مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الحديد

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 43 من 103 · 1 ساعة و5 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة الحديد - مدنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] الترقي بالنفوس للإيمان والإنفاق في سبيل الله.

قال الشيخ حفظه الله

سورة الحديد قالوا هنا سورة مدنية، وهذا ما عليه كثيرٌ من أهل التحقيق؛ وإلا فإنّ سورة الحديد إحدى السور التي قد اختلف فيها، فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بمكيتها، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بمدنيتها. لكن الذي عليه الجمهور أنّ السورة سورة مدنية. ويشهد لذلك أمور :-

1- منها قوله : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الحديد: 10) ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الفتح وبعد الفتح، هذا حديث عن الفتح، وهذا كان بعد الهجرة بلا شك.

2- وأيضًا ذِكرُ الجهاد في سبيل الله في مواضع عديدة في السورة الكريمة، وكذلك ذكر الحديد وذكر البأس الشديد. هذا كله يشهد بمدنية السورة المباركة.

وجاء عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في صحيح مسلم : «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله سبحانه وتعالى بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ (الحديد: 16) قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين».

وعبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أحد السابقين المباركين - ممن أسلموا مبكراً كما هو معلوم، وبناء عليه فتكون هذه الآية من الآيات التي نزلت مبكراً، لذلك قال بعض العلماء : إنّ هذا يدل على أنّ هذه آية مُستثناة وحينئذٍ يكون الاستثناء بحجة ودليل، وقلتُ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن الآيات المستثناة في جانب المكي والمدني في السور قليلةٌ جدًّا. وهذه تصلح شاهدًا على هذا؛ على أنّ بعض العلماء لهم توجيهات أخرى لعلنا نلفتُ النظر إليها إن كان الأمر مناسباً، حينما نصل إلى هذه الآية الكريمة في تفسير السورة المباركة والعلم عند الله تبارك وتعالى.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا: من مقاصد السورة الترقي بالنفوس للإيمان والإنفاق في سبيل الله. أنت حينما تتأمل السورة المباركة تجد أنّ فيها حديثاً كبيراً عن قضية الإنفاق في سبيل الله، ولك أن تجمع فتقول : فيها حديث عن الدعوة إلى الجهاد بالنفس والمال، ففيها عن الجهاد بالنفس ولذلك فيها ذكر لأمر الجهاد ونزول الحديد الذي فيه البأس الشديد وفيه دعوة إلى القتال في سبيل الله - سبحانه وتعالى -، وفيه دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله عز وجل؛

وكأن الآيات والله أعلم بعد أن ذكرت السابقة التهديد والوعد والوعيد، وهذا كان في العهد المكي لأن السور السابقة سور مكية كما تقدم. بعد ذلك جاء الحديث عن أنّ هؤلاء ما داموا مستمرين على طغيانهم وعلى عدوانهم، فإنّ اللائق بهم أن يُقاتَلوا نصرة لدين الله - سبحانه وتعالى - وإظهار الحق؛ لأنّ هؤلاء يحاربون الإسلام وأهل الإسلام، وتجد قضية الإنفاق في هذه السورة الكريمة بارزةٌ جداً.

لذلك قال الله ﴿امِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) وقال ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الحديد: 10) آيات كثيرة، ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (الحديد: 18) وهكذا. بل ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الحديد: 20) الآية وهذا فيه أنّ الذي يمتنع عن الإنفاق ما الذي يحمله على ذلك؟ هو اغترار بالحياة الدنيا. وأيضاً قال الله - سبحانه وتعالى- ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ ففيها آيات كثيرة تتحدث عن هذا الباب، فلذلك قالوا من مقاصدها الواضحة : الحديث عن الإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى. أو ما هو أعم وهو استعمال الحديد حينما يكون مجاهداً، وهو الجهاد بالنفس. وكذلك الجهاد بالأموال والإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى.

ومن المناسبات الظاهرة في السورة أن ختام سورة الواقعة ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 96) وأن صدر سورة الحديد ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الحديد: 1) فهنا مناسبة واضحة وجلية بين ختام سورة الواقعة وافتتاح سورة الحديد، وهو قوله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ (الحديد: 1) في أول السورة الكريمة، هذا فيه أنّ السورة إحدى المسبحات. ولذلك سورة الحديد إحدى المسبحات، والمسبحات سبع سور ولذلك المطلوب منكم أيضًا : أن تذكروا لنا السور السبع التي افتتحها الله عز وجل بالتسبيح. نعم.

قال الشيخ حفظه الله :

﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ خيرُ من فسر لنا هذه الأسماء الأربعة رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم - هو الذي فسر الأول بأنّه الذي ليس قبله شيء، وفسر الآخر بأنّه الذي ليس بعده شيء. وفسر الظاهر بأنّه الذي ليس فوقه شيء، وفسر الباطن بأنه الذي ليس دونه شيء. فهذا من تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الأسماء، وهذه الأسماء الأربعة : اسمان الأول والآخر، يقابل أحدهما الآخر، وقوله الظاهر والباطن فيهما أيضًا تقابل؛ لذلك قالوا (الأول والآخر فيه الإحاطة الزمانية، والظاهر والباطن فيهما الإحاطة المكانية ) والمطلوب منكم أيضًا تتمة لهذه الأسئلة أن تذكروا لنا حديثاً H0. أين ورد هذا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعني في تفسير ﴿ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ﴾؟

قال أصحاب المختصر في التفسير ::

• أسماء الله (الأول، الآخر، الظاهر، الباطن) تقتضي تعظيم الله ومراقبته في الأعمال الظاهرة والباطنة.

نعم، لأن الأمر كما قلت إحاطة زمنية وإحاطة مكانية فهو محيط بكل شيء سبحانه (﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ ) وهذا يستدعي من الإنسان أن يراقب الله في سره وفي علنه.

قال الشيخ حفظه الله :

نعم. قال الله سبحانه ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (الحديد: 4) إلى آخر الآيات الكريمة، تجدون يا أيها الإخوة الكرام : أنّ صدر سورة الحديد حديث عن الله - سبحانه وتعالى - وصفاته وتنزيهه عن النقائص، إذن الشق الأول أو الجزء الأول من هذه السورة الكريمة حديث عن تنزيه الله سبحانه عن النقائص، وعن أوصاف الله - سبحانه وتعالى – وأفعاله، ودلائل عظمته سبحانه عز وجل، وفي هذا تشجيع للنفوس على الإقبال على الله والإيمان به وتنفيذ أوامره، ومنها الإنفاق في سبيل الله.

وقوله سبحانه وتعالى ﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (الحديد: 4) قالوا هنا في المختصر (بدأت بيوم الأحد وانتهت بيوم الجمعة) باعتبار ما ورد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من انتهاء الخلق بيوم الجمعة، فلذلك قالوا إنّ الأول كان يوم الأحد بناء على هذا وإثباتًا للأيام الستة، وقوله ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ (الحديد: 4) قالوا في المختصر (ثم علا وارتفع ) وهذا معنى مشهور في معنى الاستواء إذا تعدى بـ (على )، قالوا (استواء يليق به سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (الحديد: 4) وفي إثبات هذه الصفات نقول : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ لأنّ الإنسان مهما أوتي من العلم فإنّه جاهل بحقيقة أمره ولو قيل للمرء منا :: صف لنا روحك لعجز الإنسان عن وصفها؟

أين مِنك الرُّوحُ في جَوهَرِهَا هَل تَرَاهَا فَتَرَى كَيفَ تجولُ

وكذا الأنفاسُ هل تحصُرها لا ولا تدري ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ عنكَ تزولُ

أينَ مِنكَ العَقلُ والفَهمُ إذَا غَلَبَ النَّومُ فَقُل لي يَا جَهُولُ

فَإذَا كانَت طَوَايَاكَ الَّتي بَينَ جَنبَيكَ كَذَا فِيهَا ضَلُولُ

كَيفَ تَدري مَن عَلَى العَرشِ استوى لاَ تَقُل كَيفَ استَوَى كَيفَ النُّزُولُ

كيف يَحْكِي الربُّ أم كيف يُرَى فلعمري ليس ذا إلا فُضُول

جَلَّ ذَاتاً وَصِفَاتٍ وَسَمَا وَتَعَالَى قدره عَمَّا تَقُولُ

فنقول كما قال الله وندع الأمر لله، فالكيفية ليست إلينا بل هي مجهولة عندنا لا نعلمها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) وحينئذٍ نسلم من إشكالات كثيرة، والمقام في هذا يطول وليس هذا مناسب له والعلم عند الله.

لكن هنا أمر وهو أن الله قال ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (الحديد: 4) فأيضاً - سبحانه وتعالى – معنا، قالوا هنا في المختصر (معكم أينما كنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس بعلمه لا يخفى عليه منكم شيء) ومن إثبات معية العلم والإحاطة ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 7) [المجادلة: 7]، قال الإمام أحمد : بدأ بالعلم وختم بالعلم. تفسير هذا، وأنّ هذا حق في التفسير ولا إشكال فيه. قال ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد: 4) وقوله ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (الحديد: 4) لم يقل (وما يعرج إليها ) مع أنَّ مادة (العروج) تتعدى بإلى، قالوا لأنَّها تتضمن معنى الدخول، يعني : عرج إليها فقط وإنما دخل فيها. لذلك معنى ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (الحديد: 4) يعني : وما يدخل فيها.

﴿امِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: 7)

ثم تمضي الآيات الكريمة وجاء الأمر الصريح فيها بعد الثناء على الله - سبحانه وتعالى - وذكر بعض أوصافه وأفعاله ﴿امِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) ولذلك بإمكانك أن تقول : إنّ هذه الآية الكريمة تحدثنا عن عمود السورة كما يُسَمَّى أو عن الأساس : المحور الأم، وهو الأمر بالإيمان والإنفاق، والإنفاق ﴿أَنَّمَا﴾ يعقب الإيمان ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) فأنت مُستخلَف، لا تتصرف في المال كيف شئت وإنما وفق شرع الله -سبحانه وتعالى - وقد أحسنوا حينما قالوا في المختصر (والذي جعلكم الله مستخلفين فيه تتصرفون فيه وفق ما شرع لكم ) وقال ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟﴾ (الحديد: 7) تأمل ( آمنوا وأنفقوا ) ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: 7).

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۙ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ﴾ (الحديد: 8) وبعدُ قال ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (الحديد: 10) وهذا دعوة للإيمان والإنفاق في سبيل الله في قوله ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟﴾ (الحديد: 10) فيه تفاضل الناس، وأنّ الذي يسبق إلى الإسلام والذي يفعل الخير وقت الحاجة والشدة ووقت الضعف له قدره. ولذلك من مواضع التقديم أقدمهم هجرة أو أسبقهم إسلاماً، فهذا أيضًا مما للمرء به المنزلة العظيمة عند الله - سبحانه وتعالى - فقد استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على أنّ الصحابة الكرام في الجنة؛ لأنّ الله سبحانه وعد الجميع ﴿مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ﴾، ومن كان بعد ذلك وعد الجميع بماذا؟ بالحسنى. فقال ﴿وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ (الحديد: 10) وهي الجنة.

من فوائد الآيات

· المال مال الله

· تفاوت درجات المؤمنين بحسب السبق إلى الإيمان وأعمال البر

· الإنفاق في سبيل الله سبب في بركة المال ونمائه

نعم من فوائد الآيات المال مال الله والإنسان مستخلف فيه تفاوت درجات المؤمنين بحسب السبق إلى الإيمان وأعمال البر. الإنفاق في سبيل الله سبب في بركة المال ونمائه. المال مال الله والإنسان مستخلف فيه قوله سبحانه وتعالى ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. تفاوت درجات المؤمنين بحسب السبق إلى الإيمان واعمال البر لا يستوي منكم. ﴿مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟﴾. الإنفاق في سبيل الله سبب في بركة المال ونمائه، لذلك وعد الله قال ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11) والتعبير عنه بالإقراض وأنّه إقراض لله، والله - سبحانه وتعالى - لا يُضَيِّع العبد، بل يُرَدُّ له هذا القرض مع زيادة ولذلك قال الله سبحانه ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 276) [البقرة: 276].

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (الحديد: 12)

نسأل الله - سبحانه وتعالى -أن يجعلنا من هؤلاء الفائزين فوزاً عظيماً، فأهل الإيمان تُقسَّم عليهم الأنوار كما دلت على ذلك النصوص بحسب الأعمال، فكلما كان عمل المرء أرقى وأعلى كان نوره أتمّ وأوضح وأجلى.

قال الله – سبحانه - ﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ﴾ (الحديد: 12) أي: يقال لهم: «بُشراكم اليوم» فهنا أيضًا فعلُ (القول) مقدرٌ يدل عليه في السياق كما هو كثيرٌ ومضطردٌ في كتاب الله - سبحانه وتعالى - ﴿بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (الحديد: 12)

﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (الحديد: 13) جاء هنا ذِكرُ المنافقين وأنت ترى أُخَيَّ الكريم أنّ المنافقين لا يُذكرون في السور المكية في الأعم الأغلب، وإنما يُذكرون في السور المدنية التي نزلت بعد هجرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنّ النفاق ﴿أَنَّمَا﴾ يظهر وينبت عند قوة الإيمان والمؤمنين فحينئذٍ يستتر صاحبه، ويحاول أن يُظْهِر خلاف ما في قلبه، فيُظْهِر الإيمان ويُظْهِر الحق، وجاء التحذير هنا فقال ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (الحديد: 13) انظرونا :- (انتظرونا) لأنَّها تعدتْ بنفسها، فأنت تقول نظرته أي : انتظرته، ومنه قوله سبحانه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 210) [البقرة: 210]، يعني : هل ينتظرون.

﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (الحديد: 13) وهذا معناه أنّه لا نور لهم؛ فإذا كان أهل الإيمان يقتسمون الأنوار كلهم بحسب عملهم؛ فإن هذا المنافق قد بطل عمله بنفاقه فعمله لا قيمة له ولا وزن لأنه أبطله بشركه وكفره وتكذيبه بآيات الله وإن أظهر خلاف ذلك. ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا﴾ (الحديد: 13) أي : التمسوا نوراً تبحثون عنه. وقد ذكر بعض المفسرين : أنهم يجدون حينئذٍ النار. فهي وإن بدت كأنّها نور فهي نار لذلك قالوا ﴿ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا﴾ (الحديد: 13) ولم يقولوا: (ارجعوا وراءكم تجدوا نورًا) فإنهم لن يجدوا هذا النور، وإنما هو متوهم. يتوهمون، أعني أهل النفاق.

قالوا ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ (الحديد: 13) كما أن هؤلاء كانوا يعاملون الناس معاملةً، وكانت قلوبهم على خلافها، فكذلك يجري لهم هذا في يوم القيامة كما قال الله ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ (النساء: 142) [النساء: 142]، فهذا يقع لهم. يتوهمون أنّهم سيجدون النور، وبينما هم كذلك يُضْرَب ﴿بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ﴾ ﴿بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ (الحديد: 13)

﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ (الحديد: 14) ألم نكن معكم؟ أي ينادي المنافقون أهل الإيمان ألم نكن معكم؟ نصلي معكم الصلوات، ونحضر معكم الجماعات، وما أشبه ذلك ﴿قَالُوا۟ بَلَىٰ﴾ (الحديد: 14) قد كنتم معنا؛ ولكنّها معية ليست حقيقية ﴿وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ (الحديد: 14) هذه خمسة أمور ذكرها الله سبحانه وتعالى عن المنافقين، يقولها أهل الإيمان لهم يوم القيامة :-

1- ولكنكم فتنتم أنفسكم هذا أول شيء، أي : فتنتم أنفسكم بالنفاق فأهلكتموها.

2- وتربصتم بالمؤمنين أن يُغلَبوا فتُعلنوا كُفرَكم، يعني كنتم تتربصون بهم وتنتظرون، كما جرى أيضًا من كلام المشركين قبله في سورة الطور ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30)

3- قال ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ ليس عندكم يقين في الله، ولا في رسول الله ولا في الإيمان؛ وإنما عندكم شك وعندكم شك في نصر الله لأنبيائه وأوليائه.

4- وغرَّتكم الأماني : قالوا في المختصر أي (وخدعتكم الأطماع الكاذبة) فكانت الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم. يريدون العَرَضَ القريب.

5- وغرَّكم بالله الغرور : وهو الشيطان.

وهذه الأمور الخمسة التي وصف بها أهل الإيمان أهل النفاق، حقيقٌ بالعبد المؤمن أن يتجنبها، وليعلم أنّها أسباب للانتكاس، فالإنسان ينتكس، إذا وقع في واحدة من هذه الأمور، فإذا أراد أن يثبِّته الله سبحانه وتعالى على الإيمان وأن يكون خالصاً مخلصًا لله فليتجنب هذه الأمور التي ذكرها الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية الكريمة.

قال ﴿فَٱلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ مَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ ۖ هِىَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (الحديد: 15) نسأل الله السلامة. ثم قال الله جل وعلا في آية عظيمة جليلة :

هذه الآية الكريمة تقدم في بداية الحديث عن سورة الحديد أنّ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ثبت عنه كما في صحيح الإمام مسلم أنّه قال (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله عز وجل بهذه الآية إلا أربع سنين ) وهي قوله سبحانه ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ (الحديد: 16) هذه الآية الجليلة الكريمة. وقلنا إنّ هذا يدل على أنّ هذه الآية من أوائل ما نزل، وأنها في العهد المكي، لأنّ عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام وفي الإسلام، لذلك هذه الآية يمكن أن تُسْتَثْنى من السورة الكريمة، وقد استثنى فريق من العلماء أيضًا صدر السورة.

فقال بعضهم إنّ صدر السورة الكريمة نزل بمكة ثم بعد ذلك نزلت الآيات بالمدينة ولذلك السورة قد اختلف فيها اختلافاً، اُختلف فيها بين أهل العلم اختلافات كثيرة فمنهم من يرى أنها مكية ومنهم من يرى أنّها مدنية ومنهم من يرى أنّ بعضها مكي وأنّ بعضها مدني ولعل الأقرب والعلم عند الله أنها مدنية.

لكن ممكن أن نستثني منها هذه الآية لثبوت هذه الرواية عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - في صحيح مسلم. لكن على كل حال فهي آية جليلة عظيمة جديرة بالتأمل، إذا كانت هذه الآية قد نزلت بعد إسلامهم بأربع سنوات أو بأربع سنين تعاتبهم ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ (الحديد: 16) فماذا يقال لنا بعد سنين كثيرة وطويلة أسلمنا فيها لله رب العالمين، وأعلنَ كثيرٌ منّا الاستقامة، والإقبال على طاعة الله - سبحانه وتعالى - فيا هذا، فيا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المستقيم ويا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان الذي يدعي الإصلاح والصلاح والفلاح، أين أنت من هذه الآية؟ هل خشع قلبك؟ وهل خشعت قلوبنا؟ بعد مرور سنوات طويلة من حفظ وقراءة القرآن وربما حضرنا مجالس علمية وعرفنا أحاديث نبوية، ودرسنا كتباً شرعية وما إلى ذلك فأين خشوع القلب، هذه قضية حَرِيَّةٌ بالتأمل أن يبحث كل واحد منّا عن خشوع قلبه، ولذلك شتان بين عبد يقرأ القرآن فيخشع قلبه، ويستنير فؤاده بهدي القرآن الكريم، وبين آخر يقرأ القرآن فلا يجد شيئًا من ذلك ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ (الحديد: 16) فالأصل أن يخشع القلب لذكر الله ويطمئن لكلامه ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾. والقراءة الأخرى ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ (الحديد: 16). ﴿وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ﴾ (الحديد: 16) تحذير من حال هؤلاء، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد: 16) والمراد بالذين أوتوا الكتاب أي : من اليهود والنصارى،

﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ﴾ (الحديد: 16) وهذا فيه أنّ طول الأمل يؤدي إلى قسوة القلب، وقد قالوا : إن القسوة مبدأ الشرور، وهذا ذكره الألوسي وغيره، قالوا : إنّ القسوة مبدأ الشرور، وتنشأ من طول الغفلة عن الله، الغفلة عن الله تنشأ عنها القسوة، ثم إن هذه القسوة تنتج الشرور التي لا تعد ولا تحصى. قال الله – سبحانه - ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد: 16) فقوله (فقست قلوبهم) : دليل على أنّ سبب قسوة القلب هو طول الأمل، ولذلك حب الدنيا والحرص عليها وطول الأمل هذا كله يقسي القلب.

وأمّا ذكر الله وتلاوة القرآن فإنّ ذلك سبب خشوع القلب، فلنراجع كتاب الله - سبحانه وتعالى - وما يدرينا لعلّ آية من كتاب الله تكون سببًا في حياة القلب. وقد ذكر العلماء في ترجمة الفضيل بن عياض - رحمة الله - أنّ هذه الآية الكريمة كانت سببًا في تغيير سلوكه، وفي تحويل أمره، فصار مستقيمًا على طاعة الله حتى لُقِّبَ بعابد الحرمين، بعد أن كانت له مواقف لا تُحمد. فنسأل الله - سبحانه وتعالى -أن يثبتَنا على هداه، ثم قال الله سبحانه وبحمده :

﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

وهذه آية فيها معنيان، معنى واضح أو ظاهر : وهو إثبات البعث والنشور ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الحديد: 17) فالله عز وجل كما أنّه يحيي الأرض بعد موتها، فهو ﴿يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾. وهذا كثير في القرآن الكريم ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) والمعنى الآخر أي : وأيضاً القلوب الميتة يحييها الله، فكأنّ فيه إشارة إلى أن نطلب من رب العزة أن يحييَ قلوبنا، ولذلك إذا سأل سائل وقال : ما وجه المناسبة بين قوله ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الحديد: 17) ما وجه المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها؟ فيُقَال الجواب : أنّ القلب كالأرض، وهذا القلب يحتاج إلى سقي كما أنّ الأرض تحتاج إلى سقي، تحتاج إلى زرع، والقلب يحتاج إلى زرع، ويحتاج إلى حياة والقلب يحتاج إلى حياة، فنسأل الله أن يُحيِي قلوبنا بالإيمان، لذلك أحسن هنا أصحاب التفسير حينما قالوا (فتعلموا أنّ الذي أحيا الأرض بعد موتها قادرٌ على بعثكم بعد موتكم وقادر على جعل قلوبكم لينة بعد قسوتها ) يعني راجعوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم لعل الله سبحانه وتعالى يحيي القلوب، قال ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَـٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 18)

﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ﴾ (الحديد: 18) هكذا بالتشديد، هذا معناه أن المتصدقين والمتصدقات فأصل كلمة المصدقين يعني : المتصدقين، وهناك قراءة أخرى متواترة، ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (الحديد: 18) وقوله (إنّ المصَدِّقين والمصدقات ) هذا تصديق، إذاً معناها : الذين يُصَدِّقون وكذلك المصدقات : أي الذين آمنوا بالله وبرسوله وصدّقوا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويكون قوله ﴿وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (الحديد: 18) هو الذي فيه الدعوة إلى الإنفاق؛ وأمّا إذا قُلنا إنَّ المتصدِّقين والمتصدِّقات فالآية كلها حديث عن أبواب الصدقة كما جرى معنا في قوله ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11) وقد تقدم أنّ من مقاصد السورة العظيمة الحث على الإنفاق في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله، وهذا كما ذكرت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ مما نحتاج إليه في معرفة معاني القراءات. فإنّ الإنسان إذا عرف قراءة (إن المتصدقين) فقط دون أنّ يطلع على قراءة (إنّ المصدقين) فاته معنى في الآية الكريمة والعلم عند الله تعالى.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• امتنان الله على المؤمنين بإعطائهم نورًا يسعى أمامهم وعن أيمانهم.

• المعاصي والنفاق سبب للظلمة والهلاك يوم القيامة.

• التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث، والانخداع بالأماني، والاغترار بالشيطان: من صفات المنافقين.

• خطر الغفلة المؤدية لقسوة القلوب.

قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• امتنان الله على المؤمنين بإعطائهم نورًا يسعى أمامهم وعن أيمانهم : هذه منه من الله - سبحانه وتعالى -وفضل. ولذلك تُذْكَر هذه الآيات في أثناء الحديث عن الصراط، وما يكون من شأنه يوم القيامة، وقد جاءت أحاديث ثابتة H0.

• المعاصي والنفاق سبب للظلمة والهلاك يوم القيامة : وهذا واضح من الآيات ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ﴾ (الحديد: 13) إلى أخر الآيات.

• التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث، والانخداع بالأماني، والاغترار بالشيطان: من صفات المنافقين

التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث وهو قوله (وَٱرۡتَبۡتُمۡ) والانخداع بالأماني (وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ) والاغترار بالشيطان ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ (الحديد: 14) ويدخل معها أي مع هذه الصفات التي ذكروها فتنة النفس، بأن يفتن الإنسان نفسه بالنفاق والمعاصي، وحينئذٍ يكون قد أهلكها.

• خطر الغفلة المؤدية لقسوة القلوب : ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد: 16) وتقدم أنّ القسوة تنشأ من طول الغفلة عن الله - سبحانه وتعالى -.

قال الشيخ حفظه الله

يحتَمِلُ في هذه الآية الكريمة والله أعلم، أنّ الله - سبحانه وتعالى - ذكر لنا ثلاثة أقسام، القسم الأول هو الصديق : وهم الموصوفون بقوله : ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ (الحديد: 19) والقسم الثاني هم الشهداء : قال ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد: 19) والقسم الثالث ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ (الحديد: 19) بهذا قال فريق من أهل العلم.

وقال آخرون بل إنّ قوله سبحانه (والشهداء ) معطوف على قوله (الصديقون ) وبناء عليه فهما قسمان، يعني والواو عاطفة حينئذٍ وليست استئنافية، فيكون المعنى : ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ﴾ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ والشهداء عند ربهم. وبُناء عليه فحينئذٍ يقولون بالوصل، إذاً هناك من يختار الوقف على قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ (الحديد: 19) وهناك من يختار الوصل، وهذا يشهد له ما تقدم من ذكر القراءة السابقة ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ﴾ (الحديد: 18) فالمقام مقام إيمان وتصديق بالله وبرسوله أو برسله، ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (الحديد: 19) أيضًا لهم ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد: 19) فتكون الآية تحدثت عن الشهداء وعن الصديقين، كقوله - سبحانه وتعالى - ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) [النساء: 69]، فإذن هما مرتبتان، ولذلك تُذكر هذه الآية في علم من علوم القرآن يقولون عنه الموصول لفظًا المفصول معنىً. وهذا علم فيه كلام كثير، يعني هناك كلمات تكون موصولة في اللفظ لكنها مفصولة في المعنى ::

فمن قال إن الشهداء جملة جديدة وقسم آخر يقول: هي من الموصول لفظًا المفصول معنىً على كل حال فالله - سبحانه وتعالى -يثني على الصديقين ويثني على الشهداء. أسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه.

﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمًا ۖ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ ۚ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ تقدّمَ يا أيها الإخوة الكرام في الحديث عن مقصود السورة أنّ السورة تحدثت عن قضية الإنفاق، ومن دلائل حديثها عن الإنفاق أنها تحدثت عما يصد الناس عن الإنفاق، ومن أعظم ما يصد الناس عن الإنفاق : الاغترار بالحياة الدنيا والحرص عليها.

فبين الله - سبحانه وتعالى -أنّ شأنها حقير، وأنها زائلة ذاهبة، وفي هذا دعوة صادقة، واضحة للناس أن يحرصوا على الإنفاق وألا تغرهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾، وألا يشغلهم الاشتغال بها عن طاعة الله - سبحانه وتعالى - ولذلك تأمل بعد ذكر الآية التي تبين لنا مثل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ماذا قال بعدها؟ قال :

﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الحديد: 21)

﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الحديد: 21) يعني إذا علمتم أنّ ﴿ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ﴾ وَٱلْأَوْلَٰدِ وأنّ هذا ذاهب وذهابه ظاهر من المثال الذي ذكره الله.

﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ﴾ (الحديد: 20) كما فسروا هنا قالوا في المختصر (كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته) ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمًا﴾ (الحديد: 20) يعني يجعله فتاتاً يتكسَّر، معنى ذلك أنّ الدنيا تزول وتذهب ولا تبقى. حينئذٍ ﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (الحديد: 21) فأين الدنيا من هذه الجنة؟ التي كعرض السماء والأرض، فماذا عن طولها؟ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الحديد: 21).

ثم قال الله سبحانه في آية جليلة عظيمة : ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22)

﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ (الحديد: 22) هذا فيه فائدة عظيمة وهي بيان أنّ كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، فإذا قيل لك اذكر بعض الآيات الدالة على أنّ كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، هذه إحدى الآيات. ونريد منكم آيتين أو ثلاث آيات في هذا المعنى.

فكل شيء مسطور، وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ ﴿إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ (الحديد: 22) من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نخلقها، يعني أن كل شيء مكتوب سابقاً، وهذا معناه أنّه معلوم لله - سبحانه وتعالى -، فالله - سبحانه وتعالى -علم وكتب وشاء وخلق كما هي مراتب الإيمان بالقدر.

قال ﴿إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22) ما الفائدة؟ يعني الإيمان بالقدر له ثمرات، من ثمرات الإيمان بالقدر :: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: 23)

قالوا هنا في المختصر (لكي لا تحزنوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس على ما فاتكم، ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم من النعم فرح بطر) وهذا قيدٌ حسن، إذن ما معنى ﴿وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾ (الحديد: 23) وقد يقول قائل: أوليس كل واحد منا يفرح إذا أُعطي ما يريد؟ يعني هل هذا ينافي تقواه؟ وهل هذا ينافي الصلاح؟ إذا فرحت بنعمة أنعم الله بها علي؟

الجواب : لا حرج على الإنسان أن يفرح بالنعمة، وأن يفرح بالخبر السار، وأن يفرح بقضاء حاجته وتيسير أمره؛ لكن الفرح المذموم هو فرح البطر. إذاً الفرح منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم.

· وقوله ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾ (الحديد: 23) يعني : لا ينبغي للإنسان أن يحزن حزناً يجعله يتسخط على قدر الله سبحانه؛ أما الحزن الذي ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان ويعتريه؛ لكنه لا يحمله على التسخط على قدر الله فأمره يسير.

وهذا فيه أيضًا دلالة على هوان الدنيا، وأنها لا تستحق من الإنسان أن يتحول عن طاعة الله عز وجل بسببها. ولذلك لما قيل للإمام أحمد - رحمة الله - أيكون الرجل معه ألف دينار ويكون زاهدًا؟ قال نعم. إذا لم يفرح بها إذا أتت، ولم يحزن إذا ذهبت. وهو في هذا المعنى ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾ (الحديد: 23) يعني الأمر يسير ما فات لا يضر لأنه بقدر، فلا يحزن عليه حزن جزع، وأيضاً ما أتى لا يصاب بالبطر، لأنه يعلم أنّه مقدّر، فلا يقول: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ﴾، وإنما يشكر الله - سبحانه وتعالى -على نعمائه، ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: 23)

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ (الحديد: 24)

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ (الحديد: 24) تأمل هذا في مقابلة الحديث عن الإنفاق، فكما أثنى الله على المنفقين ذمّ الذين يبخلون، ولم يكتفوا بالبخل، ﴿أَنَّمَا﴾ أيضًا يأمرون الناس بالبخل. يعني هو بخيل ويأمر غيره بالبخل. وهذا من شؤم المعصية أنّ العاصي لا يكتفي بنفسه، وإنما يحض على المعصية ويحض غيره على الأخلاق الرديئة. نسأل الله السلامة والعافية.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• الزهد في الدنيا وما فيها من شهوات، والترغيب في الآخرة وما فيها من نعيم دائم يُعينان على سلوك الصراط المستقيم.

• وجوب الإيمان بالقدر.

• من فوائد الإيمان بالقدر عدم الحزن على ما فات من حظوظ الدنيا.

• البخل والأمر به خصلتان ذميمتان لا يتصف بهما المؤمن.

قال الشيخ حفظه الله

• الزهد في الدنيا وما فيها من شهوات، والترغيب في الآخرة وما فيها من نعيم دائم يُعينان على سلوك الصراط المستقيم : وهذا مستفاد من الآيتين ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الحديد: 20) والآية التي بعدها ﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ (الحديد: 21).

• وجوب الإيمان بالقدر : ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ (الحديد: 22)

• من فوائد الإيمان بالقدر عدم الحزن على ما فات من حظوظ الدنيا : وأيضاً عدم الفرح فرحاً فيه بطر بما هو آت، قال ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾ (الحديد: 23).

• البخل والأمر به خصلتان ذميمتان لا يتصف بهما المؤمن : ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ (الحديد: 24)

{ تنبيه مهم وفائدة بخصوص معنى التولي }

وهنا أيضًا تنبيه أن أذكره وهو أن قوله ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ (الحديد: 24)

ومن يتولَّ؟ ما معنى ومن يتولَّ؟ يعني : ومن يُعرِض عن طاعة الله؛ لأن ( يتولَّ ) هنا جاءت دون أن تتعدى إلى المفعول، ولذلك مادة ( يتولَّ )جاءت في القرآن الكريم متعدية إلى المفعول : ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ (المائدة: 56) [المائدة: 56]، هذا جاء في سياق المدح، إذاً هناك ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ (المائدة: 56) : يعني يوالي الله، ويوالي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويطيع الله ويطيع الرسول.

إذاً التولي قد يأتي بمعنى الإعراض، وحينئذٍ يتعدى بحرف الجر (عن ) أو لا يُذكَر التعدي ويُعلَم هذا من السياق.

وأما التولي المحمود: فهو أن يتولى الإنسان طاعة الله سبحانه وتعالى، فيتعدى إلى المفعول كما في قوله ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (المائدة: 56) لذلك هذا التركيب (ومن يتول) ينظر فيه إلى السياق وإلى التعدية وحينئذ يتضح المعنى ويزول الإشكال والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال الشيخ حفظه الله

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25)

هذه الآية الكريمة تدل على أن قوام الدين الكتاب الهادي والسيف الناصر، كما قرر عدد من الأئمة. هذه الآية الكريمة فيها إشارة إلى أنّ الله - عز وجل - يريد منا أن نتبع كتابه وأنّه ينصرنا بهذا الاتباع لكتبه ولرسله وأيضاً بهذا الحديد الذي فيه بأس شديد، هذا البأس الشديد يقضي الله - عز وجل - به على أولئك المكذبين بآياته، والمعاندين له ولرسله، فحينئذٍ يُتعامل معهم بهذا، فهناك من يستجيب وهناك من لا يستجيب، ويكون التعامل مع كلٍّ بحسب حاله.

قال ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (الحديد: 25) ما معنى الكتاب؟ الكتاب هنا بمعنى الكتب، وقد تقدم معنا في مواضع سابقة أنّ كلمة الكتاب جاءت بمعنى الكتب السماوية وليس كتابًا واحدًا، كقوله ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ﴾ (الشورى: 17) [الشورى: 17]، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك أي أنزل الكتب، وهذه الآية أيضًا بهذا المعنى.

﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، أي بالعدل

﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد: 25) قال بعضهم أي : لأنّ أسبابه جاءت من السماء عن طريق نزول الأمطار، أو ( أنزلنا ) بمعنى : وضعنا وأنشأنا إلى غير ذلك مما ذكروه، حتى إنّ بعضهم أورد الآية الكريمة أيضًا فيما يذكر من الإشارات العلمية كما هو معلوم.

قال ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25) قوله ( وليعلم الله ) تقدم أيضًا في سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (محمد: 31) أنّ هذا العلم معناه : العلم الذي يظهر للعباد. وهذا العلم يُجازى عليه الإنسان؛ لأن الله لا يحاسب العباد على ما سبق في علمه، ﴿أَنَّمَا﴾ يحاسب العباد على ما يظهر من علمه فيهم، فالله يعلم سابقاً أنّ هذا سيصنع، وأنّ هذا لن يصنع؛ لكنه لا يحاسب على علمه السابق، فإذن معنى ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ يعني : ليظهر علمه ولينكشف علمه وليتحقق في واقع الناس، فحينئذٍ يكون الثواب أو العقاب.

قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾ (الحديد: 26) أي الكتب ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ (الحديد: 26).

﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ (الحديد: 27) معناه : اتبعنا، اتباع الأثر، واقتفى أثره أي: تبِع أثره ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾ (الحديد: 27) اختار فريق من المفسرين : الوقف على قوله (ورحمة) أي : وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً.

لأن هذا جعله الله عز وجل في قلوبهم، وأما الرهبانية هم الذين ابتدعوها، فيقول بعدها ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا﴾ وبعضهم ينصب «رهبانية» بفعل «ابتدعوها» المقدَّر، أو بالفعل المقدّر، ( وابتدعوا رهبانية ) ابتدعوها، وبعض العلماء يقول: لا بد من الوصل حتى لا يتوهم الاعتقاد الفاسد، وهو أنّ العبد يخلق فعله؛ وإنما الله خالق كل شيء فيقولون ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا﴾ ويقولون ( وجعلنا ) أي هو جعل (الثلاثة) ولكن الرهبانية هم الذين ابتدعوها لكن الله خالق كل شيء، والحقيقة أنّ الأمر في ذلك أقرب من هذا، ما دام أنّ الاعتقاد معروف وصحيح.

ولذلك في جمع بعض الآيات التي ورد فيها خلاف بسبب الاختلاف العقدي : وردت آيات بناء عليها انبثق الخلاف. أيوقف أو لا يوقف؟ مع أنّه ربما نجد أنّ بعض الذين يختارون وقفاً غير الآخر، وكل ذلك مبني على السياق وما إلى ذلك.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك : هذه الآية، والآية الأخرى قوله سبحانه ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ﴾ (القصص: 68) فهل يُوصل أو يُوقف؟ ورد أيضًا كلام طويل لأهل العلم في ذلك، الشاهد من هذا أن الذي نحتاجه الآن والذي يناسب المقام أن نعلم شيئين :-

ومن جهة ثانية: أن تلك الرهبانية ابتداع من النصارى، ولم يأمرهم الله - سبحانه وتعالى -بها. فنسبت إليهم لأنهم مبتدعوها.

قال ﴿مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ﴾ (الحديد: 27) هنا في المختصر فسروا إلا على أنه استثناء منقطع، يعني كتبناها عليهم ولكن طلبنا منهم اتباع مرضاة الله، ولكن هم الذين ألزموا أنفسهم بذلك، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يعني : حينما ألزموا أنفسهم لم يلتزموا بما ألزموا به أنفسهم، مع أن الله طلب منهم ابتغاء رضوان الله سبحانه وتعالى

وفيه أن الإنسان لا يُلزم نفسه في الأصل بما ليس بلازمه، وإنما يمتثل ما أمره الله به وما نهاه الله عنه. ولذلك قال الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66) [النساء: 66].

ثم قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحديد: 28) الأصل أنّ ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ) خطاب للأمة المؤمنة؛ لكن بعض العلماء جعل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الحديد: 28) أي من أهل الكتاب كأنه يقول : إذا آمنتم وأقبلتم على الكتاب وآمنتم بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنّ لكم هذا الأجر والثواب؛ لكنه قد غلب استعمال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الحديد: 28) في المؤمنين من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

قوله ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِۦ﴾ (الحديد: 28) هذا فيه أنّه من ثمرات التقوى العلم النافع فالإنسان يُرزق العلم ويرزق البصيرة والفطنة بسبب تقوى الله سبحانه وتعالى، فمن اتقى الله جعل الله عز وجل ﴿لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ﴾، استنار له الطريق ولم يكن من الظالمين، ونريد منكم أن تذكروا آية أو آيتين في هذا المعنى في معنى أنّ تقوى الله سبب في البصيرة أو في تحقيق العلم النافع.

قال الله ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الحديد: 29) هذه الآية ختام سورة الحديد، وهي من الآيات التي قد أشكل أمرها على كثير من المفسرين ولذلك اختار كثيرون منهم بل الجمهور منهم على أنّ (لا ) في قوله (لِّئَلَّا) قالوا: هي «لا» صلة، التي يُعبَّر عنها بالزائدة يعني هي للتأكيد فقط، وليس المراد بها أنّها نافية فيكون المعنى ( ليعلم أهل الكتاب ) ولذلك هنا قالوا في التفسير (ليعلم أهل الكتاب السابقون من يهود ونصارى أنهم لَّا ﴿يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ بحيث يمنحونه من يشاؤون ويمنعونه من يشاؤون ) إذاً ما معنى ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ﴾ (الحديد: 29) أي (ليعلم أهل الكتاب) يعني ليعلموا أنهم لَّا ﴿يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾؛ لأنهم كانوا يظنون أن الأمر إليهم، وأن النبوة لا تكون إلّا فيهم، وأنهم يمنحونها من شاؤوا. فالله يقول : (ها هم المؤمنون آمنوا بالله، ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ وقد وعدهم الله - عز وجل - يؤتيهم كفلين بأن يؤتيهم كفلين من رحمته، وبأن يجعل لهم النور وبأن يغفر لهم، ﴿وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾. والله ذو الفضل العظيم )

ذكروا أنَّ لهذا أمثلة في القرآن : ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (الأعراف: 12) [الأعراف: 12]، ﴿قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟﴾ (طه: 92) [طه: 92-93]، يعني وهكذا، فبعضهم يقول في هذا كله إن «لا» زائدة أو صلة من باب التأدب مع القرآن الكريم.

ترجيح وتقوية الموقف

والأقرب في هذا كله، والعلم عند الله، ﴿إِلَّا﴾ يقال بذلك. وإنما يُنظر إلى دقيق المعنى فيها، لذلك مال بعض المفسرين إلى تفسيرات أخرى كثيرة ربما لا يتسع المقام لذكرها لكن أذكر شيئًا منها: بعضهم يرى والعلم عند الله أنّ قوله - سبحانه وتعالى - ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ﴾ (الحديد: 29) يعني لئلا يعتقد أهل الكتاب، (﴿إِلَّا﴾ يقدرون ) (لا ) تعود عليهم هم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ تعود على النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والمؤمنين، يعني لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي وأصحابه لَّا ﴿يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾. ونفي النفي إثبات،

يعني المعنى : ليعتقد هؤلاء أن النبي وأصحابه سينالهم. ومعنى ﴿إِلَّا﴾ يقدرون : يعني سينالهم ﴿شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾، فيكون المعنى حينئذٍ (ليعتقد أهل الكتاب أن الفضل ليس لهم وحدهم، بل إنّ الله سيعطي نبيه وأصحابه من فضله ولأنّ الفضل بيد الله يؤتيه ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ والله ذو الفضل العظيم) فيكون قوله (﴿إِلَّا﴾ يقدرون) يعني ﴿إِلَّا﴾ يقدر النبي والصحابة، ويقول (لئلا) نفيًا، ونفي النفي يكون إثباتًا.

ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ﴾ (الحديد: 29) اللام ليست للتعليل وهذا اختارها ابن عاشور وإنما يقولون اللام هي لام العاقبة، يعني ليصير الأمر، يعني الله عز وجل تفضل على المؤمنين بالثواب الجزيل، وهؤلاء الكفار من أهل الكتاب لا يكترثون به فأعمى الله أبصارهم فكأنّ الآية بمعنى : ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة: 7) فيكون المعنى : لا تكترثوا ولا تلتفتوا لعدم عِلم أهل الكتاب بأنهم لَّا ﴿يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾؛ كأن الله يشير بأن الأمر سيصير بأنّ هؤلاء سيستمرون على غفلتهم، ولا يلتفتون إلى إيتاء الأجور لهم فهم مشغولون فلا تلتفتوا واعلموا أنّ ﴿ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾. فتكون الآية بمثابة التسلية للمؤمنين وتفريج الكربة عنهم، وأنهم لا يلتفتون إلى هؤلاء الذين أصروا على الكفر وعدم الإيمان برسول الله محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الحديد. ونسأل الله العون والتوفيق. ونقرأ فوائد الآيات بإذن الله تبارك وتعالى.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• الحق لا بد له من قوة تحميه وتنشره.

• بيان مكانة العدل في الشرائع السماوية.

• صلة النسب بأهل الإيمان والصلاح لا تُغْنِي شيئًا عن الإنسان ما لم يكن هو مؤمنًا.

• بيان تحريم الابتداع في الدين.

قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• الحق لا بد له من قوة تحميه وتنشره : نعم، الحق لا بد له من قوة تحميه وتنشره ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ﴾ (الحديد: 25)

• بيان مكانة العدل في الشرائع السماوية ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)

• صلة النسب بأهل الإيمان والصلاح لا تُغْنِي شيئًا عن الإنسان ما لم يكن هو مؤمنًا : من أين أخذنا هذا؟ من قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ (الحديد: 26) فمن بطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه.

وهنا أيضًا ألفت النظر إلى أن أهل الكتاب يُنسبون إلى الكتاب، مع أنهم بعد ذلك نقضوا ما في الكتاب، وأعرضوا عن الكتاب. وهذا المصطلح مصطلح غالب أيضًا أو التعبير القرآني عرفٌ أنّه إذا أُطلِق فإنما يُراد به اليهود والنصارى مع أننا أوتينا الكتاب أيضًا، وهو القرآن الكريم. لكن الله سبحانه وتعالى يذكر في حق المؤمنين صفة الإيمان فيقول (﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الحديد: 28) وهو الاستعمال الغالب في القرآن الكريم.

• بيان تحريم الابتداع في الدين. قال ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا﴾ ولذلك جاء ذم الابتداع ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ﴾ (الشورى: 21) وH0. نعم

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة