سورة البقرة — الجزء 12
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
قال الله سبحانه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187) بين الله أنّ الجماع في ليل رمضان مباحٍ، وهذا معناه أنّه في نهار رمضان محرّمٍ ولذلك يستفاد من هذه الآية الكريمة بيان مبطلات الصّوم، والحديث القدسيّ (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) ضابط لهذه المحرّمات. ولهذه المبطلات ولذلك فهم يقولون في تعريف الصّوم : إنّه التّعبّد لله - بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصّادق إلى غروب الشّمس. أو يقولون : الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس (بنيةٍ )، وهذا معنى التّعبّد لله -. - فقولهم : (عن جميع المفطرات ) أو (عن المفطرات ) ضابط المفطرات : الطّعام والشّراب والشّهوة. وهذا حلالٌ في ليل رمضان كما تدلّ عليه هذه الآية.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ (البقرة: 187) وقال بعد ذلك ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187) فبين أنّ الأكل حلال، وأنّ الشّراب حلال، وأنّ الشّهوة أي : جماع الزّوجة حلال في ليل رمضان، فدلّ على أنّه في نهار رمضان محرّمٍ، وأنّه لا يجوز.
قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ (البقرة: 187) قالوا هنا في المختصر (قد كان في أوّل الأمر يحرم الرّجل إذا نام في ليلة الصّيام ثمّ استيقظ قبل الفجر أن يأكل أو يقرب أهله فنسخ الله ذلك ) ودلّ على ذلك روأياتٌ عنه -‰ - أو رواياتٍ في سبب نزول الآية، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث البراء - رضي الله عنه - : إنّ أصحاب النبي ﷺ كان إذا حضر الإفطار فنام أحدهم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأكل، لم يأكل ليلته ولا يومه حتّى يمسي ) وأنّ قيس بن صرمة الأنصاري - رضي الله ï عنه - حضر الإفطار فغلبته عينه فلمّا استيقظ قالت له امرأته : وا خيبةٌ لك! فلم يأكل حتّى انتصف النّهار فغشي عليه ) فأنزل الله - الآية : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ (البقرة: 187) ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، ونزل قوله ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187) ووردت روأياتٌ أنّ ذلك في حقّ عمر - رضي الله ï عنه - وهذا في قوله ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 187) حينما قالت له : نمت قال لها : ما نمت؛ وكأنّ هذا تخوينًا للأنفس؛ لأنّها إذا نامت فلم يحلّ لها ما كان يحلّ لها لو أنّها لم تنم، إلى غير ذلك كان يقع أحيانًا من بعض الأصحاب - رضوان الله ï عنهم وعليهم - فأنزل الله التّخفيف والتّيسير فقال : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ﴾ (البقرة: 187) ) أيٍّ : عامّةً اللّيل من غروب الشّمس إلى طلوع الفجر. نام الشّخص أو استيقظ فإنّ له أن يأكل وأن يشرب وأن يأتي أهله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ (البقرة: 187) وقوله ﴿ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ﴾ (البقرة: 187) يعني : تعدّى الرّفث بإلى، لأنّه بمعنى الإفضاء، يعني : الرّفث : - إفضاءٌ إلى النّساء. فيدخل في ذلك الكلام الّذي يجري بين الزّوجين وما هو أعلى من ذلك من أمور الجماع.
قال الله ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187) وكأنّ الله يبيّن العلّة لماذا لم يقل ربّنا (أنّه في شهر رمضان لا يقرب الرّجل زوجته لا ليلاً ولا نهارًا؛ لأنّ هذا فيه شيء من الصّعوبة ) فقالوا هنا في المختصر ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187) يعني (أنتم لا تستغنون عنهنّ وهن أيضًا لا يستغنين عنكم ) ومن أجل ذلك يسرّ الله - هنّ ستر لكم وأنتم ستر لهنّ وإعفاف أيضًا. ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 187) وهنا أنّبه على أمرٍ يقع من بعض النّاس : وهو أنّ بعض النّاس عند التّرجمة ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يترجم تفسير القرآن ينبغي له أن يعي ألفاظ القرآن فقوله ﴿هُنَّ لِبَاسٌ﴾ (البقرة: 187) ليس المراد به : حقيقة اللّباس المعروف. وأنّ المراد باللّباس : - السّتر فإذا فسّر إنسانٌ (لباسٌ ) بالملابس فيأتي آت ويقرأ هذه التّرجمة فإنّه لا يفهم ما المراد من كلام الله - فينبغي لمن ترجم والمعروف أنّ التّرجمة تكون للتّفسير، وليس للكلام (لكلام القرآن ) لأنّه لا يمكن أن يأتي بتمام معنى القرآن أو (لفظ القرآن الكريم ) بلغةٍ أخرى؛ وإنّما هو التّفسير فينبغي أن يكون عالمًا بمرادات القرآن الكريم.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 187) يعني : يقع منكم تخوين لأنفسكم. علم الله أو المعنى : تختانون أنفسكم. أيٌّ : الوقوع في الخيانة لأنّ أيّ ذنبٍ يعدّ خيانة فالمراد بقوله ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 187) يعني (تقعون في ذنبٍ ) لكنّ الله ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ (البقرة: 187) ولذلك فرحوا بذلك فرحًا شديدًا وخفّف عليهم، ﴿وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ (البقرة: 187) هنا فسّروها بقولهم (واطلبوا ما قدر الله لكم من الذّرّيّة ) يعني : ابتغوا ﴿مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أيّ من الذّرّيّة، ومن أهل العلم من قال : ﴿وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا من عبادة الله، يعني : وقتٌ للجماع ووقتٍ آخر لعبادةٍ وطاعةٍ، وقال بعضهم : ﴿وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ (البقرة: 187) من التماس ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وإن كان ما ذكروه أقرب إلى ذكر المباشرة - والعلم عند الله -.
قال ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187) فقوله ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187) لم ينزل في بادئٍ الأمر؛ وإنّما نزل ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ﴾ (البقرة: 187) ثمّ بعد ذلك نزل ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187) كما جاء في حديث النبي ﷺ وأيضًا وقع في السّنة ما ورد عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - حينما بدأ ينظر في الخيط الأبيض والخيط الأسود ويأكل حتّى يستبين له أمرهما وقال له الرّسول ‘ : إن وسادك إذًا لعريض أو : أنّك لعريضٍ القفا، والمراد بذلك : إنّما هو سواد اللّيل وبياض النّهار.
﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ﴾ (البقرة: 187) استفاد بعض العلماء من قوله ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187) أنّ الشّخص لو جامع امرأته ثمّ نزع قبل أذان الفجر، ولم يتمكّن من الغسل إلّا بعد الأذان فإنّه لا حرج عليه وأنّ صومه صحيحٌ؛ لأنّ الله أباحه. هذا الّذي يحرم في نهار رمضان أباحه طول اللّيل إلى طلوع الفجر. وهذا يدلّ على هذا المعنى، كما قد جاءت السّنة صريحةً به عنه - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم – (أنّه كان يطلع عليه الفجر من جماعٍ دون أن يكون قد اغتسل بعده ) -‘ - كما في الصّحيحين. قال الله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ﴾ (البقرة: 187) علم من ذلك أنّ انتهاء الصّوم عند غروب الشّمس، وهذا معنًى (اللّيل ) لأنّ أوّل اللّيل غروب الشّمس.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ﴾ (البقرة: 187) حديثٌ عن الاعتكاف، فذكر هنا الاعتكاف والإقامة في مسجدٍ في مكانٍ مخصوصٍ بيت من بيوت الله في المساجد؛ فالاعتكاف لا يكون إلّا في المسجد.
قال (ولا تبشروهنّ ) أي : ولا تجامعوا النّساء وأنتم معتكفون في المساجد، فجماعهنّ يبطل هذا الاعتكاف ﴿وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: 187) والاعتكاف جاء في المناسبة بذكر الصّيام، باعتبار أنّ أفضل الاعتكاف : الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان. فهذا مناسبٌ لأمره بالصّيام.
قال الله – سبحانه - ﴿وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: 187) قال بعض العلماء : إذا ذكر الله (فلا تقرّبوها مع الحدود ) فالمراد بها : المنهيّات؛ وأمّا إذا قال (فلا تعتدوها ) فالمراد بها : الأوامر. فالأوامر لا يتعدّاها الإنسان ولا يتجاوزها، والمحرّمات لا يقرّبها الإنسان. فعند المحرّمات لا ينبغي له أن يقرّبها فضلاً عن أن يأتيها. وإلّا فالكلام في ذلك أيضًا يحتاج إلى تفصيلٍ : لأنّه قد يقول قائل : : في الآيات أوامر ونواهي، وهنا قال ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 187) وتأمل بدأ الله آيات الصّيام بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) وختمها بقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 187) ثمّ قال : -
﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188) حديثٍ عن الرّشوة، فيا أيّها الصّائم : امتنع عن أكل الرّشوة. إذا كان يحرم على الشّخص أن يأكل أو أن يشرب في نهار رمضان؛ فإنّه يحرم عليه أن يرتشي في رمضان وفي غير رمضان، وفي النّهار وفي اللّيل. فليترك المحرّم الدّائم.﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ﴾ (البقرة: 188) قالوا هنا في المختصر (ولا تخاصموا بها إلى الحكّام لتأخذوا متلبّسين بالمعصية ) يحتمل هنا عدّة احتمالاتٍ.
منها : أنّ قوله ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ﴾ (البقرة: 188) يعني : بأن تشهدوا شهادةً باطلةً عند الحكّام حتّى يحكموا لكم لأنّ حكم الحاكم كما قرّر الجمهور لا يحلّ حرامًا ولا يحرم حلالاً، فلو أنّ القاضي حكم للإنسان بأنّ له حقّ كذا، والشّخص يعلم أنّ هذا ليس بحقّ له لكنّ الآخر لم يستطع أن يثبت الحقّ فإنّ هذا لا يحلّ ما حرم الله ولا يحرم ما أحلّ الله -.
أو أنّ قوله ﴿وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ﴾ (البقرة: 188) تتزلّفون بهذه الرشاوى إلى الحكّام حتّى تصلّوا إلى ما تريدونه وما أشبه ذلك. قال ﴿لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 189)
ثمّ قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 189) وذكر الأهلّة هنا مناسبٍ، لأنّ الأهلّة يستفاد منها في الصّوم وفي الفطر منه، وأيضًا يستفاد منها في الحجّ. وكان ذكر الأهلّة - والعلم عند الله - هنا واسطةً بين العبادتين فينتفع بها في باب الصّوم، وينتفع بها في باب الحجّ، لذلك قال ﴿قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 189) وكأنّ هذا توطئةً لذكر أحكام الحجّ فيما بعد، والعلم عند الله ï. لكنّ هنا قالوا في المختصر (يسألونك أيّها الرّسول عن تكوين الأهلّة وتغيّر أحوالها ) هذا مبنيٌّ على أنّهم سألوا عن ذلك، وذلك أنّه قد وردت روأياتٍ تبيّن أنّهم سألوا رسول الله أو أنّ مجموعةً سألوا النّبيّ -‘ – عن الهلال يا رسول الله هذا الهلال يبدو صغيرًا ثمّ يكبر أو يعظّم ثمّ يأتي صغيرًا أو يرجع صغيرًا، فسألوه عن الهلال من حيث الدّقّة أو الصّغر ومن حيث الكبر فأجابهم الله بما هو أنفع لهم : : لا تسألوا عن بدو الهلال صغيرٍ أو كبيرًا؛ إنّما اسألوا عن الحكمة في ظهور الهلال أو غياب الهلال لا عن كبره وينظروا إلى الحكمة.
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 189) فليس الحديث يكون عن دقّته أو عن صغره وكبره وإنّما عن حكمة وجوده. فقال ﴿قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 189) على هذا الّذي ورد في الرّوايات يكون هذا الجواب كما يسمّيه أهل البلاغة بالأسلوب الحكيم. لذلك يدخلون الآية هي من أشهر الآيات. الّتي تذكر كمثالٍ لهذا الأسلوب المعروف في البلاغة. يقال له الأسلوب الحكيم. ما معنى الأسلوب الحكيم : : له كلامٌ معروفٌ في البلاغة، منه : أنّك تترقّب جوابًا سيأتيك الجواب على غير ما تترقّب لأنّه يجيبك أفضل ممّا سالت أنت عنه، تسأل عن شيءٍ لكن يأتيك الجواب بما هو أنفع لك، ومن ذلك أيضًا ما ورد بعد ذلك على قول كثيرٍ من المفسّرين ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (البقرة: 215) فذكر المصارف وهم يسألون بماذا ينفقون؟ فقالوا أيضًا يدخل في هذا على قول عددٍ من المفسّرين؛ لكن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ الرّوايات لم تثبت وهي كذلك فهي من حيث الثّبوت ليست ثابتةً في أنّ الصّحابة أو أنّ بعضهم سأل الرّسول عن ذلك، يمكن أن يقال إنّ الآية على بابها. وهم سألوا ابتداءً ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ﴾ (البقرة: 189) يعني : يسألونك عن حكمة الأهلّة فكان سؤالهم عن ذلك، وكان هذا السّؤال المتوقّع منه فحينئذٍ يكوّن الجواب قد جاء من بابه ولا يدخل في هذا الأسلوب - والعلم عند الله -.
﴿قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 189) فخصّ الحجّ لأنّ للحجّ في الأهلّة أو لأنّ للأهلّة في أمر الحجّ شأنًا عظيمًا كما هو معروفٌ، والحجّ محدودٌ بأوقاتٍ كما سيأتينا في قوله (الحجّ أشهر معلوماتٍ )
﴿وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 189) هذا له سبب النّزول وكما ثبت أيضًا في الصّحيحين عنه -‰ - من حديث البراء : (نزلت فينا معشر الأنصار، كانت الأنصار إذا حجّوا لم يدخلوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ بيوتهم، وإنّما يدخلون من ظهور البيت، فجاء رجل من الأنصار فدخل من باب بيته فكأنّه عير بذلك ) فأنزل الله الآية الكريمة، (كانوا يدخلون من ظهر البيت ) : كأنّه كنايةٌ عن تغيّر الحال وأنّ الله قد قبل وتاب عليه، فلمّا دخل الرّجل من باب البيت عيّر بذلك فأنزل الله الآية ﴿وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ (البقرة: 189) وهذا قريبٌ ممّا جاء في قوله ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) وهذا فيه تقرير أنّه ينبغي للإنسان أن يمتثل ما أمر الله وأن يجتنب ما نهى الله -، وأنّ لا يكون همّه الاشتغال ببعض الوسائل الّتي قد تقبل التّغيير أو الّتي ربّما لا تكون ابتداءً ممّا أمر به شرعًا؛ فليس من الشّرع أن يأتي من الظّاهر كما قد يتوهّم واهمٌ أو يظنّ ظانٌّ أو كان من العادات في السّابق كما ورد في الرّواية الّتي قد سمعتموها (﴿وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ )
﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: 190) هذا ما معنى : الّذين يقاتلونكم، قال بعض العلماء هذا فيه تشجيعٌ، يعني كيف لا تقاتلونهم وهم يقاتلونكم؟ فذكر الّذين يقاتلونكم من باب التّشجيع، ومن باب الهاب مشاعرهم وسحب هممهم، أو أنّ قوله ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: 190) أي : قاتلوا المقاتلين. فيخرج من ذلك (النّساء، الصّبيان، والّذين لا يقاتلون ) فإنّهم لا يقاتلون. أو أنّ هذه مرحلةٌ من المراحل - والعلم عند الله -. هذه أوجه ثلاثة معروفةٍ عند العلماء في تأويل الآية الكريمة.
﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190) فلا يجوز للمسلم أن يعتدي، بل المسلم بفضل الله لا يعتدي على أحدٍ ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190) ومعروفٌ أنّ للقتال أحكامًا، وأنّ للجهاد أحكامًا كثيرةً سيأتي ذكر بعضها في الآيات الّتي بعدها بما يناسب المقام؛ وإلّا فأيضًا فأمورها معروفةٌ في أبواب الفقه والله أعلم. قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
مشروعيّة الاعتكاف، وهو لزوم المسجد للعبادة؛ ولهذا ينهى عن كلّ ما يعارض مقصود الاعتكاف، ومنه مباشرة المرأة.
لأنّ الله قال ﴿وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ﴾ (البقرة: 187) فدلّ هذا على وجود اعتكافٍ، وأيضًا قول الله سبحانه ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (الحج: 26) [ الحجّ : 26 ] وفي الأخرى ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (البقرة: 125) فهذا يدلّ على وجود المعتكفين، قالوا (وهو لزوم المسجد للعبادة ولهذا ينهى عن كلّ ما يعارض مقصود الاعتكاف ومنه مباشرة المرأة).
النّهي عن أكل أموال النّاس بالباطل، وتحريم كلّ الوسائل والأساليب الّتي تقود لذلك، ومنها الرّشوة.
لذا قال ﴿وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ﴾ (البقرة: 188) يعني تتزلّف بهذه الرّشوة إلى الحكّام من أجل أن يقضوا لكم بما تريدون.
تحريم الاعتداء والنّهي عنه؛ لأنّ هذا الدّين قائمٍ على العدل والإحسان.
ولذلك أمرنا بالعدل مع كلّ النّاس مع المؤمن والكافر والبرّ والفاجر.
﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 191)
قال الله - سبحانه - ﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (البقرة: 191) حيث لقيتموهم ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ (البقرة: 191) أيٌّ : من المكان الّذي أخرجوكم منه (وهو مكّة ) ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ (البقرة: 191) ما المراد بالفتنة هنا؟ قالوا هنا في التّفسير (والفتنة الحاصلة بصدّ المؤمّن عن دينه ورجوعه إلى الكفر أعظم من القتل ) لأنّ بعض المشركين شوّش على المسلمين، وقالوا كيف تقاتلون في الحرم أو في الأشهر الحرم؟ فيقال له : - نحن لم نبتدئكم بهذا. ثمّ أين القتال من صدّ النّاس عن الدّين؟ (فصرف النّاس عن دينهم وفتنهم عن دينهم أشدّ من القتل ) لذلك ما المراد بقوله والفتنة؟ أي : صرف النّاس عن الدّين وجعلهم يرتدون على أعقابهم ويكفرون بالله هذا أعظم من القتل. جريمةٌ أشدّ من القتل. (أي القتل في الأشهر الحرم أو في المسجد الحرام، أو عند المسجد الحرام. )
قال ﴿وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (البقرة: 191) فأنتم لا تبتدئونهم بذلك لكن إن بدأوا هم فحينئذٍ تردّون عليهم هذا البدء، وتردّون عليهم ولا حرج عليكم ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194).
قال الله (﴿فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ) يبيّن سبحانه الحكمة من مشروعيّة هذا القتال ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: 193) قالوا هنا في المختصر (حتّى لا يكون منهم شركٍ ولا صد للنّاس عن سبيل الله ) فلا يكون منهم صدٍّ وصرفٍ للنّاس عن سبيل الله، وذلك أنّ المؤمّن أو أنّ أهل الإيمان لو تركوا والحقّ الّذي معهم ليعرضوه على النّاس لدخل النّاس في دين الله. ولذلك قال الله ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ (البقرة: 256) ثمّ بين لمٍّ؟ قال ﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ (البقرة: 256) فالدّين واضحٌ وجليٌّ لكنّ هؤلاء يشوّشون ويشغبون على المسلمين وعلى إسلامهم وعلى دينهم قال الله ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 193).
﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194)
﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ﴾ (البقرة: 194) قد ﴿مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فاعتمروا بعد العام الّذي منعوا فيه من العمرة، لذلك قالوا هنا في المختصر (الشّهر الحرام الّذي مكّنكم الله فيه من دخول الحرم وأداء العمرة سنة سبعةٍ وهو عوض ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ الّذي صدّكم فيه المشركون عن الحرم سنة ستٍّ ) وسيأتينا أو مضى معنا تفصيل ذلك بفضل الله في سورة الفتح ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فهمٍ قد صدّوا المسلمين عن الاعتمار، وقد لا تعتمرون في هذا العام ولكنّ العام المقبل وعمرات الرّسول ما كانت إلّا في شهرٍ ذي القعدة وشهر ذي القعدة من أشهر الله الحرم. فصدّوهم ثمّ من الله على المسلمين بأن اعتمروا في العام المقبل في سنة سبعٍ من الهجرة.
فقال ﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 194) فهو عوضٌ عن هذا، (وٱلحرمت قصاصٞ ) أيّ كحرمة البلد الحرام والشّهر الحرام، والإحرام يجري فيها القصاص من المعتدين. فلا ينبغي لأحدٍ أن يقول كيف يقع منكم ذلك في شهر حرامٍ؟ أو كيف يقع منكم ذلك في بلد حرامٍ؟ فيقال : - أمًّا في القصاص فلا حرج. ولذلك سيأتينا أيضًا عند قوله سبحانه ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (البقرة: 217) ثمّ قال ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ (البقرة: 217).
قال الله ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194) وتأمّلوا أيّها الإخوة الكرام ذكر التّقوى في هذه الأحكام، فتكرّر هذا في أحكام الوصيّة ذكر للتّقوى، كذلك أحكام الصّيام ذكر للتّقوى، في الحجّ ذكر للتّقوى، في أحكام القتل أو الجهاد ذكر للتّقوى، فالتّقوى حاكمٌ وقائدٌ وغايةٌ للعبد لا ينبغي للإنسان أن يغضّ الطّرف عن تقوى الله نسأل الله أن يجعلنا من المتّقين. فهناك أمرٌ بالجهاد القتال في سبيل الله بالأنفس وبالأموال ﴿وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) قالوا في المختصر : (ولا تلقّوا بأنفسكم إلى الهلاك بأن تتركوا الجهاد والبذل في سبيله، أو بأن تلقّوا بأنفسكم فيما يكون سببًا لهلاككم ) إذا ما معنى ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) فسّروا هنا ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) بترك الجهاد، لا بالجهاد فالهلكة هنا بترك الجهاد لا بالجهاد؛ لأنّ الجهاد وإن بدا في الظّاهر أنّ فيه الهلكة فهو في حقيقته سبيل للنّصرة والتّمكين. وللشّهادة في سبيل الله، لكنّ شريطةً يكون هذا الجهاد جهادًا شرعيًّا، وأن يكون هذا وفق الكتاب وفق سنة رسول الله -‘ - وبالضّوابط الشّرعيّة المعروفة. قال الله ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) وبهذا التّفسير فسّر أبو أيّوب - رضي الله عنه – هذا، حينما قال بعض النّاس في هذا الّذي أراد أن يقتحم على العدوّ من المهاجرين كما جاء في بعض الرّوايات عند أحمد والتّرمذي وغيرهما فقال رجلٌ : سبحان الله! يلقي بيديه إلى التّهلكة، فقال أبو أيّوب - رضي الله عنه - فينا أنزلت هذه الآية معشر الأنصار، لما نصر الله نبيّه وأيّده وكثر اتّباع النّبيّ أو ناصروه ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما فات منها. يعني معشر الأنصار، فأنزل الله الآية. فكانت التّهلكة : الإقامة على الأموال وترك الجهاد.
يعني ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) بالتّخلّف عن رسول الله -‘ - في أمر الجهاد، وورد في بعض روايات سبب النّزول : نزلت الآية في النّفقة. أيٌّ : في ترك النّفقة، فمعنى ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) بترك الإنفاق في سبيل الله، وهذا مناسبٌ لسياق الآية. إذا : ﴿وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ بترك النّفقة أو بترك الجهاد. هذا وجهٌ، وهذا وجّه، ووجّه ثالثٌ. ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ بترك التّوبة إلى الله سبحانه، أو وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ بالمعصية الّتي تفضي إلى الهلاك. ولذلك قالوا هنا في تفسير الآية الكريمة (أو بأن تلقّوا بأنفسكم فيما يكون سببًا لهلاككم ). ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾)
ثمّ قال (﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ ١٩٦)
﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) انتقل الحديث إلى الحجّ، وذكر بعض أحكام الحجّ والعمرة والحجّ والعمرة له صلةٌ بالجهاد هو جهادٌ في سبيل الله؛ لأنّ هذا الحاجّ ينفق من ماله وينفق من وقته ومن جهده ومن بدنه. ولذلك لما سألت أمَّنا عائشة - رضي الله عنها - هل على النّساء من جهادٍ؟ قال (جهادكنّ الحجّ )، جهاد النّساء الحجّ، جهادٌ لا شوكةً فيه لأنّه نوعٌ من أنواع الجهاد في سبيل الله.
قال ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) قالوا في المختصر (وأدّوا الحجّ والعمرة تامّين مبتغين وجه الله ï ) فقوله ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) استدلّ بذلك بعض العلماء على وجوب العمرة وقال : إنّ الله قال ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وقال آخرون : ليس بصريحٍ في ذلك؛ لأنّ المراد هنا الأمر بالاتمام. وليس المراد بذلك الأمر بابتداء العمرة. ولذلك الّذي استقرّ عليه عمل أهل العلم وكلامهم أنّهم متّفقون على أنّ الإنسان إذا دخل في الحجّ أو في العمرة ولو كان نفلّين وجب عليه أنّ يتمهما، فهناك خلاف بين العلماء في كثيرٍ من صور النّوافل كمن دخلٌ في صوم أو في صلاة النّافلة؛ لكن من دخلٍ في الحجّ ولو متطوّعًا بمعنى أنّها الحجّة الثّانية أو الحجّة الثّالثة أو الرّابعة. يجب عليه إتمام الحجّ، وكذلك لو أنّ إنسانًا اعتمر غير العمرة الأولى عمرةً ثانيةً أو ثالثةٌ يجب عليه أن يتمّ العمرة أيضًا، فقالوا فيها دلالةٌ على وجوب الإتمام.
﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) من دلائلهم على ذلك قالوا لأنّ الآيات تتحدّث عما وقع للصّحب الكرام في السّنة السّابعة من الهجرة وهذا لا يناسبه وجوه الحجّ ابتداءً؛ لأنّ هؤلاء كانوا لا يزالون في المدينة النّبويّة، وكان هذا قبل فتح مكّة فكيف يجب عليهم ما لا يتمكّنون منه؟، لذلك اختلفوا في مسألة هل الحجّ على الفور أو على التّراخي على كلامٍ معروفٍ تفصيله في كتب الفقه
قال (فإن أحصرتم) منعتم، بعضهم قيد الحصر هنا : حصر الأعداء، أي منعتم بسبب العدوّ، ومنهم من وسعٍ. لذلك قالوا هنا في المختصر (فإن أحصرتم) (فإذا منعتم من إتمامهما بمرضٍ أو بعدوٍّ ) فكان أعم. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾) ولو أنّ الكاتبين في المختصر ابقوا (إنّ ) على بابها لكان أفضل، فهنا قال فإنّ أحصرتم هم قالوا (فإذا منعتم ) والأولى أن يقولوا فإنّ منعتم، لأنّ الله لما ذكر الأمن قال (فإذا أمنتم ) وكان هذا إشارةً إلى أنّ الأمن هو الأعلى وهو الأكثر، ولم يفضّل الله - فيكون الإحصار خلاف الأصل، فيكون (فإن أحصرتم) ثمّ قال (فإذآ أمنتم) يعني : هذا هو الأغلب والأكثر.
قال ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ (البقرة: 196) إنّ كان هذا المنع بسبب إحصار العدوّ أو منع العدوّ. فحينئذٍ ذبح شاة أو ما أشبه ذلك ممّا ذكروه هنا ما تيسّر من هدي الإبل والبقر أو الغنم، ذبح شاة أو ما يعادلها من سبع بدنة أو بقرةٍ. فحينئذٍ سبع بدنه أو سبع بقرة أو ذبح شاةٍ، فحينئذٍ يذبحها في مكان الإحصار، وفي مكان المنع، أمّا إذا كان بسببٍ آخر - سبّب المرض - فإنّه كما قالوا هنا في المختصر (فإنّ كان ممنوعًا من الحرم فليذبح حيث منعٌ وإن كان غير ممنوعٍ من الحرم فليذبح في الحرم يوم النّحر وما بعده من أيّام التّشريق )
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ﴾ (البقرة: 196) هنا تقدير أيضًا وهو (فحلقٌ ) إذًا (﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ﴾ به أذى من رأسه فحلّق ) أو ممكنٍ أن يقال (فارتكب محظورًا )، ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وقد جاء في هذا في سنة رسول الله -‘ - حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - في الصّحيحين حينما قال له النّبيّ -‘ – (يؤذيك هوامّك ) - وقد رأى القمل يتناثر على وجهه - فقال له النبي ﷺ : (احلق رأسك وأنسك شاة واذبح شاة أو صمّ ثلاثة أيّامٍ أو أطعم ثلاثة آصع على ستّة مساكين ) وعلى ذلك فإذا اضطرّ الإنسان لارتكابٍ محظورٍ من محظورات الإحرام فإنّ هذه هي الفدية.
ولذلك قوله هنا ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ (البقرة: 196) جاء في السّنة وبيّنت أنّها صيام ثلاثة أيّامٍ، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ (البقرة: 196) جاءت السّنة وبيّنت أنّها ثلاثة أطعمةٍ على ستّة مساكين، ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: 196) وهو ذبح شاةٍ.
﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾ (البقرة: 196) إنّ لم يحدث إحصارٌ ولا شيء من ذلك، ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾ يعني : إذا صار متمتّعًا، والمراد بالتّمتّع أداء العمرة في أشهر الحجّ.(فمن تمتّع) يعني اعتمر في أشهر الحجّ. كان اعتمر في شوّال أو في ذي القعدة أو اعتمر في أوائل ذي الحجّة. ثمّ بعد ذلك حجّ من العام نفسه؛ فحينئذٍ يقال له : متمتّع، فقال ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ (البقرة: 196) ويدخل في التّمتّع (القِران) لأنّ القارن أيضًا جمع بين الحجّ والعمرة. لذلك أهل العلم يقولون : إنّ الّذي عليه الهدي المتمتّع والقارن، فكلاهما يجب عليه الهدي، الفرق : إنّ المتمتّع يتمتّع بالعمرة ثمّ يحلّ. فحينئذٍ يرتكب ما شاء من المحظورات الحلال له في غير وقت الإحرام من تقليم الأظافر، وقصف الشّعر وما إلى ذلك، أو ممّا هو معروفٌ في هذا الباب فقال ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ (البقرة: 196) وأمّا القارن : فإنّه يجمع بين الحجّ والعمرة، وحينئذٍ لا يحلّ حتّى يكون يوم النّحر حينما يحلّق كما هو معروفٌ بعد رمي جمرة العقبة.
فقال ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ (البقرة: 196) ومعروفٌ أنّ الأنساك على ثلاثةٍ : -
فهناك الإفراد : يفرد بالحجّ (لا يعتمر في موسم الحجّ أو في أشهر الحجّ)؛ (لا يعتمر في موسم الحجّ أو في أشهر الحجّ )؛ إنّما يحجّ فقط يقال له مفردٌ.
هناك المتمتّع: يصنع العمرة ثمّ يعاود ويلبس ملابسه ويفعل ما يفعله غيره من عموم النّاس، ثمّ بعد ذلك ينوي الحجّ أو يلبّي بالحجّ في يوم التّروية. فيقول (لبّيك الله مّ حجًّا ) بعد أن كان قد اعتمر في هذه الأيّام أو في هذه الأشهر فيقال له : متمتّع.
3-أو يقرن الحجّ مع العمرة أو العمرة مع الحجّ يقرن بينهما فيقال له قارن.
قال ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (البقرة: 196) يعني على المتمتّع والقارن هدي؛ فإذا لم يكن القدرة على الهدى ليس معه استطاعةً فعليه الصّيام ﴿ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ﴾ (في أيّام الحجّ ) قالوا في المختصر (فإذا لم يقدر على الهدى فعليه صيام ثلاثة أيّام من أيّام النّسك بدلاً منه وعليه صيام سبعة أيّامٍ بعد رجوعه إلى أهله ) وهذا معنى قوله ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (البقرة: 196) إذا رجع إلى أهله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: 196) وقوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: 196) لئلّا يتوهّم واهمٌ أنّ السّبعة يدخل فيها الثّلاثة، فقال ﴿فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (البقرة: 196) هل سبعةٌ (منها الثّلاثة )؟ لا - السّبعة مختلفةٌ عن الثّلاثة فقال ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: 196)
يعني الثّلاثة غير السّبعة وقوله (كاملةً ) يعني من أدّى ذلك لعذره ولعدم استطاعته الهدي فهو كمن أهدى، فهي عشرة كاملةٌ متمّمةٌ ومؤدّيةٌ للغرض المطلوب منه بفضل الله، وقد قالوا إنّ الهدي (أيّ هدي التّمتّع ) : هو من جنس شكر الله؛ لأنّ الله وفقه ويسر له بين نسكين في فترةٍ واحدةٍ.
﴿ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 196) (ذلك ) على ما يعود اسم الإشارة ذلك؟ قالوا هنا في المختصر (ذلك التّمتّع مع وجوب الهدي أو الصّيام للعاجز عن الهدي هو لغير أهل الحرم ) إذن (ذلك ) قالوا أيٌّ (التّمتّع ) : فمن تمتّع ذلك التّمتّع، وما يجب عليه من الهدي، أو ما ينوب عن الهدى وهو الصّيام
﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 196) ما معنى ﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 196) يعني : لغير أهل الحرم، ومن يقيم قريبًا من الحرم يعني (داخل حدود الحرم )، فمن كذلك ممّن هو من حاضري المسجد الحرام قالوا : فإنّه لا هدي عليه، يعني : لو أنّ شخصًا يقيم في مكّة، يقيم في حدود الحرم، فتمتّع بالعمرة إلى الحجّ فلا يجب عليه هديٌ، ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : (بل لا تمتّع له ) بل لا تمتّع له ابتداءً لأنّ العمرة ستكون زيارةً، وهو من المقيمين بالحرم، فلا حاجةً له إلى الاعتمار؛ وإنّما يكفيه الطّواف ثمّ معه السّنة كاملةً - والعلم عند الله -، ويكون على هذا القول : الأفراد في حقّ أهل مكّة هو الأولى بهم. هما قولان لأهل العلم في ﴿ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 196). وهنا في المختصر جمعوا قالوا (ذلك التّمتّع مع وجوب الهدي أو الصّيام للعاجز عن الهدي هو لغير أهل الحرم ومن يقيم قريبًا من الحرم ). ثمّ قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (البقرة: 196)
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• مقصود الجهاد وغايته جعل الحكم لله تعالى وإزالة ما يمنع النّاس من سماع الحقّ والدّخول فيه.
ولذلك قال حتّى لا تكون فتنةٌ ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: 193).
• ترك الجهاد والقعود عنه من أسباب هلاك الأمّة؛ لأنّه يؤدّي إلى ضعفها وطمع العدوّ فيها
وهذا من المعاني الظّاهرة في قوله ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195).
• وجوب إتمام الحجّ والعمرة لمن شرع فيهما، وجواز التّحلّل منهما بذبح هديٍ لمن منع عن الحرم.
(وجوب إتمام الحجّ والعمرة لمن شرع فيهما) : قالوا ولو كان متطوّعًا وهذا في قوله ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) (وجواز التّحلّل منهما بذبح هدي لمن منع عن الحرم) وذلك من قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ (البقرة: 196) هذا والله أعلم وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال الله سبحانه ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (البقرة: 197)