مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الرحمن جزء 7 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 35 من 61 · 18 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الرحمن. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾2 (الرحمن: 37). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾3 (الرحمن: 38). ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾4 (الرحمن: 39). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 40). ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ﴾5 (الرحمن: 41). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 42). ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ (الرحمن: 37). يحدثنا الله جل وعلا عن بعض مواقف يوم القيامة بعد أن حذر الله سبحانه الإنس والجن من أن يظنوا أنهم قادرون على شيء من النفوذ في سلطان الله سبحانه وتعالى.

فقال: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾6 (الرحمن: 33). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 45). ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾7 (الرحمن: 35). حدثنا الله عز وجل عن بعض ما يقع يوم القيامة. فقال: ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ (الرحمن: 37). فكانت وردة، يعني: فكانت كالوردة قال عدد كبير من المفسّرين أي: صارت كالوردة الحمراء. فإنَّ الوردة يُضرب بها المثل في الاحمرار أي: هذه السماء التي نراها زرقاء تصير حمراء والأمر كما قال الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾8 (إبراهيم: 48). فقوله: ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾، يعني: فكانت كوردة.

وهذا ما يسمونه بالتشبيه البليغ وهو الذي يحذف فيه أداة الشبه ووجه الشبه كذلك. فقال: فصارت وردة كالدهان وقوله: كالدهان الدهان هو عكر الزيت أو الزيت المغلي فشبه الله السماء بتشبيهين الأول بالوردة في حمرارها. وقال بعضهم: في الوردة في تقطعها لأنَّ الوردة أوراد وليست وردة واحدة وإنَّما هي وردات، وكذلك مثل الزيت المغلي للدلالة على عظيم تشققها وشدة الهول الذي يلحقها يوم القيامة، أي: السماء التي نراها الآن فلا نرى فيها تصدعا، ولا نرى فيها تفطرا، ولا نرى فيها تشققا إذًا بها تتفطر وتتشقق وتصير كالورد الهينة اللينة كما قال الله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾9 (الحاقة: 16).

﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (الحاقة: 16). أي: ضعيفة تصير السماء ضعيفة، وكذلك تصير في هذا الاحمرار مثل عكر الزيت المغلي. نسأل الله السلامة ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 38). فبأي عجائب ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ يا معشر الجن والإنس الله عز وجل هو القادر على ذلك سبحانه وتعالى، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 39). هذا جواب إذًا فقوله: فإذا انشقت السماء الجواب ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 39). لذلك فقوله: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 38). جملة اعتراضية أي: بين الكلام بعضه البعض لكنَّها تدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، وهكذا الجمل الاعتراضية التي تأتي بين كلامين الآخر منهما مرتبط بالأول فيأتي في وسط الكلام كلام يراد منه مغزًى ومعنًى كما قال الله سبحانه ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ هو أصل الكلام ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾.

لكن في وسط الكلام ربنا قال ماذا ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ﴾، يعني: هذا كلام لا يقبل فلذلك جاءت المبادرة بقول سبحانه فهنا في وسط حالات السماء قال الله فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَ تُكَذِّبَانَ ثم جاء الجواب فيومئذ لذلك دخلت الفاء على يومئذ في جواب الشرط فَيَوْمَئِذٍ، أي يوم انشقاق السماء، ﴿لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ كيف لا يسأل

والله قال ﴿عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾10 (الحجر: 93)نما تسأل آخر فأنت تسأله مستجوبا إياه لعل عنده إجابة، يعني: أنت لما تقول لواحد أنت عملت كذا فتنظر أن يقول لك نعم أنا عملت أو أقول لك أنا ما عملت أو أنا عملت من أجل كذا هذا السؤال السؤال منفي لأنَّ المقام ليس مقام استعلام والله لا تخفى عليه خافية لا في أمور الدنيا، ولا في أمور الآخرة ﴿أَنَّمَا﴾ السؤال سؤال التوبيخ والتقريع والتبكيت وإقامة الحجة فقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 39).

أي: سؤال استعلام أو استخبار أو سؤال طلب اعتذار بأن يطلب منهم أن يعتذروا يا ربنا لا يسألهم لأنَّ المقام ليس مقام اعتذار ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾، ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ يبقى السؤال المنفي هو ماذا ؟ السؤال الذي يكون معه اعتذار أنت ممكن تسأل واحدًا لكي يجيبك ويعتذر لا يوم القيامة ليس في ذلك. ولذلك ربنا قال. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾.

وقال النبي «صلى الله عليه وسلم» من نوقش الحساب عذب وفي لفظ هلك. فقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يا رسول الله أوليس الله يقول. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا كيف الذي يناقش في الحساب يتعذب؟ قال ليس ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هو العرض من نوقش الحساب عذب، يعني: يوم القيامة تعرض بعض الأعمال على المؤمنين دون مناقشة، يعني: ربنا يقول للمؤمن انظر أعمالك يوم المؤمن يقلِّب في صحيفة العمل، في صحائف العمل يجد سيئات سيئة وراء سيئة لكن لا توجد مناقشة ﴿أَنَّمَا﴾ يقال له: يقول الله له سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم.

لكن إذا ناقشه: أنت عملت كذا لماذا؟ وما عذرك في ذلك ألم أرسل إليك الرسل ألم أنزل الكتب ألم أفعل ما الذي صنعك ما الذي جعلك ألم أزوّجك وأذرك ترأس وتربع حينئذ سيكون العبد من الهالكين. نسأل الله السلامة إذن لا تعارض بين الآيات.

إن هناك آيات ربنا يبين، أن المشركين لن يسألوا. ﴿وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾. وآيات تثبت أنهم سيسألون. يبقى السؤال يسألون سؤال التبكيت والتقريع والتوبيخ وإقامة الحجة.

أما أن يسألوا ليعتذروا فلا ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾، ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 40). فإنْ قال قائل لا سؤال فكيف تعرفهم الملائكة وكيف يعرفون في هذا المقام وكيف يتميزون للناس قال الله: ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ﴾ (الرحمن: 41). الأمر لا يحتاج إلى استعلام، لا يحتاج إلى أن يقول: أنت فلان المجرمون بسيماهم، يعني: بعلاماتهم، السِّيمة العلامة فكل مجرم له سيمة والله قد قال ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾11 (آل عمران: 106).

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 106). وقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾12 (عبس: 38). ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾13 (عبس: 39). ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾14 (عبس: 40). ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾15 (عبس: 41). ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ﴾16 (عبس: 42). فالمجرم معروف بسيمته معروف بعلامته ربما كان في الدنيا أبيض من اللبن لكنه يصير أسود لأن

لأنه أشرك بالله رب العالمين ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ﴾ فيؤخذ بالنواصي أل هنا تدل على العوض أو عوض عن المضاف إليه أي: فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم يؤخذ بالنواصي والأقدام، يعني: تأخذهم الملائكة بالناصية وبالقدم الناصية مقدم الرأس. وقال بعضهم: الشعر الموجود في بداية الرأس، يعني: يأخذونه من أمام من عند رأسه والأقدام من عند قدمه فيأخذ برأسه، وقدمه ويلقى به في نار جهنم.

نسأل الله السلامة والعافية. ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ هل يستوي هذا من ذاك

﴿تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ قال الله سبحانه وتعالى، ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ﴾ برأسه وبقدمه ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 53). لذلك هناك في سورة المرسلات تكرر هذا الأمر أيضًا هناك ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ وهنا ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 55).

هذه جهنم. نسأل الله السلامة جهنم كانت في الدنيا عنهم بعيدة لا يرونها، ولم يقل هذه جهنم التي بها تكذبون باعتبار أن الكلام عن المجرمين ﴿أَنَّمَا﴾ صرح بالإجرام مرة ثانية للدلالة على أن المجرمين مكذبون وهم الذين يصلون نار جهنم ﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾17 (الرحمن: 43). ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾18 (الرحمن: 44). يطوفون سبحان الله قد كانوا في الدنيا لا يعرفون طوافاً وَلَا يُقِرُّونَ بِصَلَاةٍ وَلَا يَدُورُونَ حَيْثُ أَدَارَهُمُ الشَّرَعِ وَإِنَّمَا يَطُوفُونَ حَيْثُ الْأَهْوَاءِ وَحَيْثُ الْمُشْتَهَيَاتِ وَحَيْثُ الْمُرَادَاتِ وَحَيْثُ الدُّنْيَا وَحَيْثُ الْبَاطِلِ يطوفون بينها أي: بين جهنم وبين حميم أهم والحميم الآن المتناهي في الحرارة شديد الحرارة الحرارة المتأججة التي تقضِ على صاحبها كما قال ﴿وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ نعوذ بالله من النار ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ الآن قال أهل العلم يطوفون بينها، يعني: بين جهنم بين الجحيم وبين الحميم فهم يدورون بين الجحيم والحميم، أن يعذبون بالنار فإذا تعبوا من العذاب قاسوا الحرارة وهم ملجمون في عرقهم ويصيبهم ما يصيبهم من الهم والكرب والتعذيب فحينئذ يردون الشراب فإذا أرادوا أن يستريحوا شيئًا من هذا العذاب توجهوا من الجحيم إلى الحميم فانتقلوا ليشربوا من الحميم ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ﴾ ﴿بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يشوي الوجوه، يعني: هذا الحميم حينما يرفعونه إلى أفواههم يشوي وجوههم فكيف حينما يدخل بطونهم؟ كيف به حينما يدخل بطونهم؟ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آه فهم بين الحميم وبين الجحيم كما قال الله: ﴿فَذُوقُوا۟ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾19 (النبإ: 30).

نسأل الله أن ينجينا من النار هذا عن جزاء المجرمين. ثم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 45). هذا نذير لكم عظة واعتبار هذا عظة لكم الآن أنتم في الدنيا هذه عظة لكم هذا تذكير. وهذه عظة لكم قال ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾20 ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46). فهذا الفريق المقابل وهكذا القرآن الكريم لما ذكر الله المجرمين ذكر الله المتقين ذكر الله الذين يخافون مقامه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46).

وعلم من ذلك، أن المجرمين لم يخافوا مقام ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فَقَوْلُ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 46). أي: في مقابلة المجرمين فالمجرم لا يخاف من الله وإلا فكيف يُجرم؟ هذا الذي يخاف من الله الخوف من الله الخوف من مقام الله يمنعهم من الإجرام من يخاف مقام الله يأتي لينتهك محرمًا فيتذكر الله فيقلع ويمتنع يقال له: اتق الله فتهزه كلمة اتق الله، ولمن خاف مقام ربه ليس جنة واحدة وإنَّما جنتان وذكر الله لنا أوصاف الجنات وصفًا جميلًا رائقًا رائعًا عظيمًا فلم يذكر جنتين وإنَّما ذكر أربع جنان فذكر في الأول جنتين.

ثم قال ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾21 (الرحمن: 62). وسيأتينا بإذن الله تعالى المقارنة بين الجنتين والجنتين وأي الجنتين أعلى من الجنتين الأخريين في الدرس المقبل بإذن الله. نسأل الله أن يجعلنا ممن يخافون مقامه وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة هذا والله أعلم. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 37 ↩
  3. آية: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 38 ↩
  4. آية: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 39 ↩
  5. آية: ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 41 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 33 ↩
  7. آية: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ — كما ورد في الدرس: الرحمن 35 ↩
  8. آية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 48 ↩
  9. آية: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 16 ↩
  10. آية: ﴿عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 93 ↩
  11. آية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 106 ↩
  12. آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 38 ↩
  13. آية: ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 39 ↩
  14. آية: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 40 ↩
  15. آية: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 41 ↩
  16. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 42 ↩
  17. آية: ﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 43 ↩
  18. آية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 44 ↩
  19. آية: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبإ 30 ↩
  20. آية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 46 ↩
  21. آية: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 62 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة