مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 19

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 262 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قد يقول قائل ما وجه ذكر هذا هنا؟ ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 272) قال بعض العلماء لأنّ هذا يتعلّق بالنّفقة على غير المسلمين فإنّه يجوز التّصدّق على الكفّار أيضًا، كما يجوز التّصدّق لعموم المسلمين فإنّه يجوز التّصدّق على الكفّار؛ وأمّا الزّكاة فإنّها لا تصرف لهم وإنّما الزّكاة للمصارف الّتي ذكرها الله - كما هو معلومٌ في قوله ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (التوبة: 60) إلى آخر الآية الكريمة، فقالوا إنّ بعض الصّحب الكرام تحرج من قضيّة الصّدقة على من لم يؤمن بالله - فقال الله ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 272) أيًّ : الإنفاق فيه ثوابٌ وفيه خير، وقد يؤلّف قلب هذا الإنسان فيدخل في دين الله – سبحانه - وقوله ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ (البقرة: 272) الهداية المنفيّة هنا هداية التّوفيق، فهذه لا يملكها الرّسول -‘ - وهي لله وحده، فهو الّذي يملك هداية العباد هداية التّوفيق؛ وأمّا هداية البيان والدّلالة : فتقدّم أنّها أعمّ فإنّ الله قال في حقّ الرّسول -‘ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [ الشّورى : 52 ]؛ وأمّا في هداية التّوفيق فقال ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص: 56) [ القصص : 56 ] فلذلك قوله - سبحانه - ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ﴾ (البقرة: 272) هذا في معنى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص: 56) قال الله سبحانه ﴿وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 272) ثمّ قال الله سبحانه

﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 273)

إذا كانت النّفقة جائزةً لعموم النّاس أو لعموم الفقراء من المسلمين وغيرهم، فالنّفقة الّتي هي التّطوّع فإنّ أولى النّاس بهذا الإنفاق هم أولئك الصّحب الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ ممّن كانوا معروفين بالعفّة وعدم قدرتهم على النّفقة، أو الذّهاب والإياب في كسب الأموال لعذرهم فهؤلاء أولى من غيرهم، ويدخل - رضي الله ï عنهم - كما قال بعض المفسّرين في تفسير الآية (للفقرآء) ولذلك قالوا هنا في التّفسير (ولمّـا ذكر الإنفاق في سبيله ودعا المؤمنين إليه بيّن لهم المصارف الّتي ينفقون فيها أولى النّاس بالإنفاق ) ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 273) أي : منعهم الجهاد في سبيل الله من السّفر طلبًا للرزق فهم ﴿يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، ولذلك لم يجدوا ما يسعفهم في السّعي وراء الأرزاق، قال ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 273) أي : كسبًا في الأرض؛ لأنّ الإنسان يمشي على رجليه فهذا معنى الضّرب في الأرض، قال ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ (البقرة: 273) أي : يظنّهم الجاهل بحالهم أغنياء من التّعفّف أي : بسبب التّعفّف، أيٌّ : : لتعفّفهم عن السّؤال، قال الله - ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ﴾ (البقرة: 273) أي : بعلاماتهم، فهم بعلاماتهم معروفون من عفّتهم أو من ظهور ذلك على وجوههم من الفقر والفاقة، ﴿لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (البقرة: 273) قالوا : أي (ليسوا كسائر الفقراء الّذين يسألون النّاس ملحّين في مسألتهم ) فالإلحاف هو الإلحاح في السّؤال، والنّفي هنا : منصبٌ على القيد والمقيّد فهمًا منفيّان بقرينة السّياق لأنّ الله أثنى عليهم وقال ﴿أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ (البقرة: 273) إذا هم لا يسألون النّاس لا يسألون النّاس مطلقًا وليس الحاحًا فقط لذلك أحيانًا يأتي النّفي للقيد والمقيّد وأحيانًا يكون للقيد وحده، فمثلاً في قوله أيضًا ﴿مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [ غافر : 18 ] فهنا ليس النّفي فقط لقبول طاعة الشّفيع أو لسماع كلامه؛ وإنّما لنفي الشّفاعة مطلقًا في حقّ الكفّار، فنقول : إنّ النّفي للقيد والمقيّد. قال الله - سبحانه –

﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274) تأمّلوا ينفقون أموالهم باللّيل ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فالنّفقة في السّرّ والعلن لها ثوابٌ عند الله - ولمّـا ذكر اللّيل ذكر معه السّرّ، ولمّـا ذكر النّهار : ذكر معه العلانية وهذا أنسب، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: 274) وجاء في الخبر الفاء قالوا : لتضمن المبتدأ وهو اسمٌ موصولٌ مع الشّرط فكأنّ المعنى : إنّ تنفقوا أموالكم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانية فلكم أجركم ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274)

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• إذا أخلص المؤمن في نفقاته وصدقاته فلا حرج عليه في إظهارها وإخفائها بحسب المصلحة، وإن كان الإخفاء أعظم أجرًا وثوابًا لأنّها أقرب للإخلاص: إذًا نراعي أن يكون مخلصًا في السّرّ والعلن وأن يراعي المصلحة في ذلك، وإن كان الإخفاء أعظم أجرًا وثوابًا لأنّها أقرب للإخلاص.

• دعوةٌ المؤمنين إلى الالتفات والعناية بالمحتاجين الّذين تمنعهم العفّة من إظهار حالهم وسؤال النّاس : ولذلك قال الله سبحانه ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ (البقرة: 273).

• مشروعيّة الإنفاق في سبيل الله تعالى في كلّ وقتٍ وحين، وعظم ثوابها، حيث وعد تعالى عليها بعظيمٍ الأجر في الدنيا والآخرة : لذلك ذكر الله اللّيل والنّهار وذكر السّرّ والعلن في قوله ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ (البقرة: 274)

(ٱلّذين يأكلون ٱلرّبوا لا يقومون إلّا كما يقوم ٱلّذي يتخبّطه ٱلشّيطن من ٱلمسّ ذلك بأنّهم قالوآا إنّما ٱلبيع مثل ٱلرّبوا وأحلّ ٱللّه ٱلبيع وحرّم ٱلرّبوا ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ فأولٓئك أصحب ٱلنّار هم فيها خلدون ٢٧٥ يمحق ٱللّه ٱلرّبوا ﴿وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢٧٦) قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾ (البقرة: 275) قالوا هنا في المختصر (ولمّـا رغب تعالى في الإنفاق في سبيله لما فيه من التّعاون والتّكافل بين المسلمين حذّر ممّا يناقض ذلك وهو الرّبا ) هذا وجه المناسبة، إذا ما علاقة ذكر الرّبا بعد ذكر الإنفاق وفضله : المقابلة، فالله - سبحانه - ذكر الإنفاق وحثّ عليه، ثمّ ذكر بعد ذلك الرّبا ونفر منه، فهذا وجه المناسبة، وتقدّم معنا أنّنا حينما نقرأ في كتب التّفاسير ولمّـا ذكر الله كذا ذكر كذا، فهذا فيه بيان المناسبة.

قال الله ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 275) نعوذ بالله من الرّبا ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾ (البقرة: 275) ذهب كثيرٌ من المفسّرين إلى أنّ هذا هو تمثيل حالهم عند قيامهم من قبورهم يوم القيامة، لذلك قالوا في المختصر (لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلّا مثل ما يقوم به مسّ من الشّيطان ) أي مصروعٍ كأنّه مصروعٌ مسّه الشّيطان، قال الله ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾ (البقرة: 275) أي : بسبب المسّ أو الصّرع. إنّما قالوا هنا : فيقوم من قبره أي يقوم هذا الإنسان وهو في صرعٍ وفي تخبّطٍ، قال ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 275) أي :هذا بسبب قولهم ﴿إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 275) وكان المتوقّع أن يقال : ذلك لأنّهم قالوا إنّما الرّبا مثل البيع. لكن تأمل ماذا قالوا؟ قالوا ﴿إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 275) كأنّهم جعلوا الرّبا هو الأصل، وأنّ البيع يقاس عليه، ولذلك بعضهم يقول هذا تشبيهٌ معكوسٌ، أو قلبٍ أو مقلوبٍ يعني في المعنى وهذا أبلغ في المعنى، يعني : إنّ هؤلاء وصل بهم الحال لا أنّهم يحكمون بأنّ الرّبا حلال؛ بل يجعلون الرّبا هو الأصل، والبيع تابعٌ له ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 275) ولذلك قالوا هنا في المختصر (إنّه مستحلٌّ أكل الرّبا ) ولم يفرّقوا بين الرّبا وبين ما أحلّ الله. فالكلام هنا عن المستحلّ، وهناك فرق بين من يأكل الرّبا وهو يعتقد أنّ الرّبا حرام، فإنّ هذا مرتكبٌ لكبيرةٍ من الكبائر؛ لكنّه لا يخرج بذلك من الملّة، وبين آخر يستحلّ الرّبا فيقول : ومن قال إنّ الرّبا حرام؛ بل الرّبا حلال فيستحلّ الرّبا فهذا كفرٌ بالله -، وأيضًا : هناك فرق بين شخصٍ يرى أنّ معاملة ما ليست محرّمةً. لأنّه يرى أنّها ليست ربًّا؛ فهذا لا يقال إنّه كافرٌ؛ لأنّه لا يعتقد أنّها ربًا ابتداءً. إنّما الكلام على الرّبا الّذي لا نزاع فيه بين أهل العلم، والّذي يُجمع العلماء على أنّه ربًا، وهو يعلم أنّ هذا هو الرّبا، ولكن مع ذلك يقول : لي أن أفعل ما أشاء، وأن أتصرّف في مالي كيف شئت، وليس لله أن يحرم أو أن يحلّ في ذلك فيعتقد حلّ هذا فهذا هو الاستحلال، ولذلك الاستحلال هو اعتقاد حلّ الشّيء : الاستحلال معناه : اعتقاد حلّ الشّيء، فهناك فرق مثلاً بين من يرتكب الزّنا، وبين آخر يقول : ومن يقول : إنّ الزّنا حرام بل إنّ الزّنا حلال فهو يستحلّ ما حرم الله ويعتقد حلّه فهذا هو الكفر بالله نعوذ بالله من ذلك.

قال الله سبحانه ردًّا عليهم ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 275) فهذا هو القانون وهذا هو الميزان : إنّ الله أحلّ البيع وأنّ الله حرم الرّبا؛ فالحلال ما أحلّ الله والحرام ما حرم الله - قال الله ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 275) فانتهى : أي انتهى عن الرّبا ﴿فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 275) قالوا هنا في المختصر ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 275) أي : (فمن جاءته موعظةٌ من ربّه فيها النّهي والتّحذير من الرّبا فانتهى عنه وتاب إلى الله منه فله ما مضى من أخذه بالرّبا لا ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنّه تاب إلى الله منه ) ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 275) تأمّلوا هنا قال الله ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 275) وهنا قد يقول قائل : هل معنى ذلك أنّ آكل الرّبا مخلّدٍ في النّار؟

﴿وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 278) هذا تحذيرٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ لمن بقي على الرّبا ووعوى وأمر للعباد بأن يتجنّبوا الرّبا قليله وكثيره : قال (وذروا ما بقي من ٱلرّبوٓا إن كنتم مّؤمنين فإنْ لم تفعلوا فأذنوا بحربٖ مّن ٱللّه ورسوله) فإن لم تفعلوا ما أُمرتم به فأذنوا، ما معنى (فأذنوا) : يعني كونوا على علمٍ، كونوا على علمٍ بأنّ هناك حربًا من الله ورسوله لهذا المرابي. والقراءة الأخرى ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (البقرة: 279) ما معنى (فأذنوا) يعني : فأعلموا غيركم، إذًا اعلموا واعلموا غيركم أنّ هناك حربًا من الله ورسوله على آكل الرّبا. والتّنكير في قوله (بحربٖ) للدّلالة على التّعظيم أي : بحرب عظيمةٍ، ومن يطيق حرب الله -، وهذا يدلّ على تغليظ أمر الرّبا، أنّه كبيرةٌ شديدةٌ ولذلك توعّد الله المرابين بهذا الوعيد الشّديد. وهنا قال ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 279) ولم يقل : (فأذنوا بحرب الله ) لأنّ قوله ﴿بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 279) كما تقدّم فتكون حرب نكرةٍ فأفادت معنى التّعظيم هذا من جهةٍ، وأيضًا لو قال ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 279) نّه يحتمل احتمالين، أي : فأذنوا بحرب الله إيّاكم أو فأذنوا بحربكم اللّه، ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 279) علم أنّ الحرب من الله لهؤلاء المرابين.

﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279) فهذا هو الحقّ، لكم رؤوس الأموال، فالرّبا مرفوضٌ. قال الله - سبحانه - ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيًّ : وإن كان من تطالبونه بالدّين معسرًا ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، أيٌّ : وإن وجد ذو عسرةٍ، لذلك قالوا إنّ (كان ) تامّةً؛ وإن وجد ذو عسرةٍ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280) أي : فعليكم إنظاره، أي تأخيره إلى ميسّرةٍ، أي إنظار المعسر. ولذلك جاء عن النّبيّ -‘ – (من انظر معسرًا أو وضع عنه أظلّه الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه ) قال ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280) يعني : عليكم أنّ تؤخّروه، وأنّ تمهلوه فالإنسان المعسر يجب علينا أنّ ننظره وألّا نطالبه بالدّين وقت إعساره؛ وإنّما نصبر عليه قال ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 280) وقوله ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280) ردٌّ على ما كان يصنعه أهل الجاهليّة؛ لأنّ الواحد منهم كان يقول له : أخّرني وأزيدك، فيكون عليه القضاء أو المال فيأتي الأجل ولا يستطيع السّداد، فيقول له : أخّرني وأزيدك، أي : أزيدك على أصل المال، فبين الله أنّ المعسر يجب علينا أنّ ننظره، لا أن نرفع عليه الدّين أو أن نزيد فيه ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 280) فهذا أفضل وأجّل شأنًا ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280).

ثمّ قال الله ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281) قد ثبت عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّ هذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن الكريم، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، فجمهور العلماء يقولون إنّ آخر آيةٍ نزلت من القرآن الكريم هي هذه الآية. ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281) وقد تقدّم أيّها الكرام إنّ سورة البقرة استمرّ نزولها مدّةً طويلةً، فهي من أوائل السّور المدنيّة، ومع ذلك استمرّ نزول السّورة إلى هذه المدّة حتّى أنزل الله فيها هذه الآية الّتي ختم بها القرآن الكريم على قول كثيرين، واسمعوا - يا رعاكم الله - كيف أنّ الله ختم القرآن بهذا الأمر بتقواه والتّحذير من عذابه، والتّحذير ممّا يقع في هذا اليوم من أهوالٍ وشدائد ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281).

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• من أعظم الكبائر أكل الرّبا: ولذلك جاء عنه -‘ – (اجتنبوا السّبع الموبقات ) وذكر منها (أكل الرّبا ) ولهذا توعّد الله تعالى آكله بالحرب وبالمحقّ في الدّنيا والتّخبّط في الآخر ة : أمّا توعّده بالحرب ففي قوله ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (البقرة: 279) وبالمحقّ في الدّنيا ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ (البقرة: 276) والتّخبّط في الآخرة في قوله - ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾ (البقرة: 275)

• الالتزام بأحكام الشّرع في المعاملات الماليّة ينزل البركة والنّماء فيها: ولذلك قال الله - سبحانه - ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 276)

• فضّل الصّبر على المعسر، والتّخفيف عنه بالتّصدّق عليه ببعض الدّين أو كلّه : فقد خفّف عنه بترك بعض الدّين أو بتركه جميعه، وفي كلّ هذا خيرٌ بفضل الله - قال الله ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280) فذكر أوّلاً (﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ هذا هو الواجب، أيٌّ : فعليه نظرةٌ إلى ميسّرةٍ، يعني عليكم : إنّ تنظروه وتآخروه، ثمّ لكم أن تبقوا الدّين كما هو بأن تصبروا عليه لكنّ الدّين كما هو. والأفضل أنّ تتصدّقوا بجميع ما لكم أو ببعض مالكم ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280).

ونتوقّف عند هذا الحدّ ونكمل بإذن الله في الدّرس المقبل، وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: 282) هذه الآية الكريمة هي أطول آيةٍ في القرآن الكريم، فهي أطول آيةٍ من آيات القرآن الكريم، فكما أنّ سورة البقرة هي أطول سورةٍ فإنّ هذه الآية هي آيةٌ في كتاب الله - وهذه الآية تتحدّث عن أحكام المعاملات، أو بعض أحكام الدّيون وتوثيقها، فهي آيةٌ عظيمةٌ وجليلةٌ. وهذا يدلّنا أيّها الإخوة الكرام على أنّ ديننا الإسلام دين عظيمٍ وكاملٍ وشاملٍ فهذه الآية الّتي بلغت هذا المبلغ من آيات القرآن الكريم، تتحدّث عن معاملات النّاس فيما بينهم، فما أقبح ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنّ القرآن الكريم أو إنّ الإسلام بمعزل عن معاملات النّاس وعن أحوال النّاس وتنظيم أمورهم! بل إنّ الشّرع الحنيف فيه صلاح العباد والبلاد في أمر دنياهم وفي أمر آخرتهم.

قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: 282) وأنت تلاحظ أيّها الأخ الكريم أنّ هذه الآية الكريمة لها صلةٌ بالآيات السّابقة، فالآيات السّابقة حدّثتنا عن باب الصّدقات، كما حدّثتنا عن أحكام الرّبا، فالرّبا كسبٌ محرّمٌ، والصّدقات بذل مطلوبٍ ومرغوبٍ فيه، ثمّ هناك معاملاتٌ أخرى تقوم على المشاحّة، لا على المسامحة. أنا أطلب الحقّ الّذي لي، وأنت تطلب الحقّ الّذي لك، وهذا يجري في البيع والشّراء وما يحتاجان - أعني البيع والشّراء - من توثيق ونحو ذلك، فحدّثنا الله عن باب البذل في الصّدقات وعن الباب المحرّم في الأموال وهو الرّبا، ثمّ ذكر لنا الطّريقة المشروعة في المعاملات وهو البيع، ثمّ إنّ هذا البيع على أنواعٍ؛ أحيانًا تكون السّلعة حاضرةً، والثّمن حاضرٌ، وحينئذٍ يكون الأمر ميسورًا؛ لأنّ المشتري سيدفع الثّمن ويأخذ السّلعة من البائع وينتهي الأمر، لكن في بعض الأحوال قد يكون لدى الإنسان مال، ولكن ليس لدى الآخر ما يعطيه ولكن بعد حين ربّما يوفّر له ذلك فكيف يتعامل معه، وهذا ما يسمّيه علماء الفقه بالسّلم : - وهو بيعٌ موصوفٌ في الذّمّة بأن يكون لدى الإنسان المال حالاً (موجود معه المال وهو حاضرٌ )، لكنّ السّلعة ستأتي بعد ذلك كما قال -‘ – (من أسلف فليسلّف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجل معلومٍ )، وأحيانًا يكون العكس : أنت تشتري السّلعة وهي حاضرةٌ، لكن ليس معك ما تدفعه فحينئذٍ تطلب الأجل، بأن تدفع بعد حين أو أن تدفع قسطًا وتترك قسطًا آخر. فهذه الآية الكريمة تعالج هذه الأحكام، وتبيّن هذه الأحكام ولذلك العلماء تكلّموا فيها كلامًا طويلاً لكنّنا نذكر منها ما يناسب المقام

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (البقرة: 282) لذلك كما قلت بعض العلماء قالوا : إنّ المراد بالدّين في الآية (السّلم ) دفعهم إلى ذلك أنّ الله قال (فٱكتبوه) ثمّ بعد ذلك قال ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: 282) يعني : فليس عليكم حرجٌ في كتابتها - في كتابة الدّين – لأنّه لا ضرورةً تقتضي ذلك لأنّ الثّمن حاضرٌ والسّلعة حاضرةٌ، فدلّ ذلك على أنّه معاملةٌ يكون فيها دينٌ وهذا يكون فيه السّلم ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (البقرة: 282). قالوا هنا في التّفسير (بأنّ دان بعضكم بعضًا إلى مدّةٍ محدّدةٍ ) إذا علم بذلك أنّ الأجل معلومٌ وأجل مسمّى.

قال (فٱكتبوه) حمل كثيرٍ من العلماء الكتابة هنا على الاستحباب. قالوا لعدّة أمورٍ : -

- منها أنّها لمصلحة الدّائن فهذا أمرٌ يعود عليه؛ فإنّ تركه فذلك إليه، لكنّ الشّرع يدعوه إلى حفظ حقّه لكنّه لا يوجبه عليه.

وقالوا أيضًا : لأنّ الله - ذكر بعد ذلك غير الكتابة (ذكر الرّهن ) فقال ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ﴾ (البقرة: 283) فقال بعضهم : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ فلم يكتب ولم يرهن فحينئذٍ فليؤدّي الّذي أؤتمن أمانته، فجعلوا هذا صارفًا عن الوجوب.

قال ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ﴾ (البقرة: 282) يكون هناك يكتب بينكم بالعدل، يكون عادلاً في كتابته فلا يجور على أحد الطّرفين، وهذا يدلّ على فضل الكتابة وأهمّيّتها والدّعوة إلى تعلّمها ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) أي : ولا يمتنع الكاتب أن يكتب الدّين بما يوافق ما علمه الله من الكتابة بالعدل فقوله ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) قال بعضهم : أي : لأنّ الله علمه، ومعنى ذلك أنّ العبد يشكر نعمة الله عليه، ومن شكر نعمة الله : بذل ما يمكن بذله من هذه النّعمة، فإذا أنعم الله عليك بالعلم فمن شكر نعمة العلم أنّ تبذل هذا العلم؛ إذًا من الله - عليك بتعلّم الكتابة فمن شكر نعمة الله عليك أن تبذل ما ينفع النّاس في أمر الكتابة، وكذلك في الأبواب كلّها، وأيضًا ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) وما الّذي علّمنا الله إيّاه؟ علمنا الله العدل في كلّ شيءٍ، ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) بعضهم جعلٌ ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) : (ما ) تتعلّق بما بعدها : ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ﴾.

قال ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ (البقرة: 282) (فليكتب وليملل) ما معنى : وليملل : أي وليملي، من الّذي يملي؟ من الّذي يملي الكاتب؟ قال ﴿ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ﴾ (البقرة: 282) لأنّه المقرّ المشهود عليه. هو الّذي يقرّ ويقول : أنا على دين كذا لفلان، فهو يقرّ بذلك، لذلك هو الّذي يقول، قال الله ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ (البقرة: 282) أي : لا ينقص من الدّين شيئًا في قدره أو نوعه أو كيفيّته. لا يستغفل الكاتب أو لا يستغفل الدّائن فيقول خلاف الحقّ، أو خلاف الصّدق

﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ﴾ (البقرة: 282) وأيضًا الكاتب ليس له أن يبخس من الدّين شيئًا؛ بل يكون صادقًا فيما يكتب، فمًا يسمعه : يكتبه لا يزيد عليه ولا ينقص منه، قال الله ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ﴾ (البقرة: 282) إذا كان المدين عاجزًا عن أن يملي بسبب عجز عنده، قال الله ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا﴾ (البقرة: 282) قال في المختصر (لا يحسن التّصرّف، أو كان ضعيفًا لصغره أو جنونه أو كان لا يستطيع الإملاء لخرسه ونحو ذلك ) لديه مانعٌ يمنعه من تأدية هذا الأمر، فحينئذٍ نتّجه إلى الوليّ إلى المسئول عنه ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ﴾ (البقرة: 282) وهذا فيه وجود الولاية : إثبات الولاية على الصّغير والمجنون والسّفيه، وبعض العلماء استنبط من ذلك : الحجر على السّفيه لأنّ الله قال ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا﴾ (البقرة: 282) فالسّفيه ليس أهلاً للتّصرّف، قال الله ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ (البقرة: 282) أيٌّ : اطلبوا شهادةً رجلين هذا تمام التّوثيق : إن تكون هناك كتابةٌ وأن تكون هناك شهادةٌ وما أجمل الأخذ بهذه الأحكام! وكم تقع النّزاعات والخصومات، بسبب ترك مثلٍ هذه التّعاليم الحكيمة العظيمة.

قال ﴿وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ (البقرة: 282) لأنّ الرّجل أضبط وأكثر في التّذكّر فمن رحمه الله – سبحانه - أنّه أعطى المرأة ملكاتٍ من الحنان والعطف والرّحمة والشّفقة، وأعطى الرّجل إمكانات أيضًا من الحزم وتعقّل المسائل والتّذكّر في الأصل، لذلك قال هنا : ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾ (البقرة: 282) قالوا في المختصر : (دينهم وأمانتهم ) فهذا هو موقع الرّضا، قال الله - ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾ (البقرة: 282) إذا في هذا الباب شهادة المرأة على نصف شهادة الرّجل وهذا ما قرّره الرّسول -‘ – (أليس شهادة المرأة مثلٍ نصف شهادة الرّجل أو على نصف شهادة الرّجل ) فهذا المراد به مثلٌ هذه المقامات؛ وإلّا فإنّه في بعض المقامات تقبل شهادة المرأة فيما يختصّ به النّساء، ففي باب الرّضاعة مثلاً وما أشبه ذلك من أمورٍ تتعلّق بالنّساء فإنّنا نقبل شهادة المرأة؛ بل إنّها تقدّم فيما يناسبها من أحكامٍ، وهناك أحكامٌ أخرى يشترط فيها الرّجال؛ لأنّ الأمر فيها جدّ خطيرٍ وفيه شيء من الجسارة لا ﴿تَكَادُ﴾ المرأة تضبطه ولا تدركه ولا يحسّن بها أن تكون فيه، مثلٌ ما يتعلّق بالشّهادة في باب القذف، فهناك المطلوب أربعة شهداء إلى غير ذلك من أحكام الشّهادات وهو بابٌ معروفٌ في الفقه، إذا ما ذكره الله هنا : هذا مناسبٌ لباب المعاملات المادّيّة (الماليّة ) ﴿فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾ (البقرة: 282) قد يقول قائل ما سبّب ذلك؟ قال : ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ﴾ (البقرة: 282) سبب ذلك أنّ الواحدة قد تنسى فلا تكون ضابطةٌ لما كتب فربّما بعد حين قالت كان الدّين عشرة آلاف أو كان عشرين أو كان أكثر أو أقلّ فحينئذٍ فتذكّر الأخرى ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ﴾ (البقرة: 282) فهي وإن كان قد يطرأ عليها نسيان وكذا أختها الأخرى؛ فإنّها مع الأخرى إذا اجتمعتا صحّ قولهما مع وجود الشّاهد الآخر فحينئذٍ يعتمد في هذا الباب ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ﴾ (البقرة: 282) ومن لطيفٍ ما يذكر هنا في العلوم الشّرعيّة : إنّ بعض العلماء من علماء الحديث استدلّ بمثلٍ هذه الآية على الاحتجاج بالحديث (الحسن لغيره ) فقال : إنّ الضّعيف خفيفٌ الضّعف الّذي ضعفه بسبب خفّة ضبطه أو بسبب شيء من سوء حفظه. إذا وجد له شاهد آخرٍ متابعٍ آخر هناك (رأو آخر تابعه )، وهو أيضًا على نفس الحال أو على الحال نفسها فقالوا : ضعيف مع ضعيفٍ ينجبران، فحينئذٍ نقول الحديث حسنٌ لغيره.

﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟﴾ (البقرة: 282) تأمّلوا إنّ الله - يفتح باب التّيسير على العباد، فيأمر الكاتب ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) وأيضًا في الشّهداء ﴿وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟﴾ (البقرة: 282) قالوا في المختصر : أي (ولا يمتنع الشّهود إذا طلب منهم الشّهادة على الدّين، وعليهم أداؤها إذا دعوا لذلك ) وهذا يختلف باختلاف الحال، فقد تتعيّن عليهم إذا لم يوجد غيرهم وكان الحقّ سيضيع بدون شهادتهم، وجاء بعد ذلك قوله : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ﴾ (البقرة: 283) وهذا له فقهه أيضًا قال ﴿وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ﴾ (البقرة: 282) أي : لا يصيبكم الملل، لا تسأموا - لا يصيبكم الملل - من كتابة الدّين قليلاً كان أو كثيرًا إلى مدّته المحدّدة ﴿ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟﴾ (البقرة: 282) ذلكم ما معنى : ذلكم؟ على ما يعود اسم الإشارة ذلكم؟ أي : كتابة الدّين ﴿أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 282) يعني : أعدل في شرع الله.(وأقوم للشّهدة) قالوا : وأبلغ في إقامة الشّهادة وأدائها، ولذلك قالوا : معنى (وأقوم) أيضًا : أثبت وأعون، فهو معيّنٌ : يجتمع الأمران : - (كتابةٌ وشهادةٌ )،

﴿وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟﴾ (البقرة: 282) أقرب إلى نفي الشّكّ في نوع الدّين ومقداره ومدّته لأنّها تكون كتابةٌ مضبوطةٌ موضّحةٌ للحقوق من كلّ وجهٍ.

﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً﴾ (البقرة: 282) أي : إلّا إذا كان التّعاقد بينكم على تجارةٍ في سلعةٍ حاضرةٍ وثمنٍ حاضرٍ، فلا حرج في ترك الكتابة حينئذٍ وبعضهم فسّر (إلّا ) بمعنًى : (لكنّ ) فجعلها من قبيل الاستثناء المنقطع، إذا عندنا هذه الصّورة : التّجارة حاضرةً - السّلعة موجودةً - والثّمن موجودٌ - فقال الله - سبحانه - ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (البقرة: 282) لكن إذا غاب أحد المبيعين السّلعة أو الثّمن فحينئذٍ تكوّن الكتابة وتكوّن الشّهادة، قال ﴿وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (البقرة: 282) أي : يشرع لكم الإشهاد منعًا لأسباب النّزاع فهذا أيضًا مشروع أن تشهدوا إذا تبايعتم لأنّه قد يجري بعد ذلك تنازعٌ على ما وقع، نعم السّلعة حاضرةٌ والثّمن حاضرٌ لكنّ حدث التّنازع على شيءٍ فيما بعدٌ. أنت قلت لي، قلّت لك فوجود الشّهادة تقطع النّزاع، وحمّل أيضًا كثير الأئمّة الأمر في قوله ﴿وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (البقرة: 282) على النّدب أيضًا والاستحباب والإرشاد، وليس على سبيل الوجوب قالوا لأنّه لمصلحة العبد.

﴿وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (البقرة: 282) وأيضًا ما ورد في قصّة النّبيّ - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - في شرائه الفرس وفي إجازته -‘ - شهادة أبي خزيمة بشهادة رجلين وشهد له مع أنّه لم ير بداية العقد، لكنّ بما يعلم من صدق رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - في شهادة خزيمة - رضي الله عنه - قال الله - سبحانه - ﴿وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (البقرة: 282) قالوا : ولا يجوز الإضرار بالكتاب والشّهود، ولا يجوز لهم الإضرار بمن طلب كتابتهم أو شهادتهم. إذًا استفيد من قوله ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (البقرة: 282) أستفيد من ذلك حكمًا؛ لأنّ الفعل (ولا يضآرّ) يمكن أن يكون معناه (ولا يضارر)، ويمكن أن يكون معناه عند الفتح : (ولا يضارر) إذاً ولا يضارّ تشترك في معنيين : (ولا يضارر ولا يضارر)؛ فإذا كان المعنى : ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (البقرة: 282) أي : الكاتب والشّهيد لا يقع منهما أضرارٌ على المتبايعين (على المدين، على الدّائن )، وعلى المعنى الثّاني : (ولا يضارر ) : لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ الدّائنين أو المدينين أن يوقّع ضررًا على الكاتب أو الشّهيد، (وإن تفعلوا) أي : هذا الإضرار ﴿فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ﴾ (البقرة: 282) خروجٌ عن طاعة الله إلى معصيته (وٱتّقوا ٱللّه) هذا أمرٌ بتقوى الله - في كلّ شيءٍ وفي كلّ المعاملات (ويعلّمكم ٱللّه) أي : هذه تعاليم يعلمكم الله - إيّاها واتّقوا الله ومن فضل الله أنّه يعلمكم.

بعضهم جعلٌ ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) أي بسبب التّقوى، ومنهم من قال : ليس هذا هو المراد؛ وإنّما المعنى (واتّقوا الله وأيضًا ويعلمكم الله ) ولذلك دخلت الواو فلم تأتي جوابًا لقوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) وإنّما معنى اتّقوا الله والله يعلمكم أيضًا هذه الأحكام، وعلى قول من قال إنّه يستفاد منها أن تقوى الله سبب من أسباب تحصيل العلم فإنّ هناك أدلّةٌ أخرى صريحةٌ في هذا الباب كقوله - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (الأنفال: 29) والفرقان : العلم الّذي يفرّق بين الحقّ والباطل، قال الله - ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282) فلا يخفى عليه شيءٌ.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

وإن شئت فقلّ من فوائد الآية فهي آيةٌ.

• مشروعيّة توثيق الدّين وسائر المعاملات الماليّة دفعًا للاختلاف والتّنازع : قال الله (فٱكتبوه)

• وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وأنواع الإجارات

• ثبوت الولاية على القاصرين إمّا بسبب عجزهم، أو ضعف عقلهم، أو صغر سنّهم: قال الله ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ﴾ (البقرة: 282)

• مشروعيّة الإشهاد على الإقرار بالدّيون والحقوق: ولذلك قال الله ﴿وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ (البقرة: 282)

• أنّ من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسّن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كلّ معاملةٍ بحسبها: لأنّ هذا من مقتضى عدم الإضرار؛ لأنّه إذا لم يحسّن وقع في الإضرار ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (البقرة: 282) وأيضًا ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 282) وقد علمه الله أن يكتب بالعدل

• لا يجوز الإضرار بأحد بسبب توثيق الحقوق وكتابتها، لا من جهة أصحاب الحقوق، ولا من جهةٍ من يكتبه ويشهد عليه: قال الله ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (البقرة: 282) وهذه الآية الكريمة تقدّم ذكر بعضٌ من فوائدها، والفوائد منها كثيرةً، لذلك نطلب منكم أن تذكّروا لنا ثلاث فوائد مستنبطةٍ من هذه الآية غير ما ذكر في التّعليق وفي الكتاب نفسه.

قال الله سبحانه ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 283)

في حالة السّفر قد لا يتمكّن هؤلاء أعني من الدّائنين والمدينين من وجود كاتبٍ يكتب له، تتوفّر له أدوات الكتابة مثلاً، فحينئذٍ يتّجهون إلى الرّهن، يكون معه ما يرهنه عند الدّائن، ثمّ بعد ذلك يفي المدين بما عليه، فحينئذٍ يتّجهون إلى الرّهن إذا عندنا كتابةٌ وعندنا رهن وجماهير أهل العلم على أنّ التّقييد بالسّفر ليس مرادًا، ولكنّ هذا لبيان شدّة الحاجة إلى هذا في باب السّفر؛ وإلّا فإنّ الرّهن يقع في الحضر كما يقع في السّفر فلا مانع منه أيضًا، ولذلك الرّهن يصحّ في الحضر والسّفر عند جماهير أهل العلم، وممّا يدلّ على ذلك ما ثبت أنّ نبيّنا -‘ – (توفّي ودرعه مرهونٌ عند يهوديٍّ ) وكان هذا في الحضر في المدينة النّبويّة - صلوات الله وتسليماته عليه - قال (فرهنٞ مّقبوضةٞ) والقراءة الأخرى (فرهنٞ مّقبوضةٞ) مرهونات أي : مرهونات معنى رهنٍ أو رهانٍ : مرهونات..(مّقبوضةٞ) يقبضها الدّائن لتكوّن حافظةٍ لحقه، تكون ضمانًا لحقه إلى أن يقضي المدين ما عليه من دينٍ

﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ (البقرة: 283) أي : وثّق بعضكم ببعضٍ ﴿فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ﴾ (البقرة: 283) أي : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ فلا يلزم كتابةً ولا إشهاد ولا رهن، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ هذا قال بعض العلماء : إنّه هذا هو الصّارف الّذي صرف الأوامر وجعلها ليست للوجوب؛ لأنّ قوله (وأشهدوٓا) ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وكذلك (فليكتب) لام الأمر، وكذلك هنا قال ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: 283) يعني : فعليكم رهانٌ مقبوضةٍ؛ لكنّ قالوا : لا تحمل على الوجوب لوجود الصّارف - وهو قوله ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ (البقرة: 283) أي : فلم تفعلوا ذلك فليؤدّ الّذي أؤتمن أمانته، وأيضًا كما قلت استدلّوا بأنّ هذا لمصلحة الدّائن أو لمصلحة العبد وإرشادٍ له فالأمر إليه ولا يكون من الوجوب الشّرعيّ عليه - والعلم عند الله -.

قال ﴿وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ﴾ (البقرة: 283) أي : لا يجوز له أن يكتمها ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ﴾ (البقرة: 283) لا سيّما كما قلت إذا تعيّنت عليه بحيث أنّ الحقّ سيضيع إذا لم تقم شهادته، وقوله ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ﴾ (البقرة: 283) هذا فيه أنّ الإثم العظيم : إثم القلب (فجور القلب) نسأل الله السّلامة، قال ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 283) ثمّ قال الله :

﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 284)

﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 284) قالوا في المختصر (لله وحده ) وهذا سبق التّنبيه عليه مرارًا؛ لأنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر، فأصّل الكلام : (ما في السّماوات وما في الأرض لله ) فلمّا تقدّم قوله (لله ) أفاد معنى الحصر ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 284) أي (لله وحده ما في السّماوات وما في الأرض خلقا وملكا وتدبيرًا ) إذا لله (لله ماذا؟ ) : ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولله خلق ما في السّماوات وما في الأرض وتدبير ما في السّماوات والأرض فهو الخالق الملك المدبّر -

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة