سورة البقرة — الجزء 7
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
إعراض اليهود عن نبوّة محمّدٍ -‘ - بعدما عرفوا تصديقه لما في أيديهم من الكتب.
وهذا واضحٌ قال تعالى ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (البقرة: 101).
أنّ من لم ينتفع بعلمه صحّ أن يوصف بالجهل؛ لأنّه شابه الجاهل في جهله :
لذلك قال ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 101) ما فائدة العلم؟ الّذي لا يعمل به، فمن علم ولم يعمل بما علم كأنّه لم يعلم، فيوصف تارك العمل بالعلم بالجهل أيضًا، ولذلك قالوا : إنّ الجهل جهلان، جهل علم وجهل عملٍ بالعلم، فالّذي لا يعمل بالعلم يوصف أيضًا بأنّه جاهلٌ، ولذلك يطلق على السّفيه جاهلٍ؛ لأنّه لم يفعل ما ينبغي له أن يفعله من الحلم قال الله ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ (الفرقان: 63) [ الفرقان : 63 ]، ومن ثمّ قيل للعاصي جاهلٌ ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ (النساء: 17).
﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 102)
قال الله ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 102) إلى آخر الآية الكريمة، تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام : هنا فائدةٌ جميلةٌ تتعلّق بهذه الآية مع الآية الّتي قبلها، ربّنا قال في الآية الّتي قبلها ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 101) ثمّ قال هنا ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ (البقرة: 102)
هذا فيه أنّ من ترك الحقّ اشتغل بالباطل وأنّ من انصرف عن الحقّ شغل بالباطل، فلمّا طرحوا الكتاب ونبذوه وراء ظهورهم. ماذا كان من شأنهم؟ أنّهم اتّبعوا ﴿مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾، ولذلك قالوا : النّفس إنّ لم تشغلها بالطّاعة شغلتك بالمعصية، فربّنا قال هنا ( وٱتّبعوا ) تركوا اتّباع الكتب ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾، وتتلو هنا تضمّن معنى الكذب والتّقوّل لذلك قالوا ما تتقوّله الشّياطين ولذلك تعدّت بـ (على )
﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾ (البقرة: 102) يعني : ما تكذب وما تتقوّل ﴿ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾، فقد ادّعوا كذبًا وزورًا، إنّ نبيّ الله سليمان -’ - إنّما ساد وقاد وصارت له السّلطة والقيادة والمكانة، بسبب السّحر (فاتّهموه بأنّه ساحرٌ )! وهذا من خلّلهم، ومن سوء صنيعهم. فممّا هو معروفٌ عن اليهود أنّهم يقدحون في الأنبياء والرّسل. وليس هذا بغريبٍ على من يتجرّأ على قتل الأنبياء. فقال الله مبرّئًا سليمان -’ - ومبينًا أنّ سليمان عليه السلام بمنأى عن السّحر، فقالوا إنّ السّحر من الوحي! شتّان ما بين هذا وذاك، فقال ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 102) هذا صنيع الشّياطين، وهذا فيه أنّ السّاحر يصل إلى سحره عن طريق الشّياطين؛ فالسّاحر لا يتبع الحقّ ولا يتبع الوحي، وإنّما يسلك مسالك الشّياطين، ويميل إليهم.
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ﴾ (البقرة: 102)
أ - فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنّ (ما) نافيةٌ، أي : لم ينزل السّحر ﴿عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ﴾.
ب - والقول الثّاني أنّ (ما) موصولةٌ أي والّذي ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ ويكون معنى الآية حينئذٍ : إنّ هذا السّحر يتعلّمه النّاس، وأنّ هذا السّحر منه ما أنزل عن طريق ﴿ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ﴾؛ ولكنّه نزل عن طريقهما على سبيل الابتلاء فهما يحذّران النّاس منه، فهمًا يحذّران النّاس منه، ويقولان للنّاس هذا حرامٌ وهذا سحرٌ؛ فلا تتبعوه. وهذا المعنى أقرب؛ لأنّ الله بعدها قال ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: 102) فدلّ على أنّهما يعلمان؛ لذلك قالوا في التّفسير (كانوا يعلمون النّاس السّحر ويعلمونهم السّحر الّذي ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ هاروت وماروت ) فاختاروا أنّ (ما ) موصولةً بمعنى الّذي. ويشهد له سياق الآية الكريمة.
وقوله ( ببابل ) هذا هو المكان، وبابل معروفةٌ بالعراق، (هاروت وماروت) بدل من قوله (الملكين) إذا ﴿عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ (البقرة: 102) من الملكان؟ المقصودان في الآية الكريمة هاروت وماروت على أرجح الأقوال؛ وثمّة أقوالٌ أخرى والآية فيها كلامٌ طويلٌ. لكنّ الّذي ذكروه هنا في المختصر كلامٌ مختصرٌ وهو قريبٌ بفضل الله وتيسيره.
فالمعنى على هذا، بعيدًا عن الاختلافات الّتي وقعت بين المفسّرين سلفًا وخلّفا، فالمراد : إنّ هذا السّحر قد أنزل منه على الملكين هاروت وماروت؛ لكنّهما لم يكونا عاصيين بهذا؛ لأنّهما نزلاً على سبيل الابتلاء. يقولان للنّاس : هذا سحر وهو محرّمٌ، فلا تتّبعوا السّحر ولا تستعملوه ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (البقرة: 102) لذلك قالوا في المختصر (بامتحان وابتلاء النّاس، وما كان هذان الملكان يعلمان أيّ أحد السّحر، حتّى يحذّراهم ويبيّنا لهم بقولهما : إنّما نحن ابتلاءٌ وامتحانٌ للنّاس فلا تكفر بتعلّمك السّحر.)
لذلك لا يعكّر على هذا أنّ الملائكة كما وصفهم الله ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6) فقد يقول قائل : وكيف يقع هذا من هاروت وماروت؟
فيقال هما لم يكونا عاصيين بذلك؛ لأنّهما إنّما نزلاً بأمر الله سبحانه على سبيل الامتحان والابتلاء، هذا بعيدًا عن الرّوايات الّتي وردت من أنّهما عصيًّا الله وأنّهما تعلّقا بالزّهرة وما إلى ذلك من رواياتٍ وردت في هذا الباب فسياق الآية يشهد لهذا المعنى الّذي تقدّم ذكره. قال ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ﴾ وهذا يدلّ على أنّ للسّحر أثرًا، وأنّ هذا السّحر قد يؤثّر فيكون سببًا في التّفريق بين الزّوجين؛ ولذلك من أنواع السّحر المشهورة سحر التّفريق.
قال ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 102) فلا يقع ضرر من هؤلاء إلّا بإذن الله. لذلك ينبغي للعبد أن يتعلّق قلبه بالله، وأن يعلم أنّ السّحر والسّاحر لا يتمكّن منه إلّا بإذن الله، فإذا لجأ إلى الله حماه الله.
﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 102) هذا كلّه بمشيئة الله، وهنا قوله ﴿إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 102) المراد ب (الإذن ) هنا : الإذن الكونيّ، الإذن الكونيّ القدريّ بمعنًى : بمشيئة الله وعلمه؛ وليس المراد بإذن الله : الإذن الشّرعيّ؛ لأنّ الله لا يأذن في السّحر.
فالإذن إذنان :-
1 - إذنٌ شرعيٌّ : وذلك كما جاء في الآيات السّابقة ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 97) فهذا إذنٌ شرعيٌّ بنزول الوحي.
2 - وأمّا هنا ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 102) بمشيئة الله سبحانه؛ لكنّه لا يرضى بالسّحر
قال ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ (البقرة: 102) ما يضرّهم في ماذا؟ في دينهم ( ولا ينفعهم ) في أمر آخرتهم، قد ينتفع السّحرة بالسّحر مادّيًّا أو ماليًّا، لكنّ هذا لا يبارك له فيه. ثمّ إنّ الضّرر يقع له أيضًا بعد ذلك. والضّرر الشّديد ما يكون في الآخرة في المعاد قال (ولا ينفعهم ). قالوا هنا في المختصر (وما يضرّ أولئك السّحرة أي أحد إلّا بإذن الله ومشيئته ) ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ (البقرة: 102).
ثمّ قال الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ ولقد علم أولئك اليهود، وذكر الله السّحر مع قضيّة اليهود لأنّ السّحر مشهورٌ في اليهود، فالسّحر مشهورٌ عند اليهود. وذلك أنّهم طرحوا الكتاب وأقبلوا على السّحر. قال في المختصر (ولقد علم أولئك اليهود أنّ من استبدل السّحر بكتاب الله مَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ حظٍّ ولا نصيب )
(من استبدل السّحر بكتاب الله ) لأنّهم تركوا كتاب الله وأخذوا السّحر ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ﴾ (البقرة: 102) فقد تركوا كتاب الله وأخذوا السّحر به لأنفسهم يعني : باعوا به أنفسهم ثمّ قال ﴿لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 102) لو كانوا يعلمون ما فعلوا ذلك، ﴿مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ﴾ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 102) أي : لو كانوا يعلمون ما ينفعهم ما أقدموا على هذا العمل.
ثمّ قال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 103)
تأمل هذا التّعبير القرآنيّ لم يقل (﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ﴾ لم يضف المثوبة إليه مباشرة إنّما قال ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 103) فجاءت (المثوبة ) منكرةً قال بعضهم لتفيد معنى التّقليل، أي لو أنّهم آمنوا واتّقوا لمثوبةٍ ولو قليلةٌ من عند الله خيرٌ؛ فكيف وثواب الله عظيمٍ!
أيضًا قال ﴿لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 103) وتأمّل! قد بلغهم رسل الله وأنبيائه أنّ الإيمان والتّقوى يورّث الثّواب العظيم، فقد بلغهم هذا لكنّهم لم يعملوا به فلذلك همٌّ لا يعلمون. ﴿لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 103) لأنّهم لم ينتفعوا بالعلم.
ثمّ قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104)
هذا أوّل نداءٍ في سورة البقرة لأهل الإيمان بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282) تقدّم معنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21) النّداء العامّ، وتقدّم ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40) وتكرّر ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (البقرة: 40) ثمّ جاء هنا النّداء لأهل الإيمان وأوّل نداء في سورة البقرة بحسب ترتيب المصحفيّ هو هذا النّداء، وهو نداءٌ فيه نهيٌ عن التّشبّه بالكفّار وخاصّةٍ اليهود، وهذا يدلّ على خطر هذا الأمر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا﴾ (البقرة: 104) ينادي الله على المؤمنين بهذا النّداء المحبّب إليهم (وصف الإيمان ) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104) وكلمةٌ (راعنا ) في الأصل : راعي أحوالنا، وهي من حيث هي كلمةٌ صحيحةٌ (راعي أحوالنا وتأنّ علينا ) لكنّ اليهود وهم معروفون بالتّحريف كانوا يستعملون الكلمة استعمالاً آخر؛ فيقصدون بقولهم (راعنا ) : من الرّعونة، وهي كلمة سبٍّ وتنقيصٍ، كما قال الله في ذكر قولهم ﴿وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ﴾ (النساء: 46) [ النّساء : 46 ].
فنهى الله المؤمنين عن هذه المقولة مع أنّهم لا يقصدون بها هذا المعنى الّذي يقصده اليهود. فتأمّل رحمك الله كيف أنّ الله نهى المؤمنين عن أن يقولوا كلمةً يستعملها اليهود استعمالاً خاطئًا، لا تستعملوها حتّى وإن كنتم تقصدون معنى الحقّ؛ وإنّما تكلّموا بكلامٍ لا شبهة فيه ولا ريبةً ولا مجال لمغمز من اليهود. ولذلك استفيد من هذه الآية عدّة فوائد : - منها سدّ الذّرائع، هذا فيه سدّ الذّريعة، قطع الباب على اليهود لئلّا يستدلّوا بهذا على أنّ المؤمنين أيضًا ينتقصون النّبيّ محمّدًا -‘ - كما يفعلون، وفيه النّهي عن التّشبّه بالكفّار وخاصّةً اليهود.
وفيه أيضًا انتقاءُ أنسب الألفاظ في التّعامل مع رسول الله -‘ – اللّفظ الّذي لا إيهام فيه.
ولذلك قال ﴿وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟﴾ (البقرة: 104) قولوا (ٱنظرنا ) : انتظرنا، قولوا انظرنا بدلاً من أن تقولوا راعنا، لا تقولوا راعنا وإنّما قولوا (انظرنا )، وفيه أيضًا فائدةٌ أخرى : وهي إيجاد البدائل.
فأنت حينما تنهى شخصًا عن خطأٍ دلَّه على الحقّ، دلّه على الصّواب، فربّنا قال (لا تقولوا راعنا ) فماذا نصنع يا ربّنا؟ ما تركنا قال ( وقولوا ٱنظرنا ) إذًا أنت حينما تحذّر إنسانًا من طريقٍ يسلكه دلّه على الطّريق الحقّ حتّى يسلكه، هذا كلّه من الفوائد في الآية الكريمة ﴿وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104).
﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (البقرة: 105)
﴿مَّا يَوَدُّ﴾ (البقرة: 105) ما يحبّ ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: 105).
قوله ﴿وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ على أيّ شيء عطف؟
معطوف على قوله (من أهل الكتاب ) ولذلك جاء مجرورًا ولو كان معطوفًا على الّذين كفروا لقال (ولا المشركون) فقوله (الّذين ) في موضع الرّفع فاعلٍ، لكنّه قال (ولا المشركين ) فهو معطوفٌ على أهل الكتاب؛ فدلّ ذلك : على أنّ أهل الكتاب داخلون في الّذين كفروا، كما أنّ المشركين داخلون فيهم. فالمعنى ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ سواء أكانوا من أهل الكتاب أم كانوا من المشركين ﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 105) فهم حسدةٌ كارهون للخير ﴿وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (البقرة: 105) ومن فضله بعث الرّسل، وإنزال الكتاب
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
سوء أدب اليهود مع أنبياء الله حيث نسبوا إلى سليمان ’ تعاطي السّحر، فبرّأه الله منه، وأكذبهم في زعمهم
(سوء أدب اليهود مع أنبياء الله ) وهذا واضحٌ (حيث نسبوا إلى سليمان ’ تعاطي السّحر ) : وهذا معروفٌ عنهم انتقاص الأنبياء (فبرّأه الله منه، وأكذبهم في زعمهم ).
أنّ السّحر له حقيقةٌ وتأثيرٌ في العقول والأبدان، والسّاحر كافرٌ، وحكمه القتل.
وهذا مستفادٌ من قوله ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ﴾ لأنّ بعض النّاس يقول إنّ السّحر ما هو إلّا تخييلٌ، ولا يكون حقيقةً، يقال قد يكون تخييلاً، وقد يكون له حقيقةٌ لكنّها لا تؤثّر إلّا بإذن الله، لا تؤثّر إلّا بإذن الله. وهذا له كلامٌ معروفٌ لدى أهل العلم في التّفصيلات في التّفاسير المطوّلة ونحوها.
قال (والسّاحر كافرٌ، وحكمه القتل ) والسّاحر كافر هذا من أين أخذه أهل العلم القائلون بذلك؟ قالوا لأنّ الله قال ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 102) ثمّ ذكر سبب كفرهم قال ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ (البقرة: 102) وبعض العلماء يفصل في هذا، لذلك قالوا في حكم السّاحر : يقال صفّ لنا سحرك، صفّ لنا سحرك، فينظر في هذا السّاحر، ما الّذي يستعمله؟ فإذا كان يستعمل في ذلك ما يفضي إلى الكفر فهذا كفر من الاستعانة بالشّياطين والاستعاذة بهم والاستهزاء بآيات الله وما أشبه ذلك من تمزيق المصحف، وما إلى ذلك فهذا لا شك في كفره، فحينئذٍ يقال له صفّ لنا سحرك، وبناء عليه يحكم بهذا. قالوا (وحكمه القتل ) وقد وردت الآثار في ذلك أنّ حدَّه ضربةٌ بالسّيف، قالوا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّه كافرٌ فهذا واضحٌ لأنّه يرتدّ بهذا عن دين الله، إذا كان قد دخل في الإسلام ثمّ ارتدّ بهذا السّحر الّذي استهزأ به أو الّذي استعمله فاستهزأ بآيات الله وما إلى ذلك، وإن لم يكن وصل إلى هذا الحدّ فيقتل أيضًا دفعًا لشرّه كما يفعل مع قاطعٍ الطّريق وفي أحكام الحرابة ودفع الصّائل وما إلى ذلك. وهذا أمره شديدٌ لأنّ السّاحر ضرره عام. والله أعلم؛ لكن لا يخفى أنّ هذا له أحكامه، وأنّ قتله ممّن يناط به الأمر ممّن ولّاه الله أمر المسلمين أو كان وكيلاً أو نائبًا عنه
لا يقع في ملك الله تعالى شيء من الخير والشّرّ إلّا بإذنه وعلمه تعالى.
وهذا في قوله ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 102)
سدّ الذّرائع من مقاصد الشّريعة، فكلّ قولٍ أو فعلٍ يوهم أمورًا فاسدةً يجب تجنّبه والبعد عنه.
وهذا واضحٌ سدّ الذّرائع من مقاصد الشّريعة لذا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا﴾ (البقرة: 104) سدًّا للذّريعة، وهناك أدلّةٌ كثيرةٌ على هذا الأصل لذلك يطلب منكم أن تذكّروا لنا دليلين من أدلّة القرآن الكريم على قاعدة سدّ الذّرائع.
أنّ الفضل بيد الله تعالى وهو الّذي يختصّ به ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ برحمته وحكمته.
وهذا واضحٌ من الآية الأخيرة ﴿وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (البقرة: 105).
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 106)
هذه الآية الكريمة يمكن أن نقول إنّها توطئةٌ، وتقدّمه لما سيأتي بعد من شأن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة، إذ تحويل المسلمين أو تحويل قبلة المسلمين من استقبال بيت المقدس إلى الكعبة. هذا يقال له نسخ فكان هذا تمهيدًا لما سيأتي الحديث عنه بعد.
فوائد حول معنى النّسخ
ومن جهةٍ أخرى فإنّ القرآن قد نسخ الكتب السّابقة، فيبيّن لهم في ذلك أنّه لا مانع من النّسخ، فالرّسالة تنسخ الرّسالة الّتي قبلها، وكذلك في الرّسالة الواحدة يكون هناك نسخٌ ولا إشكال. فمن المعروف مثلاً أنّه لا يجوز تزوّج الأخ من أخته، وقد كان سائغًا في شريعة آدم -’ -، وقد قال الله في شأن عيسى -’ - ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران: 50) [ آل عمران : 50 ]، فقد أحلّ عيسى ’ لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم قبل ذلك في عهد موسى -’ - هذا نسخ شرائع، نسخ شريعةٍ بشريعةٍ، وهناك نسخٌ في داخل الشّريعة.
وأصل النّسخ يأتي بمعنًى : الرّفع والمحو والإزالة، والنّسخ : رفع حكمٍ شرعيٍّ ثابتٍ بنصٍّ بحكمٍ شرعيٍّ متراخٍ عنه لولاه لكان الحكم الأوّل باقيًا.
وبعضهم يقول : رفع الحكم أو لفظه، رفع الحكم أو لفظه؛ لأنّ النّسخ قد يكون النّسخ تلأوةً؛ وليس نسخ حكمٍ على كلّ حال باب النّسخ باب معروفٍ في علوم القرآن، وفي أصول الفقه والّذي يحسّن بنا أن نذكره في هذا المقام. أنّ النّسخ شيء والبداء شيءً آخر. فالبداء محالّ على الله وهو دعوى أنّ الله لم يكن عالمًا بالشّيء ثمّ علم به، هذا محالّ على الله، والله يعلم الشيءَ قبل وقوعه وبعد وقوعه والنّسخ ليس من هذا القبيل؛ وإنّما يشرع الله ما يشرع؛ لأنّه مناسبٌ للعباد في وقت من الأوقات ثمّ بعد ذلك ينسخه، ويكون النّاسخ هو الأنسب حينئذ، وكتقريب لهذه المسألة بمثالٍ نعرفه جميعًا من باب تقريب المسألة بالمثال : -
أنّ الواحد فينا إذا كان مريضًا فذهب إلى طبيبٍ ليداويه، فكتب له الطّبيب بعض الأدوية أو بعض الدّواء أو العلاج وقال له : استمرّ على هذا لمدّة أسبوعين، ثمّ عاودني، فعاد المريض إليه بعد مضيّ أسبوعين وتحسّن حالته، فقال له : ماذا جرى لك؟ وماذا صنعت؟ فقال له : الحمد لله صرت بخير، ولم أعد أشتكي كثيرًا ممّا سبق. فنظر في هذا العلاج الّذي كان قد كتبه له، فقال له : هذا الدّواء لا تعد له، ولا تتناوله. وهذا كنت تأخذه ثلاث مرّات خذه مرّةً واحدةً، وما إلى ذلك ممّا يقع من الأطبّاء.
هل يشكّ واحدٌ فينا في علم هذا الطّبيب بسبب ذلك؟ أو يقول إنّ الطّبيب لم يكن يعرف هذا الدّواء الّذي كتبه أو الّذي سيكتبه ثمّ بعد ذلك علم به أم أنّنا نقول إنّه كتب ما يناسب في المرّة الأولى وكتب ما يناسب في المرّة الثّانية ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ (النحل: 60) فقضيّة النّسخ لا تنافي علم الله - وحينئذٍ فلا إشكال في وقوعها.
قال الله ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة: 106) قوله ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة: 106) والقراءة الأخرى (أو ننسأها ) قالوا (ننسأها ) : يعني نؤخّرها: يؤخّرها الله - – قال بعضهم يؤخّرها فلا ينزلها أو يؤخّرها إلى الوقت المناسب لها.
﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة: 106) قالوا في المختصر (معناها فينساها النّاس أو يرفع لفظها فينساها النّاس ) فيكون معنى (ننسها ) لم يقلّ (ننساها )، القراءة الأخرى (ننسأها ) من النّسأ والنّسيء وهو التّأخير، وهنا (ننسها ) يعني ننسي النّاس إيّاها، بأن تمحى من حافظتهم لأنّها تصير منسوخةً، كالآيات الّتي قيل إنّها كانت موجودةً، ثمّ نسخت فلم يعد يعرفها النّاس ولا يقرءونها. هذا معنى ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة: 106) : نمحها من الحوافظ أو من الحافظة أو من الصّدور.
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ (البقرة: 106) فالله إذا نسخ آيةً أتى ﴿بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ (البقرة: 106)
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 106) ومعروفٌ أنّ النّسخ على أحوالٍ : -
فهناك النّسخ إلى الأخفّ: كما في شأن المصابرة في باب الجهاد، ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ﴾ (الأنفال: 65) ثمّ خفّف الله ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (الأنفال: 66) فبعد أن كان على الرّجل أن يثبت أمام عشرةٍ، صار يثبت أمام رجلين، وبعد ذلك لا يجب عليه الثّبات إن شاء ثبت وإنّ شاء فإنّه لا حرج عليه حينئذ. فهذا نسخ إلى الأخفّ.
وهناك النّسخ إلى الأثقل : قال ومنه قوله ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: 184) فكان الإنسان مخيّرًا بين أن يصوم وبين أن يفطر ثمّ بعد ذلك وجب الصّوم ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185) فهذا نسخٌ إلى الأثقل.
3- نسخٌ إلى المناظر (إلى المساوي) : كقضيّة تحويل القبلة، فحوّلوا من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة.
فإن قال قائل ربّنا قال ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ (البقرة: 106) فما الخير في الأثقال؟ فيقال : ما الخير في الأثقل؟ زيادة الثّواب. من الله، حينئذٍ يوجّه إلى ما هو أفضل ليزيد ثوابه، وقرّبه من الله سبحانه بابتلائه وقد استدلّ بعض العلماء بهذه الآية على أنّه لا نسخ إلّا إلى بدلٍ؛ لأنّ الله قال في جوابٍ ﴿مَا نَنسَخْ﴾ (البقرة: 106) قال ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ﴾ (البقرة: 106). وخالف بعضهم في ذلك وهو معروفٌ في الأصول.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 106) فربّنا على كلّ شيءٍ قديرٍ، فهو قادرٌ على أن يشرع هذا وعلى أن ينسخ هذا لا يعارضه أحدٌ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: 107)
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 108) المراد بهذا السّؤال هنا سؤالٌ التّعنّت والاعتراض. لأنّه قد يكون قائلٌ أوليس السّؤال للرّسول يجوز؟ أوليس جائزٌ للمتعلّم؟ وللصّحابة أن يسألوا رسول الله محمّدًا -‘ - يقال : - بلى السّؤال لا مانع منه، إذا كان سؤالاً من أجل الاسترشاد والتّعلّم، إنّما السّؤال المذموم هو سؤال التّعنّت، سؤال الاعتراض. ﴿أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ﴾ (البقرة: 108) ولم يقل (أم تريدون سؤال رسولكم ) إنّما قال (أن تسألوا ) أيّ هذا ممّا سيقع فلذلك كان مؤوّلاً بالمصدر.
قال ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ (البقرة: 108) فموسى -’ - سئل سؤال تعنّتٍ كما قالوا ﴿فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ (النساء: 153) [ النّساء : 153 ]، لن نؤمن لك! فقد طلبوا من موسى هذا، وبناءً عليه فقوله ﴿أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ﴾ (البقرة: 108) يدخل في ذلك : (السّؤال عن الشّيء، وسؤال الشّيء ) أيّ طلبةٍ يعني أن تطلبوا طلباتٌ من النبي ﷺ، فالسّؤال قد يتعدّى بنفسه فتقول : سألت فلانًا : أي العطاء، وسألته عن كذا فيكون سؤالاً يحتاج إلى جوابٍ، فلا مانع أن يسأل الرّسول -‘ - فيما يقدّر عليه الرّسول -‘ -؛ ولا يكون هذا من ذلك التّعنّت. وأمّا سؤال النّبيّ -‘ المذموم : هو سؤال التّعنّت والاعتراض؛ كما وقع من بني إسرائيل حينما سألوا موسى طلبوا منه هذه الطّلبات. وكهؤلاء المشركين الّذين سألوا النبي ﷺ بعض الأسئلة ﴿وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا﴾ (الإسراء: 90) إلى آخر هذه السّؤالات؛ فإنّها سؤالات تعنّتٌ واعتراضٌ على النبي ﷺ قال ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (البقرة: 108).
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 109)
فقال ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ (البقرة: 109) ما السّبب؟ ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109) فهذا تعليلٌ قال ﴿مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ﴾ (البقرة: 109) فالحقّ بيّنٌ وواضحٌ. ومع ذلك منعهم من اتّباعه الحسد!
﴿فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ (البقرة: 109) وذكر الصّفح بعد العفو فيه دلالةٌ زائدةٌ، فالصّفح المراد به : ترك اللّوم فالإنسان قد يعفو، لكن مع ذلك ربّما يلوم، لكنّ قال ﴿وَٱصْفَحُوا۟﴾ فحينئذٍ لا يلوم هذا المذنّب، ﴿فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ (البقرة: 109) ما معنى ﴿حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ (البقرة: 109) الأمر يأتي على معنيّين مشهورين :
1 - إمّا أن يكون الأمر مفردٌ أوامر. 2 - وإمّا أن يكون الأمر مفردٌ أمورٍ.
فعلى المعنى الأوّل ﴿حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ (البقرة: 109) يعني : حتّى يأتي الله بالأمر لكم بقتال هؤلاء، ويكوّن المراد بالأمر : الإذن بالجهاد ﴿وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ (البقرة: 109) أي بأمركم بقتالهم كما في قوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39) [ الحجّ : 39 ].
أو المعنى الثّاني عن المعنى الثّاني حتّى يأتي الله بأمر أيّ بشأنه، حتّى يأتي الله بالفرج من عنده وبنصرتكم والتّمكين لكم وما إلى ذلك، والمعنيان محتملان في الآية الكريمة قال ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 259)
﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 110)
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ (البقرة: 110) أيّ خيرٍ! ﴿تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 110)
﴿وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ (البقرة: 111) تأمّل قالوا في الآية في المختصر (وقالت كلّ طائفةٍ من اليهود والنّصارى. أنّ الجنّة خاصّةٌ بهم فقالت اليهود الجنّة لن يدخلها إلّا من كان يهوديًّا، وقالت النّصارى لن يدخلها إلّا من كان نصرانيًّا ) فربّنا جمع، قال لكنّ المراد قال كلّ منهم : فاليهود يقولون لمٌّ يدخل الجنّة إلّا اليهود والنّصارى قالوا ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا﴾ النّصرانيّ ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 111) لا بد من الدّليل، ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112) هذا يدلّ على أنّ شرط قبول الأعمال : الإخلاص والاتباع. من أين أخذنا هذا؟ قوله ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 112) هذا شرط الإخلاص (وهو محسنٞ ) هذا هو الاتّباع. فمن أراد قبول عمله فعليه بالإخلاص والاتّباع ﴿فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112).
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
أنّ الأمر كلّه لله، فيبدّل ما يشاء من أحكامه وشرائعه، ويبقى ما يشاء منها، وكّل ذلك بعلمه وحكمته
حسد ﴿كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ هذه الأمّة، لما خصّها الله من الإيمان واتّباع الرّسول، حتّى تمنّوا رجوعها إلى الكفر كما كانت.
أن الأمر كلّه للّه، فيبدّل ما يشاء من أحكامه وشرائعه، ويبقي ما يشاء منها، وكل ذلك بعلمه وحكمته : لذلك قال ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة: 106)
حسد ﴿كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ هذه الأمّة، لمّا خصّها الله من الإيمان واتّباع الرّسول، حتّى تمنّوا رجوعها إلى الكفر كما كانت : وهذا واضحٌ من قوله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109)
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113)
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (البقرة: 113) فاليهود تذمّ النّصارى، والنّصارى تذمّ اليهود. يقولون أيّ اليهود ﴿لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ (البقرة: 113) أي : ليسوا على دينٍ صحيحٍ، هذا معنى كلمةٍ ﴿عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ (البقرة: 113) أي على شيءٍ ذي قيمةٍ يعني على شيءٍ صحيحٍ. ﴿وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ﴾ (البقرة: 113) والحال أنّهم يتلوّن الكتاب، والمفترض أنّ كلّ كتابٍ يصدّق الكتاب الّذي قبله. فإذا طعن هؤلاء في هؤلاء أو في أولئك فهذا يدلّ على خلل عندهم. صحيح أنّهم قد حرّفوا وبدّلوا؛ لكنّ فرق بين الحقّ وبيّن الباطل، وبينما دخله التّحريف وما لم يدخله تحريفٌ.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (البقرة: 113) والمعنى أيّها المسلمون هوّنوا على أنفسكم فهذا دأب اليهود وهذا دأب النّصارى يذمّ بعضهم بعضًا. ولا يعترفون بالحقّ، وعندهم حسدٌ وبغيٌّ فاتّبعوا الحقّ ولا تلتفتوا إليهم (كذلك ) أي مثل ذلك القول ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113) ما المراد بقوله؟ ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (البقرة: 113) من هم؟
قال كثيرون من المفسّرين : المراد بهم أهل الشّرك، أيضًا أهل الشّرك قالوا للأنبياء والرّسل لستم على شيءٍ، فالمشركون قالوا هذا للرّسل واليهود قالوا هذا للنّصارى، والنّصارى قالوا هذا لليهود،
﴿كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (البقرة: 113) وتأمل كيف أنّ الله وصف المشركين بقوله ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 113) لأنّه لا كتاب لهم؛ وأمّا اليهود سمّاهم باليهود، ويسمّون بأهل الكتاب، وكذلك النّصارى ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113) كما قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17) [ الحجّ : 17 ]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 114)
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ﴾ (البقرة: 114) هؤلاء جمعوا بين العقيدة الخبيثة وبين الأعمال الخبيثة أيضًا، فاعتقاد باطلٍ وعملٍ باطلٍ وعملٍ ضارٍّ مؤذٍ، وتقدّم أنّ صاحب العقيدة الفاسدة ينجرّ إلى العمل السّيّئ؛ لأنّ سوء عقيدته، لأنّ سوء المعتقد يدعو إلى فعل الخبائث من القول السّيّئ وإلى العمل السّيّئ، لا أحد أشدّ ظلمًا من هؤلاء أو من هذا الّذي منع مساجد الله الظّلم. تقدّم الكلام عن هذا الأسلوب (ومن أظلم ) فبعض العلماء يقدّر ما يناسبه، مع كلّ موضعٍ ورد فيه هذا التّركيب فيقول مثلاً في هذا الموضع : (لا أحد أظلم مانعًا ممّن منع مساجد الله ) فأظلم المانعين : من مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ﴿ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ﴾ أو أنّهم منتسبون في القرب أو كما تقدّم فهذا وصفٌ لموصوف واحدٍ وهم أهل الكفر.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ﴾ (البقرة: 114)
1-قيل أنّ المراد بهم : اليهود في منعهم من أراد أن يذكر الله منعوه كما سعوا في خراب بيوت الله.
2- وقال بعضهم بل المراد بهم المشركون : حينما منعوا الرّسول الأكرم ‘ ومنعوا الصّحابة من بيت الله الحرام.
وأيًّا ما كان الأمر فمن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ﴿ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ﴾. سواء أكان من اليهود أم كان من المشركين، فهذا أعظم الظّلم قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ﴾ (البقرة: 114) فالجزاء من جنس العمل. كما أنّهم خوّفوا عباد الله ومنعوهم من ذكر الله وسعوا في تخريب بيوت الله. فقد حكمٍ عليهم وكتب بأنّهم لا يدخلونها؛ لأنّهم لا يدخلون هذه البيوت إلّا خائفين.
﴿لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وسبحان الله بيوت الله أماكن الاطمئنان والسّكينة لكنّها لمن بارزٍ الله سبحانه بالعدوان، ولمن خرّب بيوت الله، لا تكون بيوت اطمئنانٍ وإنّما يدخلها وهو خائفٌ ذليلٌ حقيرٌ. ومن تخريب بيوت الله تعطيلها عمّا أقيمت له من ذكر الله وقراءة القرآن وما إلى ذلك، قال ﴿لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115)
﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ (البقرة: 115) أيضًا هذا تمهيد من الحديث عن تحويل القبلة، فأيّ فلله المشرق والمغرب جميع الجهات لله (فأينما تولّوا ) تتوجّهوا ﴿فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 115) فأنتم تتوجّهون إلى الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115) لا يفهم من الآية الكريمة أنّ الإنسان له أن يستقبل ما يشاء فيستدلّ بالآية على ذلك قائلاً : إنّ الله قال ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115) يقال هذه الآية لتقرير هذا الأصل، وهو أنّ الله حينما يحوّلكم من قبله إلى قبلةٍ ومن جهةٍ إلى جهةٍ فذلك إليه فله جهات المشرق والمغرب، وأنتم في كلّ الأحوال تتوجّهون إلى الله، لكن لا ينبغي أن تتركوا ما وجّهكم الله إليه، لذلك قال ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 150).
ولذلك بعض العلماء حملوا الآية على معانٍ : فقالوا هنا في المختصر (فإنّ أمركم باستقبال بيت المقدس أو الكعبة أو أخطأتم في القبلة أو شقٍّ عليكم استقبالها فلا حرج عليكم )
وقد وردت رواياتٍ في سبب نزول الآية الكريمة، فمن ذلك أيضًا أنّهم كانوا في سفر فخفّي عليهم جهة القبلة فصلّى كلّ منهم حيال وجهٍ. فأنزل الله الآية الكريمة فيحمل هذا على من اختلط عليه الأمر واجتهد، ثمّ بعد ذلك تبيّن خطأه فيقال ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115) ويلحق بذلك حالات الضّرورة، ومن لا يتمكّن من استقبال القبلة؛ فيقال له ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115) ويدخل في هذا أيضًا صلاة المسافر الرّاكب؛ فإنّه يصلّي النّافلة حيث كان وجهه كما فعل النبي ﷺ فقد كان يصلّي على راحلته وهو مقبلٌ من المدينة -‘ - حيثما كان وجهه إلى مكّة، حيثما كان وجهه أو حيثما توجّهت راحلته، إذا في هذه الأحوال لا يجب استقبال القبلة أو يسقط استقبال القبلة، يسقط وجوب استقبال القبلة؛ وأمّا الأصل فإنّ استقبال القبلة واجبٌ؛ بل نصّ أهل العلم على شرطيّته كشرط من شروط الصّلاة.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115) فأنتم تتوجّهون إلى الله - – قالوا في المختصر (واسعٌ يسع خلقه برحمته وتيسيره عليمٍ بنيّاتهم وأفعالهم ).
﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ﴾ (البقرة: 116)
الله لا حاجةً إلى أن يتّخذ ولدًا وهذا قولٌ شديدٌ ﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا﴾ (مريم: 88) ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا﴾ (مريم: 89) قولاً عظيمًا مقترى، والّذي يتّخذ الولد يتّخذونه من أجل أن يستغني به ويتقوّى به، والله منزّهٌ عن النّقائص ولذلك قال ﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111) وهنا قال ﴿بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 116) فلا يحتاج إلى ولدٍ، وهناك في سورة يونس قال ﴿هُوَ ٱلْغَنِىُّ﴾ فالله هو الغنيّ فلا حاجةً له إلى ولدٍ ﴿كُلٌّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ﴾ (البقرة: 116) خاضعون له سبحانه يتصرّف فيهم بما يشاء.
﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (البقرة: 117)
﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (البقرة: 117) منشىء السّماوات والأرض على غير مثالٍ سابقٍ ﴿وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (البقرة: 117).
فوائد من هذا الدرس
- نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ…
- كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ