مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 8

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 251 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: 118) ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ﴾ (البقرة: 119)

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 118) بعضهم يقول المراد بهم أيضًا المشركون وبعضهم يعمّم فيقول : ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ من أهل الكتاب ومن المشركين، كما قالوا هنا في المختصر (: لم لا يكلّمنا الله دون واسطةٍ، أو تأتينا علامةٌ حسّيّةٌ خاصّةٌ بنا؟ ) يريدون آيةً تخصّهم ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (البقرة: 118) فالأمم السّابقة قالت هذا القول فتشابهت قلوبهم كما قال ﴿أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ﴾ (الذاريات: 53) [الذّاريات: 53].

قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يعني هناك آياتٌ تكفيهم فالله ما أرسل ﴿رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ﴾ ومعه آيةٌ، لكنّ الآيات الّتي اقترح الكفّار والمشركون ومن نسج على منوالهم، آيات اعتراض وآيات تعنّتٍ؛ وليس المراد بها إقامة الحجّة؛ فإنّ الحجج أقيمت عليهم بما أيّد الله به الرّسل والأنبياء.

﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ﴾ (البقرة: 119) أي : ولن يسألك ﴿ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ﴾ يؤمنوا بك من أصحاب الجحيم، لن يسألك الله عنهم، أنت عليك البلاغ ولن يسألك الله عن هؤلاء، فأنت قد أدّيت ما عليك ولذلك يأتي النّبيّ يوم القيامة وليس معه أحد ويأتي النّبيّ ومعه الرّجل والرّجلان، وقد بلغ ما عليه أن يبلغه والقراءة الأخرى وهي متواترةٌ ﴿وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ﴾ لا تشغل بالك بهم فما عليك إلّا البلاغ؛ وأمّا حسابهم فعلى الله.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

الكفر ملّةٌ واحدةٌ وإن اختلفت أجناس أهله وأماكنهم، فهمٌ يتشابهون في كفرهم وقولهم على الله بغير علمٍ.

ولذلك قال الله ﴿تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (البقرة: 118) فتأمّل! مع أنّ بعضهم يكذب بعضًا، ومع أنّ بعضهم ينكر على بعضٍ؛ لكنّهم يتشابهون في الأقوال؛ لذلك قال في صدر الآيات هنا ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ (البقرة: 113) فهم يتّسمون بالفرقة ولذلك وصفهم الإمام أحمد (فأهّل البدع ومن قبلهم أهل الكتاب وأهل الشّرك مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب ) وهم كذلك.

أعظم النّاس جرمًا وأشدّهم إثمًا من يصدّ عن سبيل الله، ويمنع من أراد فعل الخير.

وهذا في قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ﴾ الآية.

تنزّه الله تعالى عن الصّاحبة والولد، فهو سبحانه لا يحتاج لخلقه.

وهذا في قوله سبحانه ﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ﴾ (البقرة: 116).

﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: 120)

﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120) هذه قاعدةٌ عظيمةٌ قرّرها الله سبحانه ينبغي للمسلمين أن يتعلّموها وأن يعوها، فمهما حاولوا إرضاء اليهود والنّصارى فإنّ ذلك لن يتمّ لهم؛ إلّا في حالةٍ واحدةٍ : وهي أن يترك المسلمون دينهم، وأن يصيروا يهودا، فيرضى اليهود عنهم، أو يصيروا نصارى فيرضى النّصارى عنهم؛ وأمّا في غير ذلك لن يتحقّق الرّضا قال ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120) وإذا كان هذا الخطاب موجّهًا للرّسول -‘ - فإنّه أسوةُ المؤمنين، وأنّه إمامُ المؤمنين، ولذلك إذا لم يرضَ هؤلاء عن الرّسل والأنبياء فهل سيرضى هؤلاء عن الشّعوب أو الزّعماء؛ لا يمكن حتّى تتبع ملّتهم.

وقوله ﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120) أي ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ﴾ حتّى تكون يهوديًّا. ولن ترضى عنك النّصارى حتّى تكون نصرانيًّا. فهذا مفهوم من السّياق، كقوله فيما سبق ﴿وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 111) [سورة البقرة:111].

فاليهود يقولون لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ يهوديًّا والنّصارى تقول ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ﴾ نصرانيًّا ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ﴾ (البقرة: 120) ليس ما تزعمون، وفسّروا هنا في المختصر: بكتاب الله وبيانه، بكتاب الله وبيانه، قالوا (قلّ إنّ كتاب الله وبيانه هو الهدى حقًّا )

﴿قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ﴾ (البقرة: 120) هكذا بالتّعريف، ودخول هو.

قال ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: 120)

وتأمّل! ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ (البقرة: 145)

كيف تتبع الأهواء؟ وتترك العلم الّذي معه فالعلم والكتّاب الوحش والهوى ما يدعونك إليه. فهل العاقل يدع الهدى من أجل الهوى!

ثمّ قال ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (البقرة: 121)

هذا من إنصاف القرآن، بيّن القرآن أنّ أهل الكتاب على فريقين على شقّين : 1 - منهم من يتلو الكتاب حقّ تلاوته. 2 - ومنهم من يكفر به. وشتّان ما بين الفريقين

وقوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ (البقرة: 121) ما معنى يتلونه؟ يتبعونه، فالمراد بالتّلأوة هنا : الاتّباع؛ ليس مجرّد القراءة. وهذا ما قاله كثيرون من أهل التّفسير، ومنه قوله ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ (الشمس: 2) [الشّمس: 2]: تبعها؛ فقوله ﴿يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ (البقرة: 121) أي يتبعونه، لذلك قالوا هنا في التّفسير (يعملون بما في أيديهم من الكتب المنزلة ويتبعونها حقّ اتّباعها ).

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ﴾ (البقرة: 121) هؤلاء هم المؤمنون حقًّا بهذه الكتب أو بهذا الكتاب ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (البقرة: 121).

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122)

تأمّلوا! - رحمكم الله - أنّ الله – سبحانه - لما بدأ قصّةً بني إسرائيل في سورة البقرة بدأها بقوله ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (البقرة: 40) ثمّ جاء بعدها ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122) وهنا ختم الله هذا بذلك أيضًا فهذا فيه دلالةٌ على انتهاء موقفٍ. وأنّ سورة البقرة تتحدّث عن مجموعةٍ من الأمور منها قصص بعض أخبارٍ بني إسرائيل فهذا يؤذن بأنّ القصّة قد انتهت، وأنّه سيأتي حديثٌ آخر عن موضوعٍ آخر، وما يتعلّق بالخليل إبراهيم -’ - وأنّه كان في قصّة الخليل إبراهيم بعض ما يتعلّق بذمّ هؤلاء أيضًا حينما أعرضوا عن دعوة الخليل إبراهيم الحقّة، الدّعوة إلى التّوحيد والإيمان بالحقّ، قال الله ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 122) تقدّم أنّ المراد : على عالميٍّ زمانكم، فضلهم بإرسال الرّسل، الملوك وما إلى ذلك ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20) [المائدة: 20] وليس المراد بذلك أنّهم أفضل العالمين على الإطلاق؛ إنّما المراد عالم زمانهم.

﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123)

قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا﴾ (البقرة: 123) لا تؤدّي نفس عن نفس شيئًا، لا تغني نفس عن نفس شيئًا ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (البقرة: 123) أي : أيّ فداءٍ مهما عظم، ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 123) فإنّ الشّفاعة لا تنفعهم لأنّها لا تكون في نفسٍ كافرةٍ، والكافر لا ينتفع بالشّفاعات ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123) وتقدّم فيما سبق في قوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 48) أنّنا في هذا الموضع وهذا أوان ذكره ونذكره مختصرًا؛ وإلّا فللمفسرين توجيهاتٍ في هذا، من أشهرها والله أعلم : -

1 -أنّ قوّله ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 48) الضّمائر في الآية الأولى تتحدّث عن النّفس الشّافعة، عن النّفس الطّائعة أو عن النّفس الشّافعة. لذلك قدّم فقال ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 48) لأنّه شافعٌ، فالشّافع يتوجّه إلى الله : (يا ربّ شفّعني في فلانٍ ) فحينئذٍ قال ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 48) فتتوجّه النّفس إلى الفدية فقال ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (البقرة: 48) فديةٌ ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123) وتأمّل! ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ (البقرة: 48) أي : في نفع غيرها.

2 - أمّا في هذه الآيات فالكلام عن النّفس الآثمة، عن النّفس المذنبة : الّتي استحقّت دخول النّار، لذلك قال ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (البقرة: 123) فالنّفس تبدأ بنفسها بما لديها من الفداء، فقال لا يقبل منها (عدلٌ ) لذا قال ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (البقرة: 123) ثمّ قال ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ (البقرة: 123) يعني أنّ غيرها يريد أن يشفع فيها، ولا تنتفع بها بهذه الشّفاعة النّفس المقصّرة المذنبة ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 123).

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 124) ثمّ قال الله - ذاكرًا بعض أخبار إبراهيم -’ - فإنّه والد الأنبياء -’ - وقد أمر النبي ﷺ بالاقتداء به ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النحل: 123) ونبيّ الله هو خليله إبراهيم -’ - ممّا أجمعت عليه الأمم على اختلاف الوانها وعلى اختلاف معتقداتها، لذلك نسبت اليهود الخليل إليها وكذا النّصارى وقال الله ﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67) [آل عمران: 67].

فقال هنا ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍ﴾ (البقرة: 124) اختبره بأوامر ونواهٍ، (فأتمّهنّ) فأكملهنّ وقالوا هنا في المختصر (فقام بها وأتمّ أدائها على أكمل وجهٌ ) وهذا أيضًا يشهد له ما جاء في قوله ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾ (النجم: 37) [النّجم: 37]، فالكلمات : الأوامر والنّواهي، ومنها ما ثبت في السّنة من أنّه اختتن بالقدوم وهو ابن ثمانين سنة ’.

﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124) وفيه أنّ التّمكين يكون بعد الصّبر على الابتلاء، ولذلك قالوا : بالصّبر واليقين تنال الإمامة في الدّين.

قال الله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24) لذلك قال (فأتمّهنّ)، قال ﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124) إمام هدى -’ - وفيه أنّ الإمامة في الهدى تتحقّق بالصّبر وامتثال أوامر الله - وتقدّم أنّ السّورة الكريمة سورة البقرة تتحدّث عن التّشريعات وامتثال أوامر الله، فناسبَ هذا أن يذكر من قصّة إبراهيم عليه السلام ما يناسب هذا المقام.

﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124) وتذكر هذا مع قوله ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30) فالخليفة الحقّ والإمام الحقّ : المؤمن بالله العامل بشرع الله، (أريد يا ربّ أن يكون أيضًا من ذرّيّتي أئمّةً ) ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى﴾ (البقرة: 124) كأنّه عطف كلامه على ما جاء من كلام ربّه.

﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124) يعني : واجعل يا ربّي أيضًا من ذرّيّتي ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 124) هذه الإمامة لا ينالها الظّالمون؛ إنّما ينالها العدول، لذلك استدلّ بذلك كثيرٌ من الأئمّة أنّ المراد بذلك إمامة الدّين الحقّة (الإمام الحقّة )، وأمّا أمور الدّنيا فإنّه يتولّاها الظّالمون وغيرهم، وفيه أيضًا أنّه في اختيار الإمام يراعى العدل هذا هو الأصل ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 124).

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (البقرة: 125)

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 125) فربّنا جعل البيت الحرام مثابةً : (مرجعٌ ) للنّاس يؤوبون إليه ويرجعون (وأمنًا ) موضع أمنٍ ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: 125) أمر الله - باتّخاذ مقام إبراهيم مصلًّى. وقوله (وٱتّخذوا) فيها القراءتان ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: 125) بالفعل الماضي والقراءة الأخرى (وٱتّخذوا) بالأمر.

﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: 125)

1-وهنا فسّروا مقام إبراهيم بالحجر قالوا في المختصر (اتّخذوا من الحجر الّذي كان يقف عليه إبراهيم ويبني الكعبة مكانًا للصّلاة ) وهذا ما صنعه النبي ﷺ بعد أن طاف بالبيت فإنّه صلّى خلف المقام ركعتين وقرأ في الرّكعتين بسورتي الكافرون والإخلاص صلوات الله وتسليماته عليه.

2- وبعض العلماء يقول: ﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ﴾ (البقرة: 125) أي من مقامات إبراهيم، المقامات الّتي قام فيها إبراهيم -’ - ولذلك فهذه كلّها مواضع للصّلاة ممّا يكوّن في الحرم.

﴿وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (البقرة: 125) وهذا كلّه توطئةٌ وتمهيدٌ لبيان قدر البيت الحرام، وهذا مؤذّنٌ بأنّ المؤمنين سيوجّهون إلى استقبالهم هذه القبلة وإلى استقبال هذه الكعبة المشرّفة، قال ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (البقرة: 125) وفيه أنّ تطهير بيوت الله من الأعمال الحميدة من الأعمال العظيمة، فقد قام بها الخليل إبراهيم -’ - مع رفعه قدره وعلوّ شأنه، وفيه أيضًا أنّ هناك اعتكافًا وأنّ الاعتكاف من الشّريعة ولا سيّما الاعتكاف في هذه المساجد المفضّلة؛ ومنها بل أعظمها! المسجد الحرام.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126)

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (البقرة: 126) دعا الخليل إبراهيم عليه السلام بتأمين البلد الحرام وبالرّزق الحسن لأهله ونعمة الأمن والرّزق نعمتان جميلتان عظيمتان. ولذلك أمتن الله بهما على قريش، فقال ﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ (قريش: 4) [قريش: 4]، والخليل قال ﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾. قال ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ﴾.

ثمّ قال ﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم﴾ (البقرة: 126) فهذا بدل بعضٍ من كلٍّ ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ﴾ أيّ وارزق المؤمنين منهم، وارزق المؤمنين منهم. قال بعض العلماء : وكان الخليل إبراهيم عليه السلام لما علم أنّ الإمامة ليست إلّا للمؤمنين (الإمامة الحقّة ) فدعا في باب الرّزق أيضًا أن يكون خاصًّا بأهل الإيمان فبين الله أنّ الرّزق أوسع، وأنّ باب التّأمين أوسع، فالله يعطي الدّنيا لمن يحبّ ولمن يبغض وللصّالحين ولغيرهم؛ وأمّا الإمامة الحقّة. والإمامة الّتي ترضي الله فإنّها لأهل الإيمان فهذا اصطفاء شرعيٌّ.

قال ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾ هذا عطف تثقيل له لذلك بعظهم يقولون : (عطف تلقينٍ )، يعني ليس الرّزق خاصًّا بالمؤمنين وإنّما يرزق الله المؤمنين وغيرهم. فقال (ومن كفرٍ ) أيّ نرزق المؤمنين وغيرهم، (فأمتّعه)

وبعضهم يقول الجملة تمّت بما بعدها، أي: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (فأمتّعه قليلٗا) أي : له المتاع القليل في الدّنيا.﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ﴾ (البقرة: 126) يعني ألجأه مكرهًا إلى عذاب النّار، وهذا معنًى اضطرّه ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ فمتاع الدّنيا متاع قليلٍ؛ ولكنّه في الآخرة من أهل النّار إذا كان كافرًا بالله ومكذّبًا باليوم الآخر.

وهنا قال الله في الآية ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا﴾ (البقرة: 126) وقال هناك في سورة إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ (إبراهيم: 35) بالتّعريف. وقد فرّق العلماء بين الآيتين، والمطلوب منكم أن تنظروا في وجه الفرق بينهما بما يفتح الله لكم. وبالنّظر فيما قرّر أهل العلم في ذلك.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

أنّ المسلمين مهما فعلوا من خيرٍ لليهود والنّصارى؛ فلن يرضوا حتّى يخرجوهم من دينهم، ويتابعوهم على ضلالهم.

وهذا واضحٌ في قوله ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).

الإمامة في الدّين لا تنال إلّا بصحّة اليقين والصّبر على القيام بأمر الله تعالى.

﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 124)

بركة دعوة إبراهيم عليه السلام للبلد الحرام، حيث جعله الله مكانًا آمنًا للنّاس، وتفضّل على أهله بأنواع الأرزاق.

ولذلك دعا النبي ﷺ بالبركة في المدينة كما دعا الخليل إبراهيم بالبركة في مكّة. فنسأل الله أن يجعلنا من العاملين بالقرآن وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى، وأن يرزقنا الحجّ والعمرة وأن يرزقنا العلم النّافع والعمل الصّالح. هذا والله أعلم. ونقف عند هذا الحدّ وصلّى الله على محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127)

قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) تقدّم - أيّها الإخوة الكرام - أنّ ربّ العزّة - يذكر من القصص القرآنيّ ما يناسب مقصود السّورة، وهنا ذكر الله – سبحانه - طرفًا من قصّة الخليل إبراهيم -’ - فذكر بعض ما يتعلّق برفع القواعد وتأسيس هذا البيت العظيم المبارك. وذلك لأنّ هذه الآيات ستتلوها آياتٌ كريمةٌ تبيّن نسخ التّوجّه إلى بيت المقدس وأنّ المسلمين مطالبون بالتّوجّه إلى الكعبة المشرّفة، فجاءت هذه الآيات بمثابة التّمهيد لبيان فضل بيت الله الحرام.

فقال ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ﴾ (البقرة: 127) قالوا في المختصر (واذكر أيّها النّبيّ ) وتقدّم مرارًا أنّ كلمةً (إذ ) تتعلّق بمقدّرٍ كثيرًا ما يقدّره المفسّرون ب (اذكر )، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ﴾ (البقرة: 127) جاء التّعبير عن رفع القواعد بالفعل المضارع ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾ والمعنى : وإذ (رفع ) هذا الرّفع قد تمّ وحدث كما لا يخفى؛ لكنّ التّعبير عنه بالفعل المضارع كما قال بعضهم لاستحضار الصّورة، وكأنّك تستحضر هذا المشهد، وكأنّك تنظر إلى الخليل إبراهيم -’ - وهو يرفع هذه القواعد، فبهذا الفعل كأنّه لا يزال واقعًا محسوسًا نراه ونشاهده.

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ﴾ (البقرة: 127) فإسماعيل ’ تابعٌ لإبراهيم -’ – قالا ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) فهنا تقديرٌ (قالا ) أيّ قال الخليل إبراهيم وولده إسماعيل -• -﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) دعاءٌ منهما بقبول هذا العمل الصّالح، وفيه أنّ العبد يسأل الله قبول عمله، وأنّ المعوّل عليه هو قبول الأعمال، وأنّه لا ينبغي للعبد أن يغفل عن هذا المعنى العظيم. وهو أنّ يتقبّل الله - عمله - وقد ذكر أو قد أورد ابن أبي حاتم في تفسيره روأيةً عن وهيب بن الورد : أنّه بكى وقال : يا خليل الرّحمن يا خليل الرّحمن : ترفع قواعد بيت الرّحمن ثمّ تسأل الله - وتقول ربّنا تقبل منّا وأنت مشفقٌ!، إذا كان هذا هو الخليل يفعل هذا؟ مع أنّه يؤسّس ويرفع قواعد بيت الله وهو خليل الرّحمن ويخشى على نفسه، ويسأل الله القبول فماذا يقول غيره؟ وكذلك لما دعا الخليل إبراهيم -’ - ربّه بقوله ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم: 35) [إبراهيم: 35] قال إبراهيم التّيمي : ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم -’ - إذا كان الخليل إبراهيم -’ - يدعو فماذا يقول غيره.

﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128)

قال بعدها ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البقرة: 128) مستسلمين لأمرك خاضعين لك ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (البقرة: 128) عرفنا عبادتك كيف نعبدك وكيف يكون الحجّ؟ وكيف تكون العبادة؟ وتبّ علينا، سألا ربّهما - التّوبة ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128)

﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129)

﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ﴾ (البقرة: 129) أي في هذه الأمّة المسلمة ﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129) وهذا الرّسول هو محمّد -‘ - ولذلك جاء عن نبيّنا -صلّى الله عليه وسلّم- : - أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أو بشرى عيسى -’ -، وهذا من بركات دعاء الخليل إبراهيم -’ - أن بعث الله في هذه الأمّة المسلمة في آخرٍ الزّمان رسولاً يتلو عليهم آيات الله، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.

وقوله ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129)

قالوا هنا في التّفسير (ويعلّمهم القرآن والسّنّة ) فالكتاب مفسّرٌ بالقرآن هنا، والحكمة المراد بها السّنة. ودلّ على ذلك عطفها على الكتاب، وقد ذكر بعض العلماء من المحقّقين أنّه إذا اقترنت الحكمة بالكتاب فإنّه يراد بها السّنة. والحكمة قد تأتي عامّةً فتكون أوسع دائرةٍ من هذا، ولكن في مثلٍ هذا السّياق مع عطفها على القرآن الكريم فإنّه يراد بها السّنّة النّبويّة، وقد ذكر الإمام الشّافعي - رحمه الله - أنّ كلّ من حدّثه ممّن يرضى من أهل العلم قالوا : إنّ الحكمة هي السّنة.

وقد ذكر الله - السّنّة في القرآن بوصف الحكمة كما في قوّله أيضًا في شأن أمّهات المؤمنين في سورة الأحزاب ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 34) وفي سورة الأحزاب الحكمة الّتي كانت أمّهات المؤمنين يسمعنها من رسول الله -‘ - فسّرت بسنّة رسول الله وأحاديثه -‘ -.

﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129) وأنت إذا تأمّلت هذه الدّعوات المباركة، تجد أنّها أدعية جامعةٌ، فقوله ﴿يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ﴾ (البقرة: 129) هذا فيه أنّه يتلو ويقرأ، وهذا فيه أنّه يحفظ، ففيه دعوةٌ إلى الحفظ والتّلأوة والقراءة ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: 129) وهذا التّعليم فيه : معنى الفقه، وفيه أيضًا : معنى الإرشاد والتّعلّم والفهم، فهذا معناه أنّ القرآن الكريم يُحفظ ويتلى وكذلك يفهم ويفسّر.

وقوله ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فيه : - مكانة العمل بالعلم.

وهذا معناه أنّ القرآن الكريم له حقوقٌ علينا فله حقّ القراءة، حقّ التّلاوة، حقّ الحفظ وله حقّ التّعلّم والتّفسير، وله حقّ العمل به كما جاء في وصف الرّسول -‘ - كان خلقه القرآن ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129)

﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112)

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113) أي : لا ﴿يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا﴾ السّفيه.

فقوله ﴿ومن﴾ هذا استفهام بمعنى النّفي، قوله ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾ (البقرة: 130) هذا السّؤال أو هذا الاستفهام بمعنى النّفي، أيٌّ : لا ﴿يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا﴾ السّفيه، فكلّ عاقل لبيب يوقن بأنّ ملّة إبراهيم هي الملّة الحقّة؛ لأنّها الدّعوة إلى توحيد الله الواحد -

﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ وفي قوله أيضًا ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾ (البقرة: 130) ردٌّ على هؤلاء السّفهاء الّذين اتّهموا الصّحب الكرام بأنّهم السّفهاء وردّ الله عليهم ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 13) قال في حقّ الخليل إبراهيم -’ -﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ فأثنى عليه بأنّه مصطفى في الدّنيا وبأنّه في الآخرة في زمرةٍ الصّالحين وأعلى الصّالحين، فهو خليل الرّحمن -‰ –

﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 131)

قال الله ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 131) فالخليل إبراهيم له مقامٌ عظيمٌ عند الرّبّ الكريم. وقد ذكروا أنّ أعلى أوّليٍّ العزم مكانة نبيّنا -‘ -، ثمّ الخليل إبراهيم - عليهما الصّلاة والسّلام - وقد أمر نبيّنا -صلّى الله عليه وسلّم- بالاقتداء به كما هو معلومٌ.

﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 131) من المفسّرين من يقدّر (أذكر ) أيضًا، وهنا قدّروه قالوا في المختصر (اختاره الله لمسارعة الإسلام حين قال له ربّه أخلص لي العبادة )﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ﴾ (البقرة: 131) يعني أخلص لي العبادة ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 131) وهذا يفيدنا في معنى الإسلام، فمعنى الإسلام : الاستسلام لله - بالتّوحيد والانقياد له بالطّاعة والبراءة من الشّرك وأهله.

﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 131) فيه أهمّيّة الوصيّة، وأهمّيّة وصيّة الوالد أو الأب لأبنائه بأن يوصيهم بالحقّ وأن يوصيهم بالإيمان والعلم الصّالح ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132)

قوله (ويعقوب) :-

1-معطوفٌ على (إبراهيم) أي : ووصّى بها إبراهيم ويعقوب وصّى كلّ منهم بنيةً.

2-أو أنّ قوله (ويعقوب) استئنافٌ من فيه أيٌّ : ويعقوب قال يا بني، أو : يعقوب وصّى بنيه وقال :-﴿يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132) وهذا دليلٌ واضحٌ على أنّ عقيدة الأنبياء والمرسلين هي الإسلام. وأنّ الخليل إبراهيم -’ - كان يدين بالإسلام، وكذا يعقوب -’ - وكذا أولادهم كما جاء في الآية الّتي بعدها ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ (البقرة: 133) إلى آخر الآية الكريمة.

وقوله ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132) قد يردّ هنا إشكال يحتاج إلى دفعٍ وبيانٍ : وهو كيف ينهى عن الموت إلّا على الإسلام مع أنّ الموت يأتي الإنسان رغمًا عنه، وهل يملك الإنسان نفسه وهل يملك الإنسان موته؟ وربّنا قال ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ فهل هذا نهى عن الموت، والإنسان ليس بإمكانه أن يمنع الموت.

فيقال : ليس يراد بهذا النّهي عن الموت، وإنّما مثّل ذلك مثّل ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لك لا تصلّي إلّا وأنت خاشعٌ، كما مثّله بذلك بعض المفسّرين : لا تصلّي إلّا وأنت خاشعٌ، فهو في هذا لا ينهاك عن الصّلاة؛ وإنّما هو إلى الصّلاة ولكن يقول لك صل ولكن لتكن صلاتك وأنت خاشعٌ، فكذلك قوله ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132) معناها : سيأتيكم الموت، فكونوا مستعدّين له بأن تكونوا على الإسلام. فالمراد بذلك فعل الطّاعات، وتعاطي الأسباب تعيش على الإسلام؛ فإذا عاش المرء على الإسلام مات عليه، وبناء عليه فهو تكليفٌ بما يطيقه الإنسان، وليس بخارج عن طاقته، وهذا كما قال الله أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) [ آل عمران : 102 ] فمعناه : اثبتوا على الإسلام واستمرّوا عليه؛ فإذا جاءكم الموت جاءكم وأنتم على الإسلام قبضتم عليه وأنتم ثابتون عليه بفضل الله - قالوا يعني معنى ذلك (استمرّوا على الإسلام وإيّاكم أن تتركوا هذا الدّين بل اثبتوا عليه ).

قال ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾ (البقرة: 133) أي :

أم كنتم حاضرين خبر يعقوب، والمراد بهذا الاستفهام النّفي، يعني : لم تكونوا حاضرين؛ لأنّ هؤلاء لم يكونوا حاضرين هذا، ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾ (البقرة: 133).

وبعضهم يفسّره ب (بل ) مع همزة الاستفهام (بل أكنتم شهداء ) ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى﴾ (البقرة: 133) ماذا تعبدون من بعدي؟ يعني : من بعد موتي، ﴿قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 133) فأخبروه بأنّهم على عقيدته، وعلى عقيدة آبائه، وهي عقيدة التّوحيد والإنسان يقلّد أباه فإنّ كان أباه على الحقّ فهذه نعمةٌ عظيمةٌ ومنّة كبيرةٌ، ولذلك على الأب أن يتّقي الله في نفسه وأن يعلم أنّ أولاده يأتسون به ويقتدون به، وقولهم هنا ﴿نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 133) ذكروا إسماعيل - وإسماعيل هو عمّ يعقوب -’ – فقوله ﴿نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ﴾ (البقرة: 133) يعني : وإله أجدادك، فإبراهيم جدّهم -’ - وإسماعيل عمّ يعقوب، عمّ أبيهم، وإسحاق جدّهم، ﴿قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 133) والعمّ يطلق عليه أب هذا من دلائله قال بعضهم على سبيل التّغليب، على سبيل التّغليب، وأيضًا كما جاء عن النبي ﷺ أمّا علمت أنّ عمّ الرّجل صنو أبيه ) فالعمّ له قدره ومنزلته.

وقوله ﴿إِلَـٰهًا وَٰحِدًا﴾ لدفعٍ توهّم أنّ إله إبراهيم يختلف عن إله إسماعيل أو عن إله إسحاق بل هو إلهٌ واحدٌ ﴿وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136) خاضعون مستسلمون.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 141)

فأنتم يا من تفتخرون بأنّكم أولاد يعقوب -’ - وأنّكم أحفاد يعقوب -’ - فإنّ هذا لا ينفعكم إذا لم تسيروا على طريقتهم، وإذا لم تقتفوا أثرهم وهذا مصداقه في سنة رسول الله -‘ - قول النّبيّ (من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبةٌ ) ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 141)

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• المؤمّن المتّقي لا يغترّ بأعماله الصّالحة، بل يخاف أن ترد عليه، ولا تقبل منه، ولهذا يكثر سؤال الله قبولها.

ولهذا يكثر في دعاء الخليل إبراهيم وولده إسماعيل • ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ (المؤمنون: 60) فنسأل الله القبول.

• بركة دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حيث أجاب الله دعاءه وجعل خاتم أنبيائه وأفضل رسله من أهل مكّة.

فاستجاب الله دعاءه ولذلك تقدّم أنّ النبي ﷺ أخبر أنّه دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام.

• دين إبراهيم عليه السلام هو الملّة الحنيفيّة الموافقة للفطرة، يرغب عنها ولا يزهد فيها إلّا الجاهل المخالف لفطرته.

• مشروعيّة الوصيّة للذّرّيّة باتّباع الهدى، وأخذ العهد عليهم بالتّمسّك بالحقّ والثّبات عليه.

. كما وقع من وصيّة الخليل إبراهيم ووصيّة يعقوب عليهما الصّلاة والسّلام.

قال الله سبحانه ﴿وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: 135)

قوله ﴿وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟﴾ (البقرة: 135)؟ أي : قالت اليهود لهذه الأمّة هم يهودا تصدّقوا سبيل الهداية، وقالت النّصارى مسارٌ تسلكه سبيل الهداية، إذا عرف أنّ هذا العطف مصروف إلى كلّ منهم بحسب ما يتناسب معه، هذه الآية كقوله سبحانه ﴿وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ (البقرة: 111) فاليهود تقول إنّه ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا﴾، والنّصارى تقول ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ﴾ نصارى وهكذا، قال ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: 135) أي : قلّ بل نتّبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. فقوله (ملّةٌ ) منصوبٍ بفعلٍ مقدّرٍ، هناك أقوالٌ في نصبه : منها ما ذكروه هنا في المختصر (بل نتّبع دين إبراهيم عليه السلام )، وكأنّ معنى قولهم ﴿كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟﴾ (البقرة: 135) اتّبعوا اليهوديّة أو النّصرانيّة تهتدوا. فأمروا بإجابتهم : بل نتّبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.

﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136)

﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ﴾ (البقرة: 136) أي : قوّلوا لهؤلاء من أصحاب الدعاوى الباطلة الجائرة هيّا بنا ﴿تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ﴾ نؤمن بكلّ ما أنزل الله، كما تقدّم معنا في قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ﴾ (البقرة: 91) فهنا دعوةٌ للإيمان بكلّ الكتب ﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ﴾ (البقرة: 136) والمراد بالأسباط : الأنبياء من أولاد يعقوب -’ - ﴿وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136) فهذا ما يأمرنا به ديننا؛ أمّا هم فإنّهم لا يصنعون ذلك فكفروا بمحمّد -‘ - كفروا بالقرآن الّذي أنزل عليه وهكذا، أمّا أهل الإيمان نحن مأمورون بالإيمان بالكتب وبالرّسل وهذا ما سيأتي أيضًا في آخر السّورة المباركة في قول الله ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285) لذلك نقول نحن أولى بأنبياء الله ورسله منهم، فنحن أولى بموسى منهم ونحن أولى ﴿بِعِيسَى﴾ منهم وهكذا.

﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 137)

قال الله ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟﴾ (البقرة: 137) همٌّ يرومون اليهوديّة أو النّصرانيّة؛ نقول لهم : كلّا بل إنّ الإيمان بما عليه الخليل إبراهيم عليه السلام وبما جاء محمّد -‘ - هو سبيل الهدى. ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟﴾ (البقرة: 137) وهنا قد يسأل سائل فيقول : وهل للقرآن مثل حتّى يأمر بالإيمان به؟ فالله قال ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ﴾ (البقرة: 137) لم يقل (فإنّ آمنوا بما آمنتم به )؛ إنّما قال : (بمثلٍ ما آمنتم به )، فيجاب عن ذلك بوجهين : -

الوجه الأوّل : - ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ﴾ (البقرة: 137) مثّل هنا : بمعنًى (نفسٌ ) أي : (بنفس ما آمنتم به )، و (المثل ) قد يأتي ويراد به النّفس، كما في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ﴾ (الشورى: 11) على أحد الأقوال يعني ليس كالله شيءٌ وتقدّم تقرير هذا قبل في سورة الشّورى.

والوجه الثّاني : ما ذكروه هنا في التّفسير ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ﴾ (البقرة: 137) جعلوا (ما ) هنا مصدريّةً أي : (فإنّ آمنوا بمثل إيمانكم )، فالمراد هنا المثليّة للإيمان، يعني : أن آمنوا (مثلٌ إيمانكم )، وما إيمانكم؟ إيمانكم إيمان بجميع الرّسل، إيمانٌ بجميع الكتب؛ أمّا إيمانهم هم فهمٌ يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضٍ. بل إنّهم يؤمنون ببعض الكتاب الواحد ويكفرون ببعضه هو كما قال الله في شأنهم ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85) وهذا فيما يتعلّق بالتّوراة نفسها فكيف بالكتب أخرى!

قال ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟﴾ (البقرة: 137) وفيه أيضًا : - في هذه الآية دليل على شرف إيمان الصّحابة - رضي الله عنهم -، وأنّنا أيضًا مأمورون بأن نقتفي أثرهم في هذا الإيمان، فهمٌ قد آمنوا برسول الله -‘ - حقًّا وصدقا، ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ (البقرة: 137) أيٌّ : في اختلافٍ وهذا الشّقاق يؤدّي بهم إلى التّكذيب، وإلى المعارك وما إلى ذلك ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ فالله - سيكفيك شرّهم وأذاهم ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 137) فهو السّميع لأقوالهم العليم بنيّاتهم وأفعالهم

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة