سورة البقرة — الجزء 10
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
وورد سببٌ آخر : إنّهم كانوا في الجاهليّة يطوفون بين الصّفا والمروة، وكان على الصّفا صنم يقال له إساف وكان على المروة صنم آخر يقال له نائلة، فكانوا يسعون بين الصّفا والمروة تقرّبًا إلى هذين الصّنمين. فلمّا جاء الإسلام تحرجوا أن يسعوا بين الصفا والمروة لما كانوا يصنعونه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في الجاهليّة، فأنزل الله الآية : وبيّن أنّ سعيكم بين الصّفا والمروة هنا لله، ومن شعائر الله ليس لهذين الصّنمين،
وقال بعضهم : لمّا ذكر الله الطّواف بالبيت ولم يذكر السّعي بين الصّفا والمروة تحرجوا، وقالوا ذكر الله الطّواف بالبيت ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة فتحرجوا من ذلك فأنزل الله الآية، فهذه روايات ثلاث أو ثلاث روايات وردت في سبب نزول الآية، والأولى الجمع بين هذه الرّوايات والأخذ بها. ومن المعلوم أنّه إذا ثبتت الرّوايات قبلت ويمكن أن يقال: تعدد السبب والنازل واحد - والعلم عند الله -
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158) قالوا هنا في المختصر : (ومن فعل المستحبّات من الطّاعات متطوّعًا بها مخلصًا؛ فإنّ الله شاكرٌ له، يقبلها منه ) فقوله ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ (البقرة: 158) بفعل المستحبات بأن يحجّ ثمّ يحجّ أو يعتمر ثمّ يعتمر، فهذا خيرٌ إلى خيرٍ. وكذلك يشرع الطّواف بالبيت، فالطواف بالبيت عبادة مستقلة أيضًا، يتقرّب بها العبد لربّه؛ وأمّا السّعي فإنّه لا يكون إلّا في حج أو في عمرة كما قرّر أهل العلم.
وفي قوله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158) دلالةٌ على أنّ السّعي بين الصّفا والمروة مشروع؛ لكنّ كلمة مشروع كلمةٍ واسعةٍ؛ لذلك من أهل العلم من قال بسنّيّة السّعي بين الصّفا والمروة، ومنهم من قال وهم الأكثرون بركنيّة ذلك أو بوجوبه؛ فالمشروعيّة واسعةٌ يعني أقلّ درجاته أنّه سنةٌ؛ لكن ضعَّف كثير من أهل العلم هذا القول. فمنهم من قال : بركنيّةٍ السّعي بين الصّفا والمروة، ومنهم من قال بوجوبه. والأمر أيضًا يتعلّق بأحكام الحجّ والعمرة.
قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾ (البقرة: 159)
يبيّن الله جزاء الكافرين، وبيان قبح ما عليه اليهود فمن أوصافهم أنّهم يكتمون الحقّ فهذا واضحٌ جليٌّ في كتبهم ومع ذلك؛ فإنّهم يكتمونه، توعّدهم الله وقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾ (البقرة: 159) ولذلك فإن أبا هريرة رضي الله عنه بيَّن وقال لولا آيةٌ من كتاب الله ما حدّثتكم ثمّ قرأ الآية الكريمة، فهو لا يريد أن يتكلّم لئلّا يكون هذا أمانةً يسأل عنها، ولكنّ الّذي حمله على عدم كتمان ذلك هذه الآية الكريمة. ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ قوله (اللّاعنون ) اللّعن : الطّرد من رحمة الله - وتأمل كيف أنّ الله بين أن هؤلاء الكفّار ﴿ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، ومع أن لعنة الله كافيةٌ لكن مع ذلك ذكر الله لعنة الملائكة ولعنة النّاس أجمعين، أي أنّ هذا مبغوضٌ لدى الجميع.
وقوله سبحانه ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟﴾ (البقرة: 160) فيه أهمّيّة البيان أو التّبيين، فالّذي يتوب توبةً نصوحًا عليه أن يبيّن، فالإنسان الّذي قال الباطل ثمّ علم الحقّ عليه أن يتراجع عنه، ويُبيِّن ويقول: أخطأت في كذا وتراجعت عنه، هذا من البيان الّذي أمرنا الله – سبحانه - به لئلّا يغترّ به مغترٌّ.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة: 161)
قال الله - سبحانه - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة: 161) على ما يعود الضّمير؟
قالوا هنا في المختصر : (ملازمين هذه اللّعنة )، فجعلوا الضّمير يعود على اللّعنة لمّا؟ لأنّها المذكورة في الآيات السّابقة، فربّنا قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة: 161) وهنا قال ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ أي في اللّعنة، ومنهم من قال : خالدين في النّار، وقد جاء بعدها ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ (البقرة: 162) أيٌّ : عذاب النّار ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (البقرة: 162) ما معنى ولا هم ينظرون؟ أي: ولا هم يُؤخَّرون.
﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 163) تأمّلوا - أيّها الإخوة الكرام - أنّ سورة البقرة قرّرت هذه الأحكام. وعاد الحديث إلى الاعتقاد، وهذا مبثوثٌ في سور القرآن الكريم، ولذلك من هذه الآية جاء أيضًا إعادة الحديث عن التّوحيد وتقرير قضيّةٍ التّوحيد ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 163) وفسّروا الرّحمن هنا قالوا : ذو الرّحمة الواسعة، وقد تقدّم تفسيره في سورة الفاتحة.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• الابتلاء سنة الله تعالى في عباده، وقد وعد الصّابرين على ذلك بأعظم الجزاء وأكرم المنازل.
(الابتلاء سنةً تعالى في عباده ) ولذلك قال ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ هذه سنةٌ، سنة الله تعالى في عباده (وقد وعد الله الصّابرين على ذلك بأعظم الجزاء وأكرم المنازل )، وعمر - رضي الله عنه - قال نعم العدلان ونعمت العلاوة؛ فالله أثابهم ثوابًا عظيمًا وصدّق الله إذ قال ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
• مشروعيّة السّعي بين الصّفا والمروة لمن ﴿حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ﴾.
وكما تقدّم فقولهم «مشروعية» هذا واسع. فيدخل فيه قول من قال بالسّنّيّة، وقول من قال بالوجوب، وقول من قال بالرّكنيّة. على حسب اختلاف الفقهاء في ذلك.
• من أعظم الآثام وأشدّها عقوبة كتمان الحقّ الّذي أنزله الله، والتّلبيس على النّاس، وإضلالهم عن الهدى الّذي جاءت به الرّسل.
فإثم هذا عظيمٌ جدًّا نسأل الله السّلامة.
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
تقدّم أيّها الإخوة الكرام أنّ السّورة الكريمة بدأت تحدّثنا عن تقرير الوحدانيّة، قال الله ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 163) ثمّ ذكر الله - بعض الدّلائل على ذلك، فقال ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ﴾ (البقرة: 164) إلى آخر الآيات الكريمة، وقد تقدّم أيضًا أنّ مثل هذه الآيات الكريمة تجمع بين كونها آية وبين كونها نعمة. فالله - يجمع بين كونها آية أيٍّ : دالّةً على أنّه الإله الحقّ، وأنّ هذا الّذي ذكره نعم ينعم الله - بها على خلقه.
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ (البقرة: 164) فهذا الاختلاف بين اللّيل والنّهار، وكون الليل مظلمًا وكون النهار مضيئًا مبصرًا، هذا كلّه من دلائل قدرته ومن دلائل أنّه الواحد لا شريك له - ﴿وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى﴾ (البقرة: 164) فمن الذي سيَّرها وجعل هذه الفلك تسير في البحر؟ إنّه الله - وقوله ﴿وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ﴾ (البقرة: 164) هكذا بالتّعبير عنها ب (الّتي ) دلالةً على أنّ الفلك هنا مؤنّثٌ فالمراد بالفلك هنا (الجمع ) : السّفن، وقد يأتي الفلك ويعبّر عنه بالتّذكير قال بعضهم في الإفراد كقوله (الفلك المشحون ) فيراد به المملوء. فالفلك : يأتي بمعنى مفردٍ ويأتي بمعنى الجمع.
قال الله ﴿وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ﴾ (البقرة: 164) فتصريف الرياح آياتٌ عظيمة، في تصريف الرّياح وتقليبها وتحويلها ﴿وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ﴾ أي دلائل على وحدانيّته - ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164).
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ (البقرة: 165)
ثمّ قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 165) لذلك استدلّ بعض أهل العلم على أنّه من أنواع الشّرك (شرك المحبّة ) ولذلك ذكر الله - شأن أولئك الضّالّين ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: 97) (الصّافّات ) قالوا : كانوا يسوّون بين الله سبحانه وتعالى وبين الأصنام التي يعبدونها والآلهة الّتي يعبدونها، كانوا يسوّون بين الله وبينها في المحبّة.
قال هنا ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة: 165) وقوله ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة: 165) أشدّ حبًّا لله ممّن؟ قالوا هنا في التّفسير : (﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ من هؤلاء لمعبوداتهم ) أيًّ : إنّ هؤلاء المشركين يعبدون آلهتهم الباطلة ولكنّهم يعبدونها في الرّخاء وأمّا في وقت الشّدّة فإنّهم يتركونها ويلجؤون إلى الله - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ (العنكبوت: 65)، هذا قولٌ، وهناك قولٌ ثانٍ : إنّ معنى الآية : ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ من حبّ هؤلاء لله؛ لأنّ المشركين يحبّون الله لكنّ حبّهم لله حب غير خالصٍ وإنّما حبّ فيه شريكٌ، وأمّا حبّ الموحّدين فهو حبّ فيه إخلاصٌ لله سبحانه، ولذلك قرّر عددٌ من العلماء أنّ الّذي يحبّ لذاته هو الله -؛ وأما ما سوى الله فإنه يُحبُّ تبعًا لحب الله -، في كلٍّ على قدر إيمانه وعلى قدر اتّباعه لأوامر الله سبحانه.
قال الله ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ (البقرة: 165) انتقلت الآيات إلى ذكر بعض آيات الوعيد والتهديد لأولئك الكفّار الّذين ظلموا أنفسهم بشركهم وباتّخاذهم الأنداد ﴿إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ (البقرة: 165).
﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: 166)
﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟﴾ (البقرة: 166) هذا كثير في القرآن الكريم، ذكر أن القادة الذين اتُّبعوا يتبرؤون من أتباعهم ولا ينفعونهم بشيءٍ، كما قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 47) وهذا كثيرٌ في مواضع كثيرةٍ من القرآن الكريم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: 166) ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: 166) قالوا هنا في المختصر (وقد تقطّعت بهم كلّ أسباب النّجاة ووسائلها ) تقطعت بهم هذه الأسباب التي كانوا يظنون أنها نافعتهم فلم تنفعهم، ويدخل في المعنى باب الصلات والأنساب فلم ينتفعوا بنسبهم ولا بأوصالهم الدّنيويّة. ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (البقرة: 167) ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (البقرة: 167) يعني : ليس لنا كرة ف (لو ) هنا بمعنًى : التّمنّي، ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا سنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ﴾ (البقرة: 167) قالوا هنا في المختصر (وكما أراهم الله العذاب الشّديد في الآخرة يريهم عاقبة متابعتهم لرؤسائهم على الباطل ندامات وأحزانًا ) ولذلك سمَّى الله يوم القيامة يوم الحسرة ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ (مريم: 39)
﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (البقرة: 167) أيٌّ : هم خالدون أبدًا في نار جهنّم. ولذلك استدلّ بهذه الآية وأمثالها على خلود الكفّار في النّار، وعلى أنّ النّار باقيةٌ غير فانيةٍ؛ ولذلك المطلوب منكم أن تذكّروا لنا ثلاثة أدلة أو ثلاث آيات تدلّ على بقاء النّار وعلى دوامها وعدم فنائها.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 168)
قال الله - سبحانه - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 168) هذا نداءٌ من الله للنّاس وتأمّلوا - أيّها الإخوة الكرام - فالله نادى في أوّل السّورة النّاس كلّهم بماذا؟ بالأمر بالعبادة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21) ثم جاء النداء لبني إسرائيل ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40) وتكرّر ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40)؟ ثمّ جاء النّداء للّذين آمنوا وتقدّم أنّ أوّل نداءٍ للمؤمنين كان في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟﴾ (البقرة: 104) جاء هنا نداءً آخر لكلّ النّاس أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾ (البقرة: 168) وهذا فيه انتقالٌ آخر، وكأنّ السّورة بدأت تتحدّث عن الأحكام التّشريعيّة، وهذا تمهيد لها وتوطئةٌ.
ولذلك الآيات بعد ستتحدّث عن بعض الأحكام التّشريعيّة، ثمّ سيأتي الإجمال في قوله ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) بعد ذلك يأتي انتقال لأحكام القصاص، ولأحكام الوصيّة ولأحكام الصّيام. وما إلى ذلك من أحكامٍ تشريعيّةٍ. ﴿كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾ (البقرة: 168) قوله (طيّبًا ) قالوا هنا في المختصر (وكان طيّبًا في نفسه غير خبيثٍ ) فالحلال أحلَّه الله، وهو في نفسه طيب، وبعضهم فسَّر «طيبًا» بمستلذٍّ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ (البقرة: 168) تأمّل قال الله : ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ (البقرة: 168) قالوا هنا في المختصر أي (ولا تتبّعوا مسالك الشّيطان الّتي يستدرجكم بها ) وتسميتها بالخطوات : دلالةٌ على تقاربها، وأنّها خطوةٌ تجر إلى خطوةٍ، وأنّ من وافقه في خطوةٍ يوشك أن يوافقه في الخطوة الّتي تليها، وقد ذكروا أنّه يدخل إلى الإنسان عن طريق الخواطر والأفكار. لذا قال ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ (البقرة: 168) فيدخل عن طريق الخواطر والأفكار، الّتي تتحوّل إلى تصوّراتٍ ثمّ إلى إرادات وبعد الإرادات يقع الفعل وبعد الفعل يستمرّ عليه الإنسان فتكون عادةً وحينئذٍ يصعب على الإنسان أن يتخلّى عنها نسأل الله السّلامة.
قال ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208) ظاهر العداوة، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 169) قالوا: ما يسوء من الآثام، ثم قال: والفحشاء. قال (وما يعظّم من الذّنوب ) فجعلوا أنّ العطف هنا جاء للتّدرّج، فذكر السّوء ثمّ ذكر ما عظم وفحش فقال (والفحشاء ) ثمّ ذكر (القول على الله بغير علمٍ ) ﴿وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 169) نسأل الله السّلامة.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
• المؤمنون بالله حقًّا هم أعظم الخلق محبّةً لله، لأنّهم يطيعونه على كلّ حالٍ في السّرّاء والضّرّاء، ولا يشركون معه أحدًا.
وهذا في قوله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة: 165) فنسأل الله أن يحبّنا وأنّ يحبّبنا فيه، وأن يجعلنا من أوليائه الّذين قال فيهم ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [ المائدة : 54 ].
• في يوم القيامة تنقطع كلّ الرّوابط، ويبرأ كلّ خليل من خليله، ولا يبقى إلّا ما كان خالصًا لله تعالى.
كما قال الله ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) [ الزّخرف : 67 ]، والشّاهد هنا في هذه الآيات قول الله سبحانه ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: 166).
• التّحذير من كيد الشّيطان لتنوّع أساليبه وخفائها وقربها من مشتهياتٍ النّفس.
ولذلك قال ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208). ونريد أيضًا ذكر ثلاثة أدلّةٍ تدلّ على تجنّب عداوة الشّيطان، التّحذير من كيد الشّيطان في القرآن الكريم. هذا والله أعلم ونقف عند هذا الحدّ، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا، والله أعلم. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170)
أي : وإذا قيل لهؤلاء الكفّار اتّبعوا ما أنزل الله، فالله - أنزل كتبًا فعليكم أن تتبعوها، فإنّ فيها الخير والبركة، وفيها الهدى والنّور. أجابوا ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ﴾ (البقرة: 170) دأبنا دأب التّقليد، نحن نقلّد الآباء. سواء أكان الآباء على الحقّ أم كانوا على الباطل، وهكذا بين الله - أنّ سبب ضلال أكثر الكفّار هو التّقليد للآباء، والتّقليد للسّادات والكبراء، كما قال أيضًا ﴿وَقَالُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ (الأحزاب: 67) [ الأحزاب : 67 ] فهكذا، وقالوا أيضًا ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23) [ الزّخرف : 23 ]، وقالوا أيضًا ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) [ الزّخرف : 22 ]، ﴿قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ﴾ (البقرة: 170) فردّ الله عليهم بهذا الاستفهام الّذي يفيد الإنكار والتّوبيخ.
﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170) يعني أيتبعونهم؟ ولو ﴿كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾! يعني : هلّا قيّدوا الاتّباع بالاتّباع على الهدى لو كان كذلك لقُبل منهم فنحن مأمورون بالاقتداء بالخليل إبراهيم -’ -؛ لكنّه على الهدى -‰ - وكذلك ما وقع من يعقوب مع أولاده ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ﴾ (البقرة: 133) وقلنا هناك : إنّ السّير على درب الآباء محمود إذا كان الآباء على الهدى والخير. فربّنا ينعى عليهم هذا القول الّذي قالوه ويقول : ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170) لذلك أحسنوا في المختصر إذ قالوا (أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ) فقولهم (أيتبعون ) : هذا لبيانٍ (مقدّر ) بين الهمزة والواو.
تقدّم مرارًا في مثلٍ هذا الأسلوب القرآنيّ (أولم أو أفلم )، وهنا قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170) هنا همزة وواو أو همزة وفاء (أفلم ) هذه الواو يقال لها وأو عاطفةً، فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هي عاطفةٌ للجملة الّتي جاءت بعد على الجملة المذكورة، ويرون أنّها أحقّ بالتّقديم من الهمزة لكنّ الهمزة قدّمت (لأنّ لها الصّدارة ).
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : بل الواو على بابها : لكنّ هنا كلام مقدّرٍ وهذا ما صنعوه : (أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون ) وهكذا يذمّ الله - أولئك الّذين يقلّدون الآباء دون وعي ودون إدراكٍ؛ وإنّما هي السّفاهة. قال بعدها : ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171)
ضرب الله - مثلاً لهؤلاء الكفّار الّذين لا يستجيبون للهدى، الّذين يسمعون وكأنّهم لا يسمعون. الّذين يعلمون ما يقال لهم؛ لكنّهم ابتعدوا عن هذا العلم، فصاروا لا يعلمون ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ﴾ (البقرة: 171) هذا الرّاعي الّذي يصيح، ويصوّت ببهائمه يصيح عليها فهي تسمع نداءه أو تسمع دعاءه؛ لكنّها لا تعي ما يقول ولا تفهم ما يقول، فكذلك الكفّار يسمعون القرآن، يسمعون داعي الله، يسمعون الدّعاة إلى الله لكن لأن قلوبهم غُلْف فهم لا يفهمون هذا الّذي يقال لهم ولا يستجيبون له؛ ولذلك يمكن أن يقال إنّ المثل هنا ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ﴾ (البقرة: 171) الّذي يقابل الّذي ينعق هو مَن؟ هو الداعي وكان التّقدير : ومَثَلُ داعي ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ على هذا القول الّذي ذكروه، لذلك هنا قولهم في المختصر (ومثّل الّذين كفروا في اتّباعهم لآبائهم كالرّاعي الّذي يصيح مناديًا على بهائمه، فتسمع صوته، ولا تفهّم قوله ) الرّاعي ما الّذي يشبه به؟ الرّاعي هذا هو المشبّه؟ أين المشبّه به في المقام الآخر : هو الداعي إلى الله - لذلك يكون المثل على هذا التّقدير : أي : - ومَثَلُ داعي ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً﴾، وهناك من قال أقوالاً أخرى في الآية.
﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171) وتقدّم معنا أيضًا ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) ولم يقل : (صمٌّ وبكم وعمّي ) كان كلّ وصف من هذه الأوصاف مستقلٌّ بذاته، فكأنّك تقول : - (هم صمٌّ، هم بكمٌ، هم عميٌ ) فيكون هذا أبلغ في الدّلالة، ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171) قالوا في المختصر (فهمٌ صمٍّ عن سماع الحقّ سماعًا ينتفعون به ) إذا هم يسمعون لكن لا يستجيبون لهذا السّماع، فهو سماعٌ لا ينتفع به، فلذلك نفى عنهم السّماع وكذلك قال : (بكمٌ) لا ينطقون بالحقّ، (عميٞ) لا يبصرون الحقّ، وتقدّم أنّه ينفي الشّيء لانتفاءه أو لانتفاء صحّته أو لانتفاء كماله. فهنا همّ عندهم الحواسّ لكنّهم لم يستفيدوا منها أو لم ينتفعوا بها فكأنّها مسلوبةٌ غير موجودةٍ.
قال ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171) ﴿إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ (البقرة: 171) يشمل القريب والبعيد، يعني سواءٌ كان الصّوت قريبًا أم كان نداءً بعيدًا، ففي كلّ الأحوال لا يفهمون شيئًا ﴿أَنَّمَا﴾ هي أصوات تتردد فيسمعونها دون أن يستجيبوا لها، ولذلك حذّرنا الله : ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: 21) [ الأنفال : 21 ].
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172)
بعد أن قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾ (البقرة: 168) كان هذا خطابًا عامًا لعموم النّاس، جاء هنا التّخصيص ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ (البقرة: 172) وكأنّ قضيّة الأكل والشّراب وقضيّة الحلّ والحرمة في الأطعمة من القضايا العظيمة وهي كذلك؛ ولذلك فإنّ المشركين خالفوا فيها الحقّ وكانت لهم فيها مذاهب باطلةٌ جائرةٌ، لذلك بدأ الله - سبحانه تعالى - بها ثمّ بعد ذلك سردت الأحكام الشّرعيّة سردًا كما سيأتي بإذن الله تعالى بعدٌ قليلٌ، وأيضًا تلاحظون - أيّها الإخوة الكرام - ذِكر ما يتعلق بخطوات الشيطان ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 169) وكأنّ الله يحذّرنا من البداية من خطوات الشّيطان، اعلموا من الّذي يأمر ومن الّذي ينهي؟ الّذي يأمر وينهى هو الله - وهو يشرع لكم وعليكم أن تستجيبوا له؛ ليس في الصّلاة والصّوم والزّكاة والعبادات فحسب؛ وإنّما في كلّ الأبواب. ولذلك جاء الحديث عن الأطعمة وعن ما أحلّ الله - من هذه الطّيّبات ﴿كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 172) قالوا هنا في المختصر (ظاهرًا وباطنًا ).
﴿وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172) وهذا فيه ترغيب لهم وتشجيعٍ، ولذلك يقال فيه الهابٌ للمشاعر فيقال : إنّ كنتم إيّاه تعبدون ولا شك أنّ المؤمنين يعبدون الله وحده، فإذا كنتم كذلك فكونوا شاكرين لله -، ولذلك بعضهم يقول : أسلوب تهييجٍ، كما يقول : - إنّ كنتم مؤمنين - وأنت تقول وأنا مؤمنٌ - إذًا إذا كنت مؤمنًا فعليك أن تستجيب لما دعاك الله - – إليه.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 173) هكذا ذكر الله المحرّمات بهذا الأسلوب وهو أسلوب قصرٍ، وهذا معناه : إنّ الحرام محدودٌ، ولذلك ذكرت المحرّمات، ولم يذكر الحلال من الأطعمة والأشربة لأنه أكثر وأغلب، ومعروفٌ أنّ الشّيء المحصور أو أنّ الشّيء القليل هو الّذي يذكر، وأمّا الشّيء الكثير فإنّ الإنسان لا يتمكّن من حصره. وكذلك القائل وكذلك الكاتب فإنّه لا يستقصيه، وإنّما يستقصي القليل.
وربّ العزّة - سبحانه وبحمده - لما ذكر المحرّمات حصرها، وهذا معناه : إنّ ما سوّاها فهو حلالٌ ومباحٌ، هذا هو الأصل فيه ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ (البقرة: 173) قالوا في المختصر (ما مات بغير زكاةٍ شرعيّةٍ ) ومن عجيبٍ صنيعهم (أي المشركين ) قالوا " كيف لا نأكل الميّتة، والميّتة قتلها الله؛ وأمّا ما نحن نذبحه نأكله وما يقتله الله لا نأكله " بالمثل هكذا قالوا، يعني : يقولون هذه الميّتة ماتت حتف أنفها بدون ذكاة شرعية، إذا (ربّنا قتلها ) هكذا يقولون؛ وأمّا أنتم تذبحون ثمّ تقولون (نأكل ممّا نذبح ولا نأكل ممّا قتله الله )!
هذا كلّه لخللٍ عندهم! لا يعلمون أنّ الّذي يحلّ وأنّ الّذي يحرم هو الله، وأنّ هذه الّتي أبيحت، أبيحت لأنّ الّذي ذبحها ذبحها منفذًا لطاعة الله، ولذلك شرع له عند أن يقول : (بسم الله أكبر ) فهو ما ذبح إلّا بأمر الله - واستجاب لطاعة الله، لذلك أباحها الله - له.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ﴾ (البقرة: 173) قوله (وٱلدّم ) جاء في آيةٍ أخرى ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ (الأنعام: 145) [ الأنعام : 145 ]، فعرفنا المراد بالدّم هنا، فيكون هذا من تفسير القرآن بالقرآن، وتقدّم معنا أمثلةً كثيرةً لهذا. أحيانًا ترد آياتٍ فيها إطلاق والأخرى فيها تقييدٌ، آيةٌ فيها عموم والأخرى فيها تخصيصٌ وهكذا.
قال ﴿وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 173) أيٌّ : وما ذكر عليه غيرٍ (اسم الله ) عند تزكيته، قال ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 173) هنا قال : : الضّرورات تبيح المحظورات، فهذا يشهد لهذه القاعدة هذه الآية الكريمة.
قال ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: 173)، في الآية الأخرى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام: 119) [ الأنعام : 119 ]، والضّرورة تقدّر بقدرها كما هو معلومٌ. قوله ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ (البقرة: 173) قالوا هنا في المختصر (غير ظالمٍ بالأكل منها دون حاجةٍ ) فهو غير ظالمٍ بأكله منها بدون حاجةٍ، هذا معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ (البقرة: 173)، (ولا عادٖ ) يعني : ولا متجاوز لحد الضرورة، قال بعضهم : - لا يتجاوز ما يسد الرمق، أو ما يحتاج إليه، أو ما لا بدّ له منه. وبعض العلماء فسّر قوله ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (البقرة: 173) بأقوال أخرى، وهذا الّذي ذكروه لعلّه أصحّ ما قيل في ذلك. منهم من قال غير (باغٍ ) : على وليّ الأمر أو عليه ولا (عاد ) أيًّ : ولا مرتكب لمعصيةٍ؛ كأن يكون في سفر فيه معصية فحينئذٍ لا يباح له ذلك. لكنّ القول بهذا أعم وأشمل، فتفسير ذلك بقوله ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (البقرة: 173) يشهد له السّياق، ثمّ أيضًا القول بعمومه، قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 173).
(إنّ ٱلّذين يكتمون مآ أنزل ٱللّه من ٱلكتب ويشترون به ثمنٗا قليلًا أولٓئك ما يأكلون في بطونهم إلّا ٱلنّار ولا يكلّمهم ٱللّه يوم ٱلقيمة ولا يزكّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ ١٧٤ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥ ذلك بأنّ ٱللّه نزّل ٱلكتب بٱلحقّ وإنّ ٱلّذين ٱختلفوا في ٱلكتب لفي شقاق بعيدٖ ١٧٦ )
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (البقرة: 174) ما معنى الكتاب هنا؟ الكتاب هنا: الكتب السماوية، إذنٌ : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٱلْكِتَٰبِ (كما في التّوراة أو الإنجيل ) وغيرهما من كتب الله المنزلة. لذلك قالوا هنا في المختصر (إنّ الّذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب وما فيها من : دلالة ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ونبوة محمد -‘ -، كما يفعل اليهود والنّصارى ) وتأمل أنّ الله - كيف أنّ الله سبحانه ذكر هنا جزاء الكاتمين لما أنزل الله وذكر ذلك قبل ذلك فقال أيضًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾ (البقرة: 159) [ البقرة : 159 ]، هذا كلّه فيه ذمٌّ للكتمان - لكتمان ما أنزل الله سبحانه -، وفيه دعوةٌ صريحةٌ لأهل الإيمان أن يتمسّكوا بكتابهم، وأن يتأمّلوا ما فيه من هدأياتٍ، وأن يعملوا بما فيه.
قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ﴾ (البقرة: 174) ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ﴾: أي ما يكون سببًا للنار، فعبّر عنه بالنّار، والنّار مسبّبةٌ عنه؛ فعبّر بالمسبّب وأريد به سببه على قول كثيرين، لذلك قالوا هنا في المختصر (إلّا ما يكون سببًا لتعذيبهم بالنّار ) لأنّه سيأكل حرامًا وأكل الحرام مفضٍ إلى الإثم والعذاب.
قال ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (البقرة: 174) فإن قال قائل : وقد وردت آياتٍ تدلّ على أنّ الله يكلّمهم في بعض المواضع فيقال : ولا يكلّمهم الله بكلامٍ ينفعهم أو بكلامٍ يزيل عنهم العذاب، ونحو ذلك؛ وأمّا الكلام الّذي فيه التّقريع والتّوبيخ لهم فهذا أمرٌ آخر ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ (البقرة: 174) يعني : لا يثني عليهم ولا يطهّرهم، فقوله (ولا يزكّيهم ) تشعر الأمرين أو المعنيّين : (لا يطهّرهم ولا يثني عليهم ) ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 174)
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ﴾ (البقرة: 175) وهذا جاهلٌ الّذي يشتري الضّلالة بالهدى فيريد العذاب ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ (البقرة: 175) قال بعضهم : فما أشد صبرهم على النار، وقال بعضهم : هذا أسلوب تعجيب من حالهم ما هذا الّذي يجترئ على نار جهنّم، ويقدر على الصبر عليها إن شاء فليفعل وسيرى ذلك!
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ (البقرة: 176) ب (أنّ ) أي : ذلك الجزاء على كتمان العلم والهدى بسبب أنّ الله نزل الكتب الإلهيّة بالحقّ، وهذا يقتضي أن تُبيِّن ولا تكتم، ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ (البقرة: 176) فالاختلاف يؤدّي إلى المفارقة والمنازعة والشّقاق، ولذلك ذمّ الاختلاف وذمّ التّنازع ﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) [ الأنفال : 46 ].
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
أكثر ضلال الخلق بسبب تعطيل العقل، ومتابعةِ من سبقهم في ضلالهم، وتقليدهم بغير وعيٍ.
أكثر ضلال الخلق بسبب ذلك، وهذا واضحٌ. ولذلك لما اتّبعوا هؤلاء كانوا غير عقلاء فقال الله ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170) وقال في حقّهم ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171) وقوله : (أكثر ضلال الخلق بسبب تعطيل العقل ومتابعةٍ من سبقهم في ضلالهم ) فهذا واضحٌ في آياتٍ كثيرةٍ : ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ﴾ (الصافات: 69) [ الصّافّات : 69 - 70 ] فهذا دأبهم.
عدم انتفاع المرء بما وهبه الله من نعمة العقل والسّمع والبصر، يجعله مثل من فقد هذه النّعم.
لذلك قال ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 171) وقال قبلها ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ (البقرة: 171) يعني كأنهم لا حواس لهم، أو لا ينتفعون بهذه الحواسّ وكأنّها مفقودةٌ منهم، أو كأنّهم فاقدوها ابتداءً.
من أشدّ النّاس عقوبة يوم القيامة من يكتم العلم الّذي أنزله الله، والهدى الّذي جاءت به رسله تعالى.
ولذلك ذمّ الله هؤلاء وقال﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (البقرة: 174) الآية الكريمة.
من نعمة الله تعالى على عباده المؤمنين أن جعل المحرّمات قليلةٌ محدودةٌ، وأما المباحات فكثيرةٌ غير محدودة.
ولذلك فإنّ الله نص على المحرّم، وترك الحلال لأنّه الأكثر والأغلب.
( لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ﴿ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ وَءَاتَى ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ١٧٧ )
قال الله سبحانه ( ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ﴾ ) إلى آخر الآية الكريمة، تقدّم أيّها الإخوة الكرام : إنّ في سورة البقرة آيةً بمثابة الفهرس للأحكام الشّرعيّة الّتي بينها الله وفصلها في هذه السّورة، وهذه الآية هي : آيتنا هذه ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) إلى آخر الآية الكريمة؛ فإنّ هذه الآية الكريمة : قد حوت مقاصد الأحكام الشّرعيّة أو أمّهات الأحكام الشّرعيّة أقصد بالمقاصد هنا أمّهات الأحكام الشّرعيّة (يدخل في ذلك العبادات والمعاملات ) فهذه الآية الكريمة أشارت إلى هذه الأبواب؛ فأشارت إلى أصول الإيمان والإسلام وأشارت كذلك إلى الأحكام الشّرعيّة : وإلى التّفصيلات الّتي تتعلّق بمعاملته مع الخلق؛ فعلَّمنا الله كيف نتعامل مع الخلق كما علَّمنا كيف نعبده؟ ونصرف العبادة له وحده -
فهي آية جامعة جليلة وهي بمثابة الإجمال الّذي تبعه التّفصيل؛ ولذلك يمكن أن تنظر إلى الآيات الّتي جاءت بعد هذه الآية الكريمة تجد هذه الآيات الكريمة الّتي جاءت بعد إلى آخر السّورة بمثابة التّفصيل لهذه الآية كما سيتبيّن بإذن الله في موضعه قال هنا ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) ليس البرّ وهناك قراءةٌ أخرى متواترةٌ ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) ومن المعروف أن ليس من أخواتٍ (كان )، وأن «كان» ترفع المبتدأ وتجعله اسمًا لها وتنصب الخبر؛ فعلى قراءة من قرأ ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ﴾ (البقرة: 177) يكون قوله (البرّ ) هو خبرٌ (ليس ) المقدّم؛ ويكون قوله ﴿أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 177) ﴿أَن تُوَلُّوا۟﴾ (البقرة: 177) المصدر المؤوّل هو اسمٌ (ليس ) ويكون المعنى : (ليس تولّيكم ) أو (تولّيتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البرّ ) فيكون قوله ﴿أَن تُوَلُّوا۟﴾ (البقرة: 177) هو اسم ليس. وأمّا على قراءة من قرأ ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟﴾ (البقرة: 177) فيكون على بابها ويكون قوله (البرّ ) هو اسمٌ ليس، وقوله ﴿أَن تُوَلُّوا۟﴾ (البقرة: 177) هو خبرها، ﴿أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 177) صدر الله الآية الكريمة بهذا البيان الشّافي الكافي، أيّها المشتغلون بأمر القبلة - أيّها المتنازعون على القبلة، أيّها الطّاعنون في النبي ﷺ وفي المؤمنين حين تركوا استقبال بيت المقدس، وتوجّهوا إلى المسجد الحرام لماذا تطعنون فيهم؟ أو تظنّون أنّ الإيمان ما هو إلّا استقبال قبلةٍ بعينها؟
إنّ الأمر ليس كذلك ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) ليس هذا هو تمام البرّ إنّما البرّ أوسع من ذلك، فالبرّ جماع خصال الخير، ويقال : للبِرِّ لاتساعه كما يقال للبَرِّ فمعنى البرّ : إنّه جميع خصال الخير. فليس البرّ كما تتوهّمون وإنّما البرّ أوسع من ذلك فهو شاملٌ لجميع أبواب الخير ( وَلَٰكِنَّ ﴿ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ ) وتأمل هنا فسّر (البرّ ) بـ : ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، فسّر (البرّ ) ب ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؛ وأصل الكلام : (ولكنّ البرّ (برٌّ ) ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ) أو كان المعنى : (ولكنّ ذا البرّ ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ )؛ لكنّه فسّر البرّ نفسه : وهو المصدر فسّره بالأشخاص؛ لكنّ هذا مفهوم من السّياق، وقال بعضهم : هذا على سبيل المبالغة
( ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ ) وكأن المؤمن بالله وباليوم الآخر والّذي يحقّق هذه الخصال كأنّه تحوّل وصار هو البرّ بنفسه، قال الله ( ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ ) إذًا البرّ هو : الإيمان : ﴿مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾، وهذه كلّها من أركان الإيمان، فهذا من صنوف البرّ.