مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 9

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 252 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138) ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 138) أيضًا منصوبةً بفعلٍ مقدّرٍ : أي : (الزموا فطرة الله ) قالوا منصوبٌ على الإغراء، يعني : الزموا فطرة الله فالمراد بذلك لزوم هذه الفطرة كما في قوله -‘ – (الصّلاة الصّلاة ) أي الزموا، وهنا كذلك ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 138)؟ أيٌّ : الزموا صبغة الله أو اتّبعوا صبغة الله وبعضهم يقول : (صبغة الله ملّة إبراهيم هي صبغة الله ) هناك أقوالٌ كثيرةٌ في هذا ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138) لكن تأمل هذا التّعبير القرآنيّ الجميل ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 138) قالوا في المختصر (الزموا دين الله الّذي فطركم عليه ظاهرًا وباطنًا ) والصّبغة كما هو معروفٌ تظهر على الشيء، فحينما يقال (هذا ثوبٌ مصبوغٌ ) فالصّبغة تظهر عليه وتكون باديةً وظاهرةً، وهذا معناه أنّ دين المرء يظهر عليه ويظهر في أقواله ويظهر في أفعاله؛ وأنّ ما يعتقده المرء يبدو ظاهرًا وجليًّا في سلوكيّاته. ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138) أي لا أحد ﴿أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً﴾، ﴿وَنَحْنُ لَهُۥ عَـٰبِدُونَ﴾ (البقرة: 138).

﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ﴾ (البقرة: 139)

﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ﴾ (البقرة: 139) لماذا تزعمون أنّكم أولى بالله منّا؟ لماذا تزعمون هذا الزّعم؟ مع أنّ ربّنا وربّكم هو الله، فلماذا هذا الزّعم ولماذا تجادلوننا بهذا؟ لأنكم تزعمون أنّ دينكم أقدم وكتابكم أسبق فأنتم أحقّ بالله - – منّا! إنّ هذا لا ينفعكم وإنّما الّذي ينفع المرء الإيمان والعمل الصّالح ولذلك قال ﴿وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ﴾ (البقرة: 139) وأمّا أنتم فلا تخلصون العبادة لله وإنّما تصرفونها بغيره.

﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 140)

﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ (البقرة: 140) فكيف هذا؟ ﴿قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 140) ربّنا قضى بأنّهم ليسوا كذلك ثمّ إنّ الواقع يشهد بذلك.

فاليهوديّة جاء بها من؟ جاء بها موسى -’ - حينما أنزل الله عليه التّوراة، وكذلك جاء عيسى -’ - ﴿وَقِيلَ﴾ لأتباعه نصارى؛ وهذا كلّه لا شك متأخّرٍ عن الخليل إبراهيم وعن إسماعيل وعن إسحاق وعن يعقوب -• - فلماذا هذا الزّعم؟ تزعمون أنّ هؤلاء ﴿كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾؟ ﴿قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 140) ولذلك قالوا هنا في التّفسير (فإنّ زعموا أنّهم كانوا على ملتهمٍ فقد كذبوا؛ لأنّ مبعثهم وموتهم كان قبل نزول التّوراة والإنجيل وعلم بذلك أنّ ما يقولونه كذب على الله ورسله وأنّهم كتموا الحقّ الّذي نزل عليهم )

قال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 140) يعني لا أحد أظلم من هذا الّذي كتم ﴿شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 140) أيٌّ : ثابتةً عنده من الله، ما معنى ﴿مِنَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 140)؟ يعني علمها من الله، فهذه شهادة علمها من الله - هذا يعود عليه، ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 140)

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 141)

هبّ أنّ قومًا وقعوا فيما وقعوا فيه من ضلالٍ؛ فإنّ هذا لا يعني أن تتبّعوهم، مع أنّهم مباركون ولذلك تكرّرت هذه الآية الكريمة لتأكيد المعنى ولبيان أنّ شرف الإنسان أو أنّ جرم الإنسان ليس بضائر غير هذا الإنسان؛ وإنّما الّذي يضرّ الإنسان أن يسيء عمله؛ وأمّا إذا اتّقى الله - في عمله فإنّه لا يضرّه شيءٌ بفضل الله سبحانه قال الله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر: 18).

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

أنّ دعوى أهل الكتاب أنّهم على الحقّ لا تنفعهم وهم يكفرون بما أنزل الله على نبيّه محمّد -‘ -.

فهم يدّعون هذا لكنّ هذا ليس بنافعهم؛ ولذلك ردّ الله - عليهم وقال ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟﴾ (البقرة: 137) هذا هو الحكم، أنّ تتبّع، وأمّا دعوى أنّك على الإيمان ثمّ إنّك تترك ما تدّعيه فإنّ هذا ليس بنافعٍ هذا الإنسان.

سمّي الدّين صبغةً لظهور أعماله وسمته على المسلم كما يظهر أثر الصّبغ في الثّوب.

وهذا واضحٌ في ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 138) الزموا صبغة الله فالدّين يظهر على صاحبه ولذلك كما تقدّم فنبيّنا -‘ - كان خلقه القرآن.

أنّ الله تعالى قد ركّز في فطرة خلقه جميعًا الإقرار بربوبيّته وألوهيّته، وإنّما يضلّهم عنها الشّيطان وأعوانه.

وقد دلّ على ذلك أيضًا حديث النّبيّ -‘ – (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) ولم يقل أو يسلّمانه؛ لأنّ الإسلام هو الأصل وهو الفطرة، ولذلك تقدّم ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾ (البقرة: 130) ثمّ هنا قالوا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ﴾ (البقرة: 139) الفرق ﴿وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ﴾ (البقرة: 139).

قال الله سبحانه ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 142)

بعد أن بيّن الله - سبحانه وبحمده - ما للخليل إبراهيم -’ - من فضلٍ وشرفٍ. وبيّن أنّ ملّته هي الملّة الحقّة، وأنّه واجب الاتّباع، بين الله - هذا الحكم الشّرعيّ، وهو نسخ استقبال المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس حيث كانوا يصلون ويتوجّهون إلى بيت المقدس، وقد ثبت في حديث البراء - رضي الله عنه - في الصّحيحين أنّهم - رضي الله عنهم - قد صلّوا مع النبي ﷺ صلّوا مع النبي ﷺ ستّة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا تجاه بيت المقدس، ثمّ أمروا باستقبال الكعبة المشرّفة. فحينئذٍ جاءت الموافقة لما كان عليه الخليل إبراهيم -’ – وكأنّ ما سبق من استقبال بيت المقدس كان توطئةً لهذا. وللدّلالة أيضًا على أنّ هناك صلة وثيقةٍ وارتباطًا كبيرًا بين النّبي محمّد -‘ – وبين الأنبياء من قبله كموسى وعيسى -• - لكنّ المستقرّ يكون عند قبلة الخليل إبراهيم -’ - والد الأنبياء. فقال هنا ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 142) وإذا كانت الآيات السّابقة أيضًا قد جاء فيها قوله - سبحانه ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾ (البقرة: 130)

فعلينا أن نحذّر من صنيع السّفهاء، والسّفيه له أفعالٌ قبيحةٌ وله أقوالٌ شنيعةٌ. ومن هذه الأقوال: إنّه يشغّب وأنّه ينكر على أهل الحقّ ما معهم من الحقّ؛ مع أنّه لا دليل له على ما يزعم ولا حجّةً له في قوله؛ وإنّما هي شبهاتٌ وترّهاتٌ.

وقوله ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ (البقرة: 142) هكذا بالسّين في قوله (سيقول ) الّتي تدلّ على الاستقبال، ومعنى ذلك أنّ الله أخبر نبيّه محمّدًا -‘ - بقيلهم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقولوه، فأخبر أنّهم سيقولون ذلك وفي هذا توطينٌ للنّفس على تلقّي هذا السّوء وتلقّى هذا الكلام بالصّبر والثّبات فهذا من إكرام الله لنبيّه ‘ ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ معه بأن يخبرهم بما سيقوله أعداؤهم وبما سيقوله أولئك السّفهاء فإذا قالوه في ذلك إعجاز من جهةٍ لأنّ الله أخبر به قبل وقوعه.

ومن جهةٍ أخرى : كان في ذلك تسريةٌ عن هؤلاء المؤمنين وتثبيت لهم؛ لأنّهم علموا بذلك مسبقًا ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا﴾ (البقرة: 142) وفي وصف هؤلاء بالسّفهاء دليل على أنّ كلامهم باطلٌ، وأنّه لا ينبغي الالتفات إليه؛ فإنّ اللّبيب العاقل لا يلتفت إلى اعتراض السّفيه؛ لأنّه يعلم أنّه اعتراضٌ لا يقوم على حجّةٍ ولا على برهانٍ. وفيه أيضًا أنّ الاعتراض على أحكام الله سفاهةً، وأنّ التّسليم لأوامر الله سبحانه رشد وأيّ رشد، فالرّشيد هو الّذي يتلقّى أحكام الله بالتّسليم، وهذا ما تقرّره سورة البقرة كما تقدّم في أنّ هذا من مقاصدها الكبيرة العظيمة.

﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 142) قالوا هنا في المختصر (الجهّال خفاف العقول من اليهود ) كما جاء في بعض الرّوايات وقال اليهود وأيضًا (ومن على شاكلتهم من المنافقين ) فيلحق بهم أيضًا المنافقون ويلحق بهم جماعةً من المشركين إذ قالوا هذا القول، كما سيأتينا أيضًا في قوله سبحانه ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ (البقرة: 150) ذلك أنّ أهل الشّرك قالوا إنّ محمّدًا -‘ -، ترك استقبال بيت المقدس واستقبل الكعبة فاستقبل قبلتنا وعساه أن يعود إلى ملّة آبائنا، أي من الشّرك هكذا زعموا وهذا ظلم منهم وجور؛ لأنّهم لا يتّبعون الخليل إبراهيم -’ - أصلاً؛ وأمّا اليهود فإنّهم قالوا : : ما الّذي جعل محمّدًا يصنع هذا؟ إنّ كان محمّد على الحقّ قبل ذلك في استقباله بيت المقدس؟ فلماذا يترك استقبال بيت المقدس؟ وإن كان محمّد على الباطل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ثمّ عاد إلى الحقّ فهذا يدلّ على أنّه ليس بنبيٍّ ولا برسول؟ وخفيٌّ على هؤلاء أو تغافلوا! وهو كذلك تغافلوا عن أنّ النّسخ معروفٌ في الشّريعة وأنّ النّسخ موجودٌ في كتبهم، وأنّ النّسخ من شرع الله وليس فيه إشكالٌ؛ ولذلك تقدّم أنّ الله قد مهّد لهذا بقوله ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 106) بل إنّك تستطيع أن تقول : إنّ هذا كما قرّر عددٌ من المحقّقين من دلائل نبوّته -‘ - لأنّه قد قيل أنّه في كتبهم هذا : : إنّ هذا النّبيّ سيستقبل بيت المقدس ثمّ يتحوّل إلى الكعبة المشرّفة، فحينئذٍ سيكون هذا من دلائل نبوّته - صلّى الله وسلّم -؛ وليس بمغمز فيه ولا بمطعن فيه -‘ - ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ﴾ (البقرة: 142) ما صرفهم ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا﴾ (البقرة: 142) أي : بيت المقدس على قول كثيرٍ من أهل التّفسير، وقد ذكروا أنّ هذا الاستقبال لم يجرِ ذكره في القرآن ابتداءً؛ إنّما جاء في القرآن على نسخ استقبال بيت المقدس فهذا بعض العلماء استدلّ بهذا على أنّ القرآن ينسخ ما جاء في السّنة استدلّوا بهذا كما ذكر القرطبيّ وغيره.

قال الله سبحانه ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ (البقرة: 142) له الجهات كلّها، فهو يصرف عباده إلى حيث يشاء - ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213) فهذا فيه ردٌّ عليهم إذا قالوا لكم : استقبلتم بيت المقدس حينًا، ثمّ إذا بكم تتحوّلون وتستقبلون الكعبة! فنقول لهم : : من الّذي يملك المشرق؟ ومن الّذي يملك المغرب؟ ومن الّذي يشرع؟ ومن الّذي يقدّر ومن الّذي يحكم؟ إنّه الله ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213)

ثمّ قال الله ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143)

بين الله – سبحانه - فضل هذه الأمّة، فقال ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)

قالوا هنا في المختصر (جعلناكم أمّةً خيارًا عدولاً وسطًا بين الأمم كلّها في العقائد والعبادات والمعاملات )

وقد جاء في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - عند البخاري أنّ النبي ﷺ ذكر نوحًا (فقال يجيء نوح يوم القيامة فيسأل الله قوم نوح ويقول لهم هل بلغكم نوح فيقولون ما جاءنا من نذيرٍ ) ينكر قوم نوح أنّ نوحًا ’ قد أنذرهم مع طول مدّة دعوته ‰ (فيقال لنوح -’ - من يشهد لك؟ فيقول محمّد وأمّته فتشهدون له ويشهد عليكم النبي ﷺ وقرأ النبي ﷺ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143) قال : قال : والوسط العدول ) فالوسط بمعنًى : العدل وبمعنى الخيار، ولذلك تقدّم معنا في سورة القلم ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (القلم: 28) قالوا المراد بقوله ﴿أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم وخيرهم يعني : أفضلهم في الرّأي والعقل.

قال الله هنا ﴿وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 143) ومن هذه الوسطيّة أنّ الأمّة وسطيّةٌ فليس فيها إفراطٌ ولا تفريط، فهي وسطٌ بين الأمم في العقائد وفي العبادات والمعاملات، وفي كلّ الأبواب وهذا بابٌ فسيحٌ، والكلام عنه طويلٌ. فأمّة النبي ﷺ جعلها الله أمّةً وسطًا في اعتقادها وفي سلوكها وفي عباداتها وفي معاملاتها، قال الله سبحانه ﴿لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 143) وهذا شرف وأي شرفٌ، والأصل أنّ المزكّي يكون أفضل من وأعلى منه. فكون الأمّة تزكّي غيرها دليلٌ على شرفها؛ وأمّا شهادتها على الأنبياء فإنّما هي شهادةٌ تابعةٌ لنبيّها محمّد -‘ – وإلّا فإنّ الأنبياء أشرف من الأمم كما لا يخفى.

قال الله ﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143) كما قال الله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 41) [ النّساء : 41 ]، قال ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143) يبيّن الله - سبحانه - الحكمة من مشروعيّة هذا التّحويل ومشروعيّة هذه القبلة، لماذا شرع الله استقبال بيت المقدس؟ ولماذا تحوّل المسلمون بعد ذلك إلى الكعبة؟ قال ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143) قالوا هنا في التّفسير (إلّا لنعلم علم ظهورٍ يترتّب عليه الجزاء )، وهذا حسن منهم، تقدّم مرارًا أنّ مثل هذا في القرآن الكريم حين يقول الله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (البقرة: 143) ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ﴾ (محمد: 31) [ محمّد : 31 ]، وربّنا يعلم، فهو عالمٌ بما كان، وما يكوّن وما سيكون -، وهنا يقول ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (البقرة: 143) فيقال إنّ هذا المراد به علم الانكشاف، أيٌّ : انكشف هذا العلم وظهور هذا العلم وظهور أثر هذا العلم فيكم، فهو عالم علمًا سابقًا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقع لكنّ قوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (البقرة: 143) قالوا أيٌّ (إلّا لنعلم علم ظهورٍ يترتّب عليه الجزاء )؛ لأنّ الله لا يحاسب العباد على ما سبق في علمه؛ وإنّما يحاسب العباد على ما يقع منهم. فهذا هو معنى ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (البقرة: 143) أيٌّ : علمًا يترتّب عليه الجزاء من يتبع الرّسول، وبعضهم يقول : إلّا ليعلم رسولنا، أو ليعلم أولياء الله إلى غير ذلك من أقوالٍ يقولونها في مثلٍ ذلك.

﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143) وهذا فيه فضل اتّباع الرّسول، وفيه : أنّ من لم يتبع الرّسول فهو على ضلالٍ لأنّه منقلبٌ على عقبيه؛ وتأمل - أخي الكريم - التّعبير ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143) ينقلب على عقبيه، فهو (ينقلب وعلى العقب )، ومعناه : إنّه يرجع منكوسا فينقلب. وهذا يدلّ على شدّة ما هو فيه من ضلالٍ، وقوله ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143) الانقلاب : الرّجوع وهذا فيه أنّ الرّجعيّة : هي ترك السّنة لا اتّباع السّنة. وبعض النّاس يتّهم من اتّبع الرّسول بأنّه رجعيٌّ؛ فنقول كلا! بل إنّ من خالف الرّسول هو الرّجعيّ

قال ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ (البقرة: 143) أي : لشاقّةٌ ﴿إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 143) وهذا فيه أنّ الّذي يقبل الأحكام ويستسلم لها بسهولة ويسر هو المهتدي، ولذلك قال ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ (التغابن: 11) [ التّغابن : 11 ].

قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143) الإيمان يدخل فيه الصّلاة، فقوله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ (البقرة: 143) صلاتكم إلى بيت المقدس، ولذلك جاء في الحديث عنه -‰ - في الصّحيح أنّهم سألوا عن أقوامٍ ماتوا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تحوّل القبلة ماذا عن صلاتهم؟ (أناسٌ صلّوا أو اتّجهوا إلى بيت المقدس، ثمّ قبضهم الله ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتحوّل القبلة ) ما حكم صلاتهم؟ فقال الله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ (البقرة: 143) يعني: إنّ ما سبق من صلاتكم إلى بيت المقدس مقبولٌ؛ لأنّكم كنتم حينئذٍ متّبعين لما أمركم الله - به ودعاكم إليه رسولكم محمّد -‘ -، وفي هذا دليلٌ على أنّ العمل من الإيمان؛ لأنّ الإيمان مفسّر بالصّلاة وعليه الإجماع في معنى الآية الكريمة كما نقل غير واحدٍ من أهل التّفسير، فقوله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ (البقرة: 143) قالوا أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فالصّلاة تأتي بمعنًى : الإيمان، الإيمان جاء مفسّرًا بالصّلاة فهذا يدلّ على أنّ العمل من الإيمان ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143).

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 144)

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ (البقرة: 144) هذا يدلّ على فضل النبي ﷺ وشرفه وقدره عند الله - ولكن تأمل قوله ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ (البقرة: 144) ولم يقل (فلنولينك قبلةً تهواها )، إنّما قال (ترضاها )؛ لأنّ ميل الرّسول -‘ - إلى الكعبة المشرّفة قصد للخير، وليس اتّباعًا للهوى، فهو يعلم أنّ هذه قبلة الخليل إبراهيم وأنّها قبلة أبيه الخليل إبراهيم -’ - الّتي أمره الله برفع القواعد من هذا البيت، فلذلك كان يريد -‘ - أن يتوجّه إلى ذلك.

قال ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 150) أمر باستقبال الكعبة ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 150) أيٌّ : تجاه المسجد الحرام، وقد قالوا إنّ الإنسان إذا كان يرى الكعبة فإنّه يستقبل عينها، وأمّا إذا كان بعيدًا عنها فإنّه يستقبل جهتها.

قال ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ (البقرة: 144) في قوله ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ (البقرة: 144) دليلٌ على ما تقدّم ذكره من أنّ هذا معروفٌ لديهم، وأنّ هذه القبلة هي الّتي سيستقرّ عليها أمر الرّسول - صلّى الله وسلّم - ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 144) وقوله ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ﴾ (البقرة: 150) دلّ على أنّ استقبال الكعبة هو القبلة المستقرّة للمسلمين أينما كانوا في أيّ مكانٍ كانوا.

قال بعدها﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 145)

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ﴾ (البقرة: 145)؟ لا تشغل بالك بهم يا رسول الله فهذا دأبهم ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ (البقرة: 145) أنت لا تكون تابعًا ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، لأنّهم على الباطل، وأنت على الحقّ لأنّك متّبعٌ حينئذٍ لربّك، متّبع لأمر ربّك - ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 145) ولذلك قالوا في المختصر أي (وما بعضهم بمتوجّه إلى قبلة بعضٍ ) لمٍّ؟ لأنّ كلًّا منهم يكفر الفريق الآخر، فبينهم فرقةٌ قال ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 145) تأمّلوا ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ (البقرة: 145) لمٌّ يقلّ (ولئن اتّبعت ملتهمٍ، ولئن اتّبعت شرعهم ) إنّما (أهواءهم ) لأنّهم اتّباع أهواءٍ، وجاءت الأهواء مجموعةً : لأنّ كلًّا منهم له هوى، لأنّ كلًّا منهم له هوى. ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 145) وقد أحسنوا هنا في التّفسير إذ قالوا : (وهذا الخطاب للنّبيّ -‘ - للدّلالة على شناعة متابعتهم وإلّا فإنّ الله قد عصم نبيّه ‘ فهو تحذير لأمّته من بعده )، فالله حينما ينهي رسوله عن ذلك ليس معنى ذلك أنّ الرّسول يتبع الهوى؛ وإنّما لأنّ الرّسول قدوةٌ لنا، فإذا نهاه الله فهو نهي لنا. وأيضًا : ليستمرّ الرّسول ‘ على ترك هذا، ففيه أمرٌ : نهي له عن أن يفعل هذا ليستمرّ على التّرك، ومن جهةٍ أخرى لأنّه أسوتنا وقدوتنا، ونحن نأتسي ونقتدي به -‘ -.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• أنّ الاعتراض على أحكام الله وشرعه والتّغافل عن مقاصدها دليل على السّفه وقلّة العقل.

لذلك وصفهم الله بقوله ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 142)

• فضل هذه الأمّة وشرفها، حيث أثنى عليها الله ووصفها بالوسطيّة بين سائر الأمم.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143).

• التّحذير من متابعة أهل الكتاب في أهوائهم؛ لأنّهم أعرضوا عن الحقّ بعد معرفته.

وسمّى الله هذا بالأهواء فقال ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ (البقرة: 145).

• جواز نسخ الأحكام الشّرعيّة في الإسلام زمن نزول الوحي، حيث نسخ التّوجّه إلى بيت المقدس، وصار إلى المسجد الحرام.

وهذا واضحٌ في الآيات الكريمة. وقولهم هنا (زمن نزول الوحي ) قيد مهمٍّ لأنّ النّسخ لا يكون إلّا زمن نزول الوحي؛ لأنّ النّسخ يكون بدليلٍ، بحجّةٍ. وهذا يكون بما يردّ من الكتاب والسّنّة. وهذا إنّما يكون زمن الوحي - والعلم عند الله -ï.

﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146)

قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ (البقرة: 146) يعرفون ماذا؟ على ما يعود الضّمير في قوله يعرفونه؟ قالوا هنا في التّفسير (يعرفون أمر تحويل القبلة الّذي هو من علامات نبوّة محمّد الله عليه وسلّم عندهم ) وهذا فيه ما تقدّم من أنّه متقرر لدى أهل الكتاب، أنّ النّبيّ محمّدًا -صلى الله عليه وسلم- سيستقبل الكعبة المشرّفة، فلو أنّ الرّسول -‘ - لم يستقبلها كان في هذا مخالفةٌ لما في كتبهم ولذلك فالرّسول مصدّقٌ لما بين يديه لأنّه -‘ - قد جاء موافقًا لما ذكرته كتبهم حين تخلو من التّحريف والتّبديل. وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ من المفسّرين : إنّ الضّمير في قوله (يعرفونه ) عائد إلى النّبيّ - صلّى الله عليه بأوصافه -؛ فالرّسول -‘ - بأوصافه أمره واضحٍ وجليٍّ؛ فهم يعرفون صدقه وأنّه رسول الله -‘ - المبشّر به صلوات ربّي وتسليماته عليه ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ (البقرة: 146) ولا يخفى أنّ الإنسان يعرف ابنه معرفة غاية الوضوح والبيان، والواحد منّا يميّز ولده ولو كان بين آلاف النّاس؛ بل إنّه لسماع صوته يميّزه عن غيره فضلاً عن رؤيته.

وقد يقول قائل : إنّ الله قال ﴿يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ (البقرة: 146) ولم يقل (كما يعرفون أنفسهم ) وإنّما قال ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ (البقرة: 146) وقد ذكر بعض العلماء في ذلك لطيفةً : - والعلم عند الله - منها أنّ الواحد منّا إنّما يميّز نفسه بعد حين فأنت عند ولادتك لا تميّز نفسك؛ وإنّما يبدأ التّمييز للنّفس بعد فترةٍ أو بعد مدّةٍ، وتمييزنا لأولادنا فمنذ الولادة فكان قوله ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ (البقرة: 146) أوسع في الدّلالة والله أعلم.

وقد ذكر الرّاغب أيضًا قال : (إنّ ابن الإنسان عصارة ذاته ونسخة صورته ) فلذلك ذكر الله الأبناء.

قال ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146) ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ (البقرة: 147) أيٌّ : من الشّاكين في صحّته، وأيضًا يقال هنا : ما قيل في الآية السّابقة في قوله سبحانه ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 145) والرّسول لا يتبع الأهواء -‘ - لا يقع منهم امتراء ولا يقع منه شكٍّ -‘ - فالنّهي له نهي لأمّته - صلوات الله وتسليماته عليه -.

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 148)

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (البقرة: 148) فلكلّ أمّةٍ من الأمم جهةٌ يتّجهون إليها حسّيّةً كانت أو معنويّةٍ، فهناك شرائع وهناك ملل والدّين واحدٌ، أعني أصل الدّين وهو الاعتقاد بأنّ الله واحدٌ لا شريك له، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (البقرة: 148) قالوا في المختصر (ولكلّ أمّةٍ من الأمم جهةً يتّجهون إليها حسّيّةً كانت أو معنويّةٍ، ومن ذلك اختلاف الأمم في قبلتهم وما شرع الله لهم، فلا يضرّ تنوّع وجهاتهم إنّ كان بأمر الله وشرعه، فتسابقوا أنتم - أيّها المؤمنون - إلى فعل الخيرات الّتي أمرتم بفعلها ) قال الله - سبحانه – (فاستبقوا الخيرات ) دعوةً إلى الاستباق في فعل الخيرات، ومن استبق في الدّنيا إلى الخيرات كان في الجنّة أو كان في الآخرة أسبق في دخول الجنان فالسّبق هنا سبق هناك وقد قال الله ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ﴾ (الواقعة: 10) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 11) وقد جاءت آياتٍ كثيرةً تحثّ على التّنافس في فعل الخيرات والمسارعة إلى فعل الخيرات والتّسابق فيها منها هذه الآية ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ وقد قال الله ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ (المطففين: 26) وقال ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 133) وقال ﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الحديد: 21) إلى غير ذلك من آياتٍ، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 148) في أيّ مكانٍ كنتم، فإنّ الله سيجمعكم.

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ (البقرة: 150) من أيّ مكانٍ خرجت، وأينما كنت فاستقبل الكعبة المشرّفة ﴿وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 149) هذا تكرارٌ لمثلٍ هذه الجملة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ﴾ (البقرة: 150) دلالةٌ على أنّ الأمر قد استقرّ على استقبال القبلة، وأنّها قبلتنا في الحضر والسّفر وقبلتنا في مكّة وفي غيرها وقبلتنا على اختلاف الأزمنة وعلى اختلاف الأمكنة.

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 150)

قال الله سبحانه ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ (البقرة: 150) أيٌّ : فلا تلتفتوا إلى هؤلاء الظّالمين الّذين يتشبّثون القائلين لماذا لم يستقبل محمّد الكعبة المشرّفة من بادئٍ الأمر؟ أكان على الباطل ثمّ عرف الحقّ فهؤلاء لا تلتفتون إليهم فإنّهم ظالمون. قال ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 150)

﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151)

قوله سبحانه ﴿كمآ﴾ يعني أنعم عليكم نعمةٌ أخرى، لذلك قال هنا ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 150) أيضًا أتمّ نعمته علينا بإرسال هذا الرّسول ﴿يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151) وتقدّم أنّ الحكمة إذا عطفت على الكتاب فإنّ المراد بها سنة رسول الله -‘ -.

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152)

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152) وهذا فيه فضل ذكر الله عز وجل ولو لم يكن لذكر الله فائدةٌ إلّا هذه الفائدة لكفت كما ذكر ابن القيّم في قوله ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾ يكفي الذّاكر شرفًا وفضلاً أنّ الله يذكره إذا ذكره العبد ولذلك ذكروا أنّ ثابتًا البُناني - رحمه الله تعالى - قال (إنّي لأعلم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يذكرني ربّي فقالوا ويحك كيف هذا؟ قال ألم يقل الله؟ ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾.

وقال هنا ﴿وَٱشْكُرُوا۟ لِى﴾ والشّكر يتعدّى بنفسه، ويتعدّى بالحرف فتقول : (شكرته ) وتقول (شكرت له ) وهنا قال ﴿وَٱشْكُرُوا۟ لِى﴾ أيٌّ : ليكون الشّكر خالصًا لله - ومن شكر الله طاعته قال ﴿وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152) فقابل بين الشّكر والكفر.

قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 153) وقوله ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152) فيه أيضًا دليل للقاعدة العظيمة العامّة : وهي أنّ الجزاء من جنس العمل. قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ﴾ (البقرة: 153) ذكر الصّبر بعد الشّكر لأنّهما نصفان قسمان، فالإيمان صبرٌ وشكر، فلمّا ذكر الشّكر اتّبعه بذكر الصّبر فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 153).

قال الشيخ حفظه الله

إطالة الحديث في شأن تحويل القبلة؛ لما فيه من الدّلالة على نبوّة محمّد -‘ -.

وهذا ظاهرٌ. في هذه الآيات الجليلة الكريمة، وفيه دليلٌ على أهمّيّة هذا الموضوع، وأنّ هذا الموضوع شغل كثيرًا من النّاس وقتها. فبين الله فيها الحكم الحقّ، بل إنّ الله مهّد لها وبيّن قبل وقوعها فقال ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (البقرة: 142) كما تقدّم في الآيات السّابقة.

ترك الجدال والاشتغال بالطّاعات والمسارعة إلى الله أنفع للمؤمن عند ربّه يوم القيامة.

وهذا ظاهرٌ في قوله ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ (البقرة: 148) دعوا الكلام في هذا الّذي يقوله أولئك، لا تشغلوا بالكم بهم فإنّهم إنّما يريدون التّشغيب عليكم، ويريدون فالتفتوا أنتم إلى فعل الخيرات، ولذلك إذا كان العبد على الحقّ فإنّه يبيّن الحقّ الّذي معه، فإذا شغَّب عليه مشغِّب وتكلّم بما لا حجّةً فيه ولا برهان، فلا يشغل باله به وإنّما يقدّم ويقبل على الحقّ الّذي معه، وينطلق في فعل الخيرات ويسارع فيها.

أنّ الأعمال الصّالحة الموصّلة إلى الله متنوّعةٌ ومتعدّدةٌ، ولا بأس أن يختار المؤمّن ما يميل إليه منها، ويناسب حاله.

لذلك جمعها فقال ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ وينبغي للمؤمّن أن يسابق إلى فعلها طلبًا للأجر من الله تعالى. نسأل الله أن يجعلنا من السّابقين.

عظم شأن ذكر الله (؟ ) حيث يكون ثوابه ذكر العبد في الملأ الأعلى.

ولذلك في حديث النبي ﷺ الحديث القدسيّ عن ربّ العزّة (أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكّرني فإنّ ذكّرني في نفسه ذكرته في نفسيٍّ وإن ذكّرني في ملءٍ ذكرته في ملء خير منه )

قال الله سبحانه ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154) لما ذكر الله – سبحانه - الاستعانة بالصّبر والصّلاة ذكر لونًا عظيمًا من الوان الصّبر، وهو الصّبر في الجهاد والصّبر على أن تذهب نفس الإنسان ابتغاء مرضاة الله فقال ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154) حياتهم حياةً خاصّةً تختلف عن هذه الحياة الّتي تعيشونها، وإنّما يحيون حياةٌ كريمةٌ عند الله - ولكن لا تشعرون.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 155)

تجد في القرآن الكريم آياتٍ كثيرةً تبيّن أنّ الابتلاء واقعٌ، ويأتي التّعبير عن هذا بالأسلوب المؤكّد فقوله ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ قال كثيرون أي : (والله لنبّلونكم )، وتأمل دخول اللّام ودخول نون التّوكيد وهذا كثيرٌ في القرآن (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) وقال ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ (محمد: 31) إلى غير ذلك من آياتٍ تدلّ على أنّ قضيّة الابتلاء قضيّةً محسومةً وأنّه لا بد من ابتلاء الإنسان، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2) لأنّ هذه الدّنيا دار الابتلاء؛ ولكن من رحمة الله أنّ ابتلاء العباد في الدّنيا هو ابتلاء تمحيصٍ، وليس ابتلاء إهلاكٍ، إنّ ابتلاء الله للنّاس في الدّنيا هو ابتلاء اختبارٍ وتمحيصٍ وليس ابتلاء إهلاكٍ، لذلك ربّنا إذا ابتلى العبد فإنّه يبتليه بما يمكن للعبد أن يقدّر عليه وبما يمكن للعبد أن يصبر عليه. ولذلك جاء التّعبير هنا ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ﴾ (البقرة: 155) بشيءٍ هو شيءٌ قليلٌ ﴿مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (البقرة: 155) فذكر الله صنوفًا من صنوف الابتلاء، قال ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 155) ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ (البقرة: 156) حين تصيبهم المصيبة، وقوله ﴿إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ (البقرة: 156) أي عند هذه المصيبة، ولذلك يشهد لهذا ما جاء في حديث النّبيّ -‘ – (إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى ) وفي لفظٍ (عند أوّل صدمةٍ ) فالصّبر الحقيقيّ، والصّبر الّذي يثاب عليه العبد هو الصّبر عند الصّدمة حينما يبتلى فحينئذٍ يصبر مباشرةٍ ولا يجزع، فقال هنا

﴿إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) قالوها بألسنتهم وحقّقوها بفعلهم واعتقادهم : إنّ لله ملك ﴿لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾، وهذا من أعون ما يعيّن العبد على الصّبر، فممّا يعيّن العبد على الصّبر، اعتقاده أنّه ملكٌ لله، ومن كان فإنّه لا يعترض على الملك لأنّ المملوك لا يعترض على مالكه. فإذا علم العبد ذلك قال : يا ربّي تصرّف فيَّ كيف شئت فإنّني صابر محتسبٍ لأنّني أعلم أنّني مملوكٌ لك ولا وجه للاعتراض عليك، قال : وإنّا إليه راجعون، أنا إلى الله فالدّنيا دار ممرٍّ وليست دار مقرٍّ، إذا علم العبد ذلك هانت عليه الدّنيا، فما فاته من الدّنيا لا يضيره، ما فاته من حظوظ الدّنيا وما فاته ممّا يبتغي في الدّنيا؛ فإنّه يعلم أنّه وإن أتاه وأن أعطي هذا الّذي يريده فإنّه لن يبقى معه ولن يخلّد معه، فما دام قد فاته فليحمد اللّه - عسى الله أن يعوّضه الخير والبركة.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 157)

قالوا هنا في المختصر : (المتّصفون بهذه الصّفة لهم ثناءٌ من الله عليهم في ملء الملائكة الأعلى ) وهذا تفسير أبي العالية، فقد فسّر الصّلاة من الله : بالثّناء عليه في الملأ الأعلى، وهذا أفضل من تفسير الصّلاة بالرّحمة، وممّا يشهد إلى تضعيف القول بأنّ صلاة الله المراد بها الرّحمة عطف الرّحمة عليها، والأصل أنّ وأو العطف تقتضي المغايرة، إذا صلاة الله شيء أخصّ من الرّحمة، وهو الثّناء عليه في الملأ الأعلى؛ قال الله ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (الأحزاب: 43) فمن فضائل الصّبر : ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ، فنعم الفضل أو نعم العدل ونعمت العلاوة؛ فالله - قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 157) فذكر ثلاثة مع أنّه ذكر مقولتين لهم قالوا : ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) وجاء الثّواب بثلاثة وهذا من كرم الله وفضله وإحسانه. ثمّ قال

ثمّ قال ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158)

حدّثنا الله – سبحانه - عن استقبال كعبة المشرفة، واستقبال الكعبة أو الكعبة تذكّرنا بشعيرة الصّلاة، وتذكّرنا بشعيرة الحجّ، والّذي يناسب الحجّ الصّفا والمروة، ويناسب كذلك العمرة فقال ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 158) من تعاليم دينه وشعائره الظّاهرة ﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ﴾ (البقرة: 158) قصد البيت بالحجّ أو زار البيت ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158) قوله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158) جاء في سبب نزول الآية ما يزيل الإشكال في فهم هذه الآية الكريمة، حينما سأل عروة أمَّنا عائشة - رضي الله عنها - عن هذه الآية وقال : والله ما أرى على أحدٍ من جناحٍ أنّ لا يطوف بهما؛ لأنّ الله قال ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158) فأخبرته بسبب نزول هذه الآية، وقد ورد في سبب نزولها عدّة رواياتٍ منها : إنّ النّاس قبل الإسلام كانوا يهلّون لمناه الطّاغية الّتي كانوا يعبدونها بالمشلل، فلمّا أمرهم الله وحينما دخلوا الإسلام وأمرهم الله باستقبال أو بالتّوجّه وبالطّواف بالبيت الحرام، تحرجوا أن يسعوا بين الصفا والمروة لأنّهم كانوا لا يسعون بها سابقًا، فكانوا يهلّون لمناه وكانوا لا يسع بين الصّفا والمروة. تتحرّج أيضًا في الإسلام أن يسعوا بين الصّفا والمروة كما كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يفعلون. فأنزل الله الآية فقال ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158) هذا سببٌ.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة