مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الممتحنة

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 44 من 103 · 36 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة الممتحنة - مدنية-

مقاصد السورة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تحذير المؤمنين من تولي الكافرين.

قال الشيخ حفظه الله

نعم سورة الممتحنة، قال هنا سورة مدنية وهي كذلك سورة مدنية، وذلك لأنّ السورة الكريمة تتحدث عما جرى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك دار الحديث فيها عن قضية الولاء والبراء. الولاء للمؤمنين والبراء من المشركين، وفيها ذكر الهجرة، ومجيء المؤمنات مهاجرات. وأيضاً فيها قوله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ (الممتحنة: 1) إلى آخر الآيات، وهذه الآيات نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وقد أرسل إلى قريش ليعلمهم بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يأتيَ مكة فاتحاً، وهذا كان قبل فتح مكة وهذا معناه أن السورة مدنية لأنَّها نزلت بعد الهجرة بسنوات ولذلك هي مدنية بالاتفاق.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا من مقاصد السورة (تحذير المؤمنين من تولي الكافرين) ولذلك تستطيع أن تقول إن هذه السورة مدارها ومقصودها الأعظم الحديث عن الولاء والبراء، ولذلك كثر فيها الحديث عن قضية الولاء والبراء.

وأيضًا التمييز بين قضية الولاء والبراء وقضية البر والإقساط. كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ (الممتحنة: 1) وبعد ذلك ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ﴾ (الممتحنة: 4) وأيضاً في ختام السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: 13) وكذلك في أثناء السورة حديث عن ذلك فالأمر فيها واضح في التذكير بأمر الولاء والبراء.

ويقال لها سورة الممتحنة باعتبار ما يقع في هذه السورة من امتحان أو الممتحنة باعتبار المرأة الممتحنة وذلك مأخوذ من قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ (الممتحنة: 10) ففيها الامتحان كما سيأتي بيانه بإذن الله تبارك وتعالى.

هذه السورة الكريمة أيضًا إحدى السور التي افتتحها الله بالنداء للمؤمنين، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الممتحنة: 13) وافتتاح السور بالنداء هو أحد أنواع الاستفتاحات في سور القرآن الكريم فهي كما تقدم وكما ذكر عدد من أهل العلم تصل إلى عشرة أنواع : منها البدء بالنداء، ومنه هنا البدء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الممتحنة: 13) ونظيرها في ذلك أو نظيرتها في هذا سورة المائدة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1) وسورة الحجرات وقد تقدمت معنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (الحجرات: 1)

قال الشيخ حفظه الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ (الممتحنة: 1) هكذا يبدأ الله - سبحانه وتعالى - هذه السورة الجليلة بهذا النداء اللطيف، النداء الملائم للقلوب، النداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الممتحنة: 13) ثم هنا جاء النهي ﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ (الممتحنة: 1) ولذلك قال عدد من أهل العلم وأُثر عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – إذا سمعت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الممتحنة: 13) فأرعِه سمعك، فإنما هو خير تؤمر به أو شر تُنهى عنه، فيأتي بعد النداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الممتحنة: 13) إما أمرٌ وإما نهي، وإذا جاء غير ذلك : فإنّه يُفهم منه ذلك، كما سيأتينا قريباً بإذن الله في صدر سورة الصف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2) وهذا الاستفهام ليس أمرًا ولا نهيًا لكنّه راجع إلى هذا المعنى.

وهنا جاء النهي ﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ (الممتحنة: 1) وهذا يدل على أنّ مقصود السورة: هو النهي عن موالاة أهل الكفر، الأمر بالبراءة منهم، ﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ﴾ (الممتحنة: 1) كيف ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ﴾؟ إذاً هم أعداء الله وأعداء لكم وهم كفار ﴿بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ﴾، وأيضاً يؤذونكم ويخرجون الرسول وإياكم، انظروا إلى هذا المعنى الجليل (لم يقل يخرجونكم والرسول) وكان يؤتى بالضمير المتصل، ولا يحتاج الأمر إلى انفصاله؛ لكن قدَّم الرسول تكريمًا له وإعزازًا ( فقال يخرجون الرسول وإياكم ) فأنتم تبعٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم –

ولو لم يخرجوا إلا الرسول لكفاكم في أن تكونوا معادين لهم؛ لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - ينبغي أن يكون أحب إلى المؤمنين من أنفسهم، ﴿يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ (الممتحنة: 1) هذا فاستفيد منه أنّ قوله(وَإِيَّاكُمۡ) معطوف على الرسول.

﴿أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ (الممتحنة: 1) لذلك لا يحسُن أن يقفَ الإنسان على كلمة (الرسول) ثم يستأنف فيقول ﴿وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ (الممتحنة: 1) فيكون محذراً لهم من الإيمان بالله. هذا لا شك في خطئه وإنما هي موصولة على قوله (ٱلرَّسُولَ).

قال ﴿أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ (الممتحنة: 1) تقدم أنّ هذه الآية الجليلة نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه وغفر له - وهو من أهل بدر الكرام؛ لكنّه أراد أن تكون له يد عند المشركين؛ لأنّ كثيراً من الصحابة كانت لهم أيدٍ أو كانت لهم قرابات؛ وأما هو فلم يكن كذلك، ولذلك قال ( إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أردت أن أتخذ يدًا عند المشركين يحمون بها قرابتي ) ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله ما حملك على ما صنعت؟ قال : لم أفعله ارتداداً عن ديني، يعني لم يفعل ذلك ارتداداً عن دينه، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، ﴿أَنَّمَا﴾ أراد أن تكون له يد يحمون بها قرابته، فأرسل الرسالة مع تلك المرأة وأعلم الله رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بشأنها وأرسل الرسول علياً - رضي الله عنه - كما هو معروف في الصحيحين.

الشاهد من ذلك أن الله حذَّرهم هذا التحذير، ومع ذلك لم ينفِ عنهم وصف الإيمان. ولم ينفِ عنهم صفة الإيمان، وفي قول الرسول - عليه الصلاة والسلام - لحاطب رضي الله عنه ما حملك على ما صنعت؟ سؤال عن السبب وعن الدافع، ولذلك ينبغي أن يسأل المرء وأن يستفسر عنه، والعلماء يفرقون بين ما يقع من الإنسان إذا وقع منه بعمد أو بغير عمد أو بجهل أو بعناد. كما هو معروف فيما يذكره العلماء من موانع التكفير وأسباب التكفير وشروطه، هذا بعد تقرير أن تكون المعصية كفراً، فيكون هناك معصية يحكم عليها بما هو لائقٌ بها، ويُنظر أيضًا قبل تنزيل هذا الحكم على المعين بتوافر الشروط وانتفاء الموانع.

﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا۟ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة: 2)

قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا۟ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ﴾ (الممتحنة: 2) تأمل ﴿وَيَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ (الممتحنة: 2) وأيضاً ﴿وَأَلْسِنَتَهُم﴾ كأنّ اللسان ينبسط، كما أنّ اليد تنبسط بالسوء ﴿وَوَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة: 2).

﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ ۚ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (الممتحنة: 3) أيضًا احتمل المفسرون هنا احتمالين. ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ﴾ (الممتحنة: 3) ويقفون، ﴿يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (الممتحنة: 3) فيكون قوله (يَوۡمَ) متعلق بقوله ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (الممتحنة: 3) أو أن يكون المعنى : ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ ۚ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (الممتحنة: 3) أي الله يفصل بينكم، وهذا ما أطلق عليه بعض العلماء : بوقف التعانق بمعنى أنه يمكن أن تقف على أحد الموضعين دون الآخر، وهي التي يوضع عليها ثلاث نقاط، فقالوا له وقف التعانق. وهذا الوقف له أمثلة في كتاب الله - سبحانه وتعالى - وفي بعض المواضع يكون القولان وجيهين، وفي بعضها يقدم أحدهما على الآخر، والكلام فيه معروف في كتب الوقف والابتداء، لكن أحببت الإشارة إليه حتى نكون على دراية بمثل ذلك.

ثم قال الله سبحانه وتعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (الممتحنة: 4) تقدم يا أيها الإخوة الكرام : أن الله جل وعلا يذكر من القصة القرآنية ما يناسب مقصود السورة؛ فقصة إبراهيم - عليه السلام - كثيرة وظاهرة في سور القرآن ومتكررة. لكن ما الذي ذكر من قصة إبراهيم هنا؟ ما يتعلق بقضية الولاء والبراء؛ لِمَ؟ لأنه متعلق بمقصود السورة.

فقال ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الممتحنة: 4) وهذا يعلمنا كثيراً حينما نرى قصة قد جاء منها جزء فنقول: ما وجه علاقة هذه القصة بهذه السورة؟ وهذا أيضًا مما يُعين على معرفة مقصود السورة والعلم عند الله.

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ (الممتحنة: 4) لأن قوله ذلك كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يستبين له أنه سيستمر على الشرك وسيموت على ذلك، ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (التوبة: 114) وقال الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ (التوبة: 113) [التوبة: 113].

﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ (الممتحنة: 4) (عليك توكلنا) التوكل على الله، (وإليك أنبنا ) : تحقيق العبودية لله، وتقدم في بعض المواضع أنّه قد جمع الله - سبحانه وتعالى - في كثير من الآيات بين الأمر بالعبادة والأمر بالتوكل، فهنا قال ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ (الممتحنة: 4) هذا هو التوكل، (وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا) هذه هي العبادة.

ومن الأمثلة على ذلك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) فــ (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ) في معنى (وإليك أنبنا )، (وإياك نستعين ) في معنى ( عليك توكلنا )، وهناك مواضع أخرى، والمطلوب منكم : أن تذكروا لنا ثلاث آيات فيها الجمع بين العبادة والتوكل.

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (الممتحنة: 5) فيها عدة معاني منها المعنى الذي ذكروه والمعنى المشهور : أن يكونوا بهذا الفعل فتنة للذين كفروا وهذا من رقة قلب إبراهيم - عليه السلام - ومن حلمه ومن قربه من ربه - سبحانه وتعالى -، فهو أواه حليم منيب، يُريد أن يُسلِم الخلق وأن يطيع الخلق ربهم سبحانه وتعالى. نعم.

منْ فَوَائِدِ الآيات

v تسريب أخبار أهل الإسلام إلى الكفار كبيرة من الكبائر.

v عداوة الكفار عداوة مُتَأصِّلة لا تؤثر فيها موالاتهم.

v استغفار إبراهيم لأبيه لوعده له بذلك، فلما نهاه الله عن ذلك لموته على الكفر ترك الاستغفار له.

قال الشيخ حفظه الله

• تسريب أخبار أهل الإسلام إلى الكفار كبيرة من الكبائر : وهذا ذنب كبير، ولكن غفر له بسبب تأوله، وبسبب أنّه من أهل بدر؛ لذلك لما قال عمر - رضي الله عنه- ائذن لي أن أضرب عنقه وهو منافق؛ H0. وهذا محل نظر، ولا يصلح والعلم عند الله؛ لأنّه لا يقع بدري في الكفر بالله. وليس هناك ما يشهد إلى أنّ هذا كفر بالله - سبحانه - لكن هو كبيرة من الكبائر وتفصيل ذلك معروف في موضعه مما يتعلق بالحديث المروي H1.

• عداوة الكفار عداوة مُتَأصِّلة لا تؤثر فيها موالاتهم : ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا۟ لَكُمْ أَعْدَآءً﴾ (الممتحنة: 2) وقت الجد إذا أدركوكم ظهرت العداوة.

• استغفار إبراهيم لأبيه لوعده له بذلك، فلما نهاه الله عن ذلك لموته على الكفر ترك الاستغفار له.

كما جاءت بذلك الآيات الأخرى. نعم

قال الشيخ حفظه الله

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾

نعم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ تقدّم - يا أيها الإخوة الكرام - أنّ قوله (وَمَن يَتَوَلَّ) إذا لم يُذكَر معه المفعول به، فإنّ المراد بالتولي الإعراض؛ لأنّ التقدير : ومن يتولى عن الله، يعني : يُعرِض عن الله أو عن الإيمان به، ولذلك يأتي (ومن يتول) دون أن تتعدى فحينئذٍ يكون هذا التولي تولياً مذموماً، بخلاف ما جاء في قوله ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ (المائدة: 56) [المائدة: 56]، فالتولي هنا : بمعنى الموالاة فهذا وذاك يختلفان، ولذلك يمكن أن يقال هذا من الوجوه والنظائر في كلمة (يتول ) أو في هذا الترتيب (ومن يتولى ).

ثم قال ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 7)

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ (الممتحنة: 7) وعسى من الله كما قالوا متحققة، وبالفعل هذا سببًا - بفضل الله - في أن يدخل الناس ﴿فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، وفي أن يُسلِم الخلق ﴿وَٱللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 7).نعم

قال الله ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8) فيه أنّه لا حرج في حسن المعاملة

ولهؤلاء الذين لم يقاتلوا فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دِيَٰرِكُمْ، فالبر والإقساط لهم لا حرج فيه. والإحسان إليهم حسن وجميل؛ لكن الممنوع هو موالاتهم.

ولذلك يخطئ كثير من الناس حين يأخذ بهذه الآية ولا يأخذ بآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ (الممتحنة: 1) وكذا العكس مَنْ يأخذ بالآية الأولى، ولا يأخذ بهذه الآية، والحق في هذا أنه ثمة فرق بين ما يتعلق بالولاء والبراء وبين أن يوالي الإنسان الكفار ويحبهم ويناصرهم؛ فإنّ هذا لا يجوز وبين أن يحسن إليهم في المعاملة، وأن يكون باراً مقسطاً إليهم لا يظلمهم، ولا يعتدي فإنّ هذا من شرعنا ولا إشكال فيه؛ بل إنّ الله قال ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ (الممتحنة: 8) ولذلك لما سألت أسماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم أتتني أمي وهي راغبة، وهي مشركة ( أفأصِلُ أمي) قال : صلِ أمَّك.

﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (الممتحنة: 9)

قال الله - سبحانه - ﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ﴾ (الممتحنة: 9) وتأمل هنا في هذا المعنى الجليل؛ لأنّ هنا في الآية لطيفة جليلة أن الله قال ﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ (الممتحنة: 9) لم يقل ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾، وهذا معناه أنّه يمكن أن تبر وتقسط حتى إلى المسيء.

تأملوا : يعني في البداية قال ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: 8)طيب. ﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ (الممتحنة: 9) لم يقل : ( ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ )، ولذلك ربنا لما أثنى على الأبرار في سورة الإنسان قال ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8) فأثنى على إطعام الأسير مع أنّ الأسير في الأصل ﴿أَنَّمَا﴾ يكون لمَنْ؟ لكافر معتدي، لكافر ظالم معتدي، ومع ذلك فإطعامه حَسَنٌ من المؤمنين ولا حرج فيه، ولا تثريب والعلم عند الله تبارك وتعالى.

(﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾)

ثم قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ﴾ (الممتحنة: 10) يعني جاءت المرأة مهاجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام تختبرونها حتى تعلموا أنها مؤمنة، ويكون هناك بيعة كما سيأتي إن - شاء الله - في الآية التي بعدها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ (الممتحنة: 12)الآية.

﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ﴾ (الممتحنة: 10) أي : بما يظهر لكم؛ لأنّ حقيقة الأمر ﴿أَنَّمَا﴾ يعلمها هو الله فحينئذٍ ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ﴾ (الممتحنة: 10) ولذلك قال عدد من أهل العلم : هذه الآية الكريمة نسخت ما جرى من اتفاق في صلح الحديبية (مَنْ أسلمَ من الكفار يؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بإعادتهم إلى الكفار مرة ثانية)؛ وقال بعضهم: هذا لم يدخل ابتداءً حتى يُنسخ ﴿أَنَّمَا﴾ كان الأمر متعلقاً بالرجال، وأمّا المرأة – فلا - فالمرأة إذا أسلمت فإنها لا تُعاد إلى الكفر أو إلى الكفار مرة أخرى.

قال ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟﴾ (الممتحنة: 10) يعني أعطوا أزواجهم ما بذلوا من مهورهن، تأملوا في رحمة الإسلام وعدله، يعني أعطوا أزواجهن هذا المهر وأبقوهن هنا؛ إذاً ليس المراد طمعاً في المال ﴿أَنَّمَا﴾ الحفاظ على دينها.

قال ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الممتحنة: 10) يعني ما تقولون أنتم ستعطون الكفار المهر، إذاً هذا يكفي، لا، لها مهرها أيضاً، إذاً يُعطى الكافر المهر الذي دفعه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وتُعطى هذه المرأة أيضًا المهر، هذا من سماحة الإسلام وعدله.

﴿وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: 10) فالمؤمن لا يُمْسِك بعصم امرأة كافرة بعقد زواجه، أو لا يُبقي على امرأة كافرة - لله سبحانه وتعالى - وأيضاً يدخل في ذلك المرتدات؛ فإذا ارتدت المرأة لا يبقي عليها المؤمن. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقُوا۟﴾ (الممتحنة: 10) ليسألوا الكفار ما بذلتم من مهور زوجاتكم المرتدات، خذوا، أعطونا المهور، فهذه امرأة مرتدة، وقد أتتكم هاتوا مهرها، ﴿وَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقُوا۟﴾ (الممتحنة: 10) ليسألوا هم ما بذلوا من مهور أزواجهم ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الممتحنة: 10).

﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الممتحنة: 11)

﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ﴾ (الممتحنة: 11) أي أن الكفار لم يدفعوا لكم شيئًا، لم يدفعوا إليكم شيئًا ولم يعطوكم شيئًا من المهر الذي تستحقونه بسبب ذهاب هذه المرأة مرتدة، ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ قالوا في المختصر أي (فغنمتم من الكفار) في معركة من المعارك ﴿فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا۟﴾ (الممتحنة: 11) عوِّضوا المؤمنين عن المهور التي كانوا قد دفعوها لتلك النساء ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تقع منهن الردة. هذه أحكام عظيمة جليلة من أحكام الإسلام. والكلام فيها يطول، لكن هذا طرف يسير منها ثم قال ﴿فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الممتحنة: 11)

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

v في تصريف الله القلب من العداوة إلى المودة، ومن الكفر إلى الإيمان إشارة إلى أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه سبحانه، فليطلب العبد منه الثبات على الإيمان.

v التفريق في الحكم بين الكفار المحاربين والمسالمين.

v حرمة الزواج بالكافرة غير الكتابية ابتداءً ودوامًا، وحرمة زواج المسلمة من كافر ابتداءً ودوامًا.

قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]

• في تصريف الله القلب من العداوة إلى المودة، ومن الكفر إلى الإيمان إشارة إلى أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه سبحانه، فليطلب العبد منه الثبات على الإيمان : - كما جاء بذلك الحديث في صحيح مسلم «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» لأن الله يقول ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 7) وكم من عداوة انقلبت إلى الصداقة، وكم من صداقة انقلبت إلى عداوة، وربما أصبح الرجل مؤمناً وأمسى كافراً كما هو معلوم.

• التفريق في الحكم بين الكفار المحاربين والمسالمين : ولذلك الكفار على أنواع، فهناك كافر حربي أعلن الحرب فحينئذٍ يُحَارَب، وهناك كافر ذمي، وهناك كافرٌ معَاهَد أو ذمي وهناك مستأمِن، فإذن عندنا معاهد ومستأمن وذمي وحربي، فالذمي الذي له عهد ذمة ومقيم معنا فهذا له حقوقه، وهناك المعاهد: هو مقيم في بلده لكن بيننا وبينه معاهدة، وهناك المستأمِن أو المستأمَن : من دخل بلادنا بأمان، بعقد أمان كتأشيرة سياحة مثلاً أو تأشيرة دخول. فهؤلاء لا يُظلَمون بل لهم حقوقهم بخلاف الكافر الحربي الذي أعلن الحرب، فربنا قال ﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (الممتحنة: 9).

• حرمة الزواج بالكافرة غير الكتابية ابتداءً ودوامًا، وحرمة زواج المسلمة من كافر ابتداءً ودوامًا.

لذلك قال ﴿وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: 10) وأيضاً في البداية ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ (البقرة: 221) بخلاف المحصنة من أهل الكتاب فقد أحلها الله ﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (المائدة: 5) [المائدة: 5] فيجوز للمسلم أن يتزوج المرأة الكتابية المحصنة، لكن لا يجوز له أن يتزوج المرأة المشركة، وكذلك المرأة إذا ارتدت بعد الزواج أو كفرت قال ﴿وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: 10)، وأما المؤمنة فإنها لا تتزوج من غير مسلم، فلا تتزوج من كتابي ولا من كافر ابتداءً ولا دوامًا، ولذلك قال الله ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: 10) ﴿وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟﴾ (البقرة: 221) [البقرة: 221]. نعم.

قال الشيخ حفظه الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 12)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ (الممتحنة: 12) وهذه الآية فيها ذكر بيعة النساء التي بايع عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – النساء، وقال ﴿أَنَّمَا﴾ قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولم يصافح واحدة منهن - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍ﴾ (الممتحنة: 12) وقوله ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍ﴾ (الممتحنة: 12) كذب، وقد اختلفوا في ﴿يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (الممتحنة: 12) وكثير يفسرونه بهذا : (ولا يُلحقن بأزواجهن أولادًا من الزنا)، قال ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 12).

ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: 13) هؤلاء من اليهود، ﴿لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. وعموماً غضب الله عليهم، فلا ينبغي للمؤمن أن يتولاهم، وهذا قريب مما حذرنا الله منه في سورة المجادلة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ (المجادلة: 14) فكانت في مقام التحذير، وهنا جاء في مقام النهي، ﴿قَدْ يَئِسُوا۟ مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ قال هنا في المختصر أي ( لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ لا يوقنون بالآخرة)

إذاً ﴿قَدْ يَئِسُوا۟ مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ : يعني لا يوقنون بالآخرة، ﴿كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ﴾ (الممتحنة: 13) قال هنا في المختصر أي ( بل هم يائسون منها مثل يأسهم من رجوع موتاهم إليهم لكفرهم بالبعث.) كما أنهم في يأس من رجوع موتاهم إليهم لكفرهم بالبعث وهذا أحد الأقوال المشهورة في تفسير الآية الكريمة.

فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ﴾ (الممتحنة: 13)

2- أو كما يأس الكفار منه على أنّ (مِنْ ) متعلقة بقوله (يأس ) يعني كما يأس الكفار الأحياء من عودة أصحاب القبور إليهم.

وهكذا يا أيها الإخوة الكرام نرى أنّ هذه السورة الجليلة الكريمة قد بدأها الله - عز وجل - بالنهي عن موالاة الكفار وختمها كذلك بهذه الآية الجليلة. فنسأل الله أن يثبتنا على دينه.

مِنْ فَوَائِدِ الآيات

• مشروعية مبايعة ولي الأمر على السمع والطاعة والتقوى.

نعم هذه الآية وذلك في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (الممتحنة: 12) ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -ثبت عن الصحابة كانوا يقولون «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة»، فلقَّنني: «فيما استطعت»، و«النصح لكل مسلم» وبهذا نكون قد انتهينا بفضل الله وتوفيقه من تفسير سورة الممتحنة وننتقل إلى سورة الصف.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة