سورة الإسراء — الجزء 6
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟﴾ (الإسراء: 94) إذا سألت وقلت ما الذي يمنع الناس من الإيمان؟ منعهم من الإيمان أنهم قالوا ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 94) هكذا قالوا كيف يكون الرسل من البشر إلا أن قالوا ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 94) مستنكرين، فرد الله ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵙﵜ لو كان على الأرض ملائكة يسكنونها ويسيرون مطمئنين كما هو حالكم لبعثنا إليهم رسولًا ملكًا من جنسهم لأنه الذي يستطيع أن يفهمهم ما أرسل به فالملك إذا نزل ينزل لغاية أو لحكمة ثم ينصرف عنهم، فهم يريدون من يكون بين ظهرانيهم يعيش معهم ويأكل ويشرب ويسير معهم ويمشي في الأسواق ويبيع ويشتري وإلى غير ذلك مما هو معهود، وكما قال الله ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ (الأنعام: 9) ﵝالأَنۡعَام : ﵙﵜ لأن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول من جنسهم حتى يتمكنوا من الاقتداء به ولذلك تقدم معنا أن هذا هو العبث بعينه منهم لأنهم عبدوا الحجر ورفضوا أن يكون الرسول من البشر، قيل لهم كيف تعبدون الحجر؟ وافقوا على أن يكون الإله حجر ورفضوا أن يكون الرسول بشرا فما هذا إلا السفاهة والحماقة ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 96) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵙﵜ
من فوائد الآيات :
بين الله للناس في القرآن من كل ما يعتبر به من المواعظ والعبر والأوامر والنواهي والقصص رجاء أن يؤمنوا قال الله ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 89) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵘﵜ
القرآن كلام الله وآية النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة ولن يقدر أحد على المجيء بمثله قال الله ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵘﵜ
من رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم بشرًا منهم فإنهم لا يطيقون التلقي من الملائكة قال الله ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵙﵜ
من شهادة الله لرسوله ما أيده به من الآيات ونصره على من عاداه ونَصَرَه قال الله ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 96) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵙﵜ
ولذلك تقدم معنا أن التعبير بقوله ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا﴾ (الإسراء: 96) يفيد أي واكتُفِ بشهادة الله، فقوله كفى بالله جملة خبرية لكنها أيضًا في معنى الجملة الإنشائية بدليل دخول الباء فأصل الكلام كفت شهادة الله ثم تحول التعبير كفى الله شهيدا ثم قال ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا﴾ (الإسراء: 96) فأنابت الباء عن جملة كاملة كأن المعنى كفت شهادة الله واكتُفِ بشهادة الله ﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 96) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵙﵜ
قال الله سبحانه ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵙ - ﵘﵙﵜ
قوله ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ﴾ (الإسراء: 97) بإمكاننا أن نقول والعلم عند الله إن هذه الآية تبين المانع الحقيقي فإذا كانت الآية السابقة وهي قوله ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 94) بعض العلماء يسميه بالمانع العادي بمعنى أن المانع الذي أظهروه هو أنهم تركوا الإيمان بالرسول لأنه بشر وحقيقة الأمر أن الله حال بينهم وبين الهداية فلم يوفقهم ولم يهدِهم وسيأتينا بيان ذلك بإذن الله أيضًا مع آية سورة الكهف، إذ هناك آية أخرى ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًا﴾ (الكهف: 55) وهناك نذكر وجه الجمع بين الآيتين بإذن الله.
قال ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ﴾ (الإسراء: 97) فيه أن كل شيء بقدر وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن وأن الهداية والضلال بإذن الله سبحانه وتعالى وربي لا يظلم أحدا ولكن الأمر كما قال ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5) ﵝالصَّف : ﵕﵜ قال ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ﴾ (الإسراء: 97) لن تجد لهم يا رسول الله أولياء من دونه يهدونهم إلى الحق ويدفعون عنهم الضر ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) لعلكم تذكرون ما مضى معنا في قوله تعالى ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵗﵜ جاء الحديث عنها هنا ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) هنا قد يرد إشكال ظاهري بين هذه الآية وهي قوله ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) مع الآيات التي تثبت أنهم ينطقون وأنهم يرون وما إلى ذلك كقوله ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (مريم: 38) ﵝمَرۡيَم : ﵘﵓﵜ وقوله تعالى ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ (السجدة: 12) ﵝالسَّجۡدَة : ﵒﵑﵜ وكقول ﴿وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا﴾ (الكهف: 53) ﵝالكَهۡف : ﵓﵕﵜ إلى غير ذلك من الآيات وهنا قال ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) فكيف الجمع؟ أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة منها والعلم عند الله:
أنهم حين يحشرون من قبورهم يحشرهم الله عميا وبكما وصما ثم بعد ذلك ترد لهم هذه الحواس للحساب ثم العقاب والعذاب هذا قول.
ومنهم من عكس فقال بل يحشرون يوم القيامة فيرون الحقائق وتظهر إليهم وأما قوله ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) حينما يساقون إلى جهنم ففي بداية الأمر يبصرون ويسمعون ويتكلمون.
وبعضهم قال يمتنع عنهم الكلام في النار وذلك في قول ﴿ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: 108) ﵝالمُؤۡمِنُون : ﵘﵐﵑﵜ أو عند دخول جهنم وعلى هذا القول فيكون قوله ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) من الحال المقدرة لأنَّها مستقبلية يعني تستقبل الحشر فالحشر أولا ثم بعد ذلك يأتي هذا الأمر وهو عميا وبكما وصما وتقدم معنا نظير ذلك في مواضع كقوله سبحانه وتعالى ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ في شأن الجنة فالخلود يكون بعد الدخول ﴿ٱدْخُلُوهَا﴾ ﵝالحِجۡر : ﵖﵔﵜ وبعدها خالدين فالخلود يكون بعد الدخول لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ معناه مقدرين الخلود يسمونها بالحال المقدر ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أن الآيات التي فيها نفي السمع أو البصر أو هنا قال ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) يعني ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) يعني لا يرون ما يسرهم ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينطقون بما ينفعهم ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون ما ينفعهم فهذا وجه ثالث من أوجه الجمع بين الآيات العلم عند الله تبارك وتعالى
وقد جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه حينما سأل رجل فقال: يا نبي الله، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ إشارة إلى قوله عز وجل ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) فH0.
قال ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) في الدنيا أعرضوا بأسماعهم وأعرضوا بأذانهم وبأفواههم، فالجزاء من جنس العمل، فهذه الأعضاء لما عطلوها ناسب هذا أن تعطل يوم القيامة ﴿مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (الإسراء: 97) هذا منزلهم نسأل الله السلامة ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) ما معنى خبت؟ سكن لهيبها ﴿زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) يعني اشتعال وهنا يرد أيضًا إشكال وهو التعبير بقوله ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ (الإسراء: 97) سكنت فهل معنى ذلك أن النار تسكن، أن النار يأتيها وقت تخبو فيه ولا يكون فيها لهيب، الآية تقول ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) مع أنَّ آيات آخرى تدل على أن النار مستعرة وأنها مشتعلة وأنها حطم إلى غير ذلك فكيف الجمع؟ والعلم عند الله تعالى، بعض العلماء يقول إن قوله ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) أي كلما أرادت أن تخبو فالفعل المراد به الإرادة كلما همت بالسكون زدناهم سعيرا، كما أنك إذا نظرت إلى نار الدنيا وكان الإنسان يشعل شيئًا فكلما خبى رأى أن اللهيب بدأ في الخمود أو السكون إذا به يوقدها ويشعلها فمعنى ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ (الإسراء: 97) أرادت كقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (النحل: 98) ﵝالنَّحۡل : ﵘﵙﵜ فإذا أردت أو أن هذا على سبيل التهكم ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ (الإسراء: 97) يعني كأن حالها أنها إن خبت زدناهم سعير والحال أنه لا يحدث لها ذلك وهناك وجه ثالث والعلم عند الله أن التعبير القرآني جاء هكذا ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) ولم يقل كلما خبت زدناها ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) فقالوا لأن الكفرة في الأصل وقود النار فحينما تتقد بهم النار يسكن اللهيب فإذا سكن واحترقت الجلود أعادها الله فحين إذ زدناهم سعيرا كقوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 56) ﵝالنِّسَاء : ﵖﵕﵜ لذلك الأمر تعلق بهم فقال ﴿زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) نسأل الله السلامة.
﴿ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم﴾ (الإسراء: 98) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵙﵜ لأنهم كفروا فالجزاء من جنس العمل وهذا من باب ترتب الجزاء على العمل لماذا هذا الجزاء بسبب؟ ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 98) يذكرنا الله بما قالوه وبما رددوه وقد تقدمت الآية ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 49) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵔﵜ وجاء الرد هنا ﴿قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (الإسراء: 50) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵕﵜ وهنا رد من طريق آخر ولذلك السورة في أواخرها تقرر أيضًا عقيدة البعث وترد على المنكرين فعاد الأمر إلى ذكر الآخرة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 99) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵙﵜ أولم يرى المراد به الإنكار والتوبيخ والتعجيب من حاله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (الإسراء: 99) فيستدل على البعث بخلق السماوات والأرض، لأن الأمر كما قال الله ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57) ﵝغَافِر : ﵗﵕﵜ فالآية ذكرت برهانا من براهين البعث أيضًا وهناك قال ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵕﵜ فبين هناك أن الذي فطر أول مرة قادر على الإعادة وهنا ذكر دليلا آخر وهو قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (الإسراء: 99) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵙﵜ وهو برهان متكرر في القرآن الكريم ﴿أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (يس: 81) ﵝيس : ﵑﵘﵜ.
قال ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ (الإسراء: 99) قالوا هنا في التفسير وقد جعل الله لهم في الدنيا وقتا محددا تنتهي فيه حياتهم إذا المراد بالأجل هنا أجلهم في الدنيا إلى الوفاة هذا هو القول الذي ذكروه وما ذكره بعض المفسرين واعتمدوه كالقرطبي ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ (الإسراء: 99) أي في الدنيا ﴿لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ (الإسراء: 99) يسيرون عليه إلى أن يموتوا.
ومنهم من قال ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ (الإسراء: 99) يوم القيامة، أن المراد بالأجل هنا يوم البعث ولا تعارض فالآية تحمل على الاثنين ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ (الإسراء: 99) يعني يعيشونه إلى أن يموتوا وجعل لهم أجلا يبعثون فيه وهو يوم القيامة ولذلك ذهب بعض المفسرين إلى الجمع بين القولين.
قال ﴿فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 99) وتأمل هناك ﴿فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 89) ﵝالفُرۡقَان : ﵐﵕﵜ وهنا ﴿فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 99) تأكيد الشيء بما يشبه ضده والمراد به تأكيد أنهم كفروا، وتأمل قوله ﴿فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ لم يقل فابوا لتسجيل الظلم عليهم.
ثم قال ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: 100) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵐﵑﵜ لماذا تعترضون على قوة الله وقدرته؟ فهل ﴿أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ﴾؟ وأيضا فيه من جهة آخرى لماذا تعترضون على أن يجعل الله رسولا من البشر من الذي بيده الرحمة؟ ومن الذي يقسمها ويعطيها لمن يشاء ويمنعها ممن يشاء؟ هو الله سبحانه وتعالى، ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ﴾ (الإسراء: 100) فلو كنتم تملكون خزائن رحمة ربي التي لا تنفد ولا تنقضي ﴿إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ﴾ (الإسراء: 100) خوفا من نفاذها حتى لا تصبحوا فقراء أما الله سبحانه وتعالى فيده ملأى سبحانه لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾؟ فإنه لم يغض ما في يده كما جاء في الحديث فهذا يدل على سعة رحمة الله وسعة كرمه عز وجل، وتأمل ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: 100) وكذلك تقدم معنا في السورة الكريمة وربنا يذكر الإنسان ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (الإسراء: 83) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵘﵜ فهذا من أوصاف الإنسان أنه يقع منه ذلك، ولذلك تلاحظ هذا في سورة الإسراء ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 67) ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: 100) وتجد أيضًا في سورة الكهف ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: 54).
قال ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: 100) بخيل إلا أن كان مؤمنا فهو ينفق رجاء ثواب الله ولذلك من نعمة الله على العبد أن يوق شح نفسه وتأمل قوله ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ﴾ (التغابن: 16) ﵝالحَشۡر : ﵙﵜ وهذا معناه أن الأصل أن الإنسان شحيح ﴿وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ﴾ (النساء: 128) ﵝالنِّسَاء : ﵘﵒﵑﵜ لكن الموفق من وقاه شح نفسه.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵐﵑﵜ
إذا النبوة من رحمة الله وأنت يا رسول الله لست بدعا من الرسل وهون على نفسك ولا تلقي لهم بالاً فأنت قد أديت ما عليك وها هو ربك يسليك فها هو موسى الكليم الذي أوتي التوراة وهي كتاب هداية ماذا صنع قومه معه؟ وقد أيده الله بالآيات وهؤلاء يطلبون منك مقترحات وقد أعطى الله موسى المعجزات ومع ذلك ماذا صنع قومه فلا يضرك هذا قد أتاك الله بالقرآن الكريم وهو كاف في أن يؤمنوا به لو كان لديهم عقل أو قلب فقال الله مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم ومبينا أن هؤلاء يشابهون بني إسرائيل في الإعراض عن الحجة والمحجة ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ﴾ (الإسراء: 101) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵐﵑﵜ ويكون هذا من التناسب بين البداية والنهاية ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الإسراء: 2) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵜ وقال هنا ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ﴾ (الإسراء: 101) وقد أتى الله موسى آيات كثيرة خص الله منها هنا تسع وقد اختلف المفسرون في هذه التسع مع إجماعهم على كثير منها ومن أشهر ما قيل في التسع ما ذكروه هنا في التفسير قالوا العصا واليد والسنون ونقص الثمرات والطوفان ﴿وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ﴾ فهذه تسع آيات وبعضهم جعل العصا على أكثر من علامة لأن العصا في البداية أوجد بها موسى وكذلك فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ أيد بها موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا فيها أكثر من آية ولذلك في سورة النمل قال ﴿فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ (النمل: 12).
قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵐﵑﵜ والذي مال إليه الجمهور أن هذه هي التسع وفسروا التسع الآيات بالآيات التي كانت قبل هلاك فرعون وكذلك ما وقع بعد ذلك مما وقع لبني إسرائيل كقوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 130) ﵝالأَعۡرَاف : ﵐﵓﵑﵜ هذه كلها لفرعون والا بعد ذلك ايد الله موسى بآيات آخرى لكن لم يعدوها في هذه التسع لأن الآيات هنا توجهت ﴿فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) فمثلا من المعجزات التي أيد الله بها موسى عليه السلام المن والسلوى والغمام إلى غير ذلك من آيات كثيرة كما هو معروف ﴿إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) إني لأظنك يا موسى رجلا مسحورا لما تأتي به من الغرائب وفرعون وسم موسى بأنه مسحور وأنه ساحر فقال هنا ﴿إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) ولذلك بعضهم فسر المسحور بالساحر كما قالوا ساحر مبين فوصفوه بذلك وأيضا وصفوه بأنه مسحور.
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: 102) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵐﵑﵜ يرد عليه موسى عليه السلام بثات وقوة ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ (الإسراء: 102) يا فرعون ﴿مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ (الإسراء: 102) أنا لست مسحورا أنت تعلم أن الذي أنزل هذه الآيات هو الله بصائر وحجج وبراهين ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: 102) والمراد بالظن هنا على قول كثيرين اليقين يعني وأني موقن أنك يا فرعون مثبورا، يعني هالكا من الهالكين وخاسرا من الخاسرين والكسائي قرأ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ﴾ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ يعني نقول أنا أعلم إذا فيها قراءتان لقد علمتَ تعلم أنت يا فرعون لقد علمتُ وأنا أعلم أيضًا.
﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا﴾ (الإسراء: 103) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵐﵑﵜ
تأملوا يا أيها الإخوة الكرام وجه الصلة بين قصة النبي صلى الله عليه وسلم وقصة موسى قال هناك ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵗﵜ وكذلك فرعون أراد بموسى عليه السلام والمؤمنين معه ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ (الإسراء: 103) قالوا هنا أراد فرعون أن يعاقب موسى وقومه بإخراجهم من مصر كما أراد المشركون إخراج الرسول عليه الصلاة والسلام هذا كله فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأمل تكرير هذه الكلمة ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا﴾ (الإسراء: 103) ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ (الإسراء: 76) ثم إن الشيطان هو الأساس في هذا ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ (الإسراء: 64) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵖﵜ.
قال ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ (الإسراء: 103) ما المراد بالأرض هنا؟ المراد بالأرض مصر على قول الجمهور لأنه المكان الذي كان يقطن فيه فرعون ﴿فَأَغْرَقْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا﴾ (الإسراء: 103) أي ممن كان مع فرعون، ممن إستخفهم فرعون ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54) ﵝالزُّخۡرُف : ﵔﵕﵜ.
﴿وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْءَاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵐﵑﵜ
على من يعود الضمير في قوله ﴿مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 104) قالوا من بعد هلاك فرعون وبعضهم قال من بعد موسى عليه السلام، لأنهم اختلفوا في الأرض ﴿وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ﴾ (الإسراء: 104) فبعضهم يقول من بعد موسى وحينئذ رجعوا إلى مصر، ومن يقول إنهم لم يرجعوا إلى مصر فيقول أن المراد بالأرض الشام وأن قوله ﴿مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 104) يعود على فرعون كما أن الضمائر التي قبله ﴿فَأَغْرَقْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ﴾ (الإسراء: 103) تعود على فرعون وهو الأشهر فلذلك قوله ﴿ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ﴾ (الإسراء: 104) على قول كثيرين المراد بها أرض الشام كما في قوله تعالى ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا﴾ (الأعراف: 137) ﵝالأَعۡرَاف : ﵗﵓﵑﵜ ولذلك قوله ﴿وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ (الدخان: 28) ﵝالدُّخَان : ﵘﵒﵜ قال بعضهم أورثنا مثلها يعني أورثهم الله مثل هذه الدار ولا يلزم أنهم عادوا إلى مصر والعلم عند الله تبارك وتعالى ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ ما المراد بوعد الآخرة؟ الجمهور من المفسرين على أن المراد بوعد الآخرة يوم القيامة، بل نقل الماتوريدي عن عامة أهل التأويل أن المراد بوعد الآخرة هنا يوم القيامة وعلى هذا القول فيكون قوله ﴿وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ ورد في السورة مرتين، أما المرة الأولى ففي صدر السورة قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْءَاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵜ والمراد ب ﴿وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ أي فإذا جاء وعد المرة الأخرى الثانية وأما ﴿وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ هنا فالمراد به يوم القيامة قالوا مما يدل على ذلك أن هذه المرة لم يذكر الله إفسادا لبني إسرائيل، فالمقام ليس فيه ذكر لإفساد بني إسرائيل ﴿أَنَّمَا﴾ فيه ذكر أنهم يسكنون في الأرض جزاءً على أنهم آمنوا بموسى وأنهم يسكنون في الأرض ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْءَاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ فالمراد به يوم القيامة على قول الجمهور ومنهم من يفسر الأرض بأنها ليست أرض الشام وإنما الأرض بصفة عامة ﴿ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ﴾ (الإسراء: 104) يعني عموم الأرض كما هم يتفرقون في غالب الأحوال وهناك عدد يسير من المفسرين من فسر ﴿وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ بغير يوم القيامة فمنهم من قال نزول عيسى عليه السلام ومنهم من قال لا سيما من بعض المعاصرين إن قوله ﴿وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ أي المرة الثانية وهو وعد إهلاكهم بسبب الإفساد وهؤلاء يرون أن ما ذكره الله من المرتين في قوله ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 4) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵜ يرون أن وعد الآخرة لم يأتِ بعد وأن هذا الإفساد الذي ذكره الله عن بني إسرائيل وقع منه إفساد ووقع عقاب عليه والإفساد الثاني لم يأتِ العقاب عليه وأن هذا ينتظر، فبعضهم جعل هذا سيكون في آخر الزمان حينما يجمعهم الله سبحانه وتعالى في أرض الشام كما هو الحاصل الآن في اتجاههم وفي إقامتهم بفلسطين ومحاولتهم التجمع من هنا وهنالك فيقضي الله سبحانه وتعالى عليهم الهلاك والدمار في هذه الأرض المقدسة ويكون هذا هو المراد بقول ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: 104) وحينئذ يقضى عليهم فينقض عليهم أهل الإسلام ويستأصلونهم ويقضون عليهم كما جاء في الأحاديث التي تدل على نصر الله للمسلمين على اليهود وأن اليهودي يختبئ وراء الشجر والحجر فينطق الشجر ويقول يا مسلم عبدالله هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود لكن هذا القول لم يقل به عامة من سبق من المفسرين من المتقدمين وهم يرون أن هلاكهم أو أن الإهلاك الذي وقع والعقاب الذي وقع بعد الإفساد وأن المرتين قد مضتا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ والعلم عند الله ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن المراد بهذا كانت مرة قبل الإسلام ومرة بعد الإسلام ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل المرة الأولى كانت بعد الإسلام الفساد الأول ثم جاء بعد ذلك فتح بيت المقدس كما فتحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأما الثاني فهو ما ينتظر هذه بعض الأقوال التي قيلت في ذلك والعلم عند الله تعالى لكن يكون قول الجمهور متألقًا والعلم عند الله ويرجحه أن الأصل في كلمة الآخرة أن تطلق بمعنى الآخرة التي هي في مقابلة الدنيا لأن هذا هو الغالب في استعمالها في القرآن ومن قواعد الترجيح أن يحمل اللفظ على المعنى الأغلب وأيضا إذا اعترض عندنا مفهوم القرآن واستعماله مع الاستعمال اللغوي المجرد فإنَّ الاستعمال الذي استعمله القرآن وكان عرفا له هو أولى بالتقديم وأما هناك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد بقوله ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ المراد به المرة الثانية بقرينة السياق ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: 104) أي أتينا بكم جميعا إلى المحشر للحساب وفي قوله ﴿جِئْنَا بِكُمْ﴾ (الإسراء: 104) على قول من قال من الجمهور إن المراد به يوم القيامة في قول ﴿وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ فمعنى جئنا بكم جميعا، جميع الخلق.
من فوائد الآيات:
الله تعالى هو المنفرد بالهداية والأضلال فمن يهده فهو المهتدي على الحقيقة ومن يضلله ويخذله فلا هادي له قال الله سبحانه ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ﴾ (الإسراء: 97) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵙﵜ.
مأوى الكفار ومستقرهم ومقامهم جهنم، كلما سكنت نارها زادها الله نارا تلتهب قال الله ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵙﵜ.
وجوب الاعتصام عند تهديد الطغاة والمستبدين قال الله ذاكرا قول موسى عليه السلام ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: 102) فهذا من اعتصام موسى عليه السلام بربه عز وجل.
الطغاة والمستبدون يلجأون إلى استخدام (ولو قالوا استعمال لكان أفضل) السلطة والقوة عندما يواجهون أهل الحق لأنهم لا يستطيعون مواجهتهم بالحجة والبيان ولذلك ماذا ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾؟ قال له ﴿إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵐﵑﵜ كما قال ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: 29) ﵝالشُّعَرَاء : ﵙﵒﵜ إلى غير ذلك مما جاء بيانه أيضًا في سورة الشعراء.
﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الإسراء: 105) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵐﵑ - ﵖﵐﵑﵜ
عاد الحديث عن القرآن الكريم ومن المقاصد العظيمة في هذه السورة المباركة ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: 105) قال بعضهم أي وبالحق أنزلنا القرآن من اللوح المحفوظ على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام نزل جبريل عليه السلام بهذا القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم أن القرآن الكريم له نزولان فهناك نزول للقرآن الكريم المعهود وهو النزول المفرق وهناك نزول القرآن جملة واحدة حيث أخذ جبريل عليه السلام نسخة من هذا المصحف من اللوح المحفوظ وأيضا تلقى جبريل القرآن من الله سبحانه وتعالى ثم لقنه للرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم فالقرآن في نزوله ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ نزل بالحق فهو نازل وهو ملابس للحق ومجيئه حق ثم هو في مضمونه حق في مضامينه وفي أوامره وفي نواهيه وفيما ذكره الله فيه حق فالشيء قد يجيء لحق لكنه فيما يتضمنه لا يكون مشتملا على حق أما القرآن مجيئه بالحق وكذلك يتضمن الحق وأيضا قال بعضهم في قوله ﴿بِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ﴾ أي ابتداء فبدآية نزول القرآن بالحق إلى وصوله إلى الرسول الحق فقال ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: 105) فإلى أن انتهى إليه عليه الصلاة والسلام وبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نهاية هذا كله فهو حق وأيضا القرآن من أوله إلى آخره فهو حق فهي تدل على أن القرآن حق بداية وانتهاء وأن نزول القرآن الكريم بحق وأن القرآن اشتمل ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ أيضًا لذلك قوله ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: 105) تضمن هذا وذاك من المعاني الجليلة والعلم عند الله تبارك وتعالى فلا يكون من قبيل التأكيد وإنما هو ﴿بِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ﴾ دلالة على معنى وقوله سبحانه ﴿وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ بدلالة على معنى آخر والعلم عند الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الفرقان: 56) هذه مهمتك يا رسول الله ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 22) ﵝالغَاشِيَة : ﵒﵒﵜ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ (الشورى: 48) ﵝالشُّورَى : ﵘﵔﵜ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الفرقان: 56) ﵝالفُرۡقَان : ﵖﵕﵜ ولذلك هذا مناسب لما جاء في أوائل السورة ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵜ في معنى ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: 105) هناك ﴿وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵙ - ﵐﵑﵜ وهنا قال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الفرقان: 56)
﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾ (الإسراء: 106) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵐﵑﵜ
﴿فَرَقْنَـٰهُ﴾ قالوا فصلناه وبيناه وبعضهم قال فرقناه في النزول بأن نزل مفرقا منجما ويؤكده قوله ﴿وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾ لأن «نزَّل» على وزن «فعَّل» تدل على التكثير ففيه التدرج في النزول وقوله ﴿لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾ (الإسراء: 106) من حكم نزول القرآن الكريم ومن حكم تنجيمه أيضًا لتقرأه على الناس على مهل وترسل وهذا فيه أن القرآن يقرأ بتؤدة وطمأنينة وترصد كما قال ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: 4) ﵝالمُزَّمِّل : ﵔﵜ.
﴿قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء: 107) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵐﵑﵜ آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم أو آمنوا بالقرآن وهذا فيه أنه القرآن بدليل أنه الذي ذكر قبله في قوله ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ﴾ فيعود على أقرب مذكور وهو القرآن ﴿قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟﴾ (الإسراء: 107) سواء أمنتم أم لم تؤمنوا فإنَّ هذا لا يضر فإنَّ طغيانكم عليكم وإن كفركم لاحق بكم ويكون قوله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿امِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟﴾ فيه تحقير للكفار وتوعد لهم أيضًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ﴾ (الإسراء: 107) قالوا هنا الذين قرأوا الكتب السماوية السابقة وعرفوا الوحي والنبوة ﴿إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء: 107) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵐﵑﵜ قالوا يخرون على وجوههم ساجدين لله شكرا قالوا إن الإنسان إذا سجد فإنه لا يخر لذقنه لأن الذقن مجمع اللحيين والإنسان إذا جعل ذقنه إلى الأرض فإنَّ جبهته في الغالب ترتفع والسجود ﴿أَنَّمَا﴾ يكون على الجبهة لكن قوله ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ (الإسراء: 107) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵐﵑﵜ لبيان بدآية الأمر فالخرور في البداية يكون بركوع ثم يصحبه سجود فكأن الآية تشير إلى بداية الأمر وهو يخرون للأذقان وكأنهم لعظمة القرآن الكريم ما يكون منهم إلا أن يسقطوا أجلالا وتعظيما للقرآن الكريم فحينئذ يخرون للأذقان بتوجهها إلى السجود وأيضا قال بعضهم المعنى أن الجبهة تسجد ويكاد الذقن أيضًا أن يسجد ويخر للدلالة على تمكن الجبهة وكل الأعضاء من السجود والخضوع لله سبحانه وتعالى وقالوا للدلالة على تمكن الأنف أيضًا من الأرض كما ذكر بعضهم وأشار فهذا كله يدل على استسلامهم وخضوعهم لله عز وجل ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء: 107) ولذلك لم يقل يخرون على الأذقان وإنما يخرون للأذقان فهم يخرون ويتوجهون بالأذقان إلى السجود بدءا بالإنحناء والركوع ثم السجود لله ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ﴾ (الإسراء: 108) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵐﵑﵜ يقولون في السجود ﴿سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (الإسراء: 108) ما المراد ب ﴿وَعْدُ رَبِّنَا﴾ قال كثيرون وعد ربنا ببعثة الرسول يعني يقول القارئون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ومن أهل الكتاب حينما جاءتهم دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ورأوا صدقه وعلامات النبوة فيه قالوا ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (الإسراء: 108) تحقق الوعد وأرسل الله هذا الرسول الذي بشرنا به و ﴿إِن﴾ هنا المخففة من الثقيلة أي حقًا وعد ربنا لمفعول وبعضهم يقول هي بمعنى «ما» النافية وجعلوا اللام بمعنى إلا يعني ما كان وعد ربنا إلا مفعولا.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵐﵑﵜ هنا قال ويخرون الأذقان فعطفه على الأول فقال بعض العلماء الخرور الأول غير الثاني فالخرور الأول للسجود فهو يخر وينحني مستكينا إلى أن يصل إلى السجود وأما الثاني ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (الإسراء: 109) فذكر هنا البكاء ولم يذكر أمر السجود والمعنى أنهم يتطامنون ويتواضعون حين يسمعون القرآن فما يكون من الواحد منهم إلا أن يخر بذقنه إلى الأسفل حتى وإن لم يسجد فانحناؤه وانحناء ذقنه دلالة على الخضوع فأحيانا يسجد وأحيانا ينحني ويبكي وأنحناؤه بذقنه دلالة على إستسلامه وخضوعه وإنكساره وحبه لهذا القرآن وتعظيمه له وهذا فيه فضل البكاء عند سماع القرآن الكريم وفضل خشية الله سبحانه ولذلك قال التيمي من أوتي ﴿مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ﴾ يبكه لخليق إلا يكون أوتي علما ثم قرأ هذه الآية ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (الإسراء: 109) يعني إذا كان من أهل العلم فينبغي له أن يكون له نصيب مما ذكر الله في هذه الآيات من الخشوع ومن قول ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء: 107) ومن قوله ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109) وهذا هو بكاء الخشوع وهو المطلوب لأن البكاء وسيلة إلى هذا والأصل هو الخشوع خشوع القلب فإذا خشع القلب دمعت العين وهذا هو المراد قال الله سبحانه ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ قالوا ويزيدهم سماع القرآن وبعضهم قال ويزيدهم الله خشوعا مكافأة لهم وجزاء لهم، ثم قال ﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ (الإسراء: 110) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵑﵑﵜ يرد الله على جماعة من المشركين حينما سمعوا الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يدعو ربه فأحيانا يقول يا الله وأحيانا يقول يا رحمن فيقولون إذا عندكم الهة متعددة، فهذا الاختلاف في الأسماء لا يعني الاختلاف في المسمى فإنه هو الله سبحانه فهو الله وهو الرحمن وهو الرحيم وهو الملك ولله الأسماء ﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ (الإسراء: 110) أي فأنتم تدعون الله سبحانه وتعالى ثم قال ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 110) الاكثرون على أن المراد بالصلاة هنا قراءة القرآن وعلى هذا فعبر عن قراءة القرآن بالصلاة وهذا من التعبير عن الجزء بالكل وهذا عكس ما مضى في قوله ﴿إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵗﵜ فهناك عبر عن الصلاة بالقراءة فعبر بالجزء عن الكل وهنا عبر بالكل عن الجزء فقوله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ تعبير بالكل عن الجزء حيث عبر بالصلاة والمراد القراءة ويدل على ذلك رواية ابن عباس يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ وسمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزل القرآن فأنزل الله قوله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: 110) قالوا ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ حتى لا يسمعها المشركون لأنهم حين يسمعون يسبون القرآن ويسبون الله سبحانه وتعالى ولا تخافت بها عن أصحابك لأنك إن خافتَّ بها عن أصحابك لم يسمعوا قراءتك ﴿وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 110) يعني اطلب طريقا وسطا بين الجهر والإسرار وذهب بعضهم وهذا مروي عن عائشة رضي الله عنها تفسير الصلاة بالدعاء ولا تجهر بدعائك والأول أولى لأن رواية سبب النزول تشهد له أو يقال الدعاء في داخل الصلاة فهو مع قراءة القرآن أيضًا.
ثم قال ﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵑﵑﵜ بهذا ختم الله السورة المباركة ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (الإسراء: 111) واولها ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 1) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵜ فاولها تسبيح وآخرها حمد.
﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ﴾ (الإسراء: 111) نحمد الله على ذلك فهو الغني سبحانه وتعالى عن اتخاذ الولد ليس له شريك ولا مناوء ولا مضاد ولا كفء ولا نظير ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ﴾ (الإسراء: 111) ليس له شريك سبحانه وتعالى في ملكه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ﴾ (الإسراء: 111) ليس ﴿لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ﴾ أي بسبب الذل من هنا بمعنى السبب أي بسبب ذل وهوان وهذا قيد لأن الله له أولياء لكن ليس من الذل ﴿أَنَّمَا﴾ هم أولياء رحمة منه سبحانه وتعالى فالله عز وجل له أولياءنا ﴿أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: 62) ﵝيُونُس : ﵒﵖﵜ فهناك أولياء لله سبحانه اتخذهم الله أولياء لكن هذه الولاية ليست ولاية ذل وإنما هي ولاية رحمة منه سبحانه وتعالى بهؤلاء لذلك جاء القيد ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ﴾ (الإسراء: 111) لأنه ليس بفقير ولا بمحتاج هو الغني عن العالمين ولذلك لا يحتاج إلى اولاد سبحانه وتعالى ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ عظمه تعظيما يليق بجلاله وكماله ومن ذلك أن تقول الله أكبر فالحمد لله والله أكبر وبهذا ختمت هذه السورة الجليلة الكريمة نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
من فوائد الآيات
أنزل الله القرآن متضمنا الحق والعدل والشريعة والحكم الأمثل قال الله ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: 105) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵐﵑﵜ وتقدم أن من معاني الآية أن نزول القرآن للحق ونزل مع والقرآن في داخله كله حق ومتضمن للحق.
جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى قال الله ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵐﵑﵜ وذلك لأن الآية قبلها (يخرون الأذقان سجدا) وهذا يحصل في الصلاة وإن كان ليس بصريح لكن يستنبط منه ذلك وقد جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ودلت على هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من بكائه صلوات الله وتسليماته عليه.
الدعاء أو القراءة في الصلاة يكون بطريقة متوسطة بين الجهر والإسرار ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (الإسراء: 110) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵑﵑﵜ وقولهم الدعاء أو القراءة على وجهين في تفسير الصلاة، أشهرهما وهو وقول الجمهور أنَّ المراد بالصلاة القراءة والعلم عند الله تعالى.
وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الإسراء أو سورة بني إسرائيل ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا للتي هي أقوم وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.