مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الرحمن جزء 6 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 34 من 61 · 22 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الرحمن. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾2 (الرحمن: 29). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾3 (الرحمن: 30). ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى﴾ شأنه فبعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى، بعض نعمه وآلائه التي لا تُعدُّ، ولا تُحصى على العباد. فهذا البحر يستفيدون منه. وهذه النجوم والشمس والقمر كل هذه نعم سخرها الله عز وجل للإنسان ذكر الله سبحانه وتعالى، حال الإنسان إزاء تلك النعم وأنه لا غنى للعبد عن الله جل وعلا.

فقال: ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). فمن في السماوات والأرض يسألون الله عز وجل والمعنى يسألونه حوائجهم أي: هم فقراء إليه وهو غني عنهم سبحانه وتعالى، فالعباد فقراء ﴿إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾4 (فاطر: 15). ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). يسألونه حوائجهم وما يريدونه وقوله: ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). أي: إما بلسان المقال وإما بلسان الحال فهناك من يسأل بما قاله ويقول يا رب أعطني وهناك من لا يسأل الله بلسانه.

لكن حاله يدل على ذلك لأنه عاجز فقير والله هو الصمد الغني سبحانه وتعالى، ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). وكما قال ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾5 (إبراهيم: 34). ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29). أي: هو في شأن كل يوم فالله جل وعلا كُلَّ يَوْمٍ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِى شَأْنٍ قالوا أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا يعز ويذل يعطي ويمنع فكل هذه من شؤون الله عز وجل فكم من ذليل أعزه الله وكم من عزيز أذله الله كم من شخص ذي عطاء منع وكم من ممنوع أعطاه الله سبحانه وتعالى.

فقال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ وليس المقصود باليوم اليوم الذي نعرفه الذي نقول عنه إنه أربع وعشرون الساعة ﴿أَنَّمَا﴾ معنى قوله كل يوم في شأن في كل زمن في كل حال في كل وقت. ولذلك في كل لحظة فقد يعز الله فلانًا في لحظة. وقد يتحول كذا قد يكون فلان صحيحًا ويصير مريضًا وما إلى ذلك فاليوم أحيانًا يطلق، ولا يراد به اليوم المعهود.

ولذلك قال يوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نُسَرّ فاليوم، يعني: الأحوال الزمان كذلك قال ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى﴾ شأنه. وهذا في أن لا يغتر الإنسان بحاله وأن يعلم، أن الله سبحانه وتعالى، قادر على تبديل الأحوال، وعلى تغيير ما هو عليه فقد تنقلب النعمة إلى بلية. وقد لا يستفيد منها قال الله سبحانه: ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29).

كُلَّ يَوْمٍ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِى شَأْنٍ. وهذا دليلٌ على عظمته ودليلٌ على قدرته وإلهيته لأنَّ الكون لا يسير بصدفة وإنَّما يسير بتقدير الله سبحانه وتعالى، فكم رأينا من أحوال انقلبت وتغيَّرت ما كانت لتتغير لولا أن الله سبحانه وتعالى، قضى بذلك كُلَّ يَوْمٍ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِى شَأْنٍ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 30). ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 32). ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾6 (الرحمن: 33). ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾7 (الرحمن: 31).

سنفرغ لكم، يعني: سنقصد لكم سنقصد حسابكم سنحاسبكم. وهذا يكون يوم القيامة وقوله: سنفرغ ليس معناه أن الله جل وعلا هناك شيء يشغله عن النظر في أمور العباد وإنَّما لفظة فرغ تأتي بمعاني فيقال فلان فرغ من عمله لأنه كان في شغل ثم فرغ منه. وهذا ليس مرادًا فالله جل وعلا لا يشغله شيء عن شيء لا يشغل شيء عن شيء ويأتي فرغ بمعنى قصده كما تقول لشخص سأتفرغ لك ولا تقصد بذلك أنك كنت في عمل لله وإنَّما.

المعنى سأقصدك فمعنى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31). أي: أمهلناكم وتركناكم في الدنيا تفعلون ما تشاءون ففي الدنيا لعب ولهو والإنسان يفعل ما يفعل سنفرغ لكم، يعني: سنجازيكم ونحاسبكم وليس المقصود بذلك أن الله عز وجل مشغول عن الخلق فالله جل وعلا عالم بما يصنع العباد ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾8 (يونس: 61). ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31). المقصود بالثقلين الإنس والجن فهما الثقلان قالوا: لأنَّ لهما ثقلا.

وقال بعض العلماء المراد بها: الإنس والجن على سبيل التغليب وإلا فالذي يثقل الأرض هو الإنس. وقال آخرون: بل يقال للجن أيضًا ثقل وكذلك يقال للإنس ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31). والقراءة الأخرى سيفرغ لكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الثقلان على سبيل الالتفات سيفرغ لكم، يعني: سيفرغ الله لكم، يعني: مهما صنعتم في الدنيا فالله سيقصد إلى حسابكم.

وذلك لأنَّ الله جعل الدنيا موضعا مهلة فهناك أجل مسمى فالله عز وجل قضى ﴿إِلَّا﴾ أن يؤخر كل واحد إلى أجله ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾9 (المنافقون: 11). فله أجل. وقال ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾10 (يونس: 49). وقال ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾11 (طه: 129). فكل له أجله وله نهايته وله موعده قال الله سبحانه وتعالى، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ (الرحمن: 31). وهذه الآية فيها تهديد شديد ووعيد أكيد لأولئك المتمردين على طاعة الله سبحانه وتعالى، سنفرغ لكم سيقصد لكم ربكم بالحساب ثم بالعقاب لمن كفر ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ عز وجل.

ثم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 32). قالوا، يعني: فبأي عجائب ربكم ودلائل قدرته سبحانه وتعالى، من الذي يدعوكم إلى التكذيب وآيات الله تترى ودلائل قدرته واضحة جلية ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 38). ثم قال الله: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ (الرحمن: 33).

وهذا أسلوب تحدٍّ يتحدى الله الجن والإنس يقول لهم الله سيقصد إلى حسابكم، ولن يفلت أحد منكم سواء أكان من الجن أم كان من الإنس، ولمَّا كان المقام مقام تحدٍّ فالمناسب أن يتقدم الجن لأنَّ الجن أقوى من الإنس لذلك قال الله يا معشر الجن والإنس وإلا ففي مواضع أخرى قدم الله الإنس على الجن. وذلك حينما يكون.

الأمر متعلقًا بالقدرة العقلية أو العلمية لأنَّ الإنسان أفصح من الجن فبني آدم الإنسان عنده فصاحة، وعنده بيان أكثر لذلك في تحدي الإتيان بمثل القرآن قال ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ﴾12 (الإسراء: 88). فبدأ بالإنس لأنَّ الإنس أفصح بيانا. لكن المقام هنا مقام تحدٍّ في القدرة والجن أقوى. ومع ذلك قال: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، ﴿أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟﴾ يحتمل أن هذا يكون يوم القيامة، أي: إن استطعتم حينما يأتي عذاب الله، ﴿أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾ بأن تفلتوا من عذاب الله، يعني: إذا أتاكم عذاب الله من يستطيع منكم، أن يهرب فليهرب ولكن هيهات هيهات ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾13 (هود: 33).

لا يعجزون الله سبحانه وتعالى، ولا يفلتون منه سبحانه عز وجل أو أن يكون المعنى هذا أيضًا في الدنيا، يعني: أنتم في الدنيا تحت قبضة الله سبحانه وتعالى، والملك ملكه والخلق خلقه وهو قادر على كل شيء قال عددٌ. والمراد به في الآخرة بدليل قوله سنفرغ لكم. وهذا سيكون يوم القيامة لأنَّ السين تدل على الاستقبال ولأن الله قال بعد ذلك ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾14 من أراد أن يهرب من عذاب الله أرسل عليه الشواظ والنحاس، ولم يستطع أن يفلت من عذاب الله سبحانه وتعالى، قال: إن استطعتم، ﴿أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ أقطار، يعني: جوانب السماوات والأرض ونواحي السماوات والأرض إن استطعتم، أن تفلتوا ﴿مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ﴾ من ملكوت الله فاصنعوا.

فإنَّ هذا خلق الله وهو رزق من الله فآمنوا بالله رب العالمين. إن استطعتم، ﴿أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟﴾، يعني: فهربوا وخرجوا ونجوا بأنفسكم ﴿فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا﴾ بِسُلْطَٰنٍ هناك من المفسّرين من تأول الآية على غير وجهها الصحيح. فقال: ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ أي: إلا بعلم. وقالوا إن المراد بالسلطان هنا سلطان العلم.

وقالوا والمعنى أنتم لن تستطيعوا أن تصلوا إلى أقطار السماوات والأرض إلا بعلم. وقالوا. والمراد بالعلم العلم الحديث حيث توصل الناس إلى الفضاء ووصلوا إلى أقطار السماوات والأرض والله قال ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ (الرحمن: 33). وهذا خطأ في تفسير الآية الكريمة لأنه مهما وصلوا لم ينفذوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ ثم يقال هل الجن اختلفوا في اللاحق عن السابق

يعربون يتحدى الجن طب هو الجن قبل ذلك لم يكن عنده قدرة وسيصير عنده قدرة وهل الإنس مهما أوتوا من قدرة الآن هل هم أقوى من الجن في القدرة أو فيما لديهم من قوة هذا ليس مرادًا. ثم إنَّ الآية الكريمة في مقام الوعيد والتهديد وبيان العجز فكيف يكون المعنى لا تنفذون إلا بسلطان العلم. ثم إنَّ التعبير بالسلطان يدل على عظمة هذا السلطان وأنه ليس هذا السلطان، وكذلك لأنَّ الله قال: بعدها ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ والمعنى أنكم لن تستطيعوا النفوذ إن هذه مسألة.

وهذه مسألة أخرى. لكن هؤلاء يتجهون إلى الفضاء هذا شيء آخر مهما وصلوا ليس المراد النوم سيخرجون من السماوات هل استطاعوا أن يخرجوا من السماوات والأرض

﴿أَنَّمَا﴾ منتهى أملهم ما وصلوا إليه من هذا الغلاف الجوي ثم لم يصلوا شيئًا فوق ذلك ولم يستطعوا أن يصلوا إليه. ثم إنَّ الوعيد على قول كثيرين يكون حينما يريدون الإفلات من عذاب الله سبحانه أو الهروب من عذاب الله. وهذا لا يتأتى لأحد منهم. ولذلك يخطئ بعض الناس في بعض الأحيان حينما يفسر الآية الكريمة أو الآيات الكريمة تفسيرًا علميًا فليس كل تفسير علمي مقبول وأقصد بالتفسير العلمي ما يسمونه بالعلم التجريبي مسألة.

إن الآية تفسر بالتفسير العلم التجريبي إن يقول الآية تدل على معجزة كذا علمية، يعني: اكتشفوا في العلم الحديث مسألة كذا فيقولون. وقد دل القرآن على ذلك نقول هذا قد يقبل. وقد وقد يراد ليس في كل الأحوال يقبل وليس في كل الأحوال يرفض المقبول، ومنه المردود فإذا كان سياق الآيات يدل عليه ودلائل الألفاظ القرآنية تدل عليه وليس فيه ما يخالف الكتاب، ولا سنة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وأن ما أتوا به من قبيل الحقائق العلمية وليست النظريات القابلة للإصابة والخطأ أو للصحة والخطأ، يعني: ما جيش واحد اكتشف نظرية جديدة يقول أصل القرآن دل عليه، وبعد فترة النظرية تطلع غلط تقولوا طب والآية نعمل فيها إيه

لا ده تبقى حقيقة علمية، يعني: غير قابلة للجدل، يعني: يقولون الأجنة الجنين يمر بمراحل مثلًا، وفي ظلمات بتكون موجودًا في المشيمة وما إلى ذلك ويجدون في القرآن في ظلمات ثلاث مثلًا، أو يجدون في مرحلة النطفة والعلقة والمضغة، وفي القرآن ذلك. إذن هذا إعجاز موجود في القرآن وتفسير صحيح لا إشكال فيه.

لكن يأتي بنظرية قابلة للقبول والرفض أو يلوي نص الآية والآية تتحدث عن الآخرة يجعلها هو في الدنيا. فهذا مما لا يقبل والله تعالى أعلم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 34). إذن قوله لا تنفذون إلا بسلطان أي: وليس لكم سلطان فلا نفوذ، ولا هروب من الله سبحانه وتعالى، فالعبد إن فر من الله فإلى أي: شيء يفر وإلى من يفر والفرار منه إليه سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 42).

﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾، يعني: إن حاولتم الهروب أرسل عليكم هذا الشواظ أو أن يكون المقصود بذلك الكافرين لأنَّ الذين يرسل عليهم الشواظ من النار والنحاس ﴿أَنَّمَا﴾ هم أهل الكفر وليسوا أهل الإيمان فأهل الإيمان يرحمهم الرحمن جل وعلا ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ وَالشُوَاظُ مِنَ النَّارِ لَهَبُ النَّارِ اللَّهَبُ الْخَالِصِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دُخَانٍ لَهَبٌ قال ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ وَهُوَ النُحَاسُ الْمُذَابُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الدُّخَانِ، يعني: يُرْسَلُ عَلَيْكُمْ مِنَ النَّارِ الْخَالِصَةِ وَيُرْسَلُ عَلَي فلا تنتصران لا تتمكنان لا يتمكن الإنس، ولا الجن من الانتصار أنهم في قبضة ملك الملوك سبحانه وتعالى، وها أنت ترى أخي الكريم، أن الله في سورة الرحمن وهي سورة فيها ذكر للنعم الكثيرة يذكر الله أيضًا بعض الوعيد قال بعض أهل العلم لأنَّ العبد إذا ذُكِّر بالوعيد فنبه على ذلك.

فهذا من النعمة الكبيرة حينما يقال لك احذر النار وابتعد عن النار. فتلك نعمة لأنَّ الإنسان إذا غفل فإنَّه سيكون من أهلها. نسأل الله السلامة والعافية. أو يكون ممن يستحق دخولها. نسأل الله السلامة والنجاة من نار جهنم بذلك الذي يحذرك من الشر يسدي إليك معروفًا الذي يحذرك من الشر تقول له جزاك الله خيرًا تقول له جزاك الله خيرًا لما

لأنه بإذن الله يسدي إليك معروفًا لذلك قالوا رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي. وقالوا إن الأخلاق الذميمة مثل العقارب الفتاكة فمن دلك على أن عقربًا في جسدك فقد أسدى إليك معروفًا، ومن دلك على أن في خلقك كذا وكذا فكذلك قد أسدى إليك معروفًا ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ (الرحمن: 35). والقراءة الأخرى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ عطفًا على النار فالأول عطف على الشواظ، يعني: لهب نار خالص ودخان أو الشواظ قطع من نار ومن نحاس مذاب فلا تنتصران ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 36).

ثم حدثنا الله عن بعض المواقف سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 29 ↩
  3. آية: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 30 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 15 ↩
  5. آية: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 34 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 33 ↩
  7. آية: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 31 ↩
  8. آية: ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 61 ↩
  9. آية: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المنافقون 11 ↩
  10. آية: ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 49 ↩
  11. آية: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ — كما ورد في الدرس: طه 129 ↩
  12. آية: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 88 ↩
  13. آية: ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 33 ↩
  14. آية: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 35 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة