مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس الحادي عشر- في رحاب آية

في رحاب آية · الدرس 15 من 31 · 14 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. تعنت المشركين مع القرآن
  2. سبب طلب تبديل القرآن
  3. استحالة تبديل الوحي
  4. دلائل أن القرآن وحي
  5. حادثة الإفك وصدق الرسول
  6. القرآن وحي من عند الله
التفريغ النصي الكامل للدرس

تعنت المشركين مع القرآن

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 سبحان منزلة بليلة قدره درب الهداية واضح التبيان يتلوه أحمد لدنا وهي التي عطشت لقطر هداية هتاني الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة في رحاب آية. ونحن اليوم بإذن الله تعالى وتوفيقه على موعد مع المجلس الحادي عشر ومع آية جليلة من سورة يونس عليه السلام. قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾2 هذه الآية الكريمة يبين الله سبحانه وتعالى لنا فيها شيئًا من تعنُّت المشركين ذلكم، أن المشركين كانوا يصدون عن سبيل الله ويكرهون سماع القرآن ويتواصون فيما بينهم بعدم سماعه قال الله.

سبب طلب تبديل القرآن

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾34، وكانوا يقترحون على الرسول ﷺ اقتراحات ويطلبون منه طلبات وما هي إلا تعنتات يرون بذلك أنهم قد اعتذروا لأنفسهم في ترك الإيمان وهيهات وها هي الآية الكريمة تبين لنا شيئًا مما قالوه ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ﴾5 والله حينما يقول عن الآيات وهي آيات القرآن بينات أي: واضحات جليات حجج قاطعة واضحة دامغة تنبئ عن أن الله واحد لا شريك له فمن قرأ القرآن وأمعن النظر فيه لا شك أنه سيقبل على الله لو كان صادقًا وفتح الله قلبه للهداية وشرح صدره للإسلام فالقرآن نور ومصدر هداية وآياته آيات بينات.

لكن مع ذلك مع وضوح آيات القرآن ومع جلائها وظهورها إلا أنهم يريدون تغيير هذا القرآن لا يقبلونه يرفضونه يكرهونه فماذا يقولون للرسول الكريم ﷺ؟ قال الله ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾6 لم يقل قالوا والكلام عن هؤلاء المشركين، ولم يقل قال المشركون ﴿أَنَّمَا﴾ قال هنا ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ وكأنه بذلك يبين لنا سبب هذا القول.

﴿أَنَّمَا﴾ قالوه لأنهم لا يرجون لقاء الله. لأنَّ الذي يرجو لقاء الله يعمل للقاء الله. الذي يرجو لقاء الله يعمل بآيات الله ويؤمن بها. الذي يرجو لقاء الله يؤمن بالله ورسله. ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾78 ولذلك ربنا قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ9 أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ فهم غافلون عن آيات الله، ولا يستجيبون لأوامر الله ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾10 هكذا يطلبون من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ﴾11 تريد منا أن نسلم تريد منا أن نقبل دعوتك وأن نستجيب لكلامك هات قرآنًا آخر ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ ويطلقون على غيره قرآن باعتبار أن الذي أتى به الرسول ﷺ من عند ربه يقال له: قرآن هات شيئًا آخر وسمِّه قرآنًا وهم لا يريدون بذلك سورًا أخرى، فالقرآن نزلت سور تلو أخرى، تلو أخرى، ﴿أَنَّمَا﴾ يقصدون أمرًا آخر، أي: ائت بقرآن له أساليب أخرى، قرآن لا يذم الشرك والمشركين، قرآن لا يذم عبادة الأصنام، قرآن لا يدعو إلى عبادة إله واحد، وهم الذين قالوا ﴿أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾1213، ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾، هاتِ قرآنًا آخر بأساليب أخرى، نرتضيها ونقبلها، حينئذ نقبل دعوتك.

استحالة تبديل الوحي

فإنَّ لم تفعل، فبدِّل، بدِّل في هذا القرآن وغيِّر فيه، فيبقى هو كما هو. لكن بتبديل وتغيير وتحريف، فأمر الله الرسول ﷺ أن يجيبهم بقوله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم يا رسول الله ﴿مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾14 ما يكون لي، يعني: لا يحق لي ولا ينبغي لي ليس ذلك إلى الرسول ﷺ ليس لي في ذلك دخل ليس لي أن أزيد أو أن أنقص من القرآن فضلًا عن، أن أغيره فضلًا عن، أن آتي بقرآن آخر ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ﴾15، يعني: لا يحق لي هذا ليس لي ﴿مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾ وأنتم ترون.

يا أيها الإخوة الكرام أنهم قد اقترحوا اقتراحين وطلبوا طلبين فهم قالوا ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾16 أو بدل طلبوا أحد الطلبين فلما جاء الرد رد على واحد منهما وهو التبديل. فقال ﴿مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾، ولم يقل ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ﴾ أن آتي بقرآن غير هذا أو أن أبدله. لماذا لأنه إذا امتنع أن يبدِّل الرسول القرآن فهو ممتنع، فمن باب أولى أن يمتنع عليه أن يأتي بقرآن آخر.

دلائل أن القرآن وحي

إذا كان لا يحق للرسول ﷺ أن يزيد في القرآن أو أن ينقص من القرآن أو أن يبدل هذا ممتنع، ولا يصح ولا يكون، ولن يكون منه ﷺ وحاشا. لكن الرسول يبين لهم ذلك ﷺ بأمر الله له فإذا لم يكن منه تبديل للقرآن فليس منه إتيان بكتاب آخر أو بكلام آخر ينسبه إلى الله عز وجل ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾17 هذه مهمة الرسول ﷺ الرسول مبلغ عن ربه مبلغ عن ربه سبحانه وتعالى، لذلك لما قال الله ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾1819 هو قول قال لكنه قول من أرسله وهو ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ لذلك فالرسول ﷺ لا يأتي في شيء من القرآن من عند نفسه من تلقاء نفسه حتى كلمة «﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾» لا يتصرف فيها، قيل له: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾20 ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ﴾2122 ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾2324 ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول الرسول ﷺ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يتصرف في شيء. ولذلك جاء في الروايات «لو كان كاتمًا شيئًا لكتم» ﷺ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾2526 أو كتم ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾27 والذي خشيه الرسول ﷺ على القول الصحيح هو ما علَّمه من أن زينب بنت جحش رضي الله عنها ستكون زوجًا له.

وقد كانت عند زيد بن حارثة فأخفى ذلك صلى الله عليه وآله وسلم والله قال ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ لم يبدل، ولم يغير من القرآن. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ هذا كله يجعلنا على ثقة تامة بأن القرآن كلام الله «فضل القرآن على الخلق كفضل الله عز وجل على خلقه» الرسول ﷺ أقر ونسب القرآن إلى الله ولو كان الرسول ﷺ يريد أن يضفي على كلامه القداسة لنسب كل ما يقول إلى الله عز وجل لكننا وجدنا ما يقال له: الحديث القدسي والحديث النبوي والقرآن الكريم.

لماذا لأنَّ الرسول ﷺ لا يكذب في شيء من ذلك. ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾28. وهل أشدّ مما وقع في حادثة الإفك حينما رُمِيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي الصديقة العفيفة الطاهرة الحَصَان الرَّزَان حينما رُمِيت بما رُمِيت به من هذا الأمر الذي لا يقبل، ولا يكون في حق أمهات المؤمنين فهن ﴿وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾29

حادثة الإفك وصدق الرسول

ومع ذلك مكث الرسول ﷺ شهرًا كاملًا لا ينزل عليه شيء من الوحي دخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحمد الله وأثنى عليه. وقال لها «يا عائشة قد بلغني عنك كذا وكذا. فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله. فإنَّ العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه» لو كان القرآن ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ

أما كان بإمكانه وفي قدرته أن يأتي بآية يدفع بها عن عرضه؟ ويذب عن أم المؤمنين عائشة وهي حبيبته لكنه لم يفعل شيئًا من ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ قال ما كان من عنده «ما علمت على أهلي إلا خيرًا» حتى أنزل الله الفرج وأنزل الله الوحي ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾30 كل هذا يدل على أن الرسول ﷺ متبع لما يوحى إليه فنحمد الله على ذلك فالقرآن من عند الله لا ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ الرسول مبلغ عن ربه وكان يحرص على هذا وعلى إتقان القرآن حتى طمأنه الله. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ31 فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾32 وقد كان يحرك لسانه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾3334 خشية، أن يتفلت منه شيء من القرآن صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾35 ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾36 الرسول ﷺ يعلنها واضحة جلية أنه يخاف عذاب الله ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فإذا كذبت على الله فهذه معصية وأي معصية فكيف أكذب على الله

والرسول ﷺ تجنب الكذب في كل حياته فهو الصادق الأمين، ولما سأله هرقل أبا سفيان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يسلم عن رسول الله ﷺ «أكنتم تتهمونه بالكذب ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقول ما قال» فأجاب: لا. فقال «قد علمت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله عز وجل»، الذي يترك الكذب على الناس هل يتجرأ على الله ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

القرآن وحي من عند الله

هذا فيه تقريع للمشركين حينما يقولون للرسول هذا الكلام ويتجرؤون على الله سبحانه وتعالى، فرد الرسول ﷺ بهذا الرد ثم رد عليهم بلازم القول وهو من أين لي أن أكذب ﴿قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ37 أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾38 أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة لو كان يخترع ويفتري لِمَ لم يقل كلامًا قبل ذلك؟

لِمَ لم يدَّعِ النبوة قبل ذلك؟ ومن نعمة الله على رسوله ﷺ أن جعله أميًّا لا يقرأ ولا يكتب ليعلم، أن الوحي من عند الله ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن39 كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾40 فالآية الكريمة تبين لنا بوضوح وجلاء أن القرآن من عند الله وأن الرسول ﷺ مبلغ عن ربه ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾41 فنحمد الله على ما أنعم علينا من هذه الرسالة العظيمة رسالة القرآن الكريم التي يغفل عنها الكثيرون وما أحوجنا أن نعود إلى تلك الرسالة التي لو طهرت قلوبنا ما شبعنا منها وإنَّما سنقبل عليها وسنرى السعادة في الدنيا والآخرة لأنَّ القرآن شفاء لما في الصدور.

ولذلك في سورة يونس عليه السلام ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾4243. وقد كانت هذه الآية موضع الحديث في شقيقة هذه السلسلة سلسلة آية ورسالة. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال. وبارك الله فيكم سبحان منزلة بليلة قدره درب الهداية واضحات بياني يتلوه أحمد لدنا وهي التي عطشت لقطر هداية هتاني

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
  2. آية: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ — يونس: 15 ↩
  3. آية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 26 ↩
  4. آية: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ — فصلت: 26 ↩
  5. آية: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ﴾ — يونس: 15 ↩
  6. آية: ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ — يونس: 15 ↩
  7. آية: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 5 ↩
  8. آية: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ — العنكبوت: 5 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ — يونس: 7-8 ↩
  10. آية: ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ — يونس: 15 ↩
  11. آية: ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ﴾ — يونس: 15 ↩
  12. آية: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 5 ↩
  13. آية: ﴿أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾ — ص: 5 ↩
  14. آية: ﴿مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ﴾ — يونس: 15 ↩
  15. آية: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ﴾ — يونس: 15 ↩
  16. آية: ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ — يونس: 15 ↩
  17. آية: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ — يونس: 15 ↩
  18. آية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 40 ↩
  19. آية: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ — الحاقة: 40 ↩
  20. آية: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ — الإخلاص: 1 ↩
  21. آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 1 ↩
  22. آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ﴾ — الفلق: 1 ↩
  23. آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ — كما ورد في الدرس: الناس 1 ↩
  24. آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ — الناس: 1 ↩
  25. آية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 1-2 ↩
  26. آية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾ — عبس: 1-2 ↩
  27. آية: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ — الأحزاب: 37 ↩
  28. آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ — النجم: 3-4 ↩
  29. آية: ﴿وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ — النور: 26 ↩
  30. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ — النور: 11 ↩
  31. آية: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُ — القيامة: 17-19 ↩
  32. آية: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 17-19 ↩
  33. آية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ — القيامة: 16 ↩
  34. آية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 16 ↩
  35. آية: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ — يونس: 15 ↩
  36. آية: ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ — يونس: 15 ↩
  37. آية: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 16 ↩
  38. آية: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — يونس: 16 ↩
  39. آية: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 48 ↩
  40. آية: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ — العنكبوت: 48 ↩
  41. آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ — النجم: 3-4 ↩
  42. آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 57 ↩
  43. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ — يونس: 57 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: قُلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ اللَّهُ أَحَدٌ — كما ورد في الدرس: الإخلاص 1
  • آية: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 26

من سلسلة: في رحاب آية (31 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة