مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 11

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 254 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ (البقرة: 177) ذكر الله أيضًا كيف نتعامل مع الخلق فقال ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ (البقرة: 177) يعني مع حبه للمال إلا أنه يعطيه. كما قال الله ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92)، ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ (البقرة: 177) أعطاه للأقارب ﴿وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (البقرة: 177) قالوا هنا في المختصر (والغريب الّذي انقطع في السّفر )، وهذا معنى ابن السّبيل فنسب إلى السّبيل : وهو الطّريق، قال ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾ والسّائلين الّذين تعرّض لهم حاجةٌ توجب سؤال النّاس ﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾ يعني : يصرفون في تحرير الرّقاب وعتق الرّقاب، ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ﴾ (البقرة: 177) وقوله وآتى الزّكاة بعد قوله ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ﴾ يدلّ على أنّ قوله ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ﴾ أوسع دائرةٍ من قوله (وآتى الزّكاة ) فيدخل في قوله ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ﴾ النّفقات الواجبة الّتي تجب على الإنسان تجاه بعض أقاربه، أو يدخل في ذلك أبوابٌ أخرى كأبواب الصّدقات.

قال الله ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ (البقرة: 177) يعني : وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وفعل كذا وكذا ومن البرّ أيضًا الموفّون يعني : يدخل هؤلاء الموفّون معطوفٌ على قوله (﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالله ) إلى آخر الآيات الكريمة.

وقوله ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ (البقرة: 177) عامٌ وواسعٌ، ﴿إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ (البقرة: 177) عاهدوا الله، وعاهدوا رسل الله، عاهدوا المؤمنين عاهدوا الخلق، عاهدوا عموم النّاس، ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177) ذكر ثلاثة مواطن للصبر ﴿فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177).

أمّا قوله ﴿فِى ٱلْبَأْسَآءِ﴾ (البقرة: 177) قالوا هنا في المختصر (على الفقر والشّدّة )، يصبرون على الفقر والشّدّة، ( وٱلضّرّآء ) يصبرون على المرض، ( وحين ٱلبأس ) أيّ وقت شدّة القتال وهذه من أصعب أنواع الصّبر، ومن أشدّ أبواب الصّبر أن يصبر الإنسان في فقره وشدته وفي مرضه وفي وقت شدّة القتال.

فقال ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177) ولأنّ الصّبر يجمع أبواب الخير، ولا الّذي صلّى (صلّى بصبرٍ على الطّاعة ) ولأن الّذي أتى الزّكاة : آتى الزّكاة بصبرٍ على الطّاعة، والّذي أنفق بصبرٍ على الطّاعة، والّذي ترك المحرّمات تركها بصبر عن المعصية، قال ( وٱلصّبرين ) هكذا بالنّصب كان المتوقّع أن يقول ماذا؟ ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) (والصّابرون!) ليكون قوله (والصّابرون ) معطوفًا على قوله (والموفون )؛ لكنّ قال (والصّابرين ) قالوا هنا في المختصر أي (وأخصّ الصّابرين ) أو وأمدح الصّابرين، فتغيير حركة أو تغيير نوع الإعراب يدلّ على أهمّيّة المتحدّث عنه، فلذلك أعربه بالنصب أي (وامدح أو أخصّ هؤلاء الصّابرين ) فكان لها حكمٌ خاصٌّ في إعرابها.

وقريبٌ من ذلك ما جاء في سورة النّساء ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ (النساء: 162) قال (والمقيمين الصّلاة ) بعد أن قال (لكنّ الرّاسخون في العلم ) وقال أيضًا (والمؤمنون ) قال (والمقيمين ) يعني : وأخصّ المقيمين، فيقولون هذا منصوبٌ بفعلٍ (مقدّر ) للدّلالة على أهمّيّة هذه الصّفة اعتناءً بشأنها.

وهنا لاحظ ما ذكره بعض المحققين من أهل العلم : إنّ الله قال ﴿فِى ٱلْبَأْسَآءِ﴾ (البقرة: 177) ذكر الفقر والشّدّة، وذكر (الضّرّاء ) وقالوا هنا في المختصر (المرض )، (وحين البأس ) وقت شدّة القتال؛ لكنّ الله ذكر بعض النّماذج بعد ذلك تنضوي تحت هذه الأبواب الثّلاثة : -

ففي قوله ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ﴾ (البقرة: 177) يصبر على الفقر والشّدّة، وأشدّ من ذلك أن ينفق مع فاقته، ولذلك جاءت آياتٍ كثيرةً آمرةً بالنّفقة في سبيل الله والنّفقة في أبواب الجهاد؛ مع أنّ جمهور الصّحابة كانوا على الفقر، فهم مع فقرهم يبذلون. وهذا أشدّ ما يكون من أنواع الصّبر، أن يبذل الإنسان مع فاقته، ولذلك قال عمّار : (ثلاثٌ من جمعهنّ فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك، وبذل السّلام للعالم، والإنفاق من الاقتار ) يعني : يكون الإنسان فقيرًا، ومع ذلك ينفق. فهذا من أعظم أبواب الصبر في قوله ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ﴾ (البقرة: 177).

وقوله سبحانه ( وٱلضّرّآء ) الصّبر على المرض، ويدخل في ذلك : الصّبر على الجوع، والصبر عن الطعام والشراب، لذلك ذكر الله الصيام، فذكر الصّيام داخل في قوله ( وٱلضّرّآء ).

وفي قوله ( وحين ٱلبأس ) أن تصبر عند ساحات المعارك في وقت شدّة القتال، ويلحق بذلك عند الظّفر بعدوّك أو عند الظّفر بمن لك حقٌّ عليه فيدخل في ذلك ما ذكره الله بعد في باب الجهاد، وما ذكره الله في باب القصاص. لأنّ الإنسان في حالة القصاص أيضًا لا يعتدي؛ وإنّما ﴿فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (البقرة: 178) فهذا من الصّبر أن تتمكّن ممّن قتل قريبك، ومع ذلك لا تعتدي في هذا القتل. فهذا من الصّبر أيضًا (حين البأس )؛ لأنّه من المعروف : إنّ مثل هذا القتل يجر القتال ويجرّ الحروب، وما إلى ذلك.

ثمّ ختم الله الآية بقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) هؤلاء المحقّقون لتلك الصّفات هم الّذين صدّقوا ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) فالأبرار هم المتّقون، والأبرار هم المؤمنون بالله -، أيضًا الأبرار هم أحسن النّاس أخلاقًا، ولذلك إذا قارنّا بين هذه الآية وبين الحديث، أو ربطنا بين هذه الآية وبين حديث النبي ﷺ الّذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه – (البرّ : حسن الخلق )، وهنا الله قال ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ﴾ (البقرة: 177) يعني : البرّ : - هو الإيمان، والرّسول -‘ - قال (البرّ : حسن الخلق ) فإذا عقدنا معادلةً فالبرّ مكرّرٌ ومعنى ذلك : : إنّ الإيمان حسن الخلق؛ لأنّ البرّ هو الإيمان كما تدلّ عليه الآية والبرّ هو حسن الخلق كما يدلّ عليه الحديث، فنخلص من ذلك أنّ الإيمان هو حسن الخلق ومن زاد عليك في الإيمان زاد عليك في حسن الخلق. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 178)

هنا جاء التّفصيل للأحكام التّشريعيّة. منها ما يتعلّق بالقصاص في القتلى، وكان الواحد منهم إذا تمكّن ممّن قتل أباه أو قتل قريبه؛ لم يتنازل عن أن يفتك به ويفعل به ويفعل ويزيد ويظلم ويبغي، فقال الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى﴾ (البقرة: 178) وجاءت شريعتنا شريعةً واضحةً جليّةً كاملةً تامّةً فعندنا ثلاثة أبوابٍ في القتل العمد : - (العدوان ) : شخصٌ قتل آخر قتل عمد عدوانٍ، يقتله ظلمًا وبغيًا وهو معتدٍ في هذا بغير الحقّ، فماذا يصنع في ذلك؟ يخيّر أولياء المقتول في ثلاثة أمورٍ : -

1- بين أن يقتصّوا منه وهو القصاص

2-وبين أن يقبلوا منه الدّية

3 - وبين أن يقع منهم العفو.

وهذا من رحمة الله - سبحانه - بأن يفتح باب العفو، ولا يلزم النّاس به، ويفتح مجال الدّية أيضًا بهذا القصاص. فقال هنا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ﴾ (البقرة: 178) فيكون هناك شيء من المساواة، ولا يكون هناك شيء من الظّلم ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ (البقرة: 178) قالوا هنا في المختصر (فإنّ عفا المقتول قبل موته أو عفا وليّ المقتول مقابل الدّية ) عفا المقتول قبل موته يعني : وهو في لحظاته الأخيرة عفا عنه، (فإنّ عفا المقتول قبل موته أو عفا وليّ المقتول مقابل الدّية - وهي مقدارٌ من المال يدفعه القاتل مقابل العفو عنه - فعلى من عفا اتّباع القاتل في طلب الدّية بالمعروف لا بالمنّ والأذى وعلى القاتل أداء الدّية بإحسانٍ، من غير مماطلةٍ وتسويفٍ ).

فهنا سمّى الله هذا الّذي قتل لم ينفِ عنه الأخوّة؛ وإنّما قال ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ (البقرة: 178) يعني : أنت عفوت فأسقطت شيئًا من حقّك (فقلت : لا أريد منك قصاصًا، أو : لا أريد منك الدّية كاملةً؛ بل سآخذ بعضها أو قلتُ: أنا عفوت ) فربّنا يقول ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ (البقرة: 178) إذا عفي له عن شيءٍ : بأنّ ترك القصاص أو ترك بعض الدّية ﴿فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (البقرة: 178) وذكر الأخوّة هنا فيه ترقيق للقلوب، وبيان أنّ هذا؛ وإن وقع منه القتل! فهي جريمةٌ وهي كبيرةٌ من الكبائر لم تخرجه عن حدود الإسلام. فحينئذٍ إمّا أنّ تقتصّوا منه وإمّا أن تطالبوا بالدّية؛ وإمّا أن يكون العفو. ففيه : : إثباتٌ أنّ هذا لا ينافي إيمانه. كما قال الله ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟﴾ (الحجرات: 9) [ الحجرات : 9 ] فمع ثبوت إيمانهم أثبت أيضًا أنّه قد يقع بينهم اقتتالٌ قال ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 178) يعني : فعليه اتّباعٌ بالمعروف.

﴿وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (البقرة: 178) يتبع بالمعروف ويؤدّي بالإحسان هنا فسّروا في الآية قالوا في المختصر (اتّباع القاتل في طلب الدّية بالمعروف لا بالمنّ والأذى ) يعني :

2 - وأمّا بالنّسبة للقاتل ﴿وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (البقرة: 178) لا يماطل ولا يسوّف.

قال ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 178) وأحكام القصاص، وأحكام الدّيات معروفةً ومبثوثةً في أبوابها من كتب الفقه كما هو معلومٌ.

ثمّ قال الله ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ : هذه آيةٌ عظيمةٌ وجليلةٌ، يبيّن الله فيها حكمة مشروعيّة القصاص. وأنّ في هذا القصاص حياة النّاس؛ لأنّ هذا الشّخص إذا علم أنّه إذا تجرّأ على أحدٍ وقتله فإنّه سيقتل به؛ فإنّه لن يجترئ على أن يقتل وسيمتنع غيره عن صنع مثلٍ ما صنع هذا الشّخص الّذي قتل أو اعتدى فيكون في ذلك عظةٌ لمن تسوّل نفسه أن يقتل غيره، وكذلك يكوّن في ذلك زجرٌ لغيره من أن يفكّر في هذا ابتداءً فضلاً عن أن يفعله؛ فلذلك قال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ (البقرة: 179) لأنّه وإن قتل شخصٌ في القصاص فسينجو بذلك خلق كثيرون لا يحصون كثرةً؛ فتكون حينئذٍ حياةً عامّةً. لذلك جاء قوله ( حيوةٞ ) منكرةً ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ (البقرة: 179) كثيرةً حياةً عظيمةً لأنّ النّاس سيعيشون في أمان وطمأنينة بفضل الله.

﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ (البقرة: 179) وقد ذكر العلماء (علماء البلاغة ) ذكر كثيرون منهم أنّ هذه الآية أفضل وأفصح وأبلغ من قول بعض العرب (القتل أنفى للقتل ) فهم يقولون: القتل أنفى للقتل، يعني (القتل ينفي القتل )؛ لكنّ هذه العبارة أو هذه الجملة القرآنيّة أبلغ بلا شكٍّ! لأنّ الله ما كرّر الكلمة (القتل ) (والقتل ) إنّما قال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ (البقرة: 179) في القصاص = حياةً. ثمّ إنّ الله سبحانه ذكر كلمة الحياة وهي محبّبةٌ للنّفس. أن قولهم: القتل أنفى للقتل ليس كل قتل أنفى للقتل لكنّ الّذي هو أنفى للقتل حقيقةً هو القصاص.

لكنّ بعض العلماء المحقّقين كالشّيخ الرّافعي - رحمه الله بين أن هذه المقولة أصلاً ليست مأخوذةً عن العرب وليست معروفةً، وإنما تلقَّفها بعضهم من القرآن نفسه؛ وإلّا فالقرآن أبلغ وأعظم إلى غير ذلك ممّا هو معروفٌ في علوم البلاغة، على كل حال، هذه الآية الكريمة حوت صنوفًا كثيرةً من الإيجاز يجعلونه في (إيجاز القصر )؛ لأنّهم يقولون هناك (إيجازٌ بالحذف ) : يكون هناك تقدير كلمات فنسمّيه (إيجازًا بالحذف ) وهناك (إيجاز القصر )، ما معنى الإيجاز بالقصر؟ أن تأتي جملٌ قليلةٌ أو كلماتٍ قليلةٍ لكنّها تحوي معاني كثيرةً ما كان يمكن لأحدٍ أن يقاربها إلّا إذا قال كلامًا كثيرًا، ومع ذلك فإنّه لن يصل إلى ما حقّقت الآية الكريمة من معانٍ، وهذا في القرآن الكريم كثير جدًا، وصدّق الله إذ قال ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269) [ البقرة : 269 ] وقد فسّر بعضهم الحكمة بالقرآن الكريم ففيه جوامع الكلم.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180)

قال الله بعدها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ (البقرة: 180) أي حضر أحدكم علامات الموت وأسبابه ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 180) والأقربين غير الوالدين؛ فسّروا هنا في المختصر الخير ب (المال الكثير ) وهذا مستفادٌ من نصوصٍ كثيرةٍ في هذا الباب أو من نصوصٍ أخرى، كقول النبي ﷺ (إنّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أنّ تذرهم عالة يتكفّفون النّاس )، لذلك قالوا (صاحب المال القليل لا يحتاج إلى أن يوصي إلى أحدٍ في ماله لأنه حينئذ سيأتي على حقوق ورثته وأمّا الّذي يوصي هو صاحب الخير أيّ صاحب المال الكثير ) وتفسير الخير : بالمال كثير جدًّا في كتاب الله ولذلك قالوا في قوله ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: 8) قال كثيرون أي : وإنّه لحبّ المال لشديدٍ.

﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180) يعني : يوصي للوالدين ويوصي للأقربين، قالوا هنا في المختصر (بما حدّه الشّرع وهو ألّا يزيد عن ثلث المال، وفعل هذا حقٌّ مؤكّدٌ على المتّقين لله تعالى. وقد كان هذا الحكم قبل نزول آيات المواريث، فلمّا نزلت آيات المواريث بيّنت من يرث الميّت ومقدار ما يرث ) إذن قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180) ابتداءً هنا أحكامٌ : إنّه لا وصيّةً لوارثٍ لأنّه ثبت عن النبي ﷺ (لا وصيّةً لوارثٍ ) وحينئذٍ هناك إشكالٌ في فهم الآية الكريمة ربّنا يقول ﴿ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 180) فهل معنى ذلك أنّه يسوّغ للشّخص أن يوصي إلى والديه ولأقاربه كأبنائه مثلاً أن يوصي لهم مع أنّهم سيرثونه بالفرض (يعني لهم فروض حدّها الله وبينها ) قال جمهور العلماء إن هذه الآية منسوخةٌ، بمعنًى كان في بادئٍ الأمر كان الرّجل يوصي إلى والديه وأقاربه ثمّ بعد ذلك نسخ ذلك بآيات المواريث الّتي جاءت في سورة النّساء ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ﴾ (النساء: 11) إلى آخر الآية الكريمة، فإذن كان هذا في بادئ الأمر ثمّ بعد ذلك نسخ الحكم.

إلى آخر الآية الكريمة، فإذن كان هذا في بادئٍ الأمر ثمّ بعد ذلك نسخ الحكم. ومن أهل العلم من قال : لا نقول إنّ الآية منسوخةٌ ولكنّ الآية خصّصت بمعنًى : خرج منها الوارثون، فالوارثون لا وصيّةً لهم لأنّه لا وصيّةً لوارثٍ وأمّا غير الوارثين فيمكن أن يوصي لهم، فلو أنّه مثلاً : كان لشخص والدان ولم يكونا على الإسلام فإنّه لا ميراث لهما لأنّه لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، فإذا مات الشّخص فوالده الكافران لا يرثانه لكن له أن يوصي لهما من باب الإحسان أو البرّ، وكذلك الأقارب على نوعين : هناك أقارب لهم ميراثٌ ولهم فرضٌ، وهناك أقارب لا ميراث لهم، فيمكن أن يوصي لمن لا ميراث لهم عنده أو لمن ليس لهم حقٌّ في الميراث، وبناءً عليه : فتكون الآية ( إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ) غير الوارثين.

فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هذا، فإن الآية صار معناها هكذا؛ فحينئذٍ لا حاجةً إلى القول بالنّسخ؛ وإن كان الجمهور يقولون بالنّسخ؛ لكن الجمع أولى -والعلم عند الله-،

على كلّ حالٍ : الّذي استقرّ عليه عمل أهل العلم أنّ الوارث لا يوصى له؛ لأن الوصية شيءٌ زائدٌ عن الحق الّذي شرعه الله، ولا وصيّةً لوارثٍ، والأمر الثّاني : إنّ الوصيّة تكون في حدود الثّلث لغير الورثة؛ لأنّ الرّسول -‘ - قال (الثّلث والثّلث كثيرٌ ).

قال الله سبحانه ( ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ) ومن هذا المنطلق أنبِّه على أمر كثيرًا ما يسأل الإنسان عنه، ويجري فيه كلامٌ كثيرٌ، وهو وصيّةٌ لأحفاده (عند موت ولده في حياته ) ففي بعض الأحوال يموت أحد الأولاد. فيأتي الجدّ : نقول له أوصي لأحفادك؛ لأنّ أحفادك من حيث الميراث محجوبون بأعمامهم، الّذين هم أولادك من صلبك. فحينئذٍ يكوّن في قوله ﴿ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180) قال الله ( ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ) أنت إذا أوصيت بالحقّ فزاد أناسٌ أو أنقصوا، وبدّلوا ما أوصيت فالإثم عليهم ﴿فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ﴾ (البقرة: 181) وأمّا أنت فقد أدّيت ما عليك وقد أوصيت بالحقّ والصّواب. ولذلك ثبت عن نبيّنا -‘ – (ما حقّ امرئ يبيّت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) أو كما جاء عنه -‰ - قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

البرّ الّذي يحبّه الله يكون بتحقيق الإيمان والعمل الصّالح، وأمّا التّمسّك بالمظاهر فقط فلا يكفي عنده تعالى

(الإيمان ) : في قوله ( مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ) إلى آخره، وبعد ذلك قال ﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ (البقرة: 177) هذا كلّه من العمل الصّالح؛ (وأمّا التّمسّك بالمظاهر فقط فلا يكفي عنده تعالى ) : يقصد بذلك يقولون نحن نستقبل بيت المقدس، نحن نستقبل الكعبة ويكفينا هذا؛ يقال لا؛ بل عليكم أن تمتثلوا ما أمركم الله به.

من أعظم ما يحفظ الأنفس، ويمنع من التّعدّي والظّلم؛ تطبيق مبدأ القصاص الّذي شرعه الله في النفس وما دونها.

وصدّق الله إذ قال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) فأولو الألباب هم الذين يعون ذلك ويدركونه.

عظم شأن الوصيّة، ولا سيّما لمن كان عنده شيءٌ يوصي به، وإثم من غيّر في وصيّة الميّت وبدل ما فيها.

• عظم شأن الوصيّة، ولا سيّما لمن كان عنده شيء يوصي به، وإثم من غيّر في وصيّة الميّت وبدّل ما فيها.

وهذا واضحٌ في قوله ﴿ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 180) والآية الّتي بعدها ( فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ).

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 182)

قال الله سبحانه ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 182) ذكر الله حكمًا آخر من أحكام الوصيّة، فقال ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ﴾ (البقرة: 182) فسّروا الخوف : هنا بالعلم. وهذا مشهورٌ في القرآن وفي اللّغة، تفسير الخوف : بالعلم في بعض المواضع. ولذلك قال عددٌ من المفسّرين في قوله ﴿وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (النساء: 34) قالوا أيٌّ : (واللّاتي تعلمون نشوزهنّ )؛ أو أنّ الخوف على بابه. وهو إذا وجدت قرينةً تجعل الإنسان يشعر بأنّ الموصي سيقع منه ذلك.

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا﴾ (البقرة: 182) ميلاً عن الحقّ ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ (البقرة: 182) جورًا في الوصيّة. والمعنى : إنّ الموصي قد يقع منه ما يخالف الحقّ أمّا عن جهلٍ وأمّا عن عمدٍ، فقد يكون هذا (جنفا ) وقد يكون هذا (إثمًا ) قد يكون تاركًا للحقّ جاهلاً، وقد يكون تاركًا للحق عن عمد. ففي كلتا الحالتين لك أن تسعى بالإصلاح.

(فأصلح بينهم ) بأن تصلح ما أفسد الموصي بنصحه، وأن تصلح بين المختلفين على الوصيّة وهذه الآية أصل من أصول الإصلاح بين المتخاصمين، والإصلاح فيما يقع بين النّاس من عقود ونحو ذلك.

قال ﴿فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 182) يعني أنت مأجورٌ حينئذ ولست آثمًا؛ ولست من هؤلاء المبدلين قال الله ﴿فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 182) ثمّ ذكر الله أحكامًا تتعلّق بالصّيام. وهذا كلّه مندرجٌ كما تقدّم في الآية الكريمة العظيمة الّتي سبق ذكرها ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ﴾ (البقرة: 177) فهذا الصوم من جنس العبادات العظيمة الجليلة التي يُؤمَر بها الإنسان، والإنسان يدع طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، متقربًا بذلك إلى الله، وأيضًا الصّيام كما ترون ذكر بعد الحديث عن القصاص، والحديث عن أحكام الوصيّة، وبعد أحكام الصّيام ذكر الله أحكام الرّشوة فقال ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ﴾ (البقرة: 188) إلى آخر الآية الكريمة. وهذا معناه أنّ الصّائم ينبغي له أن يعلم أنّ الّذي فرض عليه الصّوم هو الّذي شرع له بقيّة الأحكام، فكما أنّه يأخذ بتشريع الله في الصّيام فليأخذ بتشريع الله في القصاص، وليأخذ بتشريع الله في الوصيّة، وليأخذ تشريع الله في الرّشوة؛ فإنّ تشريعات الله كلّها خيرٌ وبركةٌ. ولا ينبغي للعبد أن يغفل عنها أو أن يغفلها، أو أن يعرض عنها؛ فإنّ الله - قد أمرنا فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208) [ البقرة : 208 ]، وسيأتينا أنّ من معاني الآية : ادخلوا في شرائع الإسلام كافّةً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 183) إذًا عندنا نداء سبق ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ﴾ (البقرة: 178) وعطفٌ عليه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ﴾ (البقرة: 180) ثم عاد النداء هنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 183) للدّلالة على عظمة هذه الفريضة الجليلة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ (البقرة: 183) والّذي كتبه هو الله، لذلك في مثلٍ هذه المقامات لا يقال : (فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهول ) فهذا محلّ نظرٍ، لا يقال هذا (تأدّبًا مع الله )؛ إنّما يقال : فعل ماضٍ لما لم يُسمَّ فاعله، (لم يسمّى فاعله ) لكنّنا نعلم أنّه الله - فهو الّذي كتب، وهو الّذي فرض.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: 183) قالوا في المختصر (كما فرض على الأمم من قبلكم ) هنا الاشتراك في ماذا؟ أو التّشبيه في ماذا؟ في أصل الفرضيّة وليس في صفتها وهيئتها، وعددها فليس المراد أنّ عدد الصّيام عندهم أي (عند اليهود والنّصارى ) هو العدد الّذي عندكم، لا يلزم هذا؛ إنّما التّشبيه هنا : في أصل الفرضيّة أي : فرضٌ عليكم الصّيام كما فرض ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ومن فوائد ذكر قوله ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: 183) أنّ الله قد شرع أو فرض هذه الشّعيرة على من سبقكم، والشّيء إذا عرفت أنّ غيرك قد أمر به وأنّ منهم من امتثل. فهذا فيه تخفيفٌ عليك؛ لأنّك حينما تعلّم أنّ هذا الطّريق أو أنّ هذا السّبيل قد سلكه السّالكون فإنّه يسهّل عليك أنّ تأتسي بهم وأن تقتفي آثارهم. فذكر ذلك فيه تخفيف من الله - وتيسير لهم ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: 183).

وفيه من جهةٍ أخرى : دلالةٌ على عظمة هذه الشّعيرة : وأنّها شعيرةٌ عامّةٌ ليست فرضًا عليكم فحسب وإنّما كانت على الأمم السّابقة أيضًا.

قال الله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) فيه بيان أن غاية الصيام وأن الحكمة من الصيام تحصيل تقوى الله.

﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (البقرة: 184) قالوا هنا في التّفسير (الصّيام المفروض عليكم أن تصوموا أيّامًا قليلةً من السّنة ) كان المعنى : صوموا أيّامًا معدوداتٍ، إذا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ (البقرة: 183) ثمّ جاء بعد ذلك التّفصيل، صوموا أيّامًا معدوداتٍ، وتكون الأيام المعدودات : قد جاء بيانها بعد ذلك أيضًا في قوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185) وبعض العلماء يقول : بل كان هناك صوم واجبٍ آخر قبل شهر رمضان كصيام ثلاثة أيّامٍ أو عاشوراء أو ما إلى ذلك من أقوالٍ.

على كلٍّ : _ الّذي استقرّ عليه الأمر أنّ الصّوم المفروض من الله - على عباده هو صوم شهر رمضان، ثمّ بعد ذلك هناك صومٌ يكون واجبًا لسببٍ آخر كنذرٍ أو كفّارة ونحو ذلك.

قال الله ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ﴾ (البقرة: 184) قالوا هنا في المختصر : (أن تصوموا أيّامًا قليلةً ) من أين أخذوا (قليلةً )؟ من قوله (مّعدودتٖ) ومعروفٌ أنّ الشّيء الّذي يعد فهو قليلٌ، ثمّ إنّها جمعت هذا الجمع الجمع بالالف والتّاء جمع المؤنّث فإنّه أيضًا يدلّ على القلّة في الأصل، فدلّ على أنّ الصّوم الّذي أمر النّاس بصومه - وإن كان شهرًا - فهو قليلٌ بالنّسبة للسّنة. وهذا أيضًا فيه تخفيفٌ، وفيه شحذٌ للهمم لأنّك حينما تعلّم أنّ العبادة الّتي فرضت عليك عبادةٌ ميسورةٌ وخفيفةٌ؛ فإنّك تقبل عليها وتستجيب لها.

﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ (البقرة: 184) هذا تخفيفٌ إلى تخفيفٍ، (الفرض في الصّوم أنّه الصّيام لشهر لأيّامٍ معدوداتٍ ) ثمّ أيضًا إذا اعترى الإنسان ما يحول بينه وبين القدرة على الصيام؛ فإنّه يخفّف عنه حينئذٍ فقال ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ (البقرة: 184) إذًا على ذلك : أعذار الفطر تدخّل في باب المرض والسّفر هذا هو ضابطها. وقوله ﴿أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ (البقرة: 185) هذا هو الضّابط الشّرعيّ الّذي بينه الله - والأحكام كما قالوا تعلّل بعللها. لا بحكمها يعني معروفٌ أنّ سبب فطر المسافر من حكم تجويز الفطر أو ترخيص الفطر للمسافر احتمال المشقّة أو وجود المشقّة، لكن إن وجدت المشقّة أو لم توجد إذا وجد السّفر جاز الفطر؛ وإذا لم يوجد السّفر ولا المرض لم يجز هذا

قال الله ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 185) هنا تقدير قدَّره الجمهور، وهو قوله : (فأفطر ) أي : ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ فأفطر فعدّة من أيّامٍ أخرى؛ لأنّ الإنسان إذا احتمل المرض أو لم يفطر وهو مسافر وصام فصومه صحيحٌ ولا يؤمر بالإعادة خلافًا لمن أخذ بظاهر الآية الكريمة ابن حزم ومن نحّى نحوه، فقالوا المريض والمسافر يجب عليه الفطر ويجب عليه القضاء، ولا يجوز له أن يصوم حينئذ. فنقول قد ثبت أنّ النبي ﷺ صام أحيانًا وهو مسافر -‘ - فهذا يدلّ على أنّ الصّوم في السّفر صومٌ صحيحٌ.

قال ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 185) يعني يقضي في أيّامٍ أخرى، وكثير من العلماء يقولون في خلال السّنة فلا يحسّن به أو لا يليق أو لا ينبغي له أن يؤخّره إلى عامٍ قادمٍ؛ لأنّ حدود القضاء هذا العام؛ لكنّهم اختلفوا إذا أخّره بلا عذرٍ، هل عليه مع القضاء فديةً؟ أم عليه القضاء؟ مع الإثم لكن ليست عليه فدية هذا كلامٌ معروفٌ لدى أهل العلم وظاهر الآية : : أنّ الّذي عليه هو القضاء.

قال ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184) ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ﴾ (البقرة: 184) قالوا هنا في المختصر (وعلى الّذين يستطيعون الصّيام فديةً إذا أفطروا ) كيف يكون عليهم فديةٌ؟ يعني : فديةٌ إذا أفطروا، إذًا معنى الجملة ما معنى ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ﴾ (البقرة: 184) يعني : على الّذين يستطيعون الصّيام ولكنّهم لا يريدون الصّوم أن يطعموا عن اليوم الّذي يفطرونه بفديةٍ (إطعامٌ مسكينٌ ) لكنّ هذا عند الجمهور كان في أوّل الأمر ثمّ نسخ؛ ولذلك قالوا هنا في المختصر في آخر الكلام قالوا (وكان هذا الحكم أوّل ما شرع الله الصّيام فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم ثمّ أوجب الله الصّيام بعد ذلك وفرضه على كلٍّ بالغٍ قادرٍ ) إذا هذه كانت مرحلةٌ من مراحل وجوب الصّوم : أنّ الإنسان كان مخيّرًا بين الصّوم وبين الفطر والفدية.

ثمّ بعد ذلك قال الله ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185) فصار الصّيام فرضًا لازمًا للقادر الصّحيح المقيم إلى غير ذلك من شروطٍ معروفةٍ في حقّ الصّائم.

﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184) قالوا هنا في المختصر (فمن زاد على إطعامٍ مسكينٍ واحدٍ أو أطعم مع الصّيام فهو خير له ) شخصٌ أراد أن يطعم أكثر من مسكينٍ - جزاه الله خيرًا - فهو خير له أو أراد أن يجمع قال : سأصوم وأطعّم فهو خير له

﴿وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184) أيّ وصومكم خير لكم من الفطر والفدية، ففيه ترغيب لهم في الصّوم. لكن كان هذا بدون إلزام، ثم بعد ذلك جاء الإلزام :

﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185) إذًا الآية منسوخةً على قول جمهور أهل العلم ويستدلون بحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في الصحيحين، وكذلك بروايات متعددة عن السلف الصالح رحمهم الله رحمة واسعةً..

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185)

قال الله - بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) جاء بيان هذا الشّهر أو بيان هذه الأيّام المعدودات الّتي أوجب الله صيامها. فقال ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (البقرة: 185) نسأل الله أن يبلغنا إياه، آمين. قال الله - سبحانه - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾ (البقرة: 185) ما معنى : أنزل فيه القرآن : تقدّم نظير ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفسير سورة الدّخان وفي تفسير سورة القدر ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ﴾ (الدخان: 3) ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1) فتقدّم أنّ هذه الآيات معناها : أنزل فيه أوّل القرآن، أو بدأ فيه نزول القرآن. إذا ما معنى : نزول القرآن في رمضان أي : نزول أوّل القرآن، وهي صدر آيات سورة العلق ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ (العلق: 1) أو أنّ المراد بذلك نزول القرآن جملةً واحدةً إلى بيت العزّة من السّماء الدّنيا.

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) لكنّ قوله ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185) دلالة أنّه نزل للنّاس فحينئذٍ رجّح بعضهم من رجّح أنّ المراد بذلك بداية نزول القرآن الكريم

﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185) عمومًا فهو القرآن هدًى لجميع النّاس، والمراد بالهداية هنا : هداية البيان والدّلالة، قال الله ﴿وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) يعني : دلائل واضحاتٍ من الهدى والفرقان بين الحقّ والباطل ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185) يعني : من حضر منكم الشّهر فليصمّه، وهذه الآية : هي الّتي نسخت قوله ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ﴾ (البقرة: 184) فديةٌ، هي طعام مسكين على قول جمهور المفسّرين، من أهل العلم : من أبقى هذه الآية لكن في حق الشيخ الكبير والمرأة العجوز، ومنهم من أدخل في ذلك الحامل والمرضع. وقالوا : وعلى الّذين يطيقونه أي : (يطوّقون ) يشقّ عليهم الصّوم فإنّهم يفطرون ويطعمون. فالشّيخ الكبير والمرأة العجوز لهم أن يفطروا وأن يطعموا، واستدلوا بأثر ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية الكريمة، وقالوا أيضًا : إنّ الله عزّ وجلّ ذكر البدل (فذكر الصّوم وذكر بدله وهو الفدية )، فإذا تعذّر على الإنسان الصّوم فحينئذٍ ينتقل إلى البدل، فلأنّ نقول : إنّه في حقّ الكبير والمرأة العجوز يتحوّل أمرهما من الصّوم إلى الإطعام باعتبار أنّ هذا كان أصلاً وكان جائزًا فيكون لهذا وجه، والله أعلم وتفصيل ذلك معروفٌ أيضًا في بابه في الفقه، وقد تقدّم تفصيل ذلك في تفسير آيات الصّيام في مناسباتٍ كثيرةٍ في تفسير القرآن وفي غيرها، قال الله سبحانه﴿فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 185).

قد يقول قائل ما وجّه تكرار هذه الجملة؟ ويقال : من سرّ تكرار هذه الجملة والله أعلم : لئلا يتوهَّم واهم أن هذا الحكم نُسخ أيضًا. لأن الحكم السابق، وهو جواز الفطر مع الإطعام، نُسخ، طيّب فماذا عن من ﴿كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾؟ الحكم باقٍ فجاء التّأكيد عليه. ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) وقوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) كأنّه بمثابة الدّلالة والتّعليل لماذا؟ المريض والمسافر لهما أن يفطرا؟ لأنّ الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، فالمقصود من الصّيام ليس التّعسير ولا المشقّة ولا التّعذيب؛ وإنّما هو تهذيب النّفوس وتزكية النّفوس ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) فيه دلالةٌ على القاعدة الكبيرة إحدى القواعد الفقهيّة الكبرى : وهي أنّ المشقّة تجلب التّيسير أو كما قال بعضهم رفع الحرج عن الأمّة ولذلك نطلب منكم أن تذكّروا لنا ثلاثة من الأدلّة على هذه القاعدة العظيمة. نريد ثلاثة أدلّةٍ على أنّ المشقّة تجلب التّيسير من الكتاب أو من سنة رسول الله ﷺ.

قال الله ﴿وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ﴾ (البقرة: 185) ولتكملوا العدّة عدّة صوم شهر رمضان (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) قال ﴿وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ يعني : عند ختام شهر رمضان ويوم العيد، ولذلك يشرع هذا إلى أن يخرج المصلّون لصلاة العيد، قال ﴿وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185) نشكر الله على نعمه وعلى فضله وعلى إحسانه لنا.

ثمّ قال ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) ذكر الله هنا الدّعاء في أثناء الحديث عن الصّيام، وهذا يدلّ على الصّلة الوثيقة بين عبادة الدّعاء وعبادة الصّوم. فبعدها جاء قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ﴾ (البقرة: 187) وهذا حديثٌ عن الصّيام، وفي أثناء الحديث عن آيات الصّيام ذكر الدّعاء، وهذا أيضًا فيه إشارةٌ إلى ما ورد عن النبي ﷺ أنّه من الدّعوات المستجابة، دعوة الصّائم حين يفطر وفي لفظ حتّى يفطر فهذا فيه فضل الدّعاء للصّائمين، وأنّ هذه عبادةٌ جليلةٌ تتعلّق بالصّوم تعلّقًا كبيرًا وعظيمًا ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186) ولذلك تقدّم مرارًا في بعض اللّقاءات صائمٌ ينبغي له أن يستحضر معاني اسمي الله القريب والرّقيب، فهو يعيش بين معنى القريب والرّقيب. فأنت في الصّوم مراقب لربّك، وأنت في الصّوم وأنت تستحضر أنّ الله قريبٌ من عباده قال ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186) أجيب دعوة الدّاعي إذا دعان مخلصًا في دعائه (فليستجيبوا لي) قوله ﴿دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ﴾ (البقرة: 186) إما أن يُحمل على الدعاء المعروف، دعاء المسألة، وعلى أنّه دعاء العبادة، لذلك بعض المفسّرين قالوا : أجيب عبادة العابد إذا عبدني مخلصًا لي، ففسّروا الدّعوة ب العبادة عمومًا، والمعنى : صُمْ وأخلص صومك فاللّه سيجيبك ويتقبّل عملك ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) قال ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) : لعلّهم يسلكون بذلك سبيل الرّشد أو الرّشد في شؤونهم الدّينيّة والدّنيويّة. وهذه فاصلةٌ فريدةٌ في القرآن الكريم. فهذه الفاصلة لم تتكرّر في كتاب الله.

قال ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) وهذا فيه فضل الدعاء وفضل الصوم وأنّه سبيلٌ أو أنّهما سبيل أو سبيلان عظيمان من سبل تحصيل الرّشد.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

فضَّل الله شهر رمضان بجعله شهر الصوم وبإنزال القرآن فيه، فهو شهر القرآن؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتدارس القرآن مع جبريل في رمضان، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره.

ولهذا كان النبي ﷺ يتدارس القرآن مع جبريل في رمضان، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره : وهذا معروفٌ وواضحٌ وجليٌّ، لذلك قال ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾ (البقرة: 185) فبيَّن أن أعظم مزايا هذا الشهر الكريم أنه شهر نزول القرآن الكريم، ولذلك كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن كما في حديث ابن عبّاس المتّفق على صحّته، وكان النبي ﷺ أجود النّاس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره. وهذا معروفٌ عنه -‰ - وثابتٌ.

شريعة الإسلام قامت في أصولها وفروعها على التّيسير ورفع الحرج، فما جعل الله علينا ﴿فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾

وهذا مأخوذ من قوله هنا في الآيات ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185).

قرب الله تعالى من عباده، وإحاطته بهم، وعلمه التّامّ بأحوالهم؛ ولهذا فهو يسمع دعاءهم ويجيب سؤالهم

وهذا في قوله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) يعني : ليرشدوا، ليكوّنوا من الرّاشدين. لكنّ جاء قول الله سبحانه

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) [ الحجرات : 7 ]، أمّا قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) بهذا التّعليل فهذا فريدٌ في هذه الآية الكريمة. نسأل الله أن يجعلنا من الرّاشدين بمنّه وكرمه.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة