مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 6

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 249 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ﴾ (البقرة: 93) اذكروا أيضًا العهد المؤكّد، ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ (البقرة: 84) أيضًا جاء بصيغة الإخبار؛ لذلك لم يقل : (لا تسفكوا دماءكم ) إنّما الأخبار : لأنّ فيها ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ (البقرة: 84) لا تسفكون دماءكم : فحرّم عليهم إراقة الدّماء وقتل بعضهم بعضًا، وهذا معنى سفك الدّماء، قال ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ (البقرة: 84) لا تخرّجوا بعضكم من ديارهم، قال ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة: 84) أقررتم بهذا وأنتم تشهدون على صحّته.

﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85)

﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ﴾ (البقرة: 85) ثمّ أنتم يا هؤلاء، ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ﴾ (البقرة: 85) إذا بكم تنقضون على هذا العهد ولا توفّون به؛ وتأمل - أخي الكريم - أنّ الله أخذ عليهم في هذا العهد الموثّق ثلاثة أمورٍ : -

1 - ألّا يريقوا الدّماء

2 - وألّا يخرجوا الأنفس يعني : ألّا يخرجوا إخوانهم، ما هم من جنسهم ومن هم على شاكلتهم وملّتهم. 3 - وأيضًا إذا كان أحدهم أسرى فإنّه يفديهم، ويقومون بهذا الفداء.

فما الّذي فعلوه؟ أخذوا بأشياء وتركوا أشياء، وهذا معنى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85)

فقال ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 85) ما معنى أنفسكم : يعني يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ﴾ (البقرة: 85): أيضًا تطردون إخوانكم من ديارهم، ﴿تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ (البقرة: 85) يعني تتعاونون عليهم بالإثم، بالإثم والعدوان مع الأعداء! فتتعاونون مع العدوان على إخراجهم من الدّيار، وتقتّلونهم.

﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ﴾ (البقرة: 85) وهذا عجبٌ! وإنّ يأتوكم أساري فإنّكم تسعون في تخليصهم من الأسر، إذا أنتم في تخليصهم من الأسر، تفعلون ذلك وتطبّقون الشّرع؛ وأمّا في البابين الآخرين فإنّكم تقتلون وتطردون. فقال الله ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (البقرة: 85) فلمّا أخرجتموهم ابتداءً، وهذا محرّمٌ عليكم.

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85) وهذا فيه ذمّ ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ببعض الكتاب وكفر ببعضٍ، ولذلك أمرنا الله فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208) قال عددٌ من المفسّرين : ادخلوا في شرائع الإسلام كلّها، فنحن نؤمن بالكتاب كلّه.

قال ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (البقرة: 85) وهذا الاستفهام استفهام إنكاري قال ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ﴾ (البقرة: 85) يعني ليس ﴿جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ﴾ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85) وتأمّلوا هنا قالوا في المختصر (وليس الله بغافلٍ عمّا تعملون بل هو مطّلعٌ عليكم وسيجازيكم به )

وهذا تقدّم مرارًا أنّ الله حينما ينفي عن نفسه الغفلة عن اطّلاعه على أمور العباد. فالمراد بذلك إثبات المجازاة وأيضًا حينما يثبت علمه فإنّه يثبت أيضًا معه : المجازاة والمحاسبة.

ثمّ قال : ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 86)

كأنّي بك أخي الكريم : تتذكّر ما سبق في قوله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: 16) وما تقدّم في قوله ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 61) وهذا يدلّك على أنّ من أخطر الأدواء والأمراض الّتي تغلغلت في قلوب اليهود، من أكبر هذه الأمراض حبّ الدّنيا، أكبر هذه الأدواء الّتي تغلغلت إلى قلوبٍ وتغلغلت في قلوب اليهود حبّ الدّنيا وتركٍ الباقية. ولذلك يحذّرنا الله - من ذلك ويدعونا إلى تذكّر الآخرة قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: 86).

﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87)

﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ﴾ (البقرة: 87)

أي : والله لقد آتينا موسى الكتاب أي التّوراة، إذًا الكتاب هنا : التّوراة، وتقدّم معنا منذ قليلٍ في الآيات السّابقة ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 53) إذًا الكتاب جاء بمعنى التّوراة في بعض المواضع، وتقدّم أنّ الكتاب جاء في القرآن على وجوهٍ، ولذلك من باب التّذكير : هنا سؤالٌ اذكروا لنا أربعة معانٍ من معاني الكتاب وردت عليها كلمة الكتاب في القرآن مع بعض الأدلّة على ذلك؟

قال ﴿وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ﴾ (البقرة: 87) يعني اتّبعنا من بعده بالرّسل، لقد اتّبعناه برسلٍ من بعده على أثره، يعني جاءت رسل بعدٍ - موسى ’ - وهذا معنًى (قفينا ).

قال ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ (البقرة: 87) قالوا في المختصر (وآتينا عيسى بن مريم الآيات الواضحة المبيّنة لصدقه؛ كإحياء الموتى، وإبراء من وُلد أعمى والأبرص ) وقولهم : (من ولدٍ أعمى ) أي أكمه؛ فالإكمه هو الّذي ولد أعمى.

قال ﴿وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ (البقرة: 87) والمراد به جبريل -’ - ومعنى (روح القدس ) يعني بالرّوح المقدّسة، فهو من باب إضافة الموصوف إلى الصّفة، فهي (روحٌ مطهّرةٌ ) ولأنّه يمدّنا بالرّوح بالوحي من السّماء.

قال ﴿وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87) (أكفرتم فكلّما ) فكأنّ هنا تقديرًا، ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (البقرة: 87) هذا فيه دليلٌ على أنّ اليهود كانوا يتّبعون الهوى، لا يتّبعون الهدى. ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87) تأمل لما ذكر القتل ذكره بالفعل المضارع؛ لأنّ القتل صورته قبيحةٌ والعلماء يقولون : يعبّر عن الفعل الماضي بالفعل المضارع لاستحضار الصّورة، كأنّ الصّورة أمامنا كما في قوله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ﴾ (البقرة: 127) [البقرة: 127]، فالمعنى : إذ رفع إبراهيم القواعد، لكنّ قال ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ﴾ (البقرة: 127) كأنّك تتصوّر القواعد وهي ترفع؛ فكذلك صور هنا القتل فقال (وفريقًا تقتلون ).

وهنا لفتةٌ ذكرها بعض المفسّرين : وهي أنّ القتل من اليهود مستمرٌّ، ولذلك قال بعضهم إنّ الله لما عبّر بقوله (وفريقًا تقتلون ) بالفعل المضارع إشارةً إلى أنّهم سيسعون في قتل رسول الله -‘ - ولذلك اجتمع للرّسول ‘ النّبوّة والشّهادة، ولذلك النبي ﷺ سمٌّ كما هو معروفٌ (وضعت له تلك المرأة اليهوديّة تلك الشّاة المسمومة ) وكان يجد بعض أثرها في آخر حياته ‘. فقال بعضهم في قوله (‌وفريقٗا ‌تقتلون) يعني أنّ هذا مستمرٌّ عندكم إلى عهد النّبيّ -‘ –

﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 88)

﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ﴾ (البقرة: 88)

1-قالوا : إنّ قلوبنا مغلّفةٌ لا يصل إليها شيءٌ ممّا تخوضه ولا نفهمه، كما قال ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) [سورة فصلت:5].، لذلك قوله هنا ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ﴾ (البقرة: 88) يفسّره بالآية الأخرى :﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) يعني أغطيةً، لا تعي ولا تفهم، فلا تتعب نفسك نحن لا نفهم ما تقول. فهذا هو الّذي صدّهم عن الاستجابة لكلام رسول الله -‘ - أو لما أخبرهم به الرّسول -‘ - من الوحي.

2-وهناك قولٌ ثانٍ في معنى غلفٌ : يعني قلوبنا أوعيةً للعلم، نحن في غنًى عن الاستفادة منك، لا نريد منك شيئًا فقلوبنا في غلفٌ أو قلوبنا غلفٌ، قالوا جمع غلافٍ : يعني : - (قلوبنا مليئةً بالعلم فنحن في غنًى عن التّعلّم منك ).

والقول الأوّل شهيرٌ، ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ﴾ (البقرة: 88) أي : مغلّفةٌ لا يصل إليها شيءٌ.

قال الله سبحانه ﴿بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 88) هذا طرد من رحمة الله بسبب كفرهم ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 88)

1-قال بعضهم أي : فلا يؤمنون إلّا بقليلٍ ممّا أنزل الله.

2-وبعضهم يقول : فقليلاً إيمانهم يعني إيمانهم قليلٌ.

أو قال بعضهم القليل هنا : المراد به النّفي، يعني لا يؤمنون.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• من أعظم الكفر : الإيمان ببعض ما أنزل الله والكفر ببعضه؛ لأنّ فاعل ذلك قد جعل إلهه هواه.

فهو في حقيقة الأمر لا يتبع الدّليل؛ إنّما يتبع الهوى. فما يوافق هوًى يفعله وما لا يوافق هواه فإنّه لا يفعله. لذلك ذمَّه الله ذمًّا شديدًا، وقال ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85) وتأمل العقوبة شديدةٌ، قال ﴿الٓمٓ﴾ (البقرة: 1) ذلك أي الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضٍ ﴿إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ (البقرة: 85) هذا وعيدٌ في الدّنيا ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85).

• عظم ما بلغه اليهود من العناد، واتّباع الهوى، والتّلاعب بما أنزل الله تعالى.

لذلك قال ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87) فدلّ على أنّهم يتّبعون الهوى وأنّهم مستكبرون وأنّهم مكذّبون وأنّهم يقتلون. هذه كلّها صفاتٌ وقع فيها كثير منهم نسأل الله السّلامة.

• فضل الله تعالى ورحمته بخلقه، حيث تابعَ عليهم إرسال الرّسل وإنزال الكتب لهدايتهم إلى الرّشاد.

لذلك قال ﴿وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ﴾ (البقرة: 87) فاتّبع الرّسل وجاء الرّسل تباعًا بعد موسى‰.

• أنّ الله يعاقب المعرّضين عن الهدى المعاندين لأوامره بالطّبع على قلوبهم وطردهم من رحمته؛ فلا يهتدون إلى الحقّ، ولا يعملون به.

ولذلك قال ﴿بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 88) فهذا جزاءٌ من كفرٍ بآيات الله أن يطرد من رحمة الله، هذا هو الجزاء، وأيضًا وقال الله سبحانه ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ (المائدة: 13).فنسأل الله - أن يجعلنا من المتّبعين، وأن يجعلنا من المهتدين. ونقف عند هذا الحدّ. هذا والله أعلم. وفّقنا الله لما يحبّ ويرضى وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا.والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المجلس التالي

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89)

لا تزال هذه الآيات الكريمة تحدّثنا عمّا وقع من اليهود ولا يزال يقع منهم قال الله - سبحانه – ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 89).

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 89) هذا الكتاب هو القرآن الكريم ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: 101) أي ممّا في كتبهم من التّوراة والإنجيل.

﴿وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (البقرة: 89) كانوا يستنصرون ببعثة رسول الله – ‘ – على المشركين قائلين لهم : إنّه قد اقترب مجيء نبيٍّ واقترب زمان نبيٍّ يأتي، فنؤمن به ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فكانوا يتوعّدون الكفّار والمشركين بمجيء هذا النّبيّ الخاتم -‘ – وأنّهم سيكونون أسبق النّاس إلى الإيمان به،

﴿وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ﴾ (البقرة: 89) لما جاءهم ما عرفوا من شأن النبي ﷺ كفروا به ولم يتبعوه، ليس عن جهلٍ وإنّما عن كبرٍ وعنادٍ ﴿فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89)

وأنت تلاحظ أخي الكريم في هذه الآية الكريمة أنّ الله قال (ولمّـا جآءهم) ثمّ قال (فلمّا جآءهم) قبل الجواب، فقوله ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 89) الجواب ﴿كَفَرُوا۟ بِهِۦ﴾ (البقرة: 89) لكنّ لما طال الفصل بين الشّرط والجواب أعاد الله وكرّر الجملة وهي قوله (فلمّا جآءهم) وهذا معروفٌ لغةً.

الأمر الآخر : أنّ الله قال ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) ولم يقل (فلعنّة اللّه عليهم ) إنّما قال ﴿فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) وهذا كما مرّ معنا من وضع الظّاهر في موضع المضمر لتسجيل الكفر عليهم، ولبيان أنّ تلك اللّعنات لحقتهم بسبب كفرهم وعنادهم وبغيهم وحسدهم لهذا الرّسول الكريم محمّد -‘ - قال الله عزّ وجلّ بعد ذلك :

﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (البقرة: 90)

﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟﴾ (البقرة: 90) أي: بئسما اشتروا به أنفسهم (كفرهم ) فبئس هذا الشّراء، اشتروا الكفر وقبلوه ورضوا به سلعةً أغنتهم عن الإيمان بالله وهنا قالوا في المختصر (بئس الّذي استبدلوا به حظّ أنفسهم ) وتقدّم أنّ الأصل في الاستبدال أنّ تدخّل الباء فيه على المتروك لكنّهم أدخلوها على (المأخوذ ) باعتبار أنّ مقام الاستبدال في مقام الشّراء، والشّراء يأخذ معه الإنسان الشّيء.

قال الله سبحانه ﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾ (البقرة: 90) وكان مضت معنا آيةٌ قريبةٌ (أولٓئك ٱلّذين ‌ٱشتروا ‌ٱلحيوة ٱلدّنيا بٱلأٓخرة) وتقدّم في أوّل السّورة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: 16) فهؤلاء يؤثّرون الضّلالة على الهداية ويؤثّرون الدّنيا على الآخرة، قال الله سبحانه ﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾ (البقرة: 90)

قوّله (‌بغيًا) بيانٌ لنوع هذا الكفر، لماذا كفروا بما أنزل الله؟ لذلك يقال (مفعولاً له ) يقال (‌بغيًا) الّذي حمّلهم على ذلك هو البغي وهو الحسد لرسول الله -‘ - كرهوا أن يكون الرّسول -‘ - من العرب وأن يكون من قريش ثمّ يؤمرون باتّباعه، ويكون هو الرّسول الخاتم، ويكوّن هو الرّسول المبعوث للنّاس أجمعين. فوقع منهم البغي والحسد، وهذا سبب ضلال اليهود، وسبب تركهم للحقّ (البغي والحسد ).

قال ﴿أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾ (البقرة: 90) فإن سألت وقلت وما سبب البغي؟ سببه أنّ الله أنزل على رسوله ‘ هذا القرآن وفضله على غيره، فلذلك وقع منهم البغي والحسد.

إذًا عندنا في الآية دلالاتٍ، ما سبّب بيعهم الإيمان واشترائهم الكفر؟ أو تركهم الإيمان بالنّبيّ -‘ -؟ سبب ذلك البغي، وما سبب البغي؟ أنّ الله فضّل النبي ﷺ على غيره، وهم يكرهون ذلك ويحسدونه؛ لأنّه عربيٌّ قرشيّ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ (النساء: 54) [النّساء: 54]

قال ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ (البقرة: 90) عادوا بغضبٍ على غضبٍ ورجعوا به، فغضب الله تتابع عليهم، ﴿وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (البقرة: 90) وتأمل هنا في الجزاء قال ﴿وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (البقرة: 90) مذل، وهذا من بابٍ أنّ الجزاء من جنس العمل، فهمٌ لما بغوا وتكبروا عن قبول الحقّ أذلّهم الله وجعل لهم العذاب المهين، فالعذاب المهين في مقابلة البغي، والظّلم والحسد.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 91)

ثمّ قال الله - في آيةٍ عظيمةٍ جليلةٍ فيها أبطالٌ لما عليه اليهود، وبيان لعدم وجود وجه من الأوجه الّتي لهم أن يستندوا إليها في تركهم الإيمان بالرّسول -‘ - فليس لهم السّند من نقلٍ ولا من عقلٍ، فقال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: 91) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ (البقرة: 170) بغضّ النّظر عن القائل، والمفترض أنّ الإنسان يقبل الحقّ ممّن قاله، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 91) تأمّلوا هذه الدّعوة الصّادقة، يقال لهم يا معشرَ يهود المطلوب منّا ومنكم أنّ نؤمن بما أنزل الله، إذن القضيّة : الإيمان بما أنزل الله فهل لأحدٍ أن يعترض على هذا، نحن لا نقول لكم آمنوا بكتابنا واتركوا كتابكم وإنّما نقول لك : آمن بكلّ ما أنزل الله، هذه هي القاعدة العامّة فماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: 91) هو يدعوهم إلى الإيمان بما أنزل الله، لم يقل : ﴿امِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ علي وإنّما يقول ﴿امِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 91)

فكان جوابهم ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: 91)﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ﴾ (البقرة: 91) ويكفرون بالكتب الأخرى، الكتب الّتي جاءت بعده (بعد التّوراة ) فيكفرون بها، قالوا ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: 91) سواء سكتوا أم نطقوا وقالوا : إنّهم يكفرون بما وراءه، فجاء القرآن بهذا التّعبير ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ﴾ (البقرة: 91) فهذا دأبهم وديدنهم.

قال ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 91) هذان ردّان قويّان، لا مفرّ منهما ولا مخلص لو أنّهم تأمّلوا ذلك وأدركوه : -

1 - الأمر الأوّل : إذا كنتم صادقين في أنّكم تؤمنون بالتّوراة فليزمكم أن تؤمنوا بالكتاب الّذي جاء مصدّقًا للتّوراة، لأنّ المصدّق موافقٌ للمصدّق، فإذا كفرتم بالمصدّق فقد كفرتم بالمصدّق.

فالقرآن وافق التّوّارة، وهو ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾، فكيف تزعمون أنّكم تؤمنون بكتابكم ثمّ إذا بكم تكفرون بالكتاب الّذي جاء بعد مع أنّه مصدّقٌ لكتابكم، إذًا هذا تناقضٌ لا مخلص منه هذا الوجه الأوّل في قوله ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ أي : هذا الّذي تكفرون به من القرآن هو الحقّ، وقوله ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ هذا (حالٌ ) ثمّ قال (مصدّقٗا) وهذه حال ثانيةٍ مؤكّدةٍ أيضًا، لأنّها تدلّ على المعنى الموجود في قوله ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾. هذا ردٌّ.

2 - الوجه الثّاني : كيف تكونون صادقين في دعواكم، وتدعون أنّكم تؤمنون بالكتب المنزلة على أنبيائكم مع أنّكم قتلةٌ لأنبيائكم؟ فهل الّذي يقتل النّبيّ يؤمن بكتابه، ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 91) إنّ كنتم مؤمنين حقًّا بهذه الكتب، فلِمَ قتلتم أنبياء الله، ولمّ قتلكم لأنبياء الله؟ فهذا ردٌّ عليهم من الطّريقين.

ثمّ قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 92)

قالوا هنا في المختصر أي ب (الآيات الواضحات الدّالّة على صدقه ) فهذا معنى ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ إذن البيانات : الآيات الواضحات الدّالّة على صدقه وقد أيّد الله كلّ نبيٍّ أو رسولٍ بآيةٍ أو بآياتٍ تنبئ عن صدقه، وتدلّ على أنّه مرسلٌ من عند الله ربّ العالمين، ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 51) أي : بعد ذلك اتّخذتم العجل من بعده، أيٌّ : اتّخذتم العجل إلهًا من بعده حينما ذهب لمواعدة ربّه فاتخذتم العجل إلهًا

( وأنتم ظلمون ).

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 93)

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ﴾ (البقرة: 93) العهد المؤكّد ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ (البقرة: 93) هنا قول مقدّرٍ لذلك قالوا هنا في المختصر (وقلنا لكم خذوا ما أتيناكم من التّوراة )

( بقوّةٖ ) ﴿وَٱسْمَعُوا۟﴾ ما المراد بالسّماع هنا : السّماع هنا كما قالوا في المختصر (واسمعوا : سماع قبولٍ وانقيادٍ ) اسمعوا سماع قبولٍ وانقيادٍ.

﴿قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (البقرة: 93) قالوا سمعنا بآذاننا وعصيّنا بأفعالنا، سمعوا كلامه لكنّهم لم يطيعوه! ﴿قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (البقرة: 93) وتأمل هذا أيّها الأخ الكريم وما سيأتي بإذن الله في ختام السّورة الكريمة من قول عباد الله المؤمنين ﴿وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285) لتعلّم أنّ السّورة الكريمة تعالج هذا الأمر، تبيّن أنّ المؤمّن يلزمه أن يمتثل أمر الله، وأن يستسلم لأوامر الله وألّا يتلكّأ في تنفيذ الأوامر، فذكر الله لنا ما وقع من اليهود لنحذّر من الوقوع فيما وقّعوا فيه. لئلّا نسلك مسالكهم. وإذا كانت سورة الفاتحة قد حذّرنا الله فيها من اليهود في قوله ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ﴾ فإنّه في سورة البقرة قد فصل لنا كثيرًا من أخبار هؤلاء المغضوب عليهم، وشاهد ذلك قوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ (البقرة: 90) فهذا زيادة بيانٍ وتفصيلٍ لما وقع من اليهود، الّذي جعلهم يستحقّون به غضب الله ومقته.

﴿وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 93) أي : وتمكّنت عبادة العجل في قلوبهم بسبب كفرهم، فالباء في قوله (بكفرهم ) سببيّةً، وقوله ﴿وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ﴾ (البقرة: 93) أي : حبّ العجل اشربوا حبّه.

وتأمل هذا التّعبير ( وأشربوا ) يعني أنّ حبّ العجل حبّ عبادة العجل، فالمعنى اشربوا في قلوبهم حبّ عبادة العجل، لكنّ حذف هذا واستغني عنه بذكر العجل، وهو دليلٌ على سخافة عقولهم ﴿وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 93) يعني أنّ هذا المرض وأنّ هذا الدّاء وأنّ هذه المعصية تغلغلت في قلوبهم. وهكذا الإنسان الّذي يعصي، فإنّ المعصية لا تزال بصاحبها حتّى تتغلغل منه، وحتّى يصاب قلبه بالران، وحتّى تعلو على قلبه. ولذلك قال بعضهم عبّر ب (الشّرب ) هنا ( وأشربوا ) لأنّ الشّرب يتغلغل في باطن الإنسان ويمتزج به، لا يكون مجاورًا له. كما يجري في الأكل كما نبّه عليه السّبيلي وغيره.

قال ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 93) هذا فيه تهكّم بهم. أهذا إيمانٌ؟ تدعون الإيمان، والإيمان بالكتب ثمّ تقتلون الأنبياء، ثمّ تكذبون بالكتاب المصدّق، ثمّ تعبدون العجل، ما هذا الإيمان؟ ما هذا الإيمان الّذي تدعونه؟ ما هذا الإيمان الّذي تنسبون أنفسكم إليه؟ ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 93) إنّ كنتم صادقين في دعواكم، إنّما هي كلمةٌ قلتموها ولم تحقّقوا ما تقتضيه هذه الكلمة، كلمة الإيمان، ولذلك قالوا في المختصر (الإيمان الحقّ لا يكون معه كفرٌ بالله )، صحيح أنّ الإنسان المؤمن قد ينقص إيمانه، وقد يقع منه شعبةٌ من شعب النّفاق أو من شعب الكفر لكنّها تكون كفرًا دون كفرٍ ولا يخرج بها من الملّة؛ أمّا عبادة العجل فهذا شرك أكبر مخرج من الملّة فنسأل الله السّلامة والعافية قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• اليهود أعظم النّاس حسدًا؛ إذ حمّلهم حسدهم على الكفر بالله ورد ما أنزل، بسبب أنّ الرّسول -‘ - لم يكن منهم.

ولذلك سيأتينا قول الله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 109) [سورة البقرة:109]. هذا دأبهم قالوا (إذ حمّلهم حسدهم على الكفر بالله ورد ما أنزل، بسبب أنّ الرّسول -‘ - لم يكن منهم )

• أنّ الإيمان الحقّ بالله تعالى يوجب التّصديق بكلّ ما أنزل من كتبٍ، وبجميع ما أرسل من رسلٍ.

فهذا هو الإيمان الحقّ ولذلك سيأتينا قول الله ﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ﴾ (البقرة: 136) الآية، وسيأتينا قول الله ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾ (البقرة: 285) هذا ما يقتضيه إيمان العبد.

• من أعظم الظّلم الإعراض عن الحقّ والهدى بعد معرفته وقيام الأدلّة عليه.

لذلك توعدهم الله بالعذاب المهين.

• من عادة اليهود نقض العهود والمواثيق، وهذا ديدنهم إلى اليوم.

ولذلك ﴿قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (البقرة: 93) نسأل الله السّلامة.

قال الله سبحانه ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 94) ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 95)

يأمر الله نبيّه - محمّدًا ‘ - أن يقول لهم هذا القول ليبيّن لهم أنّهم ليسوا على حقٍّ، وأنّهم في ضلالٍ، وأنّهم ليسوا راغبين في الله، وليسوا راغبين في الدّار الآخرة، فيقول له : ( ‌﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ‌إن ‌كانت لكم ٱلدّار ٱلأٓخرة ) والدّار الآخرة تأتي في القرآن ويراد بها : ما يقابل الدّنيا، وتأتي الدّار الآخرة بمعنًى أخصّ : ويراد بها الجنّة، ومن هذا ما جاء في هذه الآية : فقوله ( ‌﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ‌إن ‌كانت لكم ٱلدّار ٱلأٓخرة ) المراد بها الجنّة، كقوله ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83) [ القصص : 83 ]، فقرّر تلك الدّار الآخرة ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (القصص: 83) المراد بها الجنّة، وليس المراد بها ما يقابل بالدّنيا فحسب.

لأنّ الدّار الآخرة بمعنى عام تكون للجميع، لكنّ الدّار الآخرة بالمعنى الخاصّ، وأن يكون المراد بها الجنّة فهذا خاصٌّ بأهل الإيمان، وهذا معنى هذه الآية ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً ) أي خاصّةً بكم (من دونٍ؟ لناسٍ ) كما تزعمون، فأنتم تزعمون أنّ الجنّة خاصّةٌ بكم، وأنّ النّاس سيدخلون النّار، وأنّكم النّاجون، كما قال الله ﴿وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ (البقرة: 111) إذا كان الأمر كذلك ﴿فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 94) تمنّوا الموت واطلبوه، واسألوا الله أن يرزقكم إيّاه حتّى تدخلوا الجنّة، فأين نعيم الدّنيا من نعيم الآخرة؟ لكنّ هذا التّمنّي لا يقع منكم البتّة؛ بل لا تفكّرون فيه؛ بل إنّكم تحرصون كلّ الحرص على البقاء في الدّنيا ولو كانت رخيصةً ولو كانت الحياة حياةً ذليلةً، ﴿فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 94) قالوا لأنّ الوليّ يشتاق لحبيبه؛ فإنّ ﴿زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ﴾ وأنّكم من أهل الجنّة ﴿فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 94)

وقد تقدّم نظير هذه الآية في تفسير سورة الجمعة في قوله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓا۟ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجمعة: 6) وهناك قولٌ ثانٍ اختاره بعض العلماء، ومال إليه بعضهم كالحافظ ابن كثيّر : وهو أنّ المراد هنا بتمنّي الموت المباهلة، تعالوا لنتباهل فالله - يبيّن المحقّ من المبطل فنجعل لعنة الله على الكاذبين : ندعو: يا ربّ اقضِ على الكافر وأمّت الكافر وأهلك الكافر. وهم حينئذٍ يخافون، وينكصون على أعقابهم، ودفعهم إلى هذا القول أو دفع القائلين بهذا القول إلى ذلك : قالوا إنّ المؤمّن نفسه لا يرغب في الموت، ويكره الموت وإنّما يميل إلى الموت في آخرٍ أمره. حينما يبشّر برضوان الله ورحمته كما دلّت على ذلك الأحاديث، حينئذٍ يحبّ لقاء الله ومن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، فمالوا إلى هذا ومن المفسّرين من أبقى الآية على ما هي عليه من تمنّي الموت من بابٍ أنّ هذا لا يعرف عن اليهود فاليهود يعرفون بالحرص التّامّ على البقاء في الحياة الدّنيا والرّكون إليها قال﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 95)

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 96)

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ (البقرة: 96) لم يقل أحرص النّاس على الحياة، وإنّما : (على حياةٍ ) أيٍّ : وإن كانت حياةً مهينةً، حياةٌ ذليلةٌ حياةٌ رخيصةٌ، فهي عندهم أفضل من الموت، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ (البقرة: 96)

1-الوجه الأقوى - والعلم عند الله - أنّ المعنى : لتجدن اليهود ﴿أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ وإن كانت رخيصةً وأحرص من الّذين أشركوا. فقوله ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ (البقرة: 96) معطوف على ما سبق، أيّ ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾، وأيضًا ومن الّذين أشركوا؛ يعني أحرص من الّذين أشركوا، وبناء عليه فإنّنا نصل قوله ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ (البقرة: 96) بما قبله.

2-وهناك قول ثان في الآية : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ (البقرة: 96) وحينئذٍ يقف القارئ ثمّ يستأنف ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ (البقرة: 96) فيكون هذا المذكور وصفًا للمشركين لكنّ الأوّل أقرب واللّه أعلم، وإن كان القولان قد قال بهما كثيرٌ من الأئمّة، ومن رجّح القول الأوّل وهو الوصل. وهو ما ذكروه هنا قالوا في المختصر (بل هم أحرص من المشركين الّذين لا يؤمنون بالبعث والحساب ) يشهد له أنّ السّياق يتحدّث عنهم، فالسّياق في ذمّ اليهود وفي الكلام عن حرصهم على الدّنيا فوصل بهم الأمر إلى أنّهم أحرص على تلك الحياة من المشركين عبدة الأوثان

قال ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ (البقرة: 96).

﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ (البقرة: 96) يعني وما هو من مبعدةٍ، فهذا التّعمير لا يبعده عن النّار مهمًّا عمر فإنّ مصيره النّار ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 96).

ثمّ قال ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 97)

قوله ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (البقرة: 97) ليس جوابًا لهذا الشّرط فقوله ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ (البقرة: 97) هذا هو الشّرط، ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ (البقرة: 97) لا يقال إنّ جوابه ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (البقرة: 97) لأنّ قوله ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (البقرة: 97) هذا واقعٌ سواء أكان هناك عدوٌّ لجبريل أم لم يكن هناك عدوٌّ لجبريل فهو غير مترتّبٍ على ما قبله فلا يكون جوابه، وتقدّم التّنبيه على ذلك في مواضع لذلك يقولون إنّ الجواب مقدّرٌ، أي ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ فهو (ضالٌ ) مثلاً، أو (فسيعذّبه الله ) ونحو ذلك من التّقديرات.

ثمّ جاء ما يترتّب على ذلك التّعليل : بالتّعليل بقوله ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: 97) لماذا هو ضالٌّ؟ لأنّ جبريل ﴿نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾، فهو موكّلٌ بالوحي بإذن الله سبحانه فكيف يعادي؟ كيف يعادي من وكّله الله بإنزال الوحي على قلب رسوله -‘ - وهذه الآية الكريمة لها سبب نزولٍ.

ثبت في السّنة : إذ جاء جماعةً من اليهود وسألوا رسول الله -‘ – أسئلةٌ، جاء في بعض الرّوايات (أنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أخبرتنا بها عرفنا أنّك نبيٌّ، واتبعناك أو فإن أخبرتنا بهنّ عرفنا أنّك نبيّ واتبعناك، وسألوه بعض الأسئلة، منها أخبرنا ماذا حرم إسرائيل على نفسه؟ كما في قوله ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ﴾ (آل عمران: 93) كيف تذكر المرأة وكيف تؤنّث إلى غير ذلك من الأسئلة. ثمّ قالوا له : إنّه ما من نبيّ إلّا وله صاحبٌ يأتيه بالوحي فأخبرنا من صاحبك فقال جبريل، فقالوا جبريل ذاك الّذي ينزل بالحرب والقتال والسّلاح، ذاك عدوّنا لو قلّت ميكائيل ذاك الّذي ينزل بالنّبات والقطر لكان!

فأنزل الله الآية الكريمة ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (البقرة: 97) ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ فهو عدوٌّ لله، فهو معذّبٌ فهو هالكٌ فهو ضالٌّ ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97)

وقوله ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (البقرة: 97) لأنّ القرآن الكريم ينبغي أن يعيه العبد بقلبه فجعل محلّ الإنزال القلب ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (البقرة: 97) فوعاه قلب الرّسول -‘ - ولا ينبغي أبدًا أنّ تفهّم الآية على معنى خاطئٍ ضالٍّ كما مال إليه بعضٌ من لا يعي من الحداثيّين وأمثالهم. حينما استدلّوا بهذه الآية وأمثالها على أنّ نزول القرآن نزول بالمعنى، قالوا لأنّ الّذي ينزل على القلب هو المعنى : للّفظ وهذا عين الخطأ والباطل.

فإنّ القرآن كما وعاه قلب النّبيّ اليقظان وعته الأذنان وممّا يشهد لذلك قوله سبحانه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ (القيامة: 17) [ القيامة : 17 - 19 ]، فإذا قرأناه : قرأه جبريل، إذًا جبريل يقرأ، والقراءة ما هي؟ القراءة : الفاظٌ، والألفاظ لها معاني. وأيضًا ماذا يقولون في قوله ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ﴾ (الشعراء: 193) يقال لهم أكملوا الآيات، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: 195) واللّسان اللّغة واللّغة لفظ ومعنًى.

﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97) تتكرّر هذه الآية ونظائرها أو هذا الجزء من الآية ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97) في شأن القرآن فما معنى ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97) فيه عدّة معاني منها : -

﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97) أي أنّ القرآن فيه من التّشريعات والأحكام وفيه من العقائد ما يوافق الكتب السّابقة، فهو مصدّقٌ لها مطابقٌ لها، ومعروفٌ أنّ العقائد لا نسخ فيها، وأنّ أمّهات الأخلاق وأصول الأحكام كذلك، وأمّا التّشريعات - فروع من التّشريعات - فإنّه يقع فيها النّسخ، وهذا معنى قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48) [ المائدة : 48 ]، فحينئذٍ يقع الاختلاف في هذا، أمّا في الأصول فلا، فلذلك قال ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97) هناك تطابقٌ، لا يمكن أن يدعو نبيٌّ إلى التّوحيد وأن يدعو آخرٌ إلى التّثليث هذا لا يمكن بحالٍ من الأحوال؛ لأنّ الإله لا يكون عند نبيٍّ واحدًا، ويكون عند أنبياء آخرين أكثر من إلهٍ لا يمكن بحالٍ، فهذا ممّا لا يتطرّق إليه النّسخ.

2 - ومن المعاني لقوله ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة: 97) أنّ مجيء القرآن تصديق لهذه الكتب. لأنّ الكتب أخبرت به، فلو أنّ القرآن لم يأت لكان طعنًا في الكتب السّابقة. الكتب السّابقة التّوراة والإنجيل أخبرت بالقرآن ودلّت على أنّه سيأتي نبيٌّ يقال له أحمد أو محمّد -‘ - فمجيء القرآن تصديق للكتب، كما أنّك لو قلت مثلًا : فلانٌ سيأتي فأتى فلانٌ فيقال مجيء فلان تصديقٍ لكلامٍ، فيكون هذا معنى في قوله ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 97).

﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 98)

قوله ( وجبريل وميكىل ) هذا من عطف الخاصّ على العام ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 98) لم يقل: ( فإنّ الله عدوّ له )، إنّما قال ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 98) بتسجيل الكفر عليهم ولبيان أنّ من عاد الله وملائكته ورسله فهو كافرٌ بالله. لذلك فالإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، وكيف يعادي ملائكة الرّحمن؟ وهم أولياء لله وهم عباد مكرّمون. كما بيّن الله ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء: 26) [ الأنبياء : 26 ].

﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (البقرة: 99)

﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (البقرة: 99) ما يكفر بهذا القرآن إلّا الفاسق الخارج عن طاعة الله ﴿أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 100) هذا ديدنهم، هذا دأبهم نقض العهود.

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 101)

قال ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: 101) ما المراد؟ هو محمّدٌ ‘. إذاً ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ (البقرة: 101) أي محمّدٌ - ‘ - ﴿مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 101) لم يلتفتوا إلى ما في التّوراة من دلائل واضحةٍ على صدق هذا النّبيّ وعلى أنّه مرسلٌ من عند الله مع أنّهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾، ماذا فعلوا؟ طرحوا هذا الكتاب وطرحوا العهد، لذلك قال سفيان بن عيينة (أدرجوها في الحرير والدّيباج وحلوها بالذّهب والفضّة ولم يعملوا بها، فذلك نبذهم لها ) كان اهتمامهم المظهر لا بالحقائق، وظنّوا بذلك أنّهم يعظّمون التّوراة. وهم بمنأى عن تطبيق التّوراة والإيمان بها.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• المؤمّن الحقّ يرجو ما عند الله من النّعيم المقيم، ولهذا يفرح بلقاء الله ولا يخشى الموت

ولذلك قال ﴿فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 94) وفي الحديث ( من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه ) وقد تقدّم طرفٌ ممّا يتعلّق بالدّلالة هذا الحديث.

حرص اليهود على الحياة الدّنيا حتّى لو كانت حياةً حقيرةً مهينةً غير كريمةٍ

وهذا مستفادٌ من التّنكير، في قوله ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ (البقرة: 96).

أنّ من عادى أولياء الله المقرّبين منه فقد عادى الله تعالى.

ذلك من عادى الملائكة فقد عاد الله ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ).

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة