مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البقرة — الجزء 5

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 248 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ (البقرة: 65)

(ولقد علمتم) أي : والله لقد علمتم ﴿ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ﴾ (البقرة: 65) أي في الصّيد في يوم السّبت؛ لأنّه قد حرم عليهم ذلك، ولكنّ وقع منهم ما وقع. وقد جاء تفسير هذه الآية، أو جاء بيان هذه الآية في آيات سورة الأعراف. في قصّة أصحاب السّبت ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163) [الأعراف: 163]، فحينئذٍ وقع منهم الحيلة كما قالوا هنا في المختصر (ولقد علمتم خبر أسلافكم علمًا لا لبس فيه؛ حيث اعتدوا بالصّيد يوم السّبت الّذي حرم عليهم الصّيد فيه، فاحتالوا على ذلك بنصب الشّباك قبل يوم السّبت، واستخراجها يوم الأحد ) لكن كانت تمتلئ بالأسماك في يوم السّبت وهو اليوم المحرّم الصّيد فيه. فقال الله ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (الأعراف: 163) يوم السّبت تأتي بكثرةٍ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ، ﴿كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم﴾ هذا اختبارٌ، بسبب ماذا؟ بسبب فسقهم.

وهذا فيه أنّ من أقبل على الحرام، وترك الحلال ضيّق الحلال عليه، وصار لا يرى أمامه ولا يتيسّر له إلّا سبيل الحرام بسبب أنّه ترك الحلال ابتداءً.﴿كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163) وسيأتي تفصيل ما يتعلّق بقصّة أصحاب السّبت في سورة الأعراف - بإذن الله -.

الشّاهد هنا قال ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ (البقرة: 65) قال في المختصر (فجعل الله هؤلاء المتحايلين قردةً منبوذين عقوبةً لهم على تحايلهم ) هذا فيه فوائد منها : أنّ الجزاء من جنس العمل، وهذا ممّا سألنا عنه في الدّرس الماضي بعض الأدلّة، لأنّ القرد في الظّاهر صورته قريبةٌ من صورة الإنسان كما ذكروا، وليس معنى هذا أنّ أصل الإنسان قرد فهذا باطلٌ وزور. لكن هذا في الصّورة، فقالوا : إنّه قريبٌ صورةً ليس حقيقةً. وكذلك هؤلاء احتالوا فالصّورة أنّهم لم يصطادوا في يوم السّبت؛ ولكنّ الحقيقة أنّهم اصطادوا في يوم السّبت فأيضًا صار الجزاء من جنس العمل هذا من جهةٍ.

ومن جهةٍ أخرى : أنّهم يتلاعبون ويحتالون فقال ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ (البقرة: 65)

1-على وجه الحقيقة، فحوّلهم الله - ومسخهم الله قردةً على وجه الحقيقة.

2-ومجاهدٌ ورد عنه أنّه قال : إنّ هذا المسخ مسخ صوري.، مسخ صوري والمراد مسخ القلوب. ولكنّ هذا بعيدٌ.

وقول الجمهور أرجح، وهو الأقرب إلى ظاهرٍ الآية الكريمة، وجمع الحافظ ابن كثير وعدد المفسّرين بأنّ المراد بالمسخ : مسخٌ أصليٌّ وحقيقيٌّ يعني مسخ الله قلوبهم، ومسخ الله صورهم، فصار المسخ حقيقيًّا.

(فجعلنها نكالاً): عقوبةٌ فيها ومنه النّكل قال ﴿فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 66) وهنا فسّروا النّكال : بالعبرة، فمنهم من قال النّكال : العبرة، لأنّه ينكّل به، فيكون عبرةٌ لمن بعده، لمن لم يعاقب بهذه العقوبة، هو له عقوبة ولغيره عبرة ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 66)

هنا قد يسأل سائل : ما معنى لما بين يديها؟ وما خلفها؟ ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (البقرة: 66) لأنّه قد يردّ إشكالٌ في فهم الآية (وما خلفها) الأمر فيها سهلٌ؛ لأنّه سيقول : جعلناها عبرةً لما خلفها يعني للأمم الّتي بعد ذلك. لكن ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ (البقرة: 66) هل ستكون عبرةً للأمم السّابقة؟ كيف تكون عبرةٌ للأمم السّابقة وهم كانوا قبلهم؟ لذلك بعض العلماء : جعل بين يديها (مكانًا لا زمانًا )، وهذا ما مال إليه بعضهم كابن كثيرٍ.

لذلك قالوا في المختصر (فجعلنا هذه القرية المعتدية عبرةً لما جاورها من القرى ).

إذن ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ (البقرة: 66) يعني : للقرى المجاورة، (وما خلفها) القرى البعيدة.

ومنهم من فسّر (وما خلفها) باعتبار الزّمان، ففسّر ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ (البقرة: 66) باعتبار المكان، (وما خلفها) باعتبار الزّمان يعني : جعلها الله عبرةً للأمم القريبة، وجعلها الله أيضًا عبرةً للأزمنة الّتي تأتي بعد فتذكر تلك الأخبار.

﴿فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (البقرة: 66) لذلك قالوا في المختصر (وعبرة لمن يأتي بعدها؛ حتّى لا يعمل بعملها ) وبناءً عليه فتكون (ما ) في قوله (وما خلفها) أي لـ (من ) خلفها وهذا أحد الأقوال في ذلك وهو من الأقوال المشهورة.

إذًا ما معنى ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ (البقرة: 66)؟ يعني : القرى المجاورة القريبة، (وما خلفها) : يعني الأمم الّتي ستأتي بعد حينما تبلغهم تلك الأخبار، وهذا من الأقوال المشهورة في هذا، وثمّ أقوالٌ أخرى.

وقلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إنّ التّعبير بقوله ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (البقرة: 255) يدخل في باب الوجوه والنّظائر في التّراكيب القرآنيّة؛ لأنّه تكرّر في مواضع كثيرةٌ في بعضها يتعلّق بالزّمان أو بالمكان وما إلى ذلك. - والعلم عند الله - ولعلّي أرسل بعض التّعليق في بحثٍ كتبته في هذا بإذن الله إليكم، فيما يتعلّق بهذه الآية على وجه الخصوص، أيضًا هذا التّحويل أو هذا المسخ؛ فإنّه لا نسل لهم كما جاء في بعض الأحاديث؛ فإنّ الله - حينما حوّلهم قردةً، ثمّ بعد ذلك هلكوا قال الله (وموعظةٗ لّلمتّقين)

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (البقرة: 67)

هذا انتقال إلى قصّةٍ أخرى من القصص الّتي وقعت لبني إسرائيل وهي قصّة البقرة، وبه سمّيت السّورة بسورة البقرة بهذه القصّة سمّيت سورة البقرة، وتقدّم أنّ السّورة سمّيت بسورة البقرة لعدّة أوجهٍ : -

منها أنّ سورة البقرة فيها حديثٌ عن البعث لأنّ فيها ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (البقرة: 73) وسورة البقرة تتحدّث عن الغيبيّات، وعن الإيمان بالغيب، ولذلك أولى الصّفات للمتّقين الّتي ذكرها الله في صدر السّورة. ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3) هذا وجه أوّلٍ في ذكر قصّة البقرة.

ومع أنّ القصص الّذي يدلّ على إحياء الموتى في الحياة، متكرّر في سورة البقرة كما تقدّم في خمسة مواضع؛ إلّا أنّ قصّة البقرة اختيرت من ضمن هذه القصص لتكوّن السّورة باسمها؛ لأنّ قصّتها فيها عجبٌ عظيمٌ. وذلك أنّ مخلوقًا كهذا وهو تلك البقرة وقال الله ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (البقرة: 73) يعني هذا الحيوان يضرب به ميّتٌ من الأموات فيحيي الله هذا الميّت بضرب ذلك الحيوان، هذا أعجب ما يكوّن أنّه متعلّقٌ بهذا الحيوان ومع موت هذا الشّخص يحييه الله - فهو من أدلّ الدّلائل على عظيمٍ قدرة الله - هذا من جهةٍ

3-ومن جهةٍ أخرى : فقصّة البقرة تدلّ على تلكّؤ بني إسرائيل وتقاعسهم وعدم المسارعة والامتثال لأمر الله. لذلك من أوّل القصّة ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ﴾ (البقرة: 67) كان الله يذكّرنا ويقول لا تكونوا مثل هؤلاء المتقاعسين، لا تكونوا مثل هؤلاء المتكاسلين، لا تكونوا هؤلاء المتلكّئين. وإنّما كوّنوا من الممتثلين لأمر الله - –

فقال ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ (البقرة: 67) وتأمل قول موسى الكريم ’ يقول ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ (البقرة: 67) يعني هذا بوحيٍ من الله، وينبغي لنا أن نستسلم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً﴾ (البقرة: 67) وقد ذكر عددٌ من المفسّرين أنّ (بقرةٌ ) جاءت هنا مطلقةً، فكان يكفيهم أن يذبحوا (أيّ بقرةٍ )، بقرة ما قال (بقرة صفتها كيت وكيت ) وإنّما قال (بقرةٌ ) هذا إطلاقٌ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً﴾ (البقرة: 67) فإذا نكرةٌ في سياق الإثبات، فالمراد هنا الإطلاق. البقرة مطلقةٌ، ﴿قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (البقرة: 67) وهل النّبيّ يتكلّم بالهزو! هذا اتّهامٌ للنّبيّ بما لا يليق بمقام نبيٍّ، هذا يدلّ على قلّة أدبهم، وعلى عدم احترامهم وتوقيرهم لأنبياء الله.

فقالوا هنا ﴿قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (البقرة: 67) لذلك قالوا في التّفسير : (قالوا متعنّتين أتجعلنا موضعا للاستهزاء ﴿قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ )

﴿قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (البقرة: 67) وهذا فيه أنّ من يتّخذ آيات الله هزوًا فهذا جاهلٌ من الجاهلين، فهذا جاهلٌ من الجاهلين.

فائدةٌ حول ذكر أمثال القرآن على سبيل الاستشهاد وعلى سبيل السّخرية والتّهكّم

ولذلك بعض المفسّرين أورد عند تفسير الآية مسألةً تتعلّق بعلوم القرآن وهي ذكر بعضٍ أمثال القرآن على سبيل السّخرية والتّهكّم، فبعض النّاس قد يأتي بجزءٍ من أجزاء آيةٍ قرآنيّةٍ، ويتكلّم فيها مع النّاس على سبيل السّخرية، كما يجري بعض النّاس بقصّة الفيل وقصّة البقرة، ويتكلّم كأنّه يتكلّم عن البقرة، ويأخذ بعض النّكات على آيات القرآن وعلى سور القرآن، فهذا لا يليق وهذا من جهل من يفعل ذلك.

﴿قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (البقرة: 67)

وبالمناسبة فإنّني أنبّه على القصّة الشّهيرة الّتي كانت تدرس في بعض المقرّرات، وهي قصّة المتكلّمة بالقرآن؛ فإنّ هذه القصّة قصّةً تالفةً، غير ثابتةٍ كما نبّه عددٌ من العلماء كابن الجوزي وغيره، ولا تصحّ بحالٍ من الأحوال.

وليس من الحسن بمكان أن يصنع الإنسان ذلك، فالإنسان كلّما سأله سائلٌ يردّ بآيةٍ قرآنيّةٍ لم يفعله الرّسول ‘، إنّما يستشهد بالقرآن في المقام المناسب.

إنّما يستشهد بالقرآن في المقام المناسب، هذا هو الحسن، أمّا أن يدخل الإنسان كلّ أمور الدّنيا مستدلًّا بالقرآن في كلّ بابٍ يختلف عن هذا الباب فهذا ممّا لا يليق.

ولذلك العلماء يذكرون نوعًا من أنواع الأمثال يقال له الأمثال المرسلة : ومن العلماء من أجاز هذه الأمثال المرسلة لكن بشرط أن تقال في موضع فيه الحكمة، وفيه الحذر والاحتياط وفيه أخذ العبرة؛ وليس على سبيل السّخرية والاستهزاء.

كأن تقع مشكلةٌ كبيرةٌ ويظلم إنسان مثلاً، ثمّ بعد ذلك تتّضح الحقائق فنقول : الآن حصحص الحقّ، فتكون قد وردت في مورد إحقاق الحقّ؛ وليس على سبيل السّخرية فهذا أجازه فريق من أهل العلم، أمّا ما يكون من السّخرية والاستهزاء والتّنكت، وما أشبه ذلك ممّا يجري على ألسنة بعض النّاس فهذا ممّا لا يليق بكتاب الله.

﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (البقرة: 68)

﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (البقرة: 70) تأمل ادع لنا ربّك، يعني ما قالوا : أدعو لنا ربّنا؛ لكن ﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (البقرة: 70) هكذا ادع لنا ربّك ﴿يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ﴾ (البقرة: 70) أليس البقرة؟ ماذا تحتاجون فوق أنّها بقرةٌ؟ ﴿ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ﴾ (البقرة: 68) يعني ربّي الّذي يقول : ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (البقرة: 68) قالوا هنا في المختصر : (لّا فارضٞ) (يعني ليست كبيرةً بالسّنّ ولا صغيرةً ) إذًا (لّا فارضٞ)، يعني : ليست طاعنةً في السّنّ كبيرةً، وليست صغيرةً وإنّما هي وسطٍ (عوان) بين الاثنين، وهذا يدلّ على ما قاله بعض العلماء من أنّ في الآية الكريمة مثلاً كامنًا.

فائدة حول أقسام الأمثال القرآنيّة

ولذلك عندنا الأمثال القرآنيّة ثلاثة أقسامٍ

1 - السّائر تحدّثنا عنه منذ قليلٍ.

2 - وهناك المثل الصّريح : المثل الصّريح كما تقدّم في ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: 17) [سورة البقرة:17]. هذا مثلٌ صريحٍ واضحٍ وفيه ذكر المثل.

3 - وهناك المثل الكامن : هناك أمثال كامنةٍ، يعني تستفاد من الآيات؛ وإن لم يصرّح بها، فاستفادوا من هذه الآية وأمثالها (خير الأمور أوسطها ) فقالوا إنّ الله قال ﴿عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 68) والمقوّم هو أيضًا من قوله ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) [الإسراء: 29]، ومن قوله ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67) [الفرقان: 67]، فاستفادوا من هذه الآيات هذه القاعدة، أو هذا المثل الكامن.

قال ﴿عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (البقرة: 68).

﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ﴾ (البقرة: 69)

﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ (البقرة: 69) يسألون عن اللّون! ﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ﴾ (البقرة: 71) وتأمل قول موسى -’. ﴿إِنَّهُۥ يَقُولُ﴾ (البقرة: 71) : يعني أنا ما آتي بهذا من تلقاءٍ نفسيٍّ، وإنّما هذا بأمرٍ من الله.

﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ (البقرة: 69) ما معنى فاقعٌ؟ يعني شديدةً الصّفرة، إذا معنى فاقعٍ : على القول المشهور (فاقع لونها ) أي شديدةً الصّفرة لذلك يقال : أسودٌ حالكٍ ويقال أصفر فاقعٍ، فهذا مع اللّون يناسبه.

قال ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ﴾ (البقرة: 69) تعجّب كلّ من ينظر إليه، وهذا فيه : أنّ اللّون الحسن يعجب النّاظرين وتميل النّفوس إليه، وذلك من الحسن بمكانٍ! أن يجمّل الإنسان نفسه وأن يكون منظره طيّبًا فهذا ممّا يجذب النّاس إليه، ولا سيّما إذا كان القلب جميلاً فإنّه يزيّن الظّاهر كما هو معلومٌ، - والعلم عند الله - تعالى.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• الحكم المذكور في الآية الأولى لما قبل بعثة النبي ﷺ، وأمّا بعد بعثته فإنّ الدّين المرضى عند الله هو الإسلام، لا يقبل غيره، كما قال الله تعالى : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [ آل عمران : 85 ].وهذا نبّهنا عليه في أثناء الشّرح في آية ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: 18) لا يصلح أن يستدلّ مستدلّ بهذه الآية، على أنّه لا يلزم غير المسلم الإيمان بالنّبيّ -‘ - فيلزم الجميع الإيمان به إذا بلغتهم رسالة رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم – للأدلّة الأخرى. وقد قال الله (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾) [آل عمران: 85] يعني قبل الإسلام : نعم هذا على يهوديّته، وهذا على نصرانيته بلا تحريمٍ. لكن إذا جاء الإسلام فإنّ الإسلام نسخ الشّرائع أو الملل السّابقة.

• قد يعجّل الله العقوبة على بعض المعاصي في الدّنيا قبل الآخرة؛ لتكون تذكرةً يتّعظ بها النّاس فيحذّروا مخالفة أمر الله تعالى.

كما وقع لأصحاب السّبت، قال الله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 19)

• أنّ من ضيّق على نفسه وشدّد عليها فيما ورد موسّعًا في الشّريعة، قد يعاقب بالتّشديد عليه.

فبعد أن كانت البقرة مطلقةً، صارت بقرةٌ من صفتها أنّها عوان بين ذلك، ﴿لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ (البقرة: 68) وأنّها ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ﴾، إلى غير ذلك ممّا سيأتي من صفاتٍ أخرى أيضًا بسبب التّشديد على أنفسهم.

قال الله تعالى ﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 70)

من تماديهم في التّعنّت أنّهم سألوا أيضًا الرّسول مرّةً أخرى، وقالوا له ﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: 70) اختلط علينا أمرنا وصار مشتبهًا خافيًا، مع أنّه من بادئٍ الأمر ليس فيه شيء من الخفاء، ﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 70) والحمد لله أنّهم قالوا ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 70) ولذلك قال بعض المفسّرين لو لم يقولوا إن شاء الله لما هداهم الله -، على كلٍّ قضى ربّي وقدّر أن يقع منهم هذا الّذي وقع دلالةً على ما هم عليه من تلكّؤٍ وتقاعس وسوء أدبٍ مع أوامر الله -.

﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (البقرة: 71)

﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ﴾ (البقرة: 71) إنّه يقول على من يعود ضمير (إنّه ) أي الله، (قال ) أي موسى، (إنّه ) أي الله، يقول ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 71) أي : غير مذلّلةٍ، غير مذلّلةٍ بالعمل في الحراثة، هذا معنى ﴿لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 71)) أي غير المذلّلة بالحراثة، قال ﴿وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ﴾ (البقرة: 71) وليست مستعملةً في سقاية الأرض، فلا تسقي الحرث (الزّرع ) وأيضًا هي ليست مذلّلةً بتقليب الأرض للحراثة.

وهنا مسألةٌ : وهو أنّه لا يحسن بالإنسان أن يقف عند قوله ﴿لَّا ذَلُولٌ﴾ (البقرة: 71) ثمّ يبدأ بقوله ﴿تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 71) : لأنّه إذا فعل ذلك عكس المعنى، فهو إذا قال ﴿إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾ (البقرة: 71) ثمّ قال ﴿تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 71) إذًا هو أثبت أنّها تقلّب الأرض؛ مع أنّ المراد نفى ذلك، فهو يقول ﴿بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 71) أي ليست مذلّلةً لإثارة الأرض وتقليبها. فحينئذٍ يكوّن هناك وصل فيصل قوله ﴿تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ﴾ (البقرة: 71) بما قبله من جملةٍ، في قوله ﴿بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾ (البقرة: 71)

قال ﴿وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ (البقرة: 71) مسلمةً : يعني سالمةً من العيوب ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ (البقرة: 71) يعني لا لون فيها غير الصّفرة، ليس فيها لونٌ آخر، قال ﴿قَالُوا۟ ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾ (البقرة: 71) سبحان الله! كأنّه ما جاء بالحقّ إلّا بعد هذه الأوصاف الدّقيقة، ومعنى قولهم ﴿ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾ (البقرة: 71) أيّ جئت بالحقّ البيّن، الظّاهر، اتّضحت الأمور.

﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (البقرة: 71) قال في المختصر أي (وذبحوها بعد أن أوشكوا ألّا يذبحوها بسبب الجدال والتّعنّت ) ولأهل العلم باللّغة والتّفسير كلام طويلٍ في (كاد ) إذا كانت منفيّةً، لا يسع مقامه لذكره؛ لكن على كلّ حالٍ. المراد هنا : ما كان أن يقع منهم ذلك إلّا بشقّ الأنفس.

﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 72)

قال ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا﴾ (البقرة: 72) ما معنى فادّارأتم؟ يعني فتدافعتم، إذا (اداريء )، يعني تداري : يعني تدافع فتدافعتم فيها كلّ يدفع عن نفسه تهمة القتل ويرمي بها غيره، قال ﴿وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 72) الحقيقة.

﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73)

﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (البقرة: 73) اضربوه، ما معنى اضربوه؟ يعني اضربوا القتيل ببعضها، (ببعضها ) لم يبيّن لنا هذا البعض المضروب لم يبيّن لنا ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (البقرة: 73) يضربون هذا القتيل برأس البقرة أو ببطن البقرة أو بظهر البقرة، ربّ العزّة لم يذكر لنا شيئًا من ذلك، فهذا من المجمل الّذي لا نحتاج إلى معرفة تفصيله؛ لأنّ المراد أخذ العبرة وهذا واضحٌ من الآية الكريمة. والله قادرٌ على إحيائه دون ضرب أصلاً؛ ولكنّ هذا فيه أيضًا إعطاءً لهم العبرة والعظة، وتأمّلوا هذه البقرة أمرهم الله بذبحها، وهم قد عبّدوا عجلاً (قد عبدوه فكيف يكون هذا إلهًا ) وأنتم تأمرون بذبحه وهذا القتيل يضرب به فيحييه الله من القادر؟ ومن الّذي يستحقّ العبادة؟ إنّه الله -.

﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73) تأمل أخي الكريم إلى هذه التّقديرات في الآية الكريمة، (فقلنا اضربوه ببعضها، فضربوه ببعضها، فحَيِيَ، كذلك يحيي الله الموتى ) هذا كلّه قدرٌ غير موجودٍ؛ لأنّ المراد التّدليل على إحياء الله ﴿ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، فطوي هذا كلّه.

﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (البقرة: 73) وأنت تتخيّل ماذا وقع؟ ضربوه فحَيِيَ قال ﴿كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (البقرة: 73) مثل ذلك الإحياء ﴿يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73) هذه الآية الكريمة هي البرهان الثّاني أو الدّليل الثّاني على أنّ الله يحيى بعض النّفوس أو أحياء بعض النّفوس في الدّنيا من دلائل سورة البقرة على ذلك، فهذا البرهان الثّاني بحسب ترتيب الآيات في سورة البقرة.

الأوّل (‌فأخذتكم ٱلصّعقة وأنتم تنظرون ٥٥ ثمّ بعثنكم مّن بعد موتكم لعلّكم تشكرون ٥٦) [البقرة: 55 -56] وهذا هو الموضع الثّاني ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73) فبراهين البعث كثيرةً منها : خلق الإنسان، خلق السّماوات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، ومنها إحياء بعض النّفوس في الدّنيا حقيقةً قبل الآخرة، وهذا له دلائل في سورة البقرة منها ما جاء في قصّة البقرة هنا.

أيضاً هنا لفتةٌ أخرى

وهو أنّ ما يذكره أهل التّفسير والمعرفة بالسّير : أنّ قصّة البقرة وأنّ اختلافهم في القاتل كان هو السّبب وكان المقدّمة للأمر بذبح البقرة، فذبح البقرة جاء متأخّرًا على قصّة القاتل، لكن مع ذلك ذكرت متأخّرةً. فهنا قال ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا﴾ (البقرة: 72) وهذا أسبق من مسألة الأمر بذبح البقرة حينما رجعوا إلى موسى -’ - كما جاء في الأخبار. فقال بعض العلماء ممّا يستفاد من ذلك - والعلم عند الله - أنّ كلتا القصّتين حقيقةً بالاعتناء والاهتمام، فذكر تلكّؤ بني إسرائيل مرادٌ، وذكر تقاعسهم مرادٌ وذكر إحياء الله الموتى وإثبات البعث مرادٌ فذكرت كأنّها قصّةٌ مستقلّةٌ وكأنّ هذه قصّةٌ مستقلّةٌ - والعلم عند الله -، بل قدّم الله في الذّكر ما يدلّ على عدم امتثالٍ بني إسرائيل وإن كان لبعض المفسّرين كلامٍ آخر في ذلك أهمّا قصّتان أمّ قصّةٍ واحدةٍ لكنّ ترتّبت أحداثها على غير التّرتيب المعهود.

وهذا له أمثلةٌ في القرآن الكريم، لما تذكر في بعض القصّة، بعض المواضع على غير التّرتيب المعروف في وقوعها في الواقع أو في حدوثها في الواقع. وذلك لأنّ القرآن الكريم إنّما يقدّم ما يقدّمه ويؤخّر ما يؤخّره للأخذ بالعبرة؛ فالقرآن لا يعني بسرد الأحداث على أنّها أزمانٌ تلو أزمانٍ؛ وإنّما يناسب المقام وما يناسب المقصود. هكذا يذكره ربّي.

قال الله بعدها ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 74)

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) قوله ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ (البقرة: 74)؟

ما معنى (أو)؟ بمعنى : بل، وهذا له نظائره في القرآن الكريم، ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: 147) [الصّافّات: 147] فمن الأقوال الّتي قيلت هناك : أو يزيدون يعني : (بل يزيدون )، فكذلك هنا ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) ليس من باب التّردّد، وإنّما بمعنًى بل، فهي كالحجارة بل أشدّ قسوةٍ. وهنا مثل الله قلوبهم بالحجارة : ولم يمثّلها بالحديد مع أنّ الحديد أشدّ صلابة وأقوى لكنّ قالوا : إنّ الحديد والرّصاص يذوبان في النّار؛ وأمّا الحجارة فإنّها لا تذوب (فهي أشدّ ).

قال ﴿كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) ومع ذلك ﴿وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ (البقرة: 74) قال : يعني يتصدّع بطولٍ أو عرضٍ، ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 74) فنعوذ بالله من قسوة القلب.

ثمّ قال﴿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75)

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ﴾ (البقرة: 75) هؤلاء لا يرجى فيهم الخير إلّا إذا شاء ربّي - – وقد جاء عن النّبيّ -‘ – قال (لو آمنٍ بي عشرة من اليهود لأمن بي اليهود ) وهذا له فقهه كما هو معلومٌ في الحديث، وهو في الصّحيح.

قال ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75) لا يعظّمون الله حقّ تعظيمه، فهمٌ يحرّفون لكتب الله، على أنّ معنًى يسمعون كلام الله : أي المذكور في التّوراة، وهذا قال به كثيرون وهو الّذي قالوه في المختصر (وقد كان جماعةً من علمائهم يسمعون كلام الله المنزل عليهم في التّوراة ) وإلّا بعضهم يقول (يحرّفون كلام الله ) حينما اختار ﴿مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَـٰتِنَا﴾، وآخرون يقولون بل المراد بالكلام لما كان في التّوراة بدليلٍ ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75)

﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 20)

﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ (البقرة: 76) أيضًا ﴿خَلَا بَعْضُهُمْ﴾ (البقرة: 76) يعني انصرف بعضهم إلى بعضٍ كما تقدّم معنا في قوله ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ (البقرة: 14)

﴿قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 76) يعني بهذه الاعترافات بأنّهم كانوا يقولون نحن نجد (ذكر محمّد ‘ في كتبنا ومحمّد رسول الله ) فيعنّف بعضهم على بعضٍ ويتلأومون! كيف تحدّثونهم بما في كتبكم ليكون حجّةً لهم! فهذا معنى ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 76)

1-يعني بما رزقكم الله من علمٍ في التّوراة، لأنّكم تخبرون عن صدق رسول الله -‘ - وأنّه رسول الله.

2-أو ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 76): يعني بما حكم الله عليكم.

لأنّ الفتح يأتي بمعنيّين، فالفتح معناه : العطاء والرّزق والمعنى الثّاني : الحكم والفصل. ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾ (الأعراف: 89) [الأعراف: 89] يعني : أحكم؛ ولذلك اسم الله الفتّاح يشمل المعنيّين، فالفتّاح : الّذي يرزق العباد ويفتح لهم من أبواب الخير، وهو الفتّاح : الّذي يحكم بين العباد ويفصل بينهم.

﴿لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: 76) يعني يقيمون به الحجّة، قال في المختصر (لأنّ المسلمين يقيمون عليهم بها الحجّة فيما صدر عنهم من الاعتراف بصدق النّبوّة ) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21)

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• أنّ بعض قلوب العباد أشدّ قسوةٍ من الحجارة الصّلبة؛ فلا تلين لموعظةٍ، ولا ترق لذكرى

وهذا واضحٌ في قوله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74).

• أنّ الدّلائل والبيّنات - وإنّ عظمت - لا تنفع إن لم يكن القلب مستسلمًا خاشعًا لله.

لذلك حذّرنا الله من قسوة القلوب.

• كشفت الآيات حقيقة ما انطوت عليه أنفس اليهود، حيث توارثوا الرّعونة والخداع والتّلاعب بالدّين.

لذلك عاتب بعضهم على بعضٍ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 76)

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (البقرة: 77)

هذا فيه توبيخٌ فقوله ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 77) استفهامٌ يراد منه التّوبيخ والتّقريع؛ لماذا يقول اليهود ما يقولون؟ حينما يقول بعضهم لبعضٍ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 76) أجهل هؤلاء؟ ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟

هذا الّذي يسرّون به ويتخافتون فيما بينهم به يعلمه ربّي -، وسيحاسبهم عليه.

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78)

(ومنهم أمّيّون) أي : ومن اليهود أمّيّون – طائفةٌ - ﴿لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (البقرة: 78) ولذلك نسبوا إلى الأمّيّة : لأنّ الإنسان حين يولد لا يكون عالمًا بشيءٍ كما قال الله ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ (النحل: 78) فلذلك قيل : (أمّيّون) ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78)

ما معنى قوله ﴿إِلَّآ أَمَانِىَّ﴾ (البقرة: 78)؟

1 - منهم من قال (أمانيّ) : هنا التلاوة، والمعنى : ﴿لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ﴾ القراءة بدون فهمٍ، فذمّ الله اليهود على هذا /أو ذمّ الله هؤلاء الّذين يقرؤون ولا يفهمون!.

وفيه أيضًا : أنّه لا ينبغي للإنسان أن يكون همّه التلاوة دون فهمٍ؛ وأنّما أنزل الله القرآن لفهمه وتدبّره ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29].

إذاً معنى قوله (‌أمانيّ): تعني التلاوة، وهذا أحد الأقوال في قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ (الحج: 52) [الحجّ: 52] : قال بعضهم يعني : إلّا إذا قرأ؛ فالتّمنّي يأتي بمعنى : القراءة؛ وبناءً عليه فالاستثناء متّصلٌ : (لا يعلمون الكتاب إلّا قراءةً )، يعني :- هذه الّتي يعلمونها، يعلمون من الكتاب القراءة دون الفهم.

2- ومنهم من قال : الأماني هنا : الأكاذيب والأمنيات الباطلة، يعني : ومنهم مؤمنون لا يعلمون الكتاب؛ لكنّ ما هي إلّا أماني وهي أنّهم سالمون وأنّهم لن يعذّبوا في النّار إلّا قليلاً، وأنّهم سيدخلون الجنّة! وبناء عليه فالاستثناء يقولون منقطعًا، ولأهل العلم في هذا كلامٌ طويلٌ.

قال ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78) هذه ظنونٌ كاذبةٌ منهم، فتوعدهم الله فقال

﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 79)

تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام تكرار كلمة (ويلٌ) ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (البقرة: 79) ثمّ بعد ذلك قال ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (البقرة: 79) ثمّ قال ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 79) نسأل اللّه السّلامة، نسأل الله السّلامة وهذا فيه تحذيرٌ لأهل العلم من أن يقع منهم تحريفٍ أو تبديل أو من أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً.

وتأمل هنا قوله ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (البقرة: 79) ومعروف أنّ الّذي يكتب (يكتب باليد )، لكنّ هذا فيه زيادة تقبيح لصنيعهم، والإنسان إذا كتب فإنّ الكتابة أثرها باقٍ أكثر من القول الّذي قد يمحى أثره.

لذلك قالوا : الكتابة يبقى أثرها أو يبقى رسمها؛ والقول قد يزول أثره. وقد يذهب وإن كان في هذه الأيّام حتّى القول يحفظ. وقبل هذا كلّه فإنّ الله قال ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18) [ق: 18].

على كلّ حالٍ لم يكتفوا بالقول وإنّما جمعوا مع القول الفعل الخبيث قال ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (البقرة: 79) قالوا هنا في المختصر (ليستبدلوا بالحقّ واتّباع الهدى ثمنًا زهيدًا في الدّنيا )، فقولهم (بالحقّ واتّباع الهدى ) : هذا هو المتروك، ولذلك أحسنوا هنا في استعمالهم حينما أدخلوا الباء على المتروك، قال ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 79).

وقوله سبحانه ﴿لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (البقرة: 79) ليس المراد بذلك أنّهم لو اشتروا بذلك ثمنًا كثيرًا؛ فإنّه يقبل منهم. وإنّما هذا فيه بيانٌ : أنّهم قد صنعوا ما صنعوا مع أنّ الدّنيا تافهةٌ، مع أنّ الدّنيا قليلةٌ فمهما أخذوا من أثمانٍ ومهما أخذوا من أموالٍ فإنّها عرضٌ زائلٌ.

ثمّ قال ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 79) ففيه ذمّ التّحريف وذمّ أخذ الرّشوة، وأخذ الأجر على التّحريف والتّبديل ثمّ قال الله : ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 80)

﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ (البقرة: 80) هذا الّذي حملهم ودفعهم إلى ما صنعوا هو الاعتقاد الخطأ أو الاعتقاد الباطل، ولذلك يحمل الإنسان على فعل القبيح : الاعتقاد القبيح، فمن اعتقد اعتقادًا سيّئًا حمله الاعتقاد السّيّئ على الأفعال القبيحة والأقوال القبيحة. ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ (آل عمران: 75) [آل عمران: 75]، لــم ذلك؟ لأنّهم ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: 75) وما دام أنّهم يقولون ليس علينا في الأمّيّين (في العرب ) سبيل فلنفعل ما نشأ! وهكذا فالإنسان إذا اعتقد اعتقادًا باطلاً أساء، وقال الله (‌ويلٞ ‌لّلمطفّفين ١ ٱلّذين إذا ٱكتالوا على ٱلنّاس يستوفون ٢ وإذا كالوهم أو وّزنوهم يخسرون ٣ ﴿إِلَّا﴾ يظنّ أولٓئك أنّهم مّبعوثون ٤ ليومٍ عظيمٖ ٥ يوم يقوم ٱلنّاس لربّ ٱلعلمين ٦) فلو كان هذا المطفّف يوقن بأنّ الله سيبعثه وبأنّ الله محاسبةً؛ ما تجرّأ على محارم الله أو على ارتكاب هذا الّذي وقع فيه ممّا حرم الله -.

﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ (البقرة: 80) بعضهم قالوا : لن نكون في النّار إلّا سبعة أيّامٍ، وبعضهم قال : لن نكون إلّا أربعين يومًا، ثمّ بعد ذلك يدخلون الجنّة، ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ﴾ (البقرة: 80) هل عندكم عهد الله مؤكّدٍ بأنّكم سيكون جزاءكم كذلك؟ (أمٌّ؟ ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ لله ما لا تع؟ لموّن ) والحقيقة : أنّهم يقولون على الله قولاً زورًا ثمّ قال : (بلى )

﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 81)

(بلى) يعني ليس الأمر كما تزعمون؛ ليس الأمر كما تزعمون وليس لكم عهدٌ عند الله، هذا لنفي ما سبق، (بلى) يعني ليس الأمر كما زعمتم، ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ﴾ (البقرة: 81) ما المراد بالسّيّئة هنا؟ الشّرك أو الكفر، إذا المراد بالسّيّئة : هنا الكفر أو الشّرك، لذلك قال الله في الجزاء ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 275) فإذا قال قائلٌ أوليس الّذي يرتكب كبيرةً من الكبائر من عصاه الموحّدين لا يخلّد في النّار؟ يقال بلى لا يخلّد في النّار؛ بل إنّه يدخل الجنّة. والله - قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (النساء: 116) [النّساء: 48] وعصاة الموحّدين، وإن عذّبوا! فإنّهم لا يخلّدون في النّار، إذا يقال المراد بالسّيّئة هنا الشّرك بدليل قوله ﴿وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ﴾ (البقرة: 81) وإنّما تحيط الخطيئة بالعبد إذا كان مشركًا بالله -؛ وإلّا فإنّ حسنة التّوحيد أعظم، فإنّ حسنة التّوحيد أعظم.

وقد تقدّم أنّ السّيّئة ترد في القرآن على موارد أو تأتي على وجوهٍ :-

قد تأتي بمعنى الشّرك كما في هذه الآية.

وقد تأتي السّيّئة بمعنى الكبائر، كما في شأن قوم لوطٍ ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ (هود: 78) من الكبائر والفواحش.

وقد تأتي السّيّئة بمعنى الصّغيرة. كما في قوله ﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ﴾ (النساء: 31) [النّساء: 31] فمعنى نكفر عنكم سيّئاتكم : أي الصّغائر.

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 82)

ذلك لأنّ القرآن مثاني، فبعد الوعيد ذكر الوعد.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83)

قال ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 83) هذا ممّا أخذه الله على بني إسرائيل ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 83) وقوله ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 83) هذا على سبيل الإخبار؛ لذلك جاء هنا إثبات النّون، لم يقل ﴿لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (هود: 26) لأنّه لو قال : (لا تعبدوا ) تكوّنٌ لا ناهيةً، حينئذٍ تحذف (النّون ) لأنّ (لا ) جازمةً؛ لكن (لا ) هنا نافيةً؛ وليست جازمةً. فقوله ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (البقرة: 83) إخبارٌ، يعني : الخبر عنهم أنّهم لا يعبدون إلّا الله.

قال ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ (البقرة: 83)؟ ) يعني : أحسنوا بالوالدين إحسانًا، وقرن الله هنا بين عبادته وتوحيده وفي الإحسان إلى الوالدين، كما في مواضع كثيرةٍ من القرآن وهذا ممّا كثر الاقتران فيه في القرآن : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والإحسان إلى الوالدين.

قال ﴿وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) فأمر الله بالإحسان بالفعل والإحسان بالقول، ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) والقراءة الأخرى : ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) وقال (وقولوا للنّاس) لم يقل (وقوّلوا للمسلمين فقط ) وإنّما قوّلوا لعموم النّاس؛ ولذلك علم الرّسول -‘ - عائشة - رضي الله عنها - حينما قالت : (بل عليكم السّامّ واللّعنة ) وهي ترد على اليهود، قال : (لا تكوني فاحشةً ) ‘.

قال ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83) وأيضًا من إنصاف القرآن، قال ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾ (البقرة: 83) فاستثنى الله (وأنتم مّعرضون).

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

• بعض أهل الكتاب يدّعي العلم بما أنزل الله، والحقيقة أنّ لا علم له بما أنزل الله، وإنّما هو الوهم والجهل

هذا واضحٌ، في قوله ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78) يعني هم يدّعون أنّهم يعلمون الكتاب وهم لا يعلمون! وتقدّم أنّ الأماني إمّا معناها الأمنيات أو الأكاذيب أو أنّها بمعنى مجرّدٍ القراءة. الّتي ليست عن فهمٍ وإنّما قراءةٌ بدون فهمٍ.

• من أعظم النّاس إثمًا من يكذب على الله تعالى ورسله، فينسب إليهم ما لم يكن منهم.

كما في قوله ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 79)

• مع عظم المواثيق الّتي أخذها الله تعالى على اليهود وشدّة التّأكيد عليها، لم يزدهم ذلك إلّا إعراضًا عنها ورفضا لها.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83).

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة: 84)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة