سورة البقرة — الجزء 18
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ﴾ (البقرة: 258) هذا مَثَلٌ للّذين أولياؤهم الطّاغوت - للّذين كفروا - الّذين ذكر الله حالهم وقال ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ (البقرة: 257) فبعد أن ذكر الله الحكم العامّ ذكر أمثلةً، فذكر ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ﴾ (البقرة: 258) ثمّ ذكر مثالاً للمؤمّن ﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ (البقرة: 259) ثمّ ذكر مثالاً لخليل الرّحمن إبراهيم -’ - وقد تولّاه الله سبحانه وحفظه ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (البقرة: 260)
قال هنا ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 258) تجدون أنّ السّؤال ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ﴾ (البقرة: 258) ﴿قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: 258) في الرّدّ عليه لأنّه في مقام المقأولات، وقلنا إنّه في مقام المحاورات والمقاولات : الأصل ألّا تدخل الفاء (قال قال) ﴿قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: 258) ما معنى ﴿قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: 258) قالوا هنا في المختصر (قال الطّاغية عنادًا : أنا أحيّي وأميت بأن أقتل من أشاء وأعفو عمّن أشاء ) وهذا كان بإمكان إبراهيم -’ - أن يعترض عليه، فيقول : أنت لا تحيي حياةً حقيقيّةً فأنت لا توجد من عدمٍ، ولكنّ الخليل إبراهيم -’ - تركه وشأنه، فلا حاجةَ إلى المجادلة في هذا الباب الّذي يدّعيه فقطع عليه الحجّة في بابٍ لا يمكن أن يقول فيه شيئًا.
فلذلك قال له ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 258) وحينئذٍ ماذا يصنع وهو لا يستطيع أن يحول ما قدّر الله - وأن يغيّره ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 258) وهذا من تمام فطنة الخليل إبراهيم -’ -، وتأييد الله له، ثمّ قال الله سبحانه : (﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢٥٩)
﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (البقرة: 259) أي أو هل رأيت مثلَ الّذي ﴿مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. ما معنى ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ (البقرة: 259) يحتمل معنيين:
الاحتمال الأوّل : وهي ساقطةٌ على عروشها وهي السّقوف، يعني : أنّ السّقوف قد سقطت ثمّ هي سقطت فوقها أيّ سقطت على السّقوف، فالسّقف وهو العرش سقط، ثمّ سقطت الحيطان عليه، وهذا للدّلالة على هلاكها.
(الاحتمال الثّاني): أو أنّ معنًى ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ (البقرة: 259) يعني وهي خاليةٌ على عروشها قد خلت من السّكّان. قال ﴿قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (البقرة: 259) قالوا هنا في المختصر (سقطت سقوفها، وتهدّمت جدرانها ) وهذا أحد القولين (وهلك سكّانها، فأصبحت موحشةً مقفرةً قال هذا الرّجل متعجّبًا : كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتها؟! ) ففسّروا (أنّى) بمعنى (كيف) وبعضهم فسّرها بــ (﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾) ﴿قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (البقرة: 259) هذا الرّجل الّذي سأل هذا اختلف أهل العلم في حقيقة أمره أكان شاكًّا في قدرة الله؟ أم كان على علمٍ بالله -؟ لكنّ تعجّب من عظيمٍ قدرة الله سبحانه مع علمه بأنّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ولذلك اختلفوا في إيمانه ورجّح كثيرون أنّه مؤمنٌ وأنّه (عزير ) وقد ذهب إلى ذلك كثيرٌ من المفسّرين، وقد اختلف أهل العلم في أمرٍ (العزير ) فبعض العلماء قال : إنّه نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنّهأية.
ومنهم من قال : بل هو من صالحيهم ولا يصل إلى رتبة النّبوّة، وقد ورد حديثٌ عن النّبيّ -‘ – (وما أدري أعزير نبيّ أم لا ) ورد هذا عن نبيّنا -‘ - وأنّه توقّف في شأنه. على كلّ حالٍ : فالّذين يرون أنّه مؤمنٌ أو أنّه نبيٌّ فلا يكون سؤاله من باب الشّكّ؛ وإنّما من باب أنّه يتعجّب من هذا الأمر استعظامًا له وهو يعلم إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (البقرة: 259) كما هو المعتاد؛ فالإنسان ينام يومًا أو ينام بعض يومٍ ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (البقرة: 259) يعني لم يتغيّر مع أنّ أسرع ما يصيبه التّغيّر : الطّعام والشّراب، فمن المعروف أنّ الطّعام والشّراب يسري إليه الفساد سريعًا، فكيف يمكث الطّعام والشّراب دون تغيّر هذه المدّة الطّويلة؟ ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (البقرة: 259) يعني لم يتغيّر، ولم تذهب طراوته وكأنّه لم تمر عليه السّنون وكأنّه لم تمر عليه السّنّ لذلك قال ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (البقرة: 259) والعلماء لهم كلامٌ طويلٌ في أصل كلمةٍ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (البقرة: 259) وهل أصلها الهاء (سنةٌ ) أمّ أصلها (سنو ) الواو كلام لأهل العلم، وقد عرضنا لطرفٍ منه في التّعليق على تحفة الأريب وله مزيد بيان هناك.
قال الله – سبحانه -﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 259) انظر إلى عظام حمارك الّذي تفرّقت وتباعدت فالحمار ما يمرّ عليه هذه المدّة كلّها وهو باقٍ وإن كان والله على كلّ شيءٍ قديرٍ لكنّ أراد الله – سبحانه - أنّ يجعل في الحمار آيةً وأن يجعل أيضًا في الطّعام والشّراب آيةً، فهذا الّذي يسري إليه الفساد لا يفسد، قال الله - في شأن الحمار ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (البقرة: 259) أي : كيف نرفعها، ونضمّ بعضها إلى بعضٍ، فقوله (ننشزها ) أصل النّشز معناه: الرّفع، ولذلك قال الله - ﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟﴾ (المجادلة: 11) [ المجادلة : 11 ]، فأصل المادّة يدلّ على الرّفع ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ (البقرة: 259) يعني نرفعها ونضمّ بعضها إلى بعضٍ، والقراءة الأخرى وهي متواترةٌ (كيف ننشرها) وننشرها معناها : نحييها، فيجتمع من القراءتين. هذا وذاك، يجتمع المعنيان : أي انظر إلى العظام كيف نحييها ونجمعها ونضمّها ونرفعها فنضمّ بعضها إلى بعض وهذا من تكامل القراءات المتواترة.
﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 259) والقراءة الأخرى ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 259) هل قيل له ذلك لأنّه كان شاكًّا على قولٍ، أو قيل له ذلك من بابٍ أنّ الأمر بعد أن كان علمًا صار معأينةً. والمعأينة : كما هو معلومٌ أعظم من مجرّد الخبر، ولذلك ورد (ليس الخبر كالمعأينة )
﴿وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 259) وهذا هو البرهان الرّابع الّذي ورد في سورة البقرة، وهو يدلّ على أنّ الله قادرٌ على إحياء النّفوس بعد موتها، وذلك بأنّ ذكر برهان من براهين البعث وهو إحياء بعض النّفوس في الحياة، فهذا هو الدّليل الرّابع في إحياء بعض النّفوس في الحياة الدّنيا قبل الآخرة.
من فوائد الآيات
من أعظم ما يميّز أهل الإيمان أنّهم على هدًى وبصيرةٍ من الله تعالى في كلّ شؤونهم الدّينيّة والدّنيويّة، بخلاف أهل الكفر: قال الله ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (البقرة: 257) وتأمّلوا هنا أنّ الظّلمات جاءت مجموعةٌ، وأنّ النّور جاء مفردًا، قالوا : لأنّ أصل النّور واحدٌ مصدره الواحد؛ وأمّا الظّلمات فهي متفرّقةٌ فعلى رأس كلّ طريق شيطانٍ يدعو إلى هذا الضّلال نسأل الله السّلامة.
من أعظم أسباب الطّغيان الغرور بالقوّة والسّلطان حتّى يعمى المرء عن حقيقة حاله : فهذا النّمروذ أو غيره ممّن يدّعي الرّبوبيّة : أنسي نفسه؟ أمّا علم أنّه كان عدمًا؟ أين كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يولّد وأين كان وهو في بطن أمّه؟ ما قدرته؟ وما سلطانه؟ لكنّه الغرور!!
مشروعيّة مناظرة أهل الباطل لبيان الحقّ، وكشف ضلالهم عن الهدى: كما وقع من الخليل إبراهيم -’ - إذ ناظر هذا الملك الظّالم الّذي طغى وادّعى الرّبوبيّة، ومناظرة أهل الباطل لها فقهٌ، ففي بعض الأحوال لا تكون هناك فائدةٌ مرجوّةٌ فحينئذٍ يمتنع منها، وقد تكون هناك فائدةٌ مرجوّةٌ فحينئذٍ لا بأس بها بل قد تكون مشروعةً وربّما تعيّنت؛ ولذلك وقع هذا في مواقف عديدةً، كما قال الله لبيان هذا الأمر ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت: 46) ولذلك وقع من هذا ما وقع من عبد الله بن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - في مناظرته لأهل الخوارج ورجوع كثير منهم إلى الحقّ والرّشد بفضل الله
عظم قدرة الله تعالى؛ فلا يعجزه شيءٌ، ومن ذلك إحياء الموتى: فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ سبحانه.
قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 260)
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (البقرة: 260) هذا مثالٌ آخر، وأنموذج آخر لهذا الّذي تولّاه الله – سبحانه - من أهل الإيمان : إنّه خليل الرّحمن ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (البقرة: 260) لم يقع منه شكٌّ؛ وإنّما أراد أن يتحوّل الأمر عنده من علم اليقين إلى عين اليقين فهو يعلم علم اليقين أنّ الله قادرٌ على إحياء الموتى، ولكن أراد الخليل إبراهيم -’ - أن يصل الأمر به إلى أن يرى ذلك بعين اليقين فيصل إلى مرتبةٍ عين اليقين، أو كما يقولون : من العلم الاستدلاليّ إلى العلم الضّروريّ النّاشئ عن طريق الحسّ والمشاهدة والرّؤية ولذلك قال الرّسول -‘ – (نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم )
إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260) وقوله -‘ - نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم، ليس فيه إثباتٌ أنّ إبراهيم -’ - وقع شكٍّ، لكن أن ظنّ أنّ إبراهيم وقع منه شكٍّ فيقال له نحن أحقّ بهذا الشّكّ من إبراهيم -’ -، لكنّ الرّسول لم يقع منه شكٍّ ولا الخليل إبراهيم -’ - وقع منه الشّكّ -‰ - ولذلك قال الله - له ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260) فقال بعض العلماء : إنّما قال لهم ذلك حتّى يعلم أنّ إبراهيم -’ - ليس بشاكّ وربّي يعلم فربّنا حينما قال له ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ (البقرة: 260) ربّنا يعلم أنّه يؤمن ولكنّ هذا ليعلم من بعده أنّ الّذي دفع إبراهيم -’ - ذلك هو أنّه أراد أن يصل إلى مرتبةٍ عين اليقين.
﴿قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260) وقوله ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260) أيٌّ : ليزداد يقيني، لذلك قالوا هنا في المختصر (بلى قد أمّنت ولكنّ زيادةً في طمأنينة قلبيٍّ ) ولذلك استدلّ عددٌ من الأئمّة على هذا أيّ على قوله ﴿وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260) استدلّوا بذلك على إثبات زيادة الإيمان ونقصانه، وأنّ الإيمان يزيد وينقص لأنّه قال ﴿وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260) ليزداد يقيني ففيه إثبات ذلك.﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ (البقرة: 260) والقراءة الأخرى (فصرهنّ إليك) ففيها قراءتان (فصرهنّ) بالضّمّ (فصرهنّ) بالكسر، وقوله (فصرهنّ) أو (فصرهنّ) إليك معناه : أملهنّ إليك، أو قطعهنّ ففيها معنيّان، معنى الإمالة ومعنى التّقطيع. إذا : أمل هذه الطّيور إليك، أملها، وأيضًا : قطعها تقطيعًا فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنّها بمعنى الإمالة، فالتّعدّي ب (إلى ) هذا واضحٌ،
(فصرهنّ إليك) يعني : أملهنّ إليك، وإن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ معناها : - فقطعهنّ، فالإمالة مأخوذةً من قوله (فخذ أربعةٗ) أيٌّ : فخذ إليك، فيكون قوله (إليك) متعلّقًا بقوله (فخذ) وحينئذٍ أيضًا لا إشكال في هذا - والعلم عند الله -ï. وكان المعنى : إنّه يميّز هذه الطّيور، بأن يعرف علاماتها ويتعرّف على أشكالها. ثمّ بعد ذلك يقوم بتقطيعها.
قال ﴿ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (البقرة: 260) ادعهنّ : فيستدعيها فتأتيه سعيًا بفضل الله - ﴿ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (البقرة: 260) وتأمل لم يقل (يأتينك ساعيًا )؛ إنّما ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (البقرة: 260) كأنّهنّ السّعي نفسه، فعبّر بالمصدر،
﴿ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (البقرة: 260) : ولم يقل (ثمّ ادعهنّ تأتيك سعيًا )؛ إنّما ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (البقرة: 260) وكأنّهنّ صرن عاقلاتٍ يدركن الدّعوة الّتي يدعوهنّ إبراهيم -’ – إليها، أو إلى دعائه -’. وهذا كلّه للدّلالة على إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ - قال ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 260) قال بعض العلماء : وشتّان بين ما وقع للخليل إبراهيم عليه السلام، وما وقع في الآية الّتي قبلها ﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ (البقرة: 259) فهذا لما طلب أن يحيي هذه الله بعد موتها أماته الله مئة عامٍ، وأمّا الخليل إبراهيم -’ - فإنّ الله أجابه إلى سؤاله وطلبه. ولذلك قال بعضهم : إنّه لا يدلّ على نبوّة عزير، على خلاف بين العلماء تفصيله معروفٌ في كتب التّفسير والاعتقاد.
قال الله بعدها : ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍ ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261)
تقدّم أنّ هناك آياتٌ كثيرةٌ في سورة البقرة تحدّثنا عن الإنفاق وفضّل الإنفاق، وضربت الأمثال للمنفقين، فهنا مثلٌ من الّتي تتعلّق بالإنفاق، ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ (البقرة: 261) والأصل أنّ الكلام : (مثلٌ نفقة ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ كَمَثَلِ حَبَّةٍ )، فقوله ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ (البقرة: 261) هذا التّمثيل وهذا التّشبيه لماذا؟ للنّفقة وليس للّذين ينفقون أموالهم لكنّ هذا معروفٌ من السّياق
﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 261) أو : كان المعنى أيضًا : ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ﴾ صاحب حبّةٍ، أو كمثل زارع حبّةٍ. لكنّ هذا مفهوم من السّياق، وتأمل أيضًا بديع أمثال القرآن الكريم ولذلك عندنا علم من علوم القرآن يقال له الأمثال القرآنيّة. وقد تقدّم طرفٌ يسير من ذلك من قبلٍ.
قال الله هنا ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍ﴾ (البقرة: 261) لم يقل الله : (﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ﴾ سبع مئة حبّة) لم يأتي المثال هكذا! إنّما ذكر الله - صورة هذا الزّرع، كيف ينشأ؟ وكيف يترعرع؟ وكيف ينمو؟ وكيف يزداد؟ فقال ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍ ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 261) فهذا أعظم في التّصوير، وأعظم في التّمثيل للدّلالة على أنّ النّفقة - وإن كانت قليلةً يسيرةً - لكنّها تربو وتزداد وتكون عظيمةً عند الله - ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (البقرة: 261) وجاء التّعبير هنا بقوله (سنابل ) وهو جمع تكثير بخلاف ما جاء في سورة يوسف فهو جمع قلّةٍ لأنّه جمعٌ مؤنّثٌ سالم أو مزيد بالالف والتّاء كما هو معلومٌ. ﴿وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 261) -.- قال ﴿وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 261) قيل : أي والله يضاعف هذا الثّواب لمن يشاء أو : ﴿وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ زيادةً على السّبعمائة كما جاء في الحديث (إلى أضعافٍ كثيرةٍ ) ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 268).
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّا وَلَآ أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 262).
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 262) إذا أوّل شرطٍ : أن يكون الإنفاق في سبيل الله، فيكون صاحبه مخلصًا في هذا الإنفاق، ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّا وَلَآ أَذًى﴾ (البقرة: 262) وذلك لأنّ المنّ والأذى يبطل هذه الصّدقة، وهذا معناه أنّ الإنسان قبل التّصدّق يخلص في صدقته، ويوجّه الصّدقة إلى المكان المناسب، ثمّ بعد الصّدقة يحافظ على الصّدقة فيمتنع من فعل ما يكون سببًا في إبطال هذا العمل الّذي تقرّب به إلى ربّه - ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟﴾ (البقرة: 262) قالوا هنا في المختصر (ثمّ يتّبعون بذلهم بما يبطل ثوابه من المنّ على النّاس بالقول أو الفعل ) فلا يمنّ ولا يؤذي، فلا يمنّ ولا يؤذي
ولذلك قال هنا ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّا وَلَآ أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (البقرة: 262) أي: حين يستقبل فيما يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277) على ما مضى لعظيمٍ نعيمهم، ولذلك قالوا : إنّ المنّة تهدم الصّنيعة؛ فالإنسان إذا منّ على شخصٍ قد يهدم صنيعته ويهدم معروفةً.
ثمّ قال الله ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 263) قال ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ (البقرة: 263) أي: قول كريم تُدخل به السّرور على قلبٍ مؤمنٍ، ليس معك ما تنفقه، ليس معك ما تتصدّق به فقلّ له قولاً معروفًا. فإنّ قول المعروف صدقةٌ، كما جاء عن نبيّنا -‘ – (وكلًّ معروفٍ صدقةً ) ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ (البقرة: 263) ما معنى مغفرةٍ؟ قالوا هنا في المختصر (وعفوٌّ عمّن أساء إليه ) لأنّ الفقير لعوزه ولحاجته ولفاقته ربّما تكلّم معك بكلمةٍ نابيةٍ أو كلمةٍ قاسيةٍ، فحينئذٍ تتحمّلها فتقول له : المعروف وتعفو عن الخطأ الّذي بدر منه، ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ﴾ (البقرة: 263) خير من أنّ تحسّن إليه ثمّ تتبع ذلك بالأذى ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 263) ولم يذكر المنّ؟ لأنّ المنّ جزءٌ في الحقيقة من الألم، فبعد أن ذكره في الآية الّتي قبلها اكتُفي هنا بذكر الأذى، قال ﴿وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 263) هناك قولٌ آخر : ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ (البقرة: 263) أي : ومغفرةٌ من الله بسبب القول المعروف؛ فإنّه سبّب في مغفرة الذّنب.
ثمّ قال الله سبحانه : (﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ٢٦٤)
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ﴾ (البقرة: 264) جاء التّصريح بأنّ المنّ والأذى يبطل الصّدقات، نسأل الله السّلامة، ولذلك حقيق بالعبد أن يحذّر من محبطات الأعمال، وقد تقدّم الحديث في سورة الحجرات عن محبطات الأعمال في قول الله – سبحانه - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: 2) [الحجرات: 2]، قال الله (﴿كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾) أي: هذا الّذي ينفق ثمّ يمنّ أو يؤذي مثله كمثل الّذي ينفق ما له رياءٌ ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾، وهذا فيه أنّ من أنفق ماله رئاءً فإنّه أيضًا يبطل عمله؛ لأنّ الرّياء يحبط الأعمال نسأل الله السّلامة.
وقال الله (فمثله) أي: مثلٌ هذا الّذي على هذه الصّفة، (فمثله)
يحتمل أنّ قوله (فمثله) أي : مثلٌ المتصدّق منّا وأذًى، أيٌّ : يتصدّق ثمّ يمنّ ويؤذي، أو مثلٌ المنفق رياءً، والأمر قريبٌ. لذلك قالوا هنا في المختصر (فإنّ مثّل من يفعل ذلك مثلٌ الّذي يبذل أمواله بقصد أن يراه النّاس ويمدحوه ) قال الله سبحانه ﴿فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ (البقرة: 264) الصّفوان : هو الحجر الأملس، الحجر الأملس من الصّفاء وهو خروج الشّيء ممّا يشوبه، فهو حجرٌ أملس ليس عليه شيء هنا جاء : ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌ﴾ (البقرة: 264) أتاه مطرٌ غزيرٌ (فتركه صلدٗا) ترك هذا الحجر صلدًا أي : أنّه لا شيءً عليه، ذهب التّراب كذلك تلك الصّدقة تذهب هباءً منثورًا بسبب رياء صاحبها أو بسبب منه أو بسبب أذاه، قال الله - -﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا۟﴾ (البقرة: 264) فلا يبقى من شيءٍ عند الله - ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 264) نسأل الله السّلامة والعافية.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• مراتب الإيمان بالله ومنازل اليقين به متفاوتةٌ لا حدّ لها، وكلّما ازداد العبد نظرًا في آيات الله الشّرعيّة والكونيّة زاد إيمانًا ويقينًا: قال الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (البقرة: 260)
• بعث الله تعالى للخلق بعد موتهم دليل ظاهرٍ على كمال قدرته وتمام عظمته سبحانه :
ولذلك فهذه الآية هي البرهان الخامس في إحياء بعض النّفوس في الحياة؛ لأنّ الله يحيى أو ذكر في سورة البقرة خمسة مواضع فيها إحياء بعض النّفوس في الحياة، وهذا دال على البعث. فقال هنا - ﴿ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 260)
• فضل الإنفاق في سبيل الله وعظم ثوابه، إذا صاحبته النّيّة الصّالحة، ولم يلحقه أذى ولا منّةً محبطةً للعمل قال الله -سبحانه -﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّا وَلَآ أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 262).
• من أحسن ما يقدّمه المرء للنّاس حسن الخلق من قولٍ وفعل حسن، وعفو عن مسيءٍ : ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ (البقرة: 263).
قال الله سبحانه ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 265)
هذا مثلٌ آخر ضربه الله - للمنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وهنا قال ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 265) فهم مخلصون في هذه النّفقة ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) قالوا هنا في المختصر ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) أي : (مطمئنةً أنفسهم بصدق وعد الله غير مكرهةٍ ) إذا هم أنفقوا وهم مخلصون في النّفقة وهم أيضًا واثقون في وعد الله، وأنّ الله سيخلف عليهم وسيعوّضهم الخير الكثير، ولذلك فسّر بعضهم هذه الآية ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) قالوا : أي إخلاصًا واحتسابًا، كما جاء في الأحاديث عنه -‰ – (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ) (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا ) فقوله ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 265) هذا فيه الإخلاص والإيمان ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) هذا فيه الاحتساب، ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) وقال بعضهم : تثبيتًا من أنفسهم أي : تثبيتًا لأنفسهم، فبعضهم فسّر (من ) باللّام أي : وتثبيتًا لأنفسهم، هم ثبتوا أنفسهم؛ لأنّهم واثقون في وعد الله سبحانه. أو أنّ : المعنى ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) أي : تثبيتًا ناشئًا من أنفسهم، فهذا التّثبيت نابعٌ من النّفوس الزّاكيّة. والنّفوس المطمئنة الرّاضية بقضاء الله الواثقة في عطاء الله - ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ﴾ (البقرة: 265) ببستانٍ على مكانٍ مرتفعٍ طيّبٍ، قال الله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ﴾ (البقرة: 265) الجنّة : هي البستان، (بربوةٍ) أي : مكانٌ مرتفعٌ، المكان المرتفع. وقد ذكروا أنّ أشجار الرّبى : هي أفضل أنواع الأشجار من حيث الثّمار، ومن حيث ما يمنّ الله - على العباد منها من خيراتٍ.
قال الله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ (البقرة: 265) فتكون أحسن منظرًا وأكثر (أصابها وابلٞ) أي: مطرٌ غزيرٌ ﴿فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (البقرة: 265) أي: فرذاذ خفيف، أي : هي في كلّ الأحوال تنتج خيرًا، سواءً أتاها مطرٌ كثيرٌ أم لم يأتها إلّا قليلٌ، وهكذا المنفق ولو أنفق نفقةً يسيرةً صغيرةً لكنّه بسبب إخلاصه وبسبب احتسابه فإنّ الله يبارك في تلك النّفقة فتنمو نموًّا كبيرًا عند الله -.
ثمّ قال اللّه: (﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢٦٦)
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (البقرة: 266) اجتمعت عنده الخيرات فرجل عنده جنّة بستان من نخيلٍ وأعناب فيستفيد من هذا وذاك ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ (البقرة: 266) فهو لا يحتاج إلى مياه فالماء عنده متوفّرٌ أو متوافرٍ ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (البقرة: 266) من صنوف الثّمرات، ولكن ماذا جرى له؟ ﴿وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ (البقرة: 266) أي : فأصبح شيخًا لا يقدر على العمل والكسب، وله أبناء صغار ضعفاء. لا يستطيعون العمل فماذا جرى له؟ قال الله ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ﴾ (البقرة: 266) قالوا في المختصر (مثلٌ هذا الرّجل يردّ على الله يوم القيامة بلا حسناتٍ ) بسبب ماذا؟ قال (فأصابت البستان ريح شديدةٍ فيها نارٌ شديدةٌ فاحترق البستان كلّه، وهو أحوج ما يكون إليه لكبره وضعف ذرّيّته؟ ) هذا مَثَلٌ للمنفق رياءً، هذا المنفق رياء يوم القيامة يحتاج إلى نفقته، يحتاج إلى ثوابه، فيجد أنّ النّفقة قد ذهبت سدًى وقد ذهبت هباءً منثورًا كمثل هذا الرّجل الّذي رأى البستان، والّذي رأى الخيرات، ورأى الأنهار وظنّ أنّ الثّمر سيدفعه؛ لكنّه بعد وهن عظمه وكبر سنّه وضعف ذرّيّته أصابها إعصار فيه نارٌ فلم يستطع أن يدفعهم ولن ينتفع بشيءٍ من هذا البستان، وكذلك المرائي لا ينتفع بشيءٍ من هذه الصّدقات. وقد ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل الصّحب الكرام - رضي الله عنهم - عن هذه الآية وسألهم عنها فقال ابن عبّاس - رضي الله عنهما - : (ضربت مثلاً فقال لأيّ مثلٍ؟ فقال : لمثل رجلٍ غنيٍّ كان يعمل بطاعة الله ثمّ إنّ الشّيطان أضلّه فأغرق عمله بالمعاصي ) فكان هذا بمعنى أنّ الشّخص كان يعمل بطاعة الله - ثمّ تسلّط عليه الشّيطان فعمل بالمعاصي، فحينئذٍ كان هذا سبب هلاكه، وفيه : أنّ الإنسان قد لا تحسن خاتمته بسبب تركه لطاعة الله فنسأل الله الثّبات على دينه.
﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ﴾ (البقرة: 266) والإعصار : الزّوبعة قيل لها الإعصار : لأنّها تلتفّ كما يلتفّ الثّوب المعثور أو لأنّها تعصر من تمرّ عليه، قال (كذلك يبيّن ٱللّه لكم ٱلأٓيت لعلّكم تتفكّرون) إذن الآية السّابقة ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ (البقرة: 266) يستفاد منها في جهتين : - أنّه لا ينبغي للإنسان أن يرائي لأنّ الرّياء يحبط الأعمال، وفيه أيضًا أنّ العبرة بالخواتيم، ولذلك هذا أغرق أعماله فماذا كان؟ فأهلكته، أحبطت الأعمال، أو أغرقته، أغرقت أعماله الصّالحة بأن أذهبتها نسأل الله السّلامة. قال الله :: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة: 267)
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة: 267) قالوا هنا في المختصر (يا أيّها الّذين آمنوا بالله واتّبعوا الرّسول أنفقوا من المال الحلال الطّيّب الّذي كسبتموه ) قوله ﴿أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ﴾ (البقرة: 267) الطّيّبات هنا قيل فيها قولان، القول الأوّل : الطّيّبات بمعنى الحلال، أيٌّ : أنفقوا من الحلال. والقول الثّاني : أنفقوا من الجيّد، أنفقوا من الجيّد. ويشهد لتفسير الطّيب هنا بالجيد سياق الآية الكريمة وسبب نزولها، قال الله قال ﴿مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ﴾ (البقرة: 267) فقوله ﴿وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ﴾ (البقرة: 267) معلوم أنّ الحرام لا يجوز للإنسان أن يأخذه لا عن إغماضٍ ولا عن غيره، وإنّما المراد به الرّديء لذلك فسّر الخبيث بالرّديء، وذلك أنّ بعض الصّحابة - رضي الله عنهم - ربّما أتى بالقنو من التّمر، منه الطّيب ومنه الرّديء فربّنا نهاهم عن ذلك وقال ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 267) يعني لا تقصدوا إلى الرّديء وتجعلوه مقدّرًا من الفقراء؛ فإنّكم لا تقبلونه لأنفسكم ﴿وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ﴾ (البقرة: 267) يعني لو أعطي لكم ما أخذتموه إلّا إذا تغاضيتم عنه مكرهين على رداءته، فكيف ترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم. كما علّمنا الله أيضًا فقال ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92) [آل عمران: 92]، فهذا في معنى هذه الآية. ﴿وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة: 267)
﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 268)
﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ (البقرة: 268) لا تستجيبوا لدعوة الشّيطان؛ فإنّه يعدكم الفقر، يقول لكم إذا تصدّقتم افتقرتم (ويأمركم بٱلفحشآء) بالأفعال بأفعال المعصية أو بالمعاصي. لذلك قالوا هنا في المختصر (ويدعوكم إلى ارتكاب الآثام والمعاصي ) ومن المفسّرين من فسّر الفحشاء بالبخل. فقالوا : يعدكم الفقر ويأمركم بالبخل، ولذلك يقال رجلٌ فاحشٌ إذا كان بخيلاً فهذا من المعاني، أو أنّ الفحشاء أعمّ وأوسع فهي تشمل المعاصي. ﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ (البقرة: 268) وذلك بإنفاقكم فإنّه سبّب في مغفرة الذّنوب، وفي إعطاء الله لكم. ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 268)
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 269) ما المراد بالحكمة؟ فسّروها هنا قالوا في المختصر (السّداد والإصابة في العمل ) وهذا معنى صحيحٍ فمن معاني الحكمة في هذه الآية : أنّها السّداد في القول والإصابة في العمل؛ فالإنسان الحكيم يجمع بين أمرين بين السّداد في قوله وبين الإصابة في عمله، بعضهم فسّرها بالنّبوّة والأولى تفسيرها بما هو أعمّ والله أعلم، ﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (البقرة: 269) جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• المؤمنون بالله تعالى حقًّا واثقون من وعد الله وثوابه: وهذا في قوله ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 265) فهمٌ ينفقون أموالهم ويبذلون بلا خوفٍ ولا حزن ولا التفات إلى وساوس الشّيطان كالتّخويف بالفقر والحاجة: ولذلك حذّرنا الله من وساوس الشّيطان.
• الإخلاص من أعظم ما يبارك الأعمال وينمّيها: قال الله سبحانه ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ﴾ (البقرة: 265) إلى آخر الآية الكريمة
• أعظم النّاس خسارةً من يرائي بعمله النّاس؛ لأنّه ليس له من ثوابٍ على عمله إلّا مدحهم وثنائهم : كما جرى لهذا الرّجل ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (البقرة: 266) الآية الكريمة. فيغرق أعماله، نسأل الله السّلامة.
﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (البقرة: 270)
لا تزال الآيات الكريمة تتحدّث عن الصّدقة، وأهمّيّتها وعظم قدرها عند الله ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ (البقرة: 270) أنفقتم النّفقة أو نذرتم النّذر؛ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ﴾ (البقرة: 270) ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ قليلةٍ كانت أو كثيرةٍ، دلّ على هذا العموم هذه النّكرة، قال ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ﴾ (البقرة: 270) والله يعلم وسيكافئكم عليه قال ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (البقرة: 270) وقوله - سبحانه - ﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ (البقرة: 270) قالوا هنا في المختصر (أو التزمتم فعل طاعةٍ لله من عند أنفسكم لم تكلّفوا بها ) أنتم نذرتموها فإن قال قائل أوليس النّذر ممنوعًا أو مكروهًا؟ فإنّ النبي ﷺ قد نهى عن النّذر وقال (إنّما يستخرج به من البخيل )
فالجواب عن ذلك : قال بعض العلماء : إنّ النّذر لا يمنع بجميع صوره؛ وإنّما هناك نذرٌ منهيٍّ عنه، وهو النّذر المشروط، الّذي يشترط الإنسان فيه شيئًا بأن يعلّقه على شيءٍ : إن نجح ولدي فعلت كذا وإن حدث لي كذا تقرّبت إلى الله بكذا؛ أمّا النّذر الّذي لا يكون معلّقًا بهذا فإنّه ليس مكروهًا ولا ممنوعًا وأيضًا يقال : إنّ المحمود هو الوفاء بالنّذر فهو إن لم يقع منه نذرٌ ابتداءً؛ لكن إن وقع فإنّه يفي به كما قال الله - في شأن الأبرار ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾ (الإنسان: 7) [ الإنسان : 7 ]، قال الله - ﴿إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة: 271) إنّ تبدوا الصّدقات يعني : إنّ تظهروها فنعما هي، ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 271) أي : إنّ تخفّوا تلك الصّدقة فهذا خير لكم ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة: 271) قال بعض العلماء إنّ قوله ﴿إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 271) قالوا يختلف الحال باختلاف نوع الصّدقة فأمّا في الصّدقات الّتي هي تطوّع فإنّ الأفضل فيها الإسرار؛ وأمّا الزّكوات فلا حرج في إظهارها لأنّها شعيرةٌ من الشّعائر، وهذا يختلف باختلاف الحال واختلاف المقام، على كلٍّ فالإسرار له مواضعه والإعلان له مواضعه، وهذا له قدرةٌ وهذا له قدرةٌ؛ لكن على كلٍّ فالأصل في باب الصّدقات أن تكون سرًّا.
والأصل في باب الزّكاة أن تكون جهرًا لا حرج في ذلك ولا مانع منه ثمّ بعد ذلك ينظر في المقامات، وفي حال المتصدّق عليه والله أعلم.
قال الله سبحانه ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 272)
فوائد من هذا الدرس
- إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ
- أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ