تفسير سورة القمر جزء2 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأصلّي وأسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة القمر، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾2 (القمر: 6)، ﴿خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾3 (القمر: 7)، ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ۖ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾4 (القمر: 8).
تقدّم، يا أيها الإخوة الكرام أن هؤلاء الكفار إذا سمعوا مقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إذا سمعوا القرآن الكريم كان منهم هذا القول الخبيث حينما يقولون سحرٌ مستمرّ، يقولون: إن محمدًا «صلى الله عليه وسلم» سحرنا، وإن ما جاء به ليس إلا السحر، وأن هذا السحر سحرٌ مستمرّ، سحرٌ ضعيف أو باطل أو سحر يستمرّ فيه النبي ﷺ عليه وآله وسلم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾؛ أي: هؤلاء لا يرتدعون ولا يستفيدون من النصيحة، فردّ الله عز وجل عليهم قائلًا: فتولَّ عنهم، أعرض عنهم يا رسول الله؛ أمثال هؤلاء لا يُلتفت إليهم فإنَّ الذكرى لا تنفعهم فأعرض عنهم. قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ وهنا وقفٌ لازم؛ الإنسان إذا قرأ يقف عند هذا: فتولّ عنهم، ولا يصلها بقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾5؛ لأننا إذا وصلناها سيكون المعنى: فتولَّ عنهم يوم القيامة، ويوم القيامة ليس يوم التولّي، ﴿أَنَّمَا﴾ فتولَّ عنهم في الدنيا يعني: هؤلاء أعرض عنهم. ثم قال الله: يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ، يعني: اذكر يا رسول الله يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر. وبعضهم يقول إنها منسوخة بآية السيف ولا حاجة إلى ذلك فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام في فترة من الفترات كان مأمورًا بالعفو والصفح وعدم مقاتلة المشركين ثم بعد ذلك أُمر عليه الصلاة والسلام بقتال المشركين كما هو معروف في فقهه.
قال الله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ (القمر: 6) من الداعي الذي يدعو قالوا إنه النافخ في الصور، يوم يدعو ﴿ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ أي: يوم يدعو النافخ في الصور إلى شيء نكر، والنافخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام. النافخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام، فهذا هو الداعي الذي يدعو الناس إلى ربّ الناس سبحانه وتعالى؛ ينفخ في الصور ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾، فإسرافيل ينفخ في الصور فيقوم الناس إلى ربّ العالمين. يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر؛ ما معنى شيء نكر يعني: إلى شيء فظيع وهو يوم القيامة، وسمّاه الله بالشيء النكر، فهذا الملك إسرافيل حينما ينفخ في الصور يدعو الناس إلى شيء فظيع، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾6 (الحج: 1)، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا «﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾» «وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» ولكن عذاب الله شديد.
قال الله سبحانه: يوم يدعو الداعي ﴿إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ﴾، يعني: هؤلاء حينما يفزعون ويخرجون من القبور إلى الله ربّ العالمين خشّعاً أبصارهم أي: أبصارهم ذليلة، أبصارهم خاشعة ذليلة. والخشوع يجري على الجوارح كلّها لكن أثره يظهر في العين أكثر لذلك قال: خاشعةً أبصارهم، ﴿خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾. كما قال الله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ﴾7 (القارعة: 4). فالناس يخرجون من القبور بهذه الكثرة الكاثرة؛ انظر منذ أن خلق الله عز وجل آدم عليه السلام منذ أن خلق الله الخلق وهؤلاء ماتوا يخرجون من القبور ﴿خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ من هنا ومن هناك مهطعين إلى الداعي. مهطعين أي: مسرعين إلى الداعي؛ فالداعي يناديهم فيجيبون داعي الله سبحانه وتعالى كما قال الله أيضًا في سورة طه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾8 (طه: 108). وقال هنا: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ﴾ إلى الداعي أي: مسرعين ﴿إِلَى ٱلدَّاعِ ۖ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.
لم يقل يقولون: ﴿أَنَّمَا﴾ قال يقول الكافرون مع أنَّه معروف أنَّ: هذا قول الكافرين لكن هنا ليسجّل الله عليهم الكفر وليتبيّن أن هذا العسر عسر ملازم للكفّار. يَقُولُ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا ﴿يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ — هكذا على وزن فَعِل كما يقال حذِر وهي من صيغ المبالغة — يعني: الكفار حينما يرون شدّة الهول يقولون هذا يوم عسر يعني: يوم شديد في العسر. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾9 (المدّثّر: 1-10). قال بعض العلماء يكون عسيرًا على الجميع لأنَّ الأنبياء دعاؤهم وقتئذٍ: يا ربّ سلّم سلّم، والأنبياء يقولون كلّ منهم يقول: «نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي» باستثناء نبيّنا «صلى الله عليه وسلم» ثم ييسّره الله على المؤمنين، أو أنه من البداية ميسَّر للمؤمنين ﴿عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾. وأما لأهل الإيمان فهو ميسَّر بفضل الله سبحانه وتعالى.
ففي هذا اليوم يقال لهم: ﴿هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. قال: ﴿يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، يعني: يا رسول الله لا تشتغل بزعم الزاعمين فهؤلاء الكفار قالوا عنك إنك ساحر وإن كلامك سحر وإن القرآن سحر لا تلتفت إليهم فسيأتيهم ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ القبور بهذه الصفة وهذا يوم عسر.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ﴾10 (القمر: 9)، ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾11 (القمر: 10). يعني: يا رسول الله لست أوّل من كُذّب يا رسول الله وإنَّما كُذّب الأنبياء من قبلك وأيضًا أوذي الأنبياء من قبلك وإن كانوا في الحقيقة يعلمون صدقك. فكذّبوا عبدنا: جاء التفصيل لذلك تكرّرت كلمة فكذّب: فكذّبوا عبدنا، كذّبت فكذّبوا، أو أن قوله فكذّبوا يراد منه الاستمرار على الكذب؛ كذّبت قبلهم قوم نوح فاستمرّوا على الكذب. وقوله: فكذّبوا عبدنا من المقصود بعبدنا المقصود بعبدنا هو نوح عليه السلام، وفي إضافته إلى الله تشريف لنوح عليه السلام: فكذّبوا عبدنا، كما قال الله في شأن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام: سبحان الذي أسرى بعبده، وكما قال: فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ، وكما قال في عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾12 (الزخرف: 59)، وكما قال في رسولنا أيضًا: ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ يدعوه. فكذّبوا عبدنا هذا تفصيل بعد إجمال وهذا متكرّر في القرآن الكريم: وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌ ﴿مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ﴾، فأعاد قوله فلما جاءهم مع أنَّها ذُكرت في صدر الآية. قال: ﴿فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ﴾.
وقالوا مجنون: نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ يقولون في حقّه إنه مجنون. نوح عليه السلام بهذه الفطنة وبهذا العلم وبهذه الدعوة المباركة يقال عنه مجنون؛ ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، وهم المجانين حقًّا لأنهم آثروا الخلق على الخالق وآثروا طاعة الهوى على طاعة المولى جل وعلا. قال: وقالوا مجنون، وقالوا مجنون كما قال أيضًا: ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. وأظنّك مهما قيل فيك ما قيل لا يتجاوز أن يقال عنك مجنون، ومهما أوذيت من إيذاء من بعض الناس. فهذا رسول الله بل رسل الله يقال عنهم أو يقال لكلّ منهم إنه مجنون.
وقالوا مجنون وازدُجر يعني: وزُجر زجرًا شديدًا؛ زجروه: ماذا تقول: يا نوح اسكت عنّا لا تنطق بهذا الكلام، وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. أَزُدُجِر من الذي يزجر نبيّاً مباركًا رسولاً مباركًا نوحاً عليه السلام فدعا ربّه، لكن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ دعا ربّه بعد أن مضت هذه الفترة الطويلة. وطريقة قصص القرآن أنها تأتي في موضع مبسوطة وتأتي في موضع موجزة مختصرة كلّ بحسب المقام، والمقام هنا ذكر تكذيبهم وهلاكهم ونجاة أنبيّائهم. قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾؛ أنّي مغلوب، مغلوب من هؤلاء مع كثرة دعوته وطول مدّة دعوته وتنوّع وسائل دعوته وتعدّد أساليب دعوته، مع هذا كلّه أعرضوا عنه وسخروا منه: ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾13 (هود: 38). ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾: انتصر لي يا ربّ انصرني عليهم. فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ.
﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾14 (القمر: 11)، ﴿وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾15 (القمر: 12)، ﴿وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ﴾16 (القمر: 13). قال: ففتحنا أبواب السماء؛ ففتحنا أبواب، صارت السماء أبوابًا مفتحة، ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾: ماء غزير كثير عديد يأتي من السماء من كلّ جانب حتى صارت السماء أبوابًا تمطر، لا يخرج أو لا ينزل من السماء قطرات ولا ينزل من السماء غيث ﴿أَنَّمَا﴾ هو ماء منهمر. وليس هذا فحسب: وفجّرنا الأرض عيوناً، ولم يقل وفجّرنا عيون الأرض، بل الأرض صارت عيوناً؛ وفجّرنا عيون الأرض يعني: من الأرض عيوناً، فجّرنا الأرض عيونًا كأن الأرض كلّها صارت عيوناً؛ فالسماء صارت أبوابًا تهطل بالأمطار والأرض تفجّرت وصارت عيوناً. ﴿فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾؛ التقى الماء أي: التقى ماء السماء مع ماء الأرض، التقى الماء النازل من السماء مع الماء الصاعد من الأرض النابع من الأرض ﴿عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، قدّره الله عز وجل. فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ﴾؛ حمله الله عز وجل ومن معه من المؤمنين وهم قلّة: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: ﴿وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ﴾ وهي السفينة أو الفُلك.
أين هذه السفينة وأين تغوص وكيف تسير في الماء المنهمر وفي عيون الأرض ومن فوق ومن تحت في هذا الأمر الكثير كلّه لكن ربّك على كلّ شيء قدير. وقد كانوا يتعجّبون من نوح: هذه السفينة التي يصنعها وهذا الفلك الذي يصنعه أين سيمشي سيمشي على الأرض أين الماء كانوا يقولون أين الماء وها هو ليس ماءً وإنَّما فيضانات وماء من هنا وهناك. قال الله: ﴿وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ﴾ (القمر: 13). وقال بعض العلماء: التعبير بهذا الوصف لهذه السفينة فيه تعليم لنا كيف نصنع السفن: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ﴾، فتعلّمنا صناعة السفن من ذلك. وقال بعضهم: بل هذا دليل على قوّتها وإحكامها وعلى أن نوحاً عليه السلام قد بذل جهده وأدّى ما عليه في صنع تلك السفينة وأخذ بالأسباب: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾17 (القمر: 14). وسيأتي تتمّة القصّة إن شاء الله في الدرس المقبل. هذا والله أعلم، وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 6 ↩
- آية: ﴿خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 7 ↩
- آية: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ۖ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 8 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 6 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 1 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ﴾ — كما ورد في الدرس: القارعة 4 ↩
- آية: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ — كما ورد في الدرس: طه 108 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المدّثّر 1-10 ↩
- آية: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 9 ↩
- آية: ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 10 ↩
- آية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 59 ↩
- آية: ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 38 ↩
- آية: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 11 ↩
- آية: ﴿وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 12 ↩
- آية: ﴿وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 13 ↩
- آية: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 14 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)