مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس التاسع - في رحاب آية

في رحاب آية · الدرس 2 من 31 · 18 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. افتتاح المجلس التاسع بآية التدبر
  2. آية الاستجابة لله والرسول في الأنفال
  3. معنى الاستجابة وحديث أبي سعيد بن المعلى
  4. تفسير يحول بين المرء وقلبه وخطر التسويف
  5. تقلب القلوب والدعاء بالثبات
  6. الحشر إلى الله والثبات في زمن الفتن
التفريغ النصي الكامل للدرس

افتتاح المجلس التاسع بآية التدبر

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 سبحان منزلة بليلة قدره درب الهداية واضح التبيان يتلوه أحمد للدنا وهي التي عطشت لقطر هداية هتاني الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

آية الاستجابة لله والرسول في الأنفال

فمرحبًا بكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الحضور الكرام وبارك الله فيكم وتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال ما زلنا مع هذه السلسلة في رحاب آية ونحن اليوم على موعد مع المجلس التاسع ومع آية مباركة من سورة الأنفال قال الله سبحانه وتعالى، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾2 هذه آية كريمة جليلة من هذه السورة الكريمة ابتدأها الله عز وجل بالنداء اللطيف القريب المحبب إلى القلوب المؤمنة تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في المجلس الثاني قول الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾3.

وهذا نداء آخر من نداءات رب العباد لعباده المؤمنين يقول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾4 ونحن نقول سمعًا وطاعةً لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك ما تريد منا نحن نسمع لك ونطيع، وفي التعبير بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ شحذ للهمم وتحفيز لها وترغيب في الامتثال فأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن عليك، أن تراعي هذا الذي يأمرك الله به فإما خير يأمرك الله به أو شر ينهاك الله عنه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾5 استجيبوا لله أي: أجيبوا أمر الله وأجيبوا أمر رسول الله ﷺ ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾6 فما يأمركم الله به أطيعوه وما ينهاكم الله عنه اجتنبوه ما يأمركم به الرسول ﷺ نفذوه ما ينهاكم الرسول ﷺ اجتنبوه كما قال ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾7 ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ وقوله: وللرسول، ولم يقل استجيب لله والرسول فقوله: للرسول لأنَّ الاستجابة للرسول ﷺ قد تكون بمعنى إجابة دعوته وتنفيذ أوامره.

معنى الاستجابة وحديث أبي سعيد بن المعلى

وقد يكون بمعناها الظاهر أو بمعناها القريب استجيبوا للرسول إذا دعاكم إذا دعاك دعاء مباشرًا كما كان في حياته ﷺ أن تجيبه وأن تسمع لندائه فحينئذ عليك، أن تهرول إليه كما بين الرسول ﷺ للصحابي الجليل وهو في حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه في البخاري أن النبي ﷺ مر عليه وهو يصلي فدعاه وهو في صلاته فلم يجبه حتى أتم صلاته ثم أتى النبي ﷺ

فقال له الرسول ﷺ «﴿مَا مَنَعَكَ﴾، أن تأتي»8، يعني: أنا قد ناديتك ودعوتك «﴿مَا مَنَعَكَ﴾، أن تأتي». فقال «كنت أصلي» قال ألم يقل الله ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾910 وهذا معناه: أنه وهو يصلي هذه الصلاة التي كان يتنفل بها أو يتطوع بها يقطع صلاته من أجل أن يجيب رسول الله محمدًا ﷺ والمعنى الآخر استجيب للرسول في تعاليمه فالرسول يدعونا ﷺ وسنته باقية بيننا لا تقدم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ورسوله.

فقال ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله: لما يحييكم أي: لما تحيا به القلوب فهذه هي الحياة الحقيقية فكم من شخص يبدو لنا أنه حي وهو في حقيقة الأمر مَيِّت لأنَّ الحياة الحقيقية حياة القلوب والموت موت القلوب ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾11.

ولذلك جاء عن نبينا ﷺ «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر كمثل الحي والميت». فقال ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾12، يعني: أن الله يأمرك بما فيه حياة قلبك الرسول ﷺ يدعوك إلى ما فيه حياة قلبك حياة روحك. بل إن الوحي روح. ولذلك أطلق على القرآن روح ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾13 فوحي الله روح تحيا به القلوب والأفئدة.

ولذلك قوله ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يقال له: وصف لازم وصف كاشف ليس قيدًا للاحتراز بمعنى هل معنى ذلك، أن الرسول ﷺ إذا دعانا لما ليس فيه حياتنا لنجيبه الجواب، ومن قال لك، أن الرسول سيدعوك إلى ما ليس فيه حياتك كلما يأمرك الرسول ﷺ به أو ينهاك عنه ففيه حياة لقلبك امتثال الأمر واجتناب النهي هذا فيه حياة قلبك فقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وكل ما يدعو الرسول ﷺ إليه فيه حياتنا لذلك يقال عنه وصف كاشف يكشف الحقيقة ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ كما قال ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ﴾14 الاستجابة كن مستجيبا هكذا كن مستجيبا الله يناديك الله يدعوك الرسول ﷺ يدلك يرشدك ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ سمعا وطاعة وأنت محب وأنت راغب وأنت مقبل ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾15 في بعض المواضع من القرآن تجد هذا التعبير العظيم اعلموا واعلموا ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾16 ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾17 التعبير بقوله اعلموا، يعني: أن هذا الذي سيذكره الله بعده أمر جليل عليك، أن تهتم به وأن تعتني به وأن يكون منك بمكان وبمقام عظيم.

فقال الله ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾18 يحول بين المرء وقلبه ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، «يحول بين المؤمن والكفر ويحول بين الكافر والإيمان»19 يحول بين المرء وقلبه هذا المؤمن يثبته الله فلا يكفر بالله عز وجل. وهذا الكافر يصير قلبه غلفا أغلف لا يستجيب لداع ﴿ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾.

تفسير يحول بين المرء وقلبه وخطر التسويف

وهذا فيه أنَّ: الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، وأن المهتدي من هداه الله وأن الموفق من وفقه الله ومما يذكر في تفسير الآية الكريمة أيضًا اعلموا أن ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ، أن الله سبحانه وتعالى، يدعوك إلى أن تكون مستجيبا وأن لا تتأخر في الاستجابة. هو يقول لك: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلا تتكاسل، ولا تتقاعس.

أنت تقول حينما يقال لك قم صلي تقول سأصلي زكِّ سأزكِّي افعل سأفعل اترك المحرمات سأترك، سوف تؤخِّر ما يدريك أنك ستعان بعد ذلك إذا فُتح لك المجال اليوم فلا تدري ماذا يكون بعد اليوم إذا تيسر لك الخير في تلك اللحظة فلا تدري ما يكون بعدها، ومن أعرض مرة يوشك، أن يكون إعراضه مستمرًا إذا أعرض الإنسان قد لا يُعان بعد ذلك وربنا قال ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾20 لذلك في كل التعاليم التي يدعوك الله إليها أو يدعوك الرسول ﷺ إليها بادر بها وامتثل ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾21 «بادروا بالأعمال فتنًا» هكذا يقول الرسول الكريم ﷺ لأنك لا تدري ماذا يعرض لك وما يكون من أمرك.

لكن بعض الناس يقول هذا الأمر ليس ضروريًا أن أنفذه هذا النهي. وهذه المعصية لا أستطيع أن أتركها لا يضر أفعلها نحن نعلم، أن «كل بني آدم خطّاء» وأنه لا يسلم العبد من القصور بيد أنه لا يسعى إلى ذلك ولا يتهاون مع نفسه في المحاسبة على ذلك ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾22 ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾2324، وأيضًا مما يدخل في معنى الآية الكريمة، أن علم الله سبحانه وتعالى، سابق على كل شيء فالله يعلم نيتك ويعلم عزيمتك وهو يحول بين المرء وقلبه فعلمه محيط بكل شيء.

ولذلك لما قيل للأعرابي بم عرفت ربك. تأمَّل! قالوا لأعرابي بما عرفت ربك قال «عرفته بنقض العزائم وصرف الهمم» هذا عجيب بعضنا قد يتعلق بشيء غاية التعلق تجد شابًّا يحب فتاة، ولا يريد أن يتزوج إلا تلك الفتاة يحاول أبوه معه تحاول أمه معه يقولان له هذه لا تناسبك، وفيها وبها يقول هي لا أريد غيرها، وبعد فترة قد يتحول عنها كليًّا وجزئيًّا يستغرب الجميع، يقول ما عدت أقبلها، لا أريدها، لا أرغب فيها، ما الذي حوله، ما الذي غيره

تقلب القلوب والدعاء بالثبات

الله قادر على أن يصرف تلك القلوب من شيء إلى شيء، وأن يحولها من شيء إلى شيء، فتنقض الهمم. وهذه العزائم تنصرف وتتغير، قد تكون عازمًا على شيء، لا بد أن أفعل، لا بد أن أفعل، وفجأة يتغيَّر الأمر، يقول لك: من بجوارك ما الذي جرى لك ما الذي غيرك تقول لا شيء أنا لا أريد هذا شيء كنت عازمًا عليه ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾، ومن معاني ذلك، أن العبد قد يتحول من حال إلى حال فيتغيَّر حاله ويتبدل أمره فقد يكون على طاعة ثم يتركها إلى المعصية سلمنا الله.

وقد يكون على معصية فيوفقه الله ويتوب إليه من هذه المعاصي. وهذا معناه: أن العبد عليه أن يسأل الله دومًا الثبات. أن يسأل الله، أن يثبته. لأنَّ الأمر كما قال الله، ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾25. ولأنَّ الأمر كما قال الله ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾26 فالفضل له وحده لذلك نبينا ﷺ ثبت عنه كما في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال ﷺ: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء» ولذلك من دعائه ﷺ «يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»، وكان أكثر دعائه ﷺ «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ولما سُئل عن ذلك ﷺ كما في رواية الترمذي أخبرهم بأن «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن فإنَّ شاء الله أقامه وإن شاء الله أزاغه» إن شاء الله أقام هذا القلب على التوحيد على الصدق على الإخلاص على الطاعة وإن شاء الله أزاغه فانحرف وحاد عن الصراط المستقيم وهذه أيضًا فيها دعوة إلى التضرع والتذلل إلى الله سبحانه وأن لا يغتر الإنسان بطاعته وأن لا يعجب بعمله وإنَّما يلجأ إلى ربه ويسأل ربه الثبات لأنَّ الناس على أقسام منهم الذي لا يثبت على طريقة ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾27 نسأل الله السلامة ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ على كذلك أن تأخذ بالأسباب المعينة على الثبات من طاعة الله سبحانه وتعالى حتى يحبب الله إليك الإيمان ويزينه في قلبك.

نسأل الله أن يحبب إلينا الإيمان وأن يزينه في قلوبنا وأن يُكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان وأن يجعلنا من الراشدين. قال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾28 المرجع إليه ﴿وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾29 فإياك، أن تتراجع إياك، أن تترك طاعة الله إياك، أن تتكاسل أو تتقاعس فأنت محشور ومجموع ﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾30 هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، فهذه الآية الكريمة تدعونا إلى الاستجابة لله ولرسوله ﷺ تدعونا إلى أن نسأل الله الثبات، ولا سيما في زمان الفتن والرسول ﷺ قال: «سيأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» فالفتن تكون شديدة فأسأل الله الثبات وإنَّما سمي القلب قلبا من تقلبه القلب يتقلب ويتبدل فأسأل الله الثبات معصية قد تجرك إلى أخرى وسيئة تجرك إلى أخرى وأنت في شهر رمضان المبارك وقد أقبلت على الطاعات أقبل عليها بصدق وإخبات وإخلاص وسل الله أن يثبتك عليها لتكون بعد رمضان على الطاعة لا أن تعود إلى المعاصي كما كان كثير منا. نسأل الله أن يتوب علينا والله أمر المؤمنين.

الحشر إلى الله والثبات في زمن الفتن

فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟﴾31 فهم مؤمنون ويأمرهم بالإيمان لأنَّ الإيمان يحتاج إلى استمرار داوم على الإيمان وازدد من الإيمان تقبل الله منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وبارك الله فيكم و

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 24 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 183 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 24 ↩
  5. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  6. آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 24 ↩
  7. آية: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 7 ↩
  8. حديث: «﴿مَا مَنَعَكَ﴾، أن تأتي» — الذكر في الدرس: أبو سعيد بن المعلى. نسبة الشيخ: البخاري ↩
  9. آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 24 ↩
  10. آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  11. آية: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 122 ↩
  12. آية: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  13. آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 52 ↩
  14. آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 47 ↩
  15. آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  16. آية: ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 98 ↩
  17. آية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 235 ↩
  18. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  19. أثر: يحول بين المؤمن والكفر ويحول بين الكافر والإيمان — الذكر في الدرس: ابن عباس ↩
  20. آية: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 110 ↩
  21. آية: ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 148 ↩
  22. آية: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 18 ↩
  23. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  24. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  25. آية: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 41 ↩
  26. آية: ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 74 ↩
  27. آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 11 ↩
  28. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  29. آية: ﴿وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  30. آية: ﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 103 ↩
  31. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 136 ↩

من سلسلة: في رحاب آية (31 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة