مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الصف

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 45 من 103 · 22 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال الشيخ حفظه الله

نعم سورة الصف، وهي سورة مدنية، وهذا أيضًا واضحٌ وجلي، ويشهد بذلك سبب نزول السورة الكريمة، أو الآيات من قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2) وذلك أنّ جماعة من الصحابة جلسوا وقعدوا مع أنفسهم ذات مرة، فقالوا : لو عرفنا أفضل الأعمال لعملنا بها، فأنزل الله - عز وجل - الآيات. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2) وفي بعضها أنّ السورة الكريمة نزلت في ذلك.

ولذلك يقال لهذا الحديث حديثٌ مسلسل؛ لأنّه فيه أنّ الرسول قرأ السورة، ثم جاء الصحابي فقرأ السورة ثم التابعي ثم تابع التابعي. وهكذا فيه أن كل واحد منهم قرأ السورة كاملة، وهذا يدل على أنّ السورة كلها نزلت فيه وقت واحد كما عليه كثير من أهل العلم، وأنها نزلت في شأن واحد وهو بيان التفاضل في الأعمال وأن المؤمن ينبغي له الامتثال لأمر الله - سبحانه وتعالى -.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا من مقاصد السورة (حث المؤمنين على نصرة الدين ) وهذا واضحٌ وجلي، وسيأتي التنبيه عليه بإذن الله تعالى في أثناء السورة ومن ختام السورة يظهر بجلاء قال الله - عز وجل - ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: 13) فهذا يدل على أنّ السورة الكريمة تتحدث عن نصرة دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك ربنا - سبحانه وتعالى - ذكر من قصة موسى ما يناسب هذا المقام ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: 5) يعني كان الذي ينبغي عليكم أن تنصروني لا أن تؤذونني. وهكذا

ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : بل إن السورة الكريمة دعوة إلى الوحدة والانتماء لله ولرسوله، وأن رابطة الإيمان هي الرابطة القوية التي تجمع بين عباد الله، وعليه فهذه السورة الكريمة متمِّمَةُ لسورة الممتحنة.

فإذا كانت سورة الممتحنة تدعو إلى الولاء وتدعو أيضًا إلى البراء، إلى الولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين، فهي تدعو إلى الاجتماع على كلمة الولاء والبراء والاجتماع على كلمة التوحيد، فكما أن سورة الممتحنة تبين حقيقة الولاء والبراء تدعو سورة الصف إلى أن نكون صفاً واحداً؛ ولعله - والعلم عند الله - من أجل ذلك سميت السورة : بسورة الصف ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4) يعني ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون كونوا صفاً واحداً؛ فإذا كان الواجب عليكم أن تتبرأوا من الشرك والمشركين فيجب عليكم أن تتكاتفوا، وأن تتوحدوا، وأن تكونوا متعاونين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4) والذي يجمعكم ما هو؟ هو الانتماء لله ولرسوله.

فسورة الممتحنة أشارت إلى هذا، وجاء هنا الأمر بالاتفاق عليه، ولذلك هذا أيضًا يُفْهَم من قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (الصف: 14) فهم يعرفون أنفسهم منتمين إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتماء نصرة، فنحن ننصر الله، ننصر دينه، ونواليه إلى غير ذلك مما يشهد به هذا المقام والعلم عند الله تبارك وتعالى.

. قال الشيخ حفظه الله

سورة الصف إحدى السور المسبحات أيضاً، وتقدم الكلام عن ذلك في صدر سورة الحديد وسورة الحشر

وسورة الحشر، وهذه سورة الصف، وقبل هذه السورة سورة الإسراء. ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 1) وقلنا إنّ المسبحات سبع سور، قال الله

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الصف: 1)

تقدَّم أن النداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الصف: 2) جاء بعده استفهام. وتقدم أن الأصل أن النداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الصف: 2) يأتي بعده أمر أو نهي؛ إما أمرٌ بخير يُدعى إليه ونؤمر به، وإما نهيٌ عن شرٍّ، لكن هنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2) هذا فيه إنكار؛ لكنّه في معنى النهي؛ لأنّ المعنى : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟﴾ ما لا تفعلون فأفاد الاستفهام معنى النهي، وحينئذٍ اتضح المراد - والعلم عند الله –

فهذا فيه نهي عن أن يقول إنسان ما لا يفعل : وهذا قد دل عليه قوله سبحانه ﴿۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44) [البقرة: 44] وكما قال شعيب - عليه السلام - ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ﴾ (هود: 88) ففيه أن الإنسان ينبغي أن يتطابق قوله مع فعله.

لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

فالإنسان يكون أول الناس امتثالا لما يأمر به، ويكون مصدقاً لما يقوله بفعله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2) قالوا في المختصر (عَظم ذلك المبغوض عند الله وهو ﴿أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾) فلا يليق بالمؤمن إلا أن يكون صادقًا مع الله، يصدِّق عملُه قولَه، نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين.

ثم قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)

تقدَّمَ أنّ سبب نزول هذه الآيات الكريمة ما ذكره بعض الصحابة رضوان الله عليهم من أنهم يريدون أن يعرفوا أفضل الأعمال حتى يقوموا بها، فكأن الله حذَّرهم (احذروا من أن تكونوا ممن يقول ويتقاعس عن العمل) ولذلك القاعدة العامة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66) [النساء: 66] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4) يعني بنيان متلاصق بعضه ببعض، هذا يكون في الجهاد ويكون في الصلاة، في الجمعة، في الجماعات، ولذلك في مواضع كثيرة أُمرِنا بالاجتماع، وأن نكون صفاً واحداً وهذا مما تحسدنا عليه اليهود.

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الصف: 5)

تأملوا رحمكم الله، سورة أو قصة موسى عليه السلام لم تُذكر منها إلا آية في هذا المقام، وهو قوله ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: 5) فيه أنّه لا يجوز إيذاء النبي بحال، بل يجب طاعة هذا النبي، إذًا الانتماء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم لا يتحقق بإيذاء النبي؛ وإنما يكون بتقديم الطاعة والسمع لهذا النبي المرسل من عند الله سبحانه وتعالى هذا من جهة

ومن جهة أيضًا ﴿يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى﴾ (الصف: 5) يعني ما يفيد الاجتماع إذا كان هناك عدم طاعة لله ولرسوله؟ إذاً إذا كانت السورة الكريمة تدعو إلى الصف الواحد فإنها تبين أنّ طريق الصف الواحد ﴿أَنَّمَا﴾ هو الاتباع. ولذلك لما ختم الله السورة الكريمة بذكر الحواريين ماذا قال الحواريون؟ قال الله ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52) سورة آل عمران، فهم جمعوا بين الأمرين، جمعوا بين الإيمان الذي هو الإخلاص، والمتابعة. فبهذا تتحقق النصرة.

ولذلك إذا قال قائل كيف أكون منتمياً لدين الله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - يقال بالإخلاص والمتابعة. لذلك جاء التحذير من إيذاء الأنبياء والمرسلين ﴿وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: 5) قد هنا دخلت على الفعل المضارع لكنها تفيد معنى التحقيق.، صحيح أن «قد» تدخل على الفعل المضارع، معنى التكثير أو معنى التقليل، لكنّه أيضًا من معانيها التحقيق كما هنا، وكما في قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ (الأحزاب: 18) [الأحزاب: 18] فـ (قد ) للتحقيق.

﴿فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5) وهذا من أدلة أنّ الجزاء من جنس العمل، ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الصف: 5) فإنْ قال قائل : فكيف وقد هدى الله قوماً فاسقين؟

فيقال المراد بهؤلاء الفاسقين : - الفاسقون المعينون، هؤلاء لم يقدر الله لهم الهداية.

أو المراد : ما داموا على فسقهم، فإن زال عنهم الفسق فإن الله قد هداهم والعلم عند الله تبارك وتعالى.

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• وجوب الصدق في الأفعال ومطابقتها للأقوال.

• بيَّن الله للعبد طريق الخير والشر، فإذا اختار العبد الزيغ والضلال ولم يتب فإنَّ الله يعاقبه بزيادة زيغه وضلاله.

قال الشيخ حفظه الله

[مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]

• وجوب الصدق في الأفعال ومطابقتها للأقوال : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2)

• بيَّن الله للعبد طريق الخير والشر، فإذا اختار العبد الزيغ والضلال ولم يتب فإنَّ الله يعاقبه بزيادة زيغه وذلك في قوله ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5)

قال الشيخ حفظه الله

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف: 6)

فيها أيضًا أن عيسى - عليه السلام - بين حقيقة دعوته وأنّه مبشر بمجيء رسول كريم وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسماه هنا «أحمد» فهو أحمد لله - سبحانه وتعالى - من غيره، (أحمد ) الناس وأحمد الخلق لله عز وجل. ولذلك أطرح عليكم سؤالاً للمدارسة والمباحثة ما سر ذكر اسمه أحمد؟ لِمَ ذُكر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام «أحمد»؟ وما وجه ذلك؟

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَـٰمِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الصف: 7)

ثم قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَـٰمِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الصف: 7) قالوا في المختصر (ولا أحد أشد ظلما ممن اختلق على الله الكذب ) وتقدم أنّ قوله (وَمَنۡ أَظۡلَمُ) بمعنى لا أحد أظلم، وقلنا لا إشكال لأنّ بعض العلماء يقول : كلهم بحسب التقدير ( فلا أحد أظلم في الافتراء مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ، ولا أحد أظلم مانعاً ممن منع مساجد الله) فيقدِّر بحسب السياق، أو أن يقال الحديث كله عن جماعة معينين وهم : الكفار فالمعنى ولا أحد أظلم من الكفار لأنهم يفترون على الله الكذب؛ فيكون الموصوف واحداً وحينئذٍ لا تعارض بين الآيات.

قال الله ﴿وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَـٰمِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الصف: 7) فيه ما تقدم في قوله ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الصف: 5) قالوا هنا في المختصر (والله لا يوفق القوم الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي إلى ما فيه رشدهم وسدادهم ما داموا مصرين على ذلك متمادين فيه).

ثم قال ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ (الصف: 8) وهيهات! فتأمل التعبير ﴿لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ﴾ (الصف: 8) ومَنْ يقدر على إطفاء نور الله؟ ثمَّ إنّ الإطفاء يكون بالأفواه؟ فأين هذا الإطفاء بالأفواه لنور الله؟ قال ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (الصف: 8).

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ (الصف: 9) ومن معاني الهدى ودين الحق : العلم النافع والعمل الصالح. لذلك قالوا في المختصر (بدين الإسلام دين الهداية والارشاد للخير ودين العلم النافع والعمل الصالح) هذا من معاني ﴿بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ (الصف: 9).

ثم قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الصف: 10)

كأن المعنى: آمنوا بالله ورسوله، ولذلك جاء الجواب بعدُ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فكأنّ المعنى : آمِن بالله ورسوله جاء الفعل مجزوماً : يغفرْ لكم ذنوبكم، ومنهم من يقدِّر له (فعلاً)، من يقدِّر لقوله ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ما يناسبه من السياق مقدراً.

﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (الصف: 11) كيف وهم مؤمنون؟ يعني تستمرون على الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ﴾ قال هنا وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ : قال بعض العلماء : ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر المساكن لأن هؤلاء جاهدوا، والمجاهدون يخرجون من ديارهم، فعوضهم الله عز وجل بالمساكن في الآخرة، وهي مساكن أخرى مساكن طيبة في جنات عدن جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه.

﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: 13)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (الصف: 14) بهذا ختمت السورة الكريمة الدعوة إلى الانتماء لله ولرسوله وإلى أن نكون أنصاراً لله، ولتعلموا يا أيها الإخوة الكرام أنّ الحواريين كانوا أنصار عيسى - عليه السلام -، ومع ذلك لم يقاتلوا، فلم تكن النصرة بالحرب والسلاح، وإنما كانت نصرة اتباع وهذا معناه أنّ النصرة قد تتم بالجهاد في سبيل الله، وقد تتم بالاتباع، فيتبع الرسول صلى الله عليه وسلم قدر استطاعته وحينئذٍ يكون ناصراً لله وناصراً لدين الله، وناصراً لرسول الله، وقد وعد الله المؤمنين فقال ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَـٰهِرِينَ﴾ (الصف: 14) أي غالبين كما قال في شأن المؤمنين ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ﴾ (الصف: 9) أي ليعليه ﴿عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 9)

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• تبشير الرسالات السابقة بنبينا - صلى الله عليه وسلم - دلالة على صدق نبوته.

• التمكين للدين سُنَّة إلهية.

• الإيمان والجهاد في سبيل الله من أسباب دخول الجنّة.

• قد يعجل الله جزاء المؤمن في الدنيا، وقد يدخره له في الآخرة لكنه لا يُضَيِّعه -سبحانه-.

قال الشيخ حفظه الله

• تبشير الرسالات السابقة بنبينا - صلى الله عليه وسلم - دلالة على صدق نبوته : ومع تحريف أهل الكتاب كتبهم إلا أنه لا تزال إلى يوم الناس هذا هناك بشارات موجودة في الكتاب المقدس كما يسمونه، أو في التوراة والإنجيل، لا تزال هناك بشارات تدل على صدق رسول الله وعلى مجيء رسول يقال له أحمد صلى الله عليه وسلم.

• التمكين للدين سُنَّة إلهية : ولذلك قال ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 9)

• الإيمان والجهاد في سبيل الله من أسباب دخول الجنّة : ﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (الصف: 11) إلى آخر الآيات.

• قد يعجل الله جزاء المؤمن في الدنيا، وقد يدخره له في الآخرة لكنه لا يُضَيِّعه -سبحانه-.

قد يعجل الله جزاء المؤمن في الدنيا ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (الصف: 13) وقد يدخره له في الآخرة وذلك بدخول الجنان لكنّه لا يضيعه سبحانه وتعالى.

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الفائزين وأن يجعلنا من الناجين من النار وأن يوفقنا لما يحب ويرضى هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والله أعلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة