سورة البقرة — الجزء 17
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ (البقرة: 246) أي: كيف نمتنع إذا أمرنا بذلك ودعينا إليه وتيسّر لنا؟ وهناك ما يقتضي ذلك منّا؟ وهو الجهاد وتركه، فقد أخرجنا أو فقدٍ أخرجنا أعداؤنا من أوطاننا، والإنسان يحافظ على وطنه فحينئذٍ هذا سيحملنا على المقاتلة، فقد أخرجنا أعداؤنا من أوطاننا وأسروا أبناءنا، سنقاتل لاستعادة أوطاننا وتخليص أسرانا، قال الله ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 246) وهذا شأن المتقاعسين؛ وأمّا المؤمنون حقًّا فإنّهم يستجيبون لأوامر الله -.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247)
﴿قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ﴾ (البقرة: 247) فاعترضوا عليه، لماذا يكوّن لطالوت الملك والسّؤدد ﴿عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ﴾، لما قالوا ذلك قالوا ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ﴾ (البقرة: 247) فهذا ميزانهم، يرون أنّ الأحقّ بالملك هو أكثر النّاس مالاً، وأكثرهم جاهًا، وخفيٌّ عليهم أن الأحقّ بالملك والسّؤدد هو الأصلح والأكفأ وذلك قوله ﴿قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247) فبدأية الله اصطفاه عليكم، وإذا كان ربّنا قد اصطفاه عليكم واختاره فلا ينبغي لكم أن تعترضوا على حكم الله، ثمّ إنّ الله قد أعطاه من المؤهّلات ما ليس عندكم، فقال ﴿وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247) وفيه : أنّه يقدّم في الولأيات، والإمارات والملك ونحو ذلك الأكفأ بأن يكون ذا ﴿بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ﴾، وتأمّلوا أيّها الإخوة الكرام : أنّ الله قدّم البسطة في العلم على البسطة في الجسم.
ولذلك قال بعض العلماء يستفاد من ذلك أنّ الفضائل النّفسانيّة أعلى وأشرف من الفضائل الجسمانيّة. قالوا بل لا يكاد يكون بينهما نسبةٌ، لذلك قدّم الله البسطة في العلم على البسط في الجسم. قال ﴿وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 247) فهذا فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ، فلا تعترضوا على فضل الله. ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 268).
(﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ٢٤٨)
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ﴾ (البقرة: 248) علامة ملكه ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 248) قالوا في المختصر (وقد فقدوا هذا التّابوت )، فحينئذٍ فيهم هذا التّابوت ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 248) فهذا يدلّ على علامة ملكه. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 248) فهذا يدلّ على علامة ملكه. ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ﴾ (البقرة: 248) وكان صندوقًا يعظّمه بنو إسرائيل أخذ منهم، وقال عددٌ من المفسّرين استنادًا إلى بعض الرّوايات الإسرائيليّة في ذلك بأنّه كان فيه صحائف التّوراة، وما إلى ذلك.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ (البقرة: 248) بقأيا ممّا تركه ﴿الُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ﴾ ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ (البقرة: 248) قالوا في المختصر (مثلٌ العصا وبعض من الألواح ) - والعلم عند الله -ï (إنّ في ذلك لأٓيةٗ لّكم إن كنتم مّؤمنين).
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• التّنبيه إلى أهمّ صفات القائد الّتي تؤهّله لقيادة النّاس؛ وهي العلم بما يكوّن قائدًا فيه، والقوّة عليه.: يجمع بين العلم والقوّة، ولذلك قال يوسف ’ ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55) الحفظ والعلم، وهنا قال ﴿وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247)
• إرشاد من يتولّى قيادة النّاس إلى ألّا يغترّ بأقوالهم حتّى يبلوهم، ويختبر أفعالهم بعد أقوالهم : فهمٌ قالوا ﴿ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 246) فلمّا جدّ الجدّ وقع منهم التّقاعس، فالأقوال شيء والأفعال شيءً آخر. فحينئذٍ يختبرهم ويتأكّد من صدقهم.
• أنّ الاعتبارات الّتي قد تشتهر بين النّاس في وزن الآخرين والحكم عليهم قد لا تكون هي الموازين الصّحيحة عند الله تعالى، بل هو سبحانه يصطفي ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من خلقه بحكمته وعلمه.
فالنّاس إنّما يقدّمون الأكثر مالاً، وهذا ليس هو المقياس الصّحيح، وهذا في كثيرٍ من الأمور، فكثير من موازين النّاس مختلّةً. كثير من موازين النّاس مختلّةً. ولذلك في أحاديث كثيرةٍ عن النبي ﷺ، ينبّه رسول الله -‘ - على الميزان الحقّ (إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) كذلك قوله (أتدرون من المسلم ) إلى غير ذلك (ليس الشّديد بالسّرعة ) إلى غير ذلك من أحاديث يبيّن الرّسول -‘ - فيها المقياس الصّحيح والمعيار الحقّ الّذي للنّاس أن يتعلّموه وأن يعملوا بمقتضاه.
(﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ٢٤٩)
قال الله سبحانه ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ﴾ (البقرة: 249) قالوا هنا في المختصر (خرج طالوت بالجنود عن البلد ) فمعنى ﴿فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ﴾ (البقرة: 249) انفصل عن بلده وخرج من أجل الجهاد ﴿قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾ (البقرة: 249) وهذا فيه أنّ الملك أو أنّ القائد يبلوا رعأياه حتّى يتميّز الصّفّ ويستبين المسرع من المبطئ، والصّادق من الكاذب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى﴾ (البقرة: 249) ليس على طريقتي ولا يستحقّ أن يستمرّ معي على القتال، فوجوده كعدمه؛ بل إنّه يضرّ، أو بل إنّه يكون سببًا في التّخاذل.
قال ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ (البقرة: 249) ما معنى ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ (البقرة: 249) يعني : ومن لم يشرب منه، فيقال طعم الماء : - بمعنًى : - شرب الماء، ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ﴾ (البقرة: 249)
يعني : لا حرج عليه أن اضطرّ إلى غرفةٍ فهذا لا ينفي أنّه مني. ﴿إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ﴾ (البقرة: 249) لذلك قالوا هنا في المختصر (إلّا من اضطرّ فشرب مقدار غرفةٍ بيده )
﴿فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ (البقرة: 249) إذا الّذي ثبت كانوا قلّةً إلّا قليلاً منهم، وقد ثبت أنّ هذا العدد هو العدد الّذي كان مع النبي ﷺ في غزوة بدرٍ فكانوا ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً وفي بعضها وثلاثة عشر رجلاً، في عدّة الّذين ثبتوا مع طالوت في قتال جالوت.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ﴾ (البقرة: 249) قالوا هنا في المختصر : (قال بعض جنوده : لا قدرةً لنا اليوم على قتال جالوت وجنوده، وعندئذٍ قال الّذين يوقنون أنّهم ملاقو الله يوم القيامة )
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 249) فقوله ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ﴾ (البقرة: 249) قال عددٌ من هؤلاء : ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ﴾، فذكّرهم بلقاء الله سبحانه حتّى يثبتوا وحتّى يرجعوا عن هذا القول. ومن أهل العلم من قال : إنّ معنى قوله ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 249) أي في هذه المعركة؛ لأنّ الله أثبت الإيمان لهم ابتداءً فقال ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 249) والمؤمنون كلّهم يوقنون أنّهم ملاقوا الله، فما الفرق بين ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ﴾، وما ذكر الله سابقًا في قوله ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ﴾ (البقرة: 249)
قال بعض المفسّرين: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 249) أي: في هذه المعركة، أنّهم سيموتون وكأنّهم وجدوا ريح الجنّة، فلذلك قالوا هذا القول فقالوا ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 249) وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ جليلةٌ. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 249) ولذلك ورد عن أبي الدّرداء - رضي الله عنه - أنّه قال : (إنّما تقاتلون بأعمالكم ) إنّما تقاتلون بأعمالكم، فقد يكون العدد قليلاً، لكنّه كثيرٌ بتقواهم وإخلاصهم، وبما لديهم من فضل وبتوفيق الله - وتسديده لهم. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 249).
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 250)
جمعوا بين الثّلاثة : ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ (البقرة: 250) وتأمل أفرغ علينا صبرًا : بأنّ يفرّغ الله وأن يصبّ على قلوبهم الصّبر صبرًا صبا، فقالوا ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: 250) دلالةٌ على علوّه، وأنّه فضّل من الله - (وثبّت أقدامنا) فالإنسان يحتاج في الجهاد إلى ثلاثة أمورٍ : يترتّب بعضها على بعضٍ : - أوّلاً الصّبر، ثمّ المقأومة لأنّ الإنسان قد يصبر ولا يقأوم، ثمّ بعد الصّبر والمقأومة يكون الظّفر والنّصر. لذلك قالوا ﴿وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 250) فطلبوا صبرًا ومقأومةٌ ونصرًا (ربّنآ أفرغ علينا صبرٗا وثبّت أقدامنا وٱنصرنا على ٱلقوم ٱلكفرين ٢٥٠ فهزموهم بإذن ٱللّه) رغم قلّة عددهم. قال
﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 251)
﴿وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: 251) فسّروا هنا الحكمة بالنّبوّة، وقد أتى الله داود -’ - الملك والحكمة، قالوا في المختصر قال الله سبحانه (وقتل داود قائدهم جالوت، وآتاه الله الملك والنّبوّة ) ومن جمع الله له بين الأمرين فقد جمع له خيرًا كثيرًا، ولذلك قال بعضهم كالألوسيّ - رحمه الله – (الدّين والملك توأمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاعٌ للآخر؛ لأنّ الدّين أصل والملك حارسٌ وما لا أصل له فمهدومٍ، وما لا حارس له فضائعٍ ).
ولذلك إذا وفّق الله - العباد فرزقهم الله بمن يحفظ عليهم أمر دينهم، وأمر دنياهم فإنّهم يعيشون في سعادةٍ وأمانٍ. نسأل الله أن يرزقنا الأمن والأمان والسّلم والسّلام.
قال الله ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251) بيّن الله سنةً كائنةً في الكون فقال في المختصر (ولولا أنّ من سنة الله أن يردّ ببعض النّاس فساد بعضهم؛ لفسدت الأرض بتسلّط المفسدين فيها وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى جميع المخلوقات ) وهذا يدلّ على أنّه من حكم مشروعيّة الجهاد في سبيل الله : دفع فساد المفسدين.
ثمّ قال الله سبحانه ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (البقرة: 252) في المختصر (نتلوها عليك - أيّها النّبيّ - متضمّنةً صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الأحكام ) وهذا معنى قوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام: 115) [الأنعام: 115] قالوا : صدقًا في الأخبار وعدلاً في الأحكام ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (البقرة: 252)
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• من حكمة القائد أن يعرض جيشه لأنواع الاختبارات الّتي يتميّز بها جنوده ويعرف الثّابت من غيره
وهذا كما قال ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى﴾ (البقرة: 249) فلابدّ من تمييز الصّفوف حتّى يستبين الصّادق من الكاذب.
• العبرة في النّصر ليست بمجرّد كثرة العدد والعدّة فقط، وإنّما معونة الله وتوفيقه أعظم الأسباب للنّصر والظّفر: ولذلك قال هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ﴾ ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 249) وقال الله سبحانه ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25)
• لا يثبت عند الفتن والشّدائد إلّا من عمر اليقين بالله قلوبهم، فمثّل أولئك يصبرون عند كلّ محنةٍ، ويثبتون عند كلّ بلاءٍ : ولذلك عند أوّل الاختبار قال الله ذكر ما جرى منهم ﴿فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ (البقرة: 249)
• الضّراعة إلى الله تعالى بقلب صادقٍ متعلّقٍ به من أعظم أسباب إجابة الدّعاء، ولا سيّما في مواطن القتال : ذكر الله هنا من دعائهم ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 250) ولذلك أمرنا الله بالذّكر في أثناء الجهاد، حتّى يتذكّر العبد ربّه ويعلم أنّ النّصر والتّمكين من الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45) [الأنفال: 45]
• من سنة الله تعالى وحكمته أن يدفع شرّ بعض الخلق وفسادهم في الأرض ببعضهم: وذلك في قوله ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 251).
وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى. ونقف عند هذا الحدّ وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أنّ لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة: 253)
قال الله قال في الآية الّتي قبل هذه الآية ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (البقرة: 252) فبعد أن ذكر الله - سبحانه - أنّ نبيّنا محمّدًا -‘ - من المرسلين، حدّثنا عن هؤلاء الرّسل، وأيضًا : فقد مضى حديثٌ عن بني إسرائيل والنّبيّين الّذين بعثهم الله - فيهم كما تقدّم بيانهم ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253) هذا فيه إثباتٌ أنّ الرّسل متفاضلون فيما بينهم، فهناك رسول أفضل من غيره. فهم أفضل من عموم البشر، ثمّ إنّ الرّسل أنفسهم يتفاضلون فيما بينهم؛ فأفضلهم أولو العزم من الرّسل الّذين ورد ذكرهم في قول الله - ﴿وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ (الأحزاب: 7) [الأحزاب: 7] وأيضًا في قوله - سبحانه -﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13) [الشّورى: 13] ثمّ أعلاهم قدرًا نبيّنا محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم. وبناءٌ على ذلك : فلا تعارض بين هذه الآية الكريمة وما ورد في بعض الأحاديث الثّابتة عنه -‘ - من النّهي عن التّفضيل بين الأنبياء : (لا تخيّروا بين أنبياء الله ) (لا تفضّلوني على أنبياء الله ) (لا ينبغي لأحدٍ أن يقول أنا خير من عيسى أو يونس ابن متّى ) إلى غير ذلك من أحاديث ثبتت عنه -‰ -؛ فإنّ هذه الأحاديث الواردة لها موردٌ ولها سببٌ فتحمل عليه.
ومن ذلك :
(1) أنّ التّفاضل الممنوع هو التّفاضل الّذي يدعو إلى التّنازع والاختلاف، فإذا كان الشّخص سيفاضل بين الأنبياء فيقع تنازعٌ! كما وقع على عهد النبي ﷺ فإنّ هذا هو الممنوع.
(2) أو أنّ التّفاضل الممنوع : هو الّذي يفضي إلى تنقيص المفضول؛ لأنّ تفضيل الرّسل أو تفضيل بعض الرّسل على بعضٍ، لا يعني أنّ بعضهم مفضولٌ ليس ذا قدرٍ، بل إنّهم جميعًا - پ - على قدرٍ عظيمٍ. ومكانة كبيرةٌ عند الله - إلى غير ذلك من توجيهاتٍ ذكرها العلماء في هذا الحديث، وقد بيّنًا ذلك في مقاماتٍ أخرى ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 253) كعيسى -’ -، وكذلك آدم -’ - قد ثبت أنّه نبيّ مكلّم، ونبيّنا محمّد -‘ - كلمة الله - وفرض عليه الصّلوات في رحلة المعراج، ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ﴾ (البقرة: 253) قال بعض المفسّرين : المراد بقوله ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ﴾ (البقرة: 253) هو نبيّنا محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - لأنّ تفضيل بعض الرّسل على بعضٍ قد تقدّم في قوله ﴿بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253) فقوله ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ﴾ (البقرة: 253) هذه رفعةٌ أخصّ من الّذي سبق ذكرها، فالمراد به نبيّنا -‘ -، وذلك لأنّ الله أرسله للنّاس كلّهم، وختمت به النّبوّة، وفضّلت أمّته على الأمم كما ذكروا هنا في المختصر.
قال الله ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ (البقرة: 87) فجمع الله - في هذه الآية ذكر بعض هؤلاء الّذين فضّلهم على غيرهم من الأنبياء والرّسل فقال ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ (البقرة: 253) و (ٱلبيّنت): المعجزات ﴿بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ (البقرة: 253) وهو جبريل -’ -، وقد تقدّم معنا في سورة البقرة : أنّ روح القدس هو جبريل -’ – وفسّر بذلك في سورة البقرة أيضًا فيما سبق، ولذلك المطلوب منكم : أن تذكّروا لنا الموضع الّذي ورد فيه جبريل عليه السلام بوصفه بأنّه روح القدس.
قال الله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟﴾ (البقرة: 253) وقع الاختلاف.وقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم﴾ (البقرة: 253) يدلّ على أنّ كلّ شيءٍ يقع في الكون فهو بمشيئة الله -﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة: 253) وهذا فيه تأكيد هذا المعنى.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254) تكرّر في سورة البقرة الحديث عن الإنفاق لأنّ الإنفاق باب عظيمٍ والحاجة إليه ماسّةً، لذلك فهو من الشّعائر الجليلة والعبادات العظيمة. وسيأتينا بإذن الله تعالى فيما نستقبل من آياتٍ في سورة البقرة حديث مستفيضٍ عن الإنفاق وأنواعٌ وجزاءه وأمثاله في هذه السّورة الكريمة الشّريفة،
﴿أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم﴾ (البقرة: 254) فأنتم حينما تصدّقون حينما تعطون ممّا رزقكم الله، فالرّزق رزقه، والعطاء عطاءه - -﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254) ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ﴾ (البقرة: 254) فالدّنيا فيها البيع والشّراء؛ وأمّا الآخرة ففيها الجزاء (الثّواب والعقاب ) ﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 254) أي : ولا صداقةً تنفعه في وقت الشّدّة.
قال ﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254) وقالوا إنّ الخلّة : هي المودّة، ﴿وَقِيلَ﴾ لها (خلّةٌ ) لأنّها تتخلّل النّفس، قال ﴿وَلَا شَفَـٰعَةٌ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254) قوله (ولا شفعةٞ) أي : إلّا أن يأذن الله، ولذلك لا ينبغي أن يستدلّ بهذه الآية (ولا شفعةٞ) على نفي الشّفاعة مطلقًا؛ لأنّنا نقول : إنّ الّذي ينظر في آيات القرآن ينبغي له أن يجمع الآيات الواردة في بابٍ واحدٍ، فقد تكون الآية عامّةً في موضعٍ؛ ولكنّها خصّصت في موضعٍ آخر، وقد تكون مطلقةً في موضعٍ وقيّدت في موضعٍ آخر، والأمر هكذا في هذه الآية، فقوله (ولا شفعةٞ) جاء تخصيصه في مواضع أخرى، قال الله -﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ﴾ (النجم: 26) [النّجم: 26]، فدلّ على أنّ الشّفاعة تقبل إذا أذن الله ذلك ورضي الله -بذلك ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا﴾ (طه: 109) [طه: 109] لذلك أحسنوا هنا في التّفسير حين قالوا (ولا وساطةً تدفع ضرًّا أو تجلب نفعًا إلّا بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ ) ولذلك من يقوم بتفسير القرآن ينبغي له أن يراعي ما ورد في الآيات من تخصيصٍ أو تقييد ونحو ذلك.
قال الله ﴿وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254) وهذا من كرم الله وإحسانه ولذلك ورد عن عطاء بن دينارٍ : أنّ من فضل الله أنّه قال والكافرون هم الظّالمون ولم يقل والظّالمون هم الكافرون، فقد حكم الله أنّ الكافرين : (هم أظلم النّاس )، ولذلك جاء بهذا الأسلوب الدّال على الحصر بتعريف جزأي الجملة ودخول ضمير الفصل (هم ) ﴿وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254) فهم أظلم النّاس، وأمّا الظّالمون فهم متفأوتون، فهناك ظلمٌ دون ظلمٍ، قال الله سبحانه: ﴿وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 254).
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ (البقرة: 255)
هذه الآية الكريمة يقال لها آية الكرسيّ لذكر الكرسيّ فيها ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 255) وهذه الآية أيضًا هي أعظم أي في القرآن الكريم كما جاء عن نبيّنا - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - حين سئل أبي بن كعب - رضي الله عنه – (أتدري أيّ آيةٍ في كتاب الله أعظم، وضرب في صدره قال ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ (آل عمران: 2) قال ليهنك العلم أبًا المنذر ) فآية الكرسيّ هي أعظم آيةٍ في القرآن الكريم وذلك لأنّ موضوعها هو أعظم الموضوعات وهو الحديث عن الله وصفاته؛ وبهذا يعلم أنّ التّفاضل الوارد بين السّور والآيات مردّه على قول كثيرٍ من أهل التّحقيق بالمقصود والموضوع، ولذلك سورة الإخلاص تعدّل ثلث القرآن؛ لأنّها تتحدّث عن الله - وصفاته. فالسّورة تفضّل غيرها والآية تتقدّم غيرها بما فيها من موضوع أو بما حوت من موضوعٍ ودلّت على مقصودٍ عظيمٍ.
قال ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ (آل عمران: 2) هذه الآية الكريمة هي إحدى آيتين وردتا في كتاب الله، كلّ آيةٍ من هاتين الآيتين تضمّنت عشر جملٍ، يمكن أن تقسم إلى عشر جملٍ، وقد تقدّم الحديث عن الآية الأخرى في السّور السّابقة في تفسيرها من ربع يس، فذكرنا أنّ هناك آيةٌ أخرى حوت عشر جملٍ فما تلك الآية الّتي ذكرناها من قبلٌ؟ ونحن نورد بعض الأسئلة استعدادًا للاختبار الّذي سيكوّن عمّا قريبٍ في الشّهر المقبل بإذن الله تعالى، أسأل الله سبحانه أنّ يرزقنا العلم النّافع والعمل الصّالح
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: 255) إذا أردنا أن نفسّر آية الكرسيّ تفسيرًا يليق بمقام الآية فإنّ المقام لا يتّسع له، وهذا بما نتمكّن منه؛ وإلّا فالأمر أعظم من أن يقوم مفسّرٌ باستقصاء ما في الآية الكريمة من جلالٍ وفوائد وعظاتٍ ودروسٍ جليلةٍ، لكن نسير على طريقتنا المعهودة من المرور السّريع.
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ (البقرة: 255) فيه إثباتٌ إلهيّةٍ الله وأنّ الله واحدٌ لا شريك له فهو (ٱلحيّ) كاملٌ الحياة ولذلك قالوا هنا في المختصر (الحيّ حياةً كاملةً لا موت فيها ولا نقص ).
(ٱلقيّوم) قالوا في المختصر (الّذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه وبه قامت جميع المخلوقات فلا تستغني عنه في كلّ أحوالها ) ولذلك قالوا : القيّوم القائم بنفسه المقيم لغيره ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد: 33) [الرّعد: 33].
فقوله (ٱلحيّ) هذا لكمال ذاته، (ٱلقيّوم) لكمال صفاته وأنّه المقيم لغيره -﴿لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: 255) نفى عن نفسه سبحانه السّنة والنّوم ولم ﴿لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: 255) لأنّه الحيّ القيّوم، والحيّ القيّوم لا يمكن أن ينام ولا يمكن أن تأخذه سنةٌ، ﴿لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ﴾ (البقرة: 255) والسّنة: أوّل النّوم، ولذلك بعضهم يقول : هي الفتور الّذي يقع للإنسان في بداية النّوم يكون معه شعور وإدراك، ثمّ بعد ذلك يقع النّوم فقال ﴿لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: 255) لا قليلٌ ولا كثيرٌ
﴿لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 255) دلالةٌ على أنّ الله - مالك وخالقٌ ومدبّرٌ أمر السّماوات والأرض، ﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾ (البقرة: 255) هذه الآية توضّح الآية السّابقة ﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 254) إذا معنى هذه الآية بعد الآية السّابقة، فهي ترد على من فهمٍ أنّ الشّفاعة منفيّةٌ بإطلاقٍ، قال هنا ﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾ (البقرة: 255) يعني : ليس هناك أحد يشفع إلّا بإذن الله -﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (البقرة: 255) فيه دلالةٌ على أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (البقرة: 255) هنا فسّروا الآية قالوا في المختصر (يعلم ما مضى من أمور خلقه ممّا وقع وما يستقبلونه ممّا لم يقع ) إذا فسّروا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (البقرة: 255) ما مضى، فمًا بين يديك : ما مضى؛ فلأنّه سبق فصار بين يديك وأنت تسبقه وخلفته؛ وأمّا قوله (وما خلفهم) فهو خلفك لم تصل إليه بعد، وهو المستقبل هذا تفسيرٌ، وقد سبق لنا أنّ بعض العلماء فسّروا الآية بالعكس فقالوا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (البقرة: 255) ما بين أيديهم هو : المستقبل. (وما خلفهم) هو ما خلّفناه ممّا سبق وهو الماضي، وأصحاب المختصر هنا ليسوا على طريقةٍ واحدةٍ في تفسير هذا؛ لذلك في موضعٍ آخر في سورة طه قالوا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (البقرة: 255) [طه: 110] (يعلم ما بين أيديهم : ما يستقبله النّاس من أمر السّاعة فجعلوه بمعنى المستقبل، ويعلم ما استدبروا من دنياهم ) ففي سورة طه عكسوا التّفسير الموجود هنا وعلى كلٍّ : فهما قولان في تفسير الآية الكريمة وقد مضى التّنبيه على ذلك وأنّ هذا يدخل في باب الوجوه والنّظائر.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ (البقرة: 255) يحتمل أنّ المراد ﴿مِّنْ عِلْمِهِۦٓ﴾ (البقرة: 255) يعني :-
1-من علم ذاته وصفاته فنحن لا نعلم شيئًا من علم الله ممّا يتعلّق بذات وصفاته إلّا إذا أعلمنا الله ولذلك إذا لم يعلّمنا الله عن نفسه شيئًا فإنّنا لا نعلم فهو الّذي يعلّمنا لذلك نحن نعلم من صفاته ما أعلمنا الله به ولذلك نقول إنّ صفات الله توقيفيّةً.
2-أو أن نقول ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ (البقرة: 255) من معلوماته، فمعلومات الله لا نعلم منها إلّا ما شاء الله - لنا أن نعلم.
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ (البقرة: 255) ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 255) هنا فسّروا الكرسيّ بأنّه موضع قدمي الرّبّ - وهذا التّفسير واردٌ عن عبد الله بن عبّاس - رضي الله عنهما - وعن أبي موسى - رضي الله عنه - من الصّحب الكرام، ولا يعلم لهما مخالفٌ من الصّحابة، لكنّ ورد أثرٌ آخر عن ابن عبّاس فيه تفسير الكرسيّ : بالعلم وتفسير الكرسيّ بموضع قدمي الرّبّ - سبحانه - أصحّ عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - لذلك فسّروه به، فيكون الكرسيّ : مخلوقًا من هو أعظم من السّماوات والأرض. والكرسيّ أيضًا غير العرش؛ بل العرش أعظم منه، كما يدلّ عليه حديث الرّسول -‘ - (ما السّماوات السّبع والأراضون السّبع في الكرسيّ إلّا كحلقةٍ في أرض فلاةٍ، وفضّل العرش على الكرسيّ كفضل تلك الفلاة على هذه الحلقة ) أو كما جاء عنه -‰ -، وعلى كلّ حالٍ فهذا الّذي تدلّ عليه النّصوص والأمر في ذلك مرجعه إلى الدّليل الوارد عن النبي ﷺ، وما ورد عن الصّحب الكرام باعتبار أنّه لا يقال من قبيل الرّأي، - والعلم عند الله -ï - والله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾، قال الله سبحانه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 255).
ومن الفروق بين الكرسيّ والعلم : أنّ العلم جاء أوسع، وجاء أرحب من هذا ولذلك قال الله في ذكر دعاء الملائكة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (غافر: 7) [غافر: 7]، فلمّا ذكروا العلم قالوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (غافر: 7) وأمّا الكرسيّ هنا فقال الله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا﴾ (البقرة: 255) ) أي : ولا يثقله أو يشقّ عليه حفظهما - فهو الحفيظ، ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ (البقرة: 255) ففيه إثبات علوّ الله وإثبات عظمة الله -.
قال الله سبحانه ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256)
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) قالوا هنا في المختصر (لا إكراه لأحد على الدّخول في دين الإسلام؛ لأنّه الدّين الحقّ البيّن فلا حاجة به إلى إكراه أحدٍ عليه ) قوله ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) هذه الآية ظاهرها أنّها للنّفي؛ فمن أهل العلم من أقامها على ما هي عليه. فقالوا : - الآية فيها نفي الإكراه في الدّين، فالآية على هذا من قبيل الإنشاء، فقوله ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) هي كذلك من باب الإخبار يعني : أنّ الله - يخبر بأنّه ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾، ومنهم من فسّرها بالإنشاء بمعنًى : الطّلب، فقالوا : معنى ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) أي: لا تكرهوا أحدًا على الدّين؛ أمّا على التّفسير الأوّل وأنّ المراد بها النّفي فهو ظاهرٌ الآية الكريمة، ويكون المعنى : أنّه لا يمكن أن يكره أحد أحدًا على الدّين؛ لأنّ أمر الدّين يتعلّق بالقلب وما يعتقده القلب لا يمكن لأحدٍ أن يكره أحدًا على ذلك فالإنسان قد يظهر شيئًا وأمّا ما يقرّ به قلبه وما يكنّه صدره فإنّ أحدًا لا يستطيع إكراهه عليه، فلذلك قال = ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) قالوا أيٌّ : لا إكراه للقلب في أمر الدّين أو في أمر المعتقد، أو أنّ المعنى لا حاجةً إلى ذلك (لا يحتاج الأمر إلى ذلك )؛ لأنّ الله بعدها قال ﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ (البقرة: 256)
وهناك من أهل العلم من يحمل ذلك على النّهي فيقول : إنّها بمعنى النّهي. أيٌّ : لا تكرهوا أحدًا على الدّين، واختلف العلماء في ذلك : فمنهم من قال إنّ الآية على هذا منسوخةً، ومنهم من قال وهو الأرجح والصّحيح أنّها ليست منسوخةً، لكنّ منهم من خصّ الآية الكريمة، وقالوا إنّ الآية الكريمة قد وردت في شأنٍ معيّنٍ، وذلك أنّ سبب نزول الآية راجعٌ إلى أنّ بعض الأنصار لما أجلى الله - اليهود من بني النّضير وكان بعض الأنصار - بعض أولادهم - قد تهوّد أي صار يهوديًّا فلمّا رحل أو أجلي بنو النّضير خرجوا معهم، فأراد الأنصار أن يمنعوهم فأنزل الله قوله ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) فيتعلّق ذلك بأهل الكتاب، فأهّل الكتاب لا تكرهوهم على الدّين والله أعلم.
﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾ (البقرة: 256) قالوا هنا في المختصر (فمن يكفر بكلّ ما يعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ويتبرّأ منها ) فهذا معنى الطّاغوت، فكلّ من عبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ أو كلٍّ : ما عبّد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ (وهو راضٍ ) فهذا طاغوتٌ، ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ (البقرة: 256) وهذا معنًى لا إله إلّا الله فلا إله إلّا الله نفي وإثبات ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ﴾ (البقرة: 256) في معنًى لا إله (ويؤمن بٱللّه) في معنًى ﴿إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 83) ﴿فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256) قالوا في المختصر (فقد استمسك من الدّين بأقوى سببٍ لا ينقطع للنّجاة يوم القيامة والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها ) وهذا كما تقدّم من أثر علمنا بأنّ الله سميع عليمٍ، فهو يجازي العباد على ذلك نسأل الله سبحانه أنّ يجعلنا من المستمسكين العروة الوثقى.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• أنّ الله تعالى قد فاضل بين رسله وأنبيائه، بعلمه وحكمته سبحانه : وهذا دلّ عليه قوله ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253).
• إثبات صفة الكلام لله تعالٍ على ما يليق بجلاله، وأنّه قد كلّم بعض رسله كموسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام : قال الله ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 253).
• الإيمان والهدى والكفر والضّلال كلّها بمشيئة الله وتقديره، فله الحكمة البالغة، ولو شاء لهدى الخلق جميعًا : ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة: 253).
• آية الكرسيّ هي أعظم آيةٍ في كتاب الله، لما تضمّنته من ربوبيّة الله وألوهيّته وبيان أوصافه : وقد دلّ على ذلك حديث رسول الله -‘ -.
• اتّباع الإسلام والدّخول فيه يجب أن يكون عن رضا وقبولٍ، فلا إكراه في دين الله تعالى : ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ (البقرة: 256).
• الاستمساك بكتاب الله وسنّة رسوله أعظم وسيلةٍ للسّعادة في الدّنيا، والفوز في الآخرة :قال الله ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256)
﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 257)
بعد أن بيّن الله - أنّه ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ وأنّ من ﴿يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾، بيّن أنّه - يتفضّل على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من خلقه، فيهديهم إليه فقال ﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 257) فشتّان بين حال هؤلاء وأولئك ﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (البقرة: 257) قالوا هنا في المختصر (من ظلمات الكفر والجهل ) ففسّرت الظّلمات بالكفر والجهل، وهذا له وجهٌ؛ لأنّه قد يقول قائل : إنّ ظاهر ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (البقرة: 257) أنّ جميع المؤمنين كانوا في الكفر ثمّ انتقلوا إلى الإيمان. وهذا ليس بلازمٍ؛ لأنّ الأصل أنّ الإنسان يولّد على الفطرة، وهناك من استمرّ على إيمانه بالله - ولم يتقدّم له كفرٌ بالله. لذلك ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الآية تتحدّث عن مجموعةٍ من أهل الإيمان، وليس عن جميع أهل الإيمان، فقوله (يخرجهم) أي يخرج بعض أهل الإيمان من الظّلمات إلى النّور، وهناك من يهديه الله - فلا يدخل في الظّلم أصلاً، أو أن يقال : إنّ الظّلمات أوسع دائرةٍ من الكفر، لذلك قالوا هنا في المختصر (من ظلمات الكفر والجهل ) وعليه يردّ الحديث القدسيّ عند مسلم حديث أبي ذر - رضي الله عنه - (يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلّكم ضالٌّ إلّا من هديّته ) فمن معاني الضّلال : الجهل، ولذلك قال الله للنّبيّ -‘ - ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ (الشورى: 52) [الشّورى: 52]، وقال بعضهم : المراد بالظّلمات أيضًا : الشّبهات وذلك أنّه لا يخلو إنسان من إيراد بعض الشّبهات والشّكوك فحينئذٍ يخرجه الله من هذه الظّلمات إلى النّور
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ (البقرة: 257) قالوا هنا في المختصر (من نور الإيمان والعلم إلى ظلمات الكفر والجهل ) هذا أيضًا قد يردّ عليه إيرادٌ، وهو أنّ الكفّار معناه : أنّهم يكونون في النّور أوّلاً، ثمّ بعد ذلك ينتقلون إلى الظّلمات : -
(فالجواب )
(1): فإمّا أن يقال باعتبار أنّه في الأصل (قد ولد على الفطرة ) ثمّ بعد ذلك تلوّثت فطرته وانتكس، وكفر بالله نسأل الله السّلامة والعافية.
(2) أو أنّ هذا في مجموعةٍ معيّنةٍ ممّن ارتدوا على أعقابهم. نسأل الله السّلامة
(3) أو أن يفسّر النّور بما هو أعمّ. ولذلك قالوا هنا في المختصر (من نور الإيمان والعلم إلى ظلمات الكفر والجهل ) وتأمل هنا المقابلة لم يقل (الله ولي الّذين آمنوا والطّاغوت ولي الّذين كفّروا) فلم يقابل بينه وبين الطّاغوت؛ وإنّما قال ﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (البقرة: 257) ثمّ ذكر ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ (البقرة: 257) وهذا من البلاغة في التّفريق أو في التّقسيم الوارد في القرآن الكريم وله نظائر كثيرةٌ في كتاب الله.
قال الله - سبحانه - ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 257) ثمّ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 258)
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (البقرة: 258) قالوا هنا في المختصر (هل رأيت - أيّها النّبيّ - أعجب من جرأة الطّاغية الّذي جادل إبراهيم -’ - في ربوبيّة الله وتوحيده، وقد وقع منه ذلك لأنّ الله آتاه الملك فطغى ) ففي قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ﴾ (البقرة: 258) كأنّهم أفادوا بذلك : أنّ هل رأيت أعجب من ذلك؟ ففيه تعجيب من حال هذا الطّاغية وهو النّمروذ ابن كنعان على قول جماهير أهل التّفسير فجمهور المفسّرين يقولون : إنّ هذا المفاصل والمجادل لإبراهيم الخليل هو النّمروذ ابن كنعان، وأيًّا ما كان فإنّ الله - قد ذكر لنا هذا القول الّذي وقع منه وهذا الكفر، وهذا الطّغيان وقد قيل : إنّه أوّل من ادّعى الرّبوبيّة، قيل بذلك
﴿أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾ (البقرة: 258) أي : لأجل أن أتاه الله - الملك فهذا يعني أنّ بعض النّاس يطغيهم ما معهم من ملكٍ وسؤددٍ ومالٍ كما قال الله ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ﴾ (العلق: 6) [العلق: 6 -7]