذه الآية الثّانية الّتي وردت في عدّة المرأة المتوفّى عنها زوجها، والّتي قرّر جمهور المفسّرين أنّها منسوخةٌ؛ فمع أنّها ذكرت هنا متأخّرةً عن الآية الّتي سبقتها وهي قوله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234)
1-إلّا أنّهم قالوا : إنّ هذه الآية المتأخّرة في الذّكر هي سابقةٌ في النّزول، والآية الّتي فيها أربعة أشهر عشر سابقٍ متأخّرةٍ في النّزول؛ وإن كانت أسبق في التّرتيب. فقالوا : : إنّ عدّة المرأة كانت سنةٌ حولاً كاملاً، ثمّ نسخت وصارت عدّتها أربعة أشهرٍ وعشرًا.
2- ومن المفسّرين : من يرى أنّه لا نسخ في الآية، وأنّ الآية الكريمة تتحدّث عن أمر آخرٍ (أمر مندوبٍ )؛ وليس بأمرٍ لازمٍ أو واجبٍ، وهو : إنّ الزّوج له أن يوصي لزوجته أن تمكث بعد وفاته سنةً كاملةً ينفق عليها وتبقى في البيت لمدّة سنةٍ.
فحينئذٍ لأهل الميّت أن يبقوها لمدّة سنةٍ ينفقون عليها؛ لكنّها إن أبت ورفضت فعليها أن تمكث المدّة المحدّدة وهي أربعة أشهر وعشرًا بعد ذلك إنّ خرجت ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 240) لذلك قال (وصيّةٗ لّأزوجهم) أي : هذا من باب الوصيّة، وليس من باب الإلزام ابتداء الّذي الزم الله به النّساء المتوفّى عنهنّ أزواجهنّ.
قال ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا﴾ (البقرة: 240) يتمتّعن بالإنفاق عليهنّ ﴿إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة: 240) يعني : - لا تخرجوهنّ حينئذٍ في هذه المدّة.﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ (البقرة: 240) فإنّ خرجن قبل إكمال العام من تلقاء أنفسهنّ : أي : بعد مضيّ مدّة العدّة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 240).
﴿وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 241)
1-استدلّ بعض العلماء بهذه الآية على أنّ المتعة واجبةٌ
2- وقال بعضهم : بل هي مستحبّةٌ لكلٍّ مطلقةٍ واستثنى بعضهم كما تقدّم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - المطلقة الّتي طلّقت قبل المسيس بها وقد فرض لها مهر؛ فإنّ لها نصف المهر فقط قال الله ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 242)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 243)
بين الله - في هذه الآيات أنّ كثيرًا من النّاس يمتنع عن الجهاد بسبب ركونه إلى الدّنيا فيقصر في أمر الجهاد بالنّفس والمال، فدعاهم إلى ذلك بذكر القصّة الّتي وقعت لمن سبقهم، وهذا وجه الصّلة بعموم الآيات السّابقة الّتي تتحدّث عن قضايا الجهاد، وقضأيا الإنفاق في سبيل الله، قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ (البقرة: 243) قال كثيرون : أي حذّر الطّاعون، خافوا على أنفسهم من خطر الموت ﴿فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ﴾ (البقرة: 243) فهمٌ خرجوا من بلادهم أو من موطنهم بسبب الوباء أو غيره، وقدّر الله - لهم أن يموتوا، وهذا بتقدير الله، وهذا معناه : أنّ ما قدّره الله - – واقع، وأنّ ما أخطأك لم يكن يصيبك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ (البقرة: 243) وقوله (وهم ألوفٌ) يدلّ على أنّهم عددٌ كبيرٌ؛ لأنّ ألوف جمع كثرةٍ. وإن كانت قد وردت آثارٌ تدلّ على أنّهم كانوا أربعة آلافٍ.
وتأوّلها بعض المفسّرين أنّ كبارهم كانوا أربعة آلاف أو الملّا منهم لكنّ هذا ليس بلازمٍ وعلى كلّ آثارٍ وردت في هذا الباب لا نجزم بها، قال الله ﴿فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟﴾ (البقرة: 243) لأنّ الله أمر ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا أن يقول له كن فيكون، ثمّ هنا تقدير ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 243) وقد تقدّم أنّ في سورة البقرة خمسة براهين على إحياء بعض النّفوس في الحياة، على إحياء بعض النّفوس في الحياة. وأنّ ذلك دليلٌ على برهانٍ لأنّ الوقوع خير دليلٍ على الإمكان. منها : - هذا الدّليل، فهؤلاء ماتوا في الدّنيا ثمّ بعثهم الله في الدّنيا وأحياهم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 243).
﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 244) ) لماذا تتركون القتال؟ تتركونه خوفًا من الموت، ها هو الموت قد أتاكم، وأنتم تهربون منه ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 244) إلى الإنفاق، والإنفاق والقتال صنوان أو قرينان في باب الجهاد في سبيل الله، قال ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245) سمّاه قرضًا والقرض ينتظر والله لا يضيع عمل هؤلاء المنفقين، بل كما قال الله ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (سبأ: 39) [سبأ: 39]، ﴿فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ﴾ (البقرة: 245) يضيق ويوسّع في أبواب الرّزق على اختلاف أنواعها (وإليه ترجعون)
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• الحثّ على المحافظة على الصّلاة وأدائها تامّةً الأركان والشّروط، فإنّ شق عليه صلّى على ما تيسّر له من الحال: ﴿حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ﴾ (البقرة: 238) ثمّ قال (فإن خفتم).
• رحمه الله تعالى بعبادة ظاهرةٍ، فقد بيّن لهم آياته أتمّ بيانٌ للإفادة منها: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 242)
• أنّ الله تعالى قد يبتلي بعض عباده فيضيق عليهم الرّزق، ويبتلي آخرين بسعة الرّزق، وله في ذلك الحكمة البالغة: ﴿وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ﴾ (البقرة: 245) ولذلك قال الله ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (الشورى: 27) [الشّورى: 27]، وقد تقدّم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ذكر بعض الحكم الّتي من أجلها فاضل الله بين النّاس في الأرزاق. تقدّم ذلك في تفسير سورة الزّخرف.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 246)
هذه الآيات الكريمة تحدّثنا ما يتعلّق بالجهاد في سبيل الله، وأنّ الله - إذا أمر النّاس بالجهاد فإنّه يأمرهم بذلك لحكمةٍ، وإذا أمرهم بترك الجهاد أو بتأخير الجهاد فهذا لحكمه، والإنسان عليه أن يفعل ما يوعظ به، ولذلك قال الله - سبحانه – في موضعٍ آخر ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66) [النّساء: 66]، وهذه الآيات لها صلةٌ بالآيات السّابقة الّتي حدّثتنا عن الجهاد والإنفاق في سبيل الله - وأنّ قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (البقرة: 246) مناسب لما تقدّم في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ﴾ (البقرة: 243) فهناك ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (البقرة: 243) وهنا ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (البقرة: 243) فتكون المناسبة مناسبةً لفظيّةً كما أنّها مناسبةٌ معنويّةٌ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (البقرة: 243)
ألم تعلّمٍ؟ ألمٌ يبلغ علمك خبر الأشراف من بني إسرائيل، فيه أنّ الرّؤية هنا
أو قوله (تر ) بمعنًى : تعلّمٌ، وهذا كثيرٌ في مثلٍ هذه الآيات
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ﴾ (البقرة: 246) ففيها ذكر دأود وهو دأود النّبيّ -’ - كما عليه الجمهور، فيه : أنّ داود كان بعد عهد موسى -’ - ممّا يدلّ على ذلك هذه الآيات وهو معروفٌ في التّاريخ كما لا يخفى
قال ﴿إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 246) علم من ذلك أنّ القتال في سبيل الله ينبغي أن يكون تحت رأية إمامٍ، ينبغي أن يكون تحت رأية الإمام، ولذلك قال الرّسول -‘ – (إنّما الإمام جنّةً يقاتل من ورائه ) فلا ينبغي لعصبة أو لمجموعة أن تقوم بنفسها، وتدّعي أنّها تقاتل، وأنّها تقوم بالجهاد، وإنّما يكون هذا تحت رأية الإمام.