سورة الإسراء — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قوله ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ (الإسراء: 77) سَنَ الله سنة في المرسلين والمعنى أن هذا الحكم وهو عدم بقاء قومه بعد خروج نبي من الأنبياء بسبب قومه هذه سنة الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن قوما من الأقوام لو أخرجوا نبيا من الأنبياء من بلده فإنَّ الله سيكتب عليهم الهلاك وأن هذه سنة قضى الله عز وجل بها ولذلك قوله ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ (الإسراء: 77) يمكن أن نقول إنها استئناف بياني وما معنى أنها إستئناف بياني؟ يعني جواب عن سؤال مقدم كأن قائلا يقول ولماذا ﴿لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؟ لماذا لو أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة فإنهم لن يلبثوا خلافك إلا قليلا؟ لماذا سيكتب الله عليهم الهلاك؟ فبين الله قائلا ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ (الإسراء: 77) هذا الأمر ليس خاصا بك يا رسول الله بل جرت عادة الله أن قوما من الأقوام أو أن أمة من الأمم إذا طردت نبيها وأخرجته من بين ظهرانيها أن يعجل الله لها العقوبة وألا يبقيها بعده إلا مدة يسيرة، فلذلك قومك حينما يصنعون ذلك سيصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من الهلاك.
﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) قالوا ولا تجدوا ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لسنتنا تغييراً بل ستجدها ثابتة مطردة.
قوله ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (الإسراء: 76) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵗﵜ الآية فيها أن الكفار أوشكوا أن يصنعوا ذلك لكن الله قال في سورة محمد ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد: 13) ففي سورة محمد أثبت الله أنهم أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام ومن المعلوم أن قوله في سورة محمد ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾ المراد بالإخراج هنا إخراج الأهل أي أهل مكة أي المشركون فالقرية ليس البناء هو الذي يخرج وإنما المراد بذلك أهل هذا البلد، فقوله ﴿أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ﴾ معناه أنهم أخرجوه بالفعل، وهنا قال ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (الإسراء: 76) فكيف الجمع بين الآيتين؟ يقال والعلم عند الله أن هؤلاء هم الذين سببوا لرسول الله الخروج وخططوا ودبروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30) ﵝالأَنفَال : ﵐﵓﵜ وقال أيضًا ﴿وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ﴾ (التوبة: 13) ﵝالتَّوۡبَة : ﵓﵑﵜ إذا هم هموا بإخراج الرسول وعزموا عليه وخططوا ودبروا فحينما وقع ذلك أعلم الله رسوله عليه الصلاة والسلام وأمره بالهجرة دون أن يخرجوه هم، فكأن استعدادهم لذلك وتآمرهم عليه بمثابة الإخراج الفعلي وإن كان الله سبحانه وتعالى قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مأذونا له دون أن يحمله على ذلك أحد في الحقيقة وإن كانوا هم الذين دفعوه بتخطيطهم وتدبيرهم لكن كان هذا قضاء الله سبحانه وتعالى واختياره لرسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولذلك فكأنهم أخرجوه بسبب التخطيط والعزم والإصرار وما قاموا به من أمور منكرة.
ثم قال ﴿وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) ولذلك وقع وعد الله فصناديد قريش ماتوا في غزوة بدر بل قتلوا في غزوة بدر، ولذلك قوله ﴿وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) تحقق لكن لم يكن بالاستئصال العام الذي كان يقع في الأمم السابقة لأن الله سبحانه قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33) ﵝالأَنفَال : ﵓﵓﵜ فالاستئصال العام لم يقع لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لكن الله قضى على صناديد المشركين وقطع دابرهم وبقي الدهماء والعوام وما إلى ذلك ممن دخل بعد ذلك كثير منهم في دين الله سبحانه وتعالى فكان فتحا عظيما وتيسيرا كبيرا وإكراما من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتحقيقا لوعد الله وسنته التي سنها في الأنبياء والمرسلين.
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ (الإسراء: 77) هذا فيه أن لله سننا وأن هذه السنن لا تتخلف ولا تختلف فهي سنن لا تتخلف من جهة ولا تختلف بل هي سنن مستمرة دائمة لا تتحول ولا تتبدل، لذلك قال ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) وأنت إذا تتبعت هذه الكلمة القرآنية كلمة سنة تجد أنها في كثير من مواضعها تضاف إلى الله سبحانه وتعالى سنة الله ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵗﵜ ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43) ﵝفَاطِر : ﵓﵔﵜ ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ﴾ (الأحزاب: 62) ﵝالأَحۡزَاب : ﵘﵓﵜ ﴿سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ﴾ (غافر: 85) ﵝغَافِر : ﵕﵘﵜ إلى غير ذلك من الآيات.
لكنها في مواضع يسيرة أضيفت إلى بعض الخلق كما في هذه الآية ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ (الإسراء: 77) وهي في الحقيقة سنة الله لكن المراد أن الله سنها من أجلهم فإضافتها إلى الرسل لأنَّها سنت من أجل الرسل، من أجل نصر الرسل من أجل تأييدهم وتأييد من تبع الرسل من المؤمنين وهنا الانتصار لرسل الله وأنبيائه فلذلك الإضافة هنا بهذا الاعتبار وإلا فهي هي سنة الله سبحانه وتعالى في الأساس، وأهل العلم لهم كلام طويل لا سيما من كان منهم معاصرا أو في كتابات المحدثين فيما يتعلق بسنن الله سبحانه وتعالى وبعضهم رأى أن هذه السنن ينبغي أن تكون علما مستقلاً كصاحب تفسير المنار وله في ذلك كلام طويل أخذه رشيد رضا عن شيخ محمد عبده وقال إن العلم بسنن الله سبحانه وتعالى من أعظم العلوم وأعمها نفعا وله كلام كثير في هذا الباب وحاصل ما يقال في ذلك والعلم عند الله أنهم يقسمون سنن الله جل وعلا إلى نوعين رئيسين أما النوع الأول فالسنن الكونية وأما النوع الثاني ي فالسنن الإجتماعية يقولون السنن الأولى السنن الكونية التي تتعلق بالكون، سنة الله في تسخير الشمس والقمر والمخلوقات وما إلى ذلك، وهناك السنن الإجتماعية وهي السنن التي تتعلق بالبشر من نصر الله للمؤمنين ومن إهلاك الظالمين ومن سنة الابتلاء وسنة الإملاء والإمهال والاستدراج إلى غير ذلك من السنن المعروفة كل هذه يسمونها بالسنن الإجتماعية أو بالسنن التي تتعلق بالخلق أو بالبشر ومنها هذه السنة، ولذلك قال هنا ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) قالوا هنا بل ستجدوها ثابتة مطردة لذلك من أوصاف وخصائص السنن الإلهية الاجتماعية يسمون هذه السنن كلها بالسنن الإلهية ثم يقولون السنن الإلهية منها سنن كونية تتعلق بالكون ومنها سنن تتعلق بالإنسان فيجعلون السنن المتعلقة بالكون كونية والتي تتعلق بالإنسان يقولون عنها اجتماعية، الشاهد من ذلك أنه من خصائص هذه السنن لا سيما الاجتماعية أنها ثابتة ومضطردة، يعني أن الله سبحانه وتعالى يكافئ المؤمنين هذا ثابت لا يتغير، أن الله يهلك الظالمين ويعذبهم في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة هذا لا يتخلف ولا يختلف، سنة الابتلاء متحققة وهكذا، لذلك يقولون ثابتة ومضطردة.
بل إن بعضهم قال أن السنن الكونية قد تتخلف من أجل تحقيق السنن الإجتماعية ومن ذلك مثلًا أن الشمس حبست ليوشع بن نون من أجل أن ينصره الله سبحانه فحبس الشمس هذا في الأصل خارق للعادة ولذلك خرق العادة التي هي السنة الكونية من أجل تحقيق السنة الإجتماعية والعلم عند الله والكلام في ذلك معروف في موضعه.
هنا قال ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) أحيانًا نجد في التعبير القرآني ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43) ﵝفَاطِر : ﵓﵔﵜ هل هناك فرق بين التبديل والتحويل؟ يعني هناك جمع بينهما في بعض المواضع كما في سورة فاطر التبديل كأن يتغير الأمر أن يغير العقاب إلى ثواب فالله سبحانه وتعالى يعاقب الظالمين ويكافئ المؤمنين لا يعكس لا يأتي مرة يعاقب المؤمنين ويكافئ الظالمين هذا هو التبديل والتحويل قال بعضهم هذا يتعلق بالزمان فلا يحوله زمنا وأما التبديل يتعلق بذاتي بذات الحكم أو أن التحويل بأن يصرفه إلى غيره بمعنى أن يكون هذا الثواب جاء لفلان فيذهب إلى آخر هذا لا يتأتى في حق الله سبحانه وتعالى، فإذا لا يبدل في ذاته ولا يتحول إلى غيره وإنما يكون له هو ولذلك تقدم معنا في قوله تعالى ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 56) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵕﵜ تقدم أن بعضهم يقول ولا تحويلا إلى غير من كان له ممن قدره الله سبحانه وتعالى عليه فقال ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) يعني لا يتحول ذلك وإنما ما قدره الله، فما قدره الله أن يكون على هذا الصنديد من صناديد المشركين من هلاكه سيقع له وما قدره الله من نصرة للرسول فإنَّ الله ينصره والعلم عند الله تبارك وتعالى.
أيضًا قد يَرِد على ذلك إشكال وهو ما يتعلق بنبي الله ورسوله يونس عليه الصلاة والسلام حيث أن يونس عليه السلام خرج ولكن الله لم يهلك قومه والجواب عن ذلك أنه لما خرج ظنا منه أنه لا حرج عليه في ذلك دون أن يأذن الله سبحانه وتعالى له إذا معنى قوله ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (الإسراء: 76) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵗﵜ هم لا شك أنهم كفروا بالله وكذبوا برسول الله لكن باب الدعوة كان مبذولا وكان على يونس عليه الصلاة والسلام أن يكون بين ظهرانيهم حتى يأذن سبحانه وتعالى له فاجتهد نبي الله يونس وعتب الله سبحانه وتعالى عليه إذ خرج دون أن يأذن الله سبحانه وتعالى عليه ثم تاب وتاب الله سبحانه وتعالى عليه كما هو معلوم وتقدم معنا قبل ذلك في تفسير سورة يونس وقبل ذلك في بدايته في التفسير في سورة الصافات فإذا لا يرد على هذا الإيراد أن الله لم يهلك قومه لأنه لن يتحقق فيه ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (الإسراء: 76) كانوا ما زالوا في صدد أو في باب الدعوة أما ليخرجوك من هؤلاء أصروا على العناد ولا مجال للإيمان بحال من الأحوال.
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵗﵜ الآيات انتقلت بنا نقلة أخرى انتقلت بنا إلى الحديث عن الصلاة وذلك لأن الصلاة من أعظم أبواب الثبات والسورة مع ذكر الاستفزاز ومع ذكر هذا الذي يقوله أهل الكفر وأهل الطغيان فالمرء يحتاج إلى ثبات ومن أعظم أبواب الثبات الصلاة، والصلاة فيها الثبات والإقبال على الله سبحانه وتعالى فقال ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) وأيضا تقدم معنا أن سورة الإسراء تتحدث عن القرآن وأعظم مواضع قراءة القرآن الصلاة فأيضا هذا من أسباب ذكر الصلاة والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ذكر ابن عطية في تفسيره نقل عن إجماع المفسرين أن الآية الكريمة نزلت في الفرائض الخمسة قال هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة فلذلك إذا قيل لأحد هاتِ لنا من القرآن الكريم ما يشير إلى الصلوات الخمس فنقول هذه الآية الكريمة ومعنا آية آخرى أيضًا قال بها بعض المفسرين وهي قوله ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْءَاخِرَةِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﵝالرُّوم : ﵖﵑ - ﵘﵑﵜ فقالوا يستفاد منها أيضًا الصلوات الخمس، إذا الصلوات الواجبة التي تجب في كل يوم وليلة موجودة في آيتي سورة الإسراء وسورة الروم.
كيف استنبط العلماء منها الصلوات الخمس؟ قالوا إن قوله ﴿لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ (الإسراء: 78) هنا قالوا في التفسير أقم الصلاة بالإتيان بها على أتم وجه في أوقاتها، من أين آتوا بهذا الكلام؟ بقولهم بالإتيان بها على أتم وجه في أوقاتها من قول ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) لأنه ما قال صلي فقط ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ (الإسراء: 78) فإقامة الصلاة فيها معان من هذه المعاني الدوام عليها والمحافظة والإتيان بها على أحسن وجه إلى غير ذلك مما تقدم بيانه.
ما معنى ﴿لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ (الإسراء: 78) قالوا من زوال الشمس عن كبد السماء ويشمل ذلك صلاة الظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ إلى ظلمة الليل وتشمل المغرب والعشاء وأقم صلاة الفجر وأطل القراءة فيها، فزوال الشمس يكون عنده صلاة الظهر ولذلك بعضهم يقول اللام هنا لام التوكيد ﴿لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ (الإسراء: 78) يعني عند دلوك الشمس وقت الدلوك ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) إذا زالت الشمس تبعها ذلك ما يدخل من صلاة العصر أيضًا فيكون المراد صلاة الظهر وصلاة العصر، والدليل على أيضًا دخوله ﴿إِلَىٰ﴾ بعدها ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) فإلى تدل على امتداد الوقت، إذا من دلوك الشمس إلى غسق الليل فيه صلاتان، ما هاتان الصلاتان صلاة الظهر وصلاة العصر، وجاء بيان ذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم ترون أن ما يفعله المفسرون استنباط لما ورد في السنة وإلا فتفصيل القول في الصلوات الخمس وتسمية هذه الصلوات بالفجر والظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ والمغرب والعشاء ﴿أَنَّمَا﴾ نجده في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولذا يذكر العلماء هذا المثال من الأمثلة التي تدل على أنه ولا غنى للإنسان أبدًا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا من أين له أن يعرف أنه من دلوك الشمس إلى غسق الليل هناك صلاتان وهما صلاة الظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾.
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵗﵜ
﴿غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) قالوا إلى ظلمة الليل وبدآية الليل من المغرب، إذا يدخل فيه المغرب والعشاء.
إذا من أين أخذنا صلاتي المغرب والعشاء؟ من قوله ﴿غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) ومن أين أخذنا صلاتي الظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾؟ من قوله ﴿لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ (الإسراء: 78) هل هناك قول آخر؟ نعم القول الآخر أن دلوك الشمس يأتي في اللغة بمعنى غروب الشمس فقالوا إذا استعملنا المشترك في عامة معانيه فيكون دلوك الشمس فيه الظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ على قول أو على معنى وفيه المغرب على معنى وغسق الليل هو العشاء فيكون في قول ﴿لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ (الإسراء: 78) ثلاث صلوات على هذا المذهب وفي قوله ﴿غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) المراد به العشاء وحينئذ تكون أربع صلوات والعلم عند الله تبارك وتعالى ﴿غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) وقالوا أن غسق الليل يكون معه العشاء عند مغيب الشفق الأحمر كما هو معلوم.
﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) لم يقل صلاة الفجر ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ هذا فيه إشارة إلى المقصد من هذه السورة الكريمة وبيان قدر القرآن وأهمية قراءة القرآن والعمل بالقرآن وأن القرآن يهدي للتي أقوم وفي إشارة إلى أن القراءة في صلاة الفجر مطلوبة ومطلوب الزيادة منها ولذلك كما جاء في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كأن يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المئة صلى الله عليه وسلم فكأن يطيل في صلاة الفجر صلى الله عليه وسلم ولذلك قوله ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ المراد به هو صلاة الفجر، وهذا في عدة فوائد منها:
أن القراءة في صلاة الفجر أو أن القراءة عمومًا في الصلاة واجبة أو ركن قالوا لأنه عبر عن الصلاة بالجزء وهذا يدل على أنه جزء وركن ركين فيها فالقراءة في الصلاة ركن أو واجب والجمهور يعينون هذا الواجب بأنه الفاتحة والأحناف لا يجيبون الفاتحة لكن يجيبون القراءة أخذا بقوله ﴿فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾ (المزمل: 20) ﵝالمُزَّمِّل : ﵐﵒﵜ لكنها واجبة، لأن الله سماه ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ والمراد الصلاة التعبير عن الكل بالجزء
فضل إطالة صلاة الفجر أو القراءة في صلاة الفجر.
﴿إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) للدلالة على فضل القراءة في هذا الوقت العظيم المبارك الذي تجتمع فيه ملائكة الليل وملائكة النهار ولذلك قوله ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) قالوا هنا تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار، وهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق عليه وتجتمع ملائكة الليل وملائك النهار في صلاة الفجر ثم قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78).
فهذا أيضًا مما يستفاد منه في تفسير القرآن بالسنة، فلذلك حينما نستعمل في الدراسة في كيف يفسر الإنسان القرآن من ذلك أن يستفيد من السنة في تفسير فمشهودا عرفنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في هذا الوقت.
أيضًا في قوله ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ نلاحظ أمرا وهو أن الله فضَّل صلاة الفجر عن الصلوات الأربعة فقوله ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78) تضم الصلوات الأربع ثم قال ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ منفردة استفاد من ذلك بعض الفقهاء أن وقت العشاء لا يمتد إلى صلاة الفجر ولذلك ذهب فريق من العلماء وهو مذهب الإمام البخاري أن وقت العشاء إلى منتصف الليل وقد جاء في ذلك الحديث في صحيح الإمام مسلم ووقت العشاء إلى نصف الليل الاوسط لكن الجمهور يرون أن وقت العشاء يمتد إلى الفجر أخذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّمَا﴾ التفريط على من ترك الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، وبعضهم يفرق بين وقت الاختيار ووقت الضرورة والكلام في ذلك معروف في الفقه لكن الشاهد من ذلك من إستنباطات المفسرين من الآية قالوا أن الله فصل ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ عن الصلوات الأربع وأيضا فصل الفجر عن الظهر ولذلك لأن وقت الفجر بالإجماع ينتهي عند طلوع الشمس، ولذلك من أدلة من ذهب إلى أنه ينتهي إلى منتصف الليل قالوا أن الحديث ورد في صلاة الفجر ومع ذلك فصلاة الفجر ينتهي وقتها ليس عند مجيء وقت الصلاة الأخرى وهي الظهر وإنما عند طلوع الشمس بالإجماع والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78) ومما ينبغي التنبه له أن ما يجري في أيامنا هذه من إذاعة القرآن قبل صلاة الفجرلا يظن أبدًا أن المراد به ما ذكره الله في السورة الكريمة فهذا لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا وهذا الوقت وقت استغفار في الأصل وإنما المراد بقوله ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ أي القراءة في صلاة الفجروليس ما يسبق الأذان من قراءة فهذا شأن آخر والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال الله بعدها ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵗﵜ
قالوا هنا فقم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول وصل بعضا منه لتكون صلاتك زيادة لك في رفع درجاتك، قوله ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ أصل المادة فتهجد إزالة الهجود، إزالة النوم عن الإنسان، يعني أصل الهجود النوم، إنسان في وجود يعني في نوم، فمعنى فتهجد يعني إزله عنك، لأن هذه المادة وهي مادة تفعل تهجد تأتي بمعنى الإزالة ولذلك في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه كُنْتُ رِدْفَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى حِمارٍ، يُقالُ له: عُفَيْرٌ، قالَ: فقالَ: يا مُعاذُ، تَدْرِي ما حَقُّ اللهِ علَى العِبادِ؟ وما حَقُّ العِبادِ علَى اللهِ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّ حَقَّ اللهِ علَى العِبادِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا يُشْرِكُوا به شيئًا، وحَقَّ العِبادِ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ لا يُعَذِّبَ مَن لا يُشْرِكُ به شيئًا، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ، قالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا. قال وأخبر بها معاذ رضي الله عند موته تأثما ما معنى تأثما؟ يعني ليزيل الإثم عن نفسه حتى لا يكون كاتما للعلم، إذا تقول تأثم ما معنى تأثم؟ يعني ازال الإثم، تحرج أزال الحرج، تهجد أزال الهجود وهكذا، فتفاعل أحيانًا تأتي بمعنى الإزالة.
قال هنا ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ﴾ (الإسراء: 79) ما معنى نافلة؟ قالوا يعني زيادة لك كيف هي زيادة؟ قالوا أي هي فريضة على الرسول وحده، فقالوا خص الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بصلاة قيام الليل بأن جعلها في حقه فرضا وفي حق الأمة نافلة وسنة، والمراد بالنافلة هنا النافلة الاصطلاحية وإلا المراد بالنافلة هنا المعنى العام وهي الزيادة فالأصل في النافلة شيء زاده الله سبحانه وتعالى له أو أن معنى نافلة يعني فضلا من الله عليك جعلها الله فيها زيادة فضل لتنال منها الشرف والسؤدد بفضل الله عز وجل وأيضا قالوا من الفروق أن غير النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ليكفر الله عنه السيئات وليغفر غفر له الذنوب وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فكان يقوم اليل شكرا لله عز وجل ولذلك لما قيل له تفعل ذلك وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قال أفلا اكون عبدا شكورا وفي لفظ أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا صلى الله عليه وسلم.
﴿أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) هذا فيه فضل قيام الليل وأن قيام الليل طريق للوصول إلى المنازل الرفيعة والدرجات العالية فالنبي صلى الله عليه وسلم له هذه الخصائص ومن أسباب تحصيله لها قيامه لليل وتخصيصه بهذه العبادة دليل على شرفها وعلى جلال قدرها ولذلك من أوائل ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل السور المكية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ ﵝالمُزَّمِّل : ﵑ - ﵓﵜ الآيات الكريم.
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵗﵜ
لذلك جاء في الحديث وأعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، هذا يدل على مكانة هذه العبادة نسأل الله أن يجعلنا من أهلها بمنه وكرمه ﴿عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) عسى من الله متحققة وسيأتي الكلام فيها وتقدم الكلام فيها قبل ذلك في سورة التحريم، الشاهد من ذلك أنها هنا متحققة والله قد إختص الرسول عليه الصلاة والسلام بالمقام المحمود، قالوا هنا مقام الشفاعة العظمى وقد نقل الواحدي الإجماع على أن المراد بالمقام المحمود في الآية الشفاعة العظمى ويشهد لذلك الأحاديث التي وردت في الشفاعة ومنها أحاديث الصحيحين وما ورد H0.
﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًا نَّصِيرًا﴾ (الإسراء: 80)
﴿وَقُل رَّبِّ﴾ يأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه ﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (الإسراء: 80) قالوا هنا اجعل مداخلي ومخارجي كلها، إذا مدخل صدق المراد به كل مواضع الدخول وكذلك كل مواضع الخروج في قوله ﴿وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (الإسراء: 80) لأن بعض المفسرين خص قوله ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (الإسراء: 80) بدخول المدينة ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (الإسراء: 80) بالخروج من مكة، فكثير من المفسرين قالوا بذلك كما مال إليه بن جرير الطبري وبن كثير وغيرهما والأقرب أيضًا أن هذا داخل بالدرجة الأولى ويمكن أن يقال هو من قبيل التمثيل يعني من قبيل الذكر التفسير بالمثال وهذا كثير عند العلماء أنه يفسرون أحيانًا بالمثال أو بما هو داخل بالدرجة الأولى، ثم بعد ذلك يكون المعنى عاما فيدخل فيه أن يدخله مدخل صدق وأن يخرجه مخرج صدق في كل أموره وأحواله صلوات الله وتسليماته عليه وهذا فيه أن الإنسان ينبغي له أن يراعي الصدق في كل أحواله وفي كل شؤونه وأن يسأل الله الإعانة على ذلك قال ﴿وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًا نَّصِيرًا﴾ (الإسراء: 80) قالوا هنا في التفسير واجعل لي من عندك حجة ظاهرة تنصرني بها على عدوي، إذا ما المراد بالسلطان النصير؟ الحجة التي تقويني بها على عدوي، هذا معنى ﴿وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًا نَّصِيرًا﴾ (الإسراء: 80) وبعض العلماء فسر السلطان النصير الذي هو الملك فالمعنى واجعل لي ملكا وسؤددا وعزا، ففيه أنه دعا بذلك ورزقه الله ذلك في المدينة فصار أمر المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام الرسول وسلم هذه الدولة الإسلامية كما هو معلوم في المدينة النبوية إذا السلطان من أهل من يفسره بالسلطان الذي هو بمعنى الحجة ومنهم من يفسره بأنه السلطان بمعنى الملك وكلا المعنيين صحيح والعلم عند الله ومن العبارات الجليلة في ذلك قول مكي بن ابي طالب إذ قال فيها أي حجة تنصرني بها على من ناوئني، وعزا أقيم به دينك وملكا تقوى به أمتي، فجمع هذه المعاني وهذا من جميل ما يقال في ذلك فالتفسير بالمعنى العام يكون قريبا في كثير من المواضع مثل هذا الموضع كما تم التنبيه عليه كثيرًا.
﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵘﵜ
أي ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهؤلاء المشركين جاء الإسلام، ما معنى ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)؟ الإسلام الدين جاء ﴿وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ﴾ أي ذهب الشرك والكفر ﴿إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) ذاهب متلاشى ولذلك الباطل مهما إنتفش ومهما ظهر وأنه قوي فهو إلى زوال واضمحلان كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18) ﵝالأَنبِيَاء : ﵘﵑﵜ وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه المتفق عليه دخل مكة صلى الله عليه وسلم وحول مكة ستون وثلاث مائة نصب يعني من الأصنام فجعل يطعنها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقول ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ﴾ (الإسراء: 81) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵘﵜ ﴿قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ: 49) ﵝسَبَإ : ﵙﵔﵜ صلوات الله وتسليماته عليه.
﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستشهد بالآيات القرآنية في المواضع التي يناسبها الإستشهاد بهذه الآيات أو بتلك الآيات.
﴿إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) وهذا من الأمثال السائرة فيقال للباطل ﴿إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 82) ولذلك هذا من المناسبات في الإظهار يعني هم يقولون أن الباطل يظهر في موضع الإضمار لم يقل وزهق الباطل إنه كان زهوقا وإنما قال ﴿إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ﴾ (الإسراء: 81) لتبقى جملة مستقلة فأنت حينما تقول إنه كان زهوقا نحتاج إلى أن ننظر إلى الجملة التي قبلها لكن حينما يصرح بها ﴿إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) فتبقى الجملة مستقلة وهذا من وضع الإظهار في موضع الإضمار والله أعلم.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵘﵜ
أنتقل الحديث إلى القرآن مع أنه تقدم ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ﴾ فذكر الله الشفاء والدواء، ما الذي يحتاج إليه المرء؟ يحتاج إلى القرآن وإلى العمل به، فبين أن القرآن فيه شفاء بل القرآن كله شفاء فهو شفاء هذه الأمة فقال ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82) تقدم أن الله في القرآن قال ﴿مَا هُوَ شِفَآءٌ﴾ (الإسراء: 82) أما في العسل في سورة النحل قال ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ﴾ (النحل: 69) ﵝالنَّحۡل : ﵙﵖﵜ ففرق بين الأمرين ﴿مِنَ﴾ هنا في قوله ﴿مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 82) يقولون لبيان الجنس وليست للتبعيض فقوله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 82) هل المعنى جزء من القرآن هو الشفاء؟ بل كل القرآن، إذا ﴿مِنَ﴾ يقولون لبيان الجنس؟ كقوله ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ﴾ (الحج: 30) ﵝالحَج : ﵐﵓﵜ يعني من جنس الأوثان كذلك ننزل من جميع القرآن ﴿مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82) والشفاء هنا قالوا ما هو شفاء للقلوب من الجهل والكفر والشك وما هو شفاء للأبدان إذا رقي به، إذا الشفاء هنا شامل وعام فقوله ﴿مَا هُوَ شِفَآءٌ﴾ (الإسراء: 82) يعني شفاء للقلوب وشفاء للأبدان فالقرآن الكريم شفاء للقلوب من أمراضها واسقامها ولذلك قال بعضهم ما أنزل الله داء إلا وفي القرآن دواءه فإذا وقع الدواء على الداء برأ بإذن الله سبحانه وتعالى يعني الإنسان قد يكون في قلبه رياء أو في قلبه عجب فيقرأ آية تزيل عنه هذا المرض بفضل الله سبحانه وتعالى، وكذلك فيه شفاء الأبدان ولذلك الرقية بالقرآن الكريم معروف قدرها وفضلها.
﴿وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) لا يزيد الظالمين إلا هلاكا لأن سماعه يغيظهم ويزيدهم تكذيبا وإعراضا عنه، يسأل سائل كيف يزيدهم خسارا؟ يزيدهم هلاكا؟ لأنه يغيظهم فيتضررون منه ثم كذلك يزيدهم إثما لأنهم يكذبون به ويزيدون في التكذيب ولذلك قال الحسن ما قرأ أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، من يقرأ القرآن إما أن يزيد إيمانه وأما أن يكون حجة عليه، والقرآن حجة لك أو عليك.
﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا﴾ (الإسراء: 83) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵘﵜ
انتقلت الآية إلى بيان حال الإنسان مع وجود هذا الشفاء بيننا إلا أن بعض الناس يعرض عنه ولا يستفيد منه فقال ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ﴾ ومن أعظم النعم ما منَّ الله به علينا من نزول القرآن الكريم.
والمراد بالإنسان هنا؟
يحتمل أن المراد به جنس الإنسان يعني الأصل أن الإنسان يفعل هذا كثير من الناس فيراد به الجنس كما يقولون.
أو يراد به نوع معين هو الإنسان الكافر بدليل السياق.
﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا﴾ (الإسراء: 83) فالإنسان يبتعد ويعرض بجانب من جوانبه ولا يقبل على القرآن الكريم ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ﴾ (الإسراء: 83) هل يستفيد؟ يعني إذا كان في جانب إنعام فإنه يشكر الله سبحانه وتعالى فهل في جانب الشر يظن أو يرى أن هذا ابتلاء من الله فيتراجع؟ لا، قال ﴿كَانَ يَـُٔوسًا﴾ (الإسراء: 83) قالوا هنا شديد القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا﴾ (الإسراء: 83) فهو في كلتا الحالتين غير مستفيد بخلاف المؤمن، عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 84) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵘﵜ
فالمؤمنون يستفيدون من القرآن شفاء ورحمة والظالمون يزيدهم القرآن خسارة، وكثير من الناس إذا أنعم عليه ﴿أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا﴾ (الإسراء: 83) هذا مبني على أي أساس؟ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ (الإسراء: 84) هذا جواب يعني كل يعمل على طريقته، كل يعمل على نيته، كل يعمل على مبدأه، على الأساس الذي هو عليه، مؤمن يستجيب غير مؤمن لا يستجيب، يقدر الله ويعظمه سبحانه وتعالى أما الآخر فيعرض، قالوا هنا كل إنسان يعمل على طريقته التي تشابه حالة في الهداية والضلال ولذلك إذا قيل لك استخرج من القرآن تصديق هذه القاعدة كل إناء بما فيه ينضح قال ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ (الإسراء: 84).
فالإنسان الذي هو على أساس الخير تجد الخير معه وتجد الكرم والإحسان موجودا عنده والذي هو على أساس من الشر ينضح بما فيه ومن ذلك ما قال الله ﴿قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ﴾ (الأنعام: 135) ﵝالأَنۡعَام : ﵕﵓﵑﵜ فهذا على المعنى نفسه ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ (الإسراء: 84) وبعض العلماء فسر الشاكلة بالنية ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ كل يعمل على نيته ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 84) أي ﴿بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ وبمن هو أضل فربنا عالم بالمهتدي وبالضال وبمن هو أهدى سبيلا من الآخر.
ثم قال ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵘ - ﵖﵘﵜ
يحدثنا الله سبحانه وتعالى عن بعض ما وقع من اليهود أو من الكفار من سؤال للرسول صلى الله عليه وسلم ظنا منه أن الرسول لن يستطيع جوابه فذكره الله في أثناء الحديث عن القرآن الكريم للدلالة على أن القرآن وحي يوحيه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فيخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما أخبره الله عز وجل به فقال ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85) وأيضا الروح متعلق بالإنسان فيناسبه ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ﴾ (الإسراء: 83)، ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ (الإسراء: 84) وماذا عن الروح؟ ما معنى ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ (الإسراء: 85)؟ قالوا ويسألك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكفار من أهل الكتاب عن حقيقة الروح فقل لهم لا يعلم حقيقة الروح إلا ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ما معنى ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ (الإسراء: 85)؟ يعني يسألونك عن حقيقتها، عن ماهيتها، وضح لنا ماهيتها وحقيقتها فأجابهم الله ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85) فالجواب ليس كما أرادوا من السؤال هم أرادوا يستفسروا عن حقيقة الروح فبين الله أن هذا من الأسرار ليس لكم أن تعلموا شأنها وحقيقتها ﴿أَنَّمَا﴾ تعلمون أن لكم أرواحا يقبضها الله وقت أن يشاء، وتقدم معنا أنه أحيانًا يأتي السؤال بطريقة ويأتي الجواب للدلالة على ما هو أنفع من هذا السؤال ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85) وفي الآية عدة مسائل :
المسألة الأولى معنى الروح قالوا هنا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يعلم حقيقة الروح إلا الله ففسروا الروح بالروح وهذا هو الأقرب أن المراد بالروح أرواح بني آدم بذكرها بعد قوله ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ﴾ (الإسراء: 83) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵘﵜ فالمراد ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ (الإسراء: 85) أي أرواح بني آدم، بعض المفسرين مال إلى أن المراد بالروح هو الملك الذي ذكره الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ صَفًّا﴾ (النبأ: 38) ﵝالنَّبَإ : ﵘﵓﵜ فقالوا المراد السؤال عن هذا الروح وبعضهم فسر الروح بالقرآن، قالوا لأن القرآن يقال له روح، فهذه أقوال قيلت وهناك أقوال آخرى لكن لعل الأقرب منها والعلم عند الله أن المراد بالروح روح الإنسان، المراد به أرواح بني آدم.
﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85) ولم يقل ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هي، بل قال ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ﴾ (الإسراء: 85) بل كررها وأظهرها لبيان شأنها وقدرها وأهمية أمرها ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵘﵜ
الأمر الثاني هم قالوا هنا في المختصر ويسألك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكفار من أهل الكتاب عن حقيقة الروح، قولهم الكفار من أهل الكتاب هذا فيه أن السؤال توجه إلى الرسول وسلم عن طريق أهل الكتاب فهل معنى ذلك أن هذه الآية مدنية وأنها مستثناة من السورة المكية، بهذا قال فريق من أهل العلم لأنه قد جاء في حديث بن مسعود رضي الله عنه المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يسير وهو متكئ على عسيب له استوقفه جماعة من اليهود وسألوه عن الروح فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم أنزل الله سبحانه وتعالى عليه ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ (الإسراء: 85) فهذا فيه أن هذا وهو يسير في طرق المدينة وأن السائلين له هم أهل الكتاب هم اليهود فقالوا إذا الآية مدنية، كانت في المدينة مع أنَّ سورة الإسراء سورة مكية فتكون الآية مستثناة من هذه السورة الكريمة والعلم عند الله، لذلك قالوا يسألك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكفار من أهل الكتاب لهذه الرواية، لرواية ابن مسعود لكن جاء في رواية ابن عباس عند الترمذي أن المشركين قالوا لليهود قولوا لنا شيئًا نسأل محمدا عنه فقالوا سلوه عن الروح فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح ثم أنزل الله عليه الآية الكريمة ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ (الإسراء: 85) فظاهر روآية الترمذي أن هذا وقع في مكة وفيه أن الآية نزلت بمكة فكيف هذا؟ من يسلك مسلك الترجيح يقول رواية ابن مسعود أصح لأنه شهد القصة من جهة ولأنها في الصحيحين فيرجحون مدنية هذه الآية واستثناءها من مكية السورة وأما الآخرون والذين يميلون للجمع يقولون يحتمل والعلم عند الله أن الآية تكرر نزولها فنزلت في مكة ثم نزلت مرة ثانية في المدينة وكأن الرسول والعلم عند الله لما وجه له السؤال مرة ثانية انتظر لعله يأتيه جواب زائد فأتاه الجواب مرة أخرى ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85) وقد أشار إلى نحو ذلك الحافظ بن كثير رحمة الله تعالى.
ما معنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85)؟ يعني من خلق ربي، المراد بالأمر هنا المأمور من أمر ربي يعني من مأمورات ربي أو من فعل ربي، الأمر بمعنى الفعل كما في قوله ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97) ﵝهُود : ﵗﵙﵜ يعني وما فعل فرعون برشيد وأقصد من ذلك أن الأمر هنا مفرد أمور وليس مفرد أوامر، لأن بعضهم يفهم خطأ لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها مفرد أوامر فأمر الله غير خلقه ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54) ﵝالأَعۡرَاف : ﵔﵕﵜ فالأمر منه كلام الله ليس مخلوقا وأرواح بني آدم مخلوقة، فلذلك ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء: 85) يعني مما أمر الله به من مخلوقاته من أفعاله فالمراد بالأمر هنا يعني من شؤونه، وهو أمور وليس مفرد أوامر والعلم عند الله تعالى.
﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85) يعني وما أعطيتم أنتم وجميع الخلق ﴿مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ في جنب علم الله سبحانه وتعالى، ولذلك قالوا
أين مِنك الرُّوحُ في جَوهَرِهَا هَل تَرَاهَا فَتَرَى كَيفَ تجولُ
أينَ مِنكَ العَقلُ والفَهمُ إذَا غَلَبَ النَّومُ فَقُل لي يَا جَهُولُ
فَإذَا كانَت طَوَايَاكَ الَّتي بَينَ جَنبَيكَ كَذَا فِيهَا ضَلُولُ
كَيفَ تَدري مَن عَلَى العَرشِ استوى لاَ تَقُل كَيفَ استَوَى كَيفَ النُّزُولُ
فَهُوَ لاَ أَينَ وَلاَ كَيفَ لَهُ وَهُوَ في كُلِّ النَّوَاحي لاَ يَزُولُ
جَلَّ ذَاتاً وَصِفَاتٍ وَسَمَا وَتَعَالَى رَبّنَا عَمَّا تَقُولُ
لذلك لا ينبغي للإنسان أن يدعي علما لا يعلمه ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵓﵜ
﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 86) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵘﵜ
يبين الله أن ما اوحي به للرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن ﴿أَنَّمَا﴾ هو محض فضل وكرم من الله سبحانه ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ (الإسراء: 86) وهو القرآن واتى به بالاسم الموصول تنويها بشأنه ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 86)
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 86) يعني من ينصرك ويتولى رده.
من فوائد الآيات:
في الآيات دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه وأنه لا ينبغي له إلا يزال متملقا لربه أن يثبته على الإيمان وهذا مأخوذ مما سبق ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74)
عند ظهور الحق يضمحل الباطل ولا يعلو الباطل إلا في الأزمنة والأمكنة التي يكسل فيها أهل الحق قال الله ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵘﵜ
الشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشبه والجهالة والاراء الفاسدة والأنحراف السييء والمقاصد السيئة قال ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵘﵜ
في الآيات دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر ليس في مصلحة السائل فالأولى أن يعرض عن جوابه ويدله على ما يحتاج إليه ويرشده إلى ما ينفعه وذلك في قوله ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵘﵜ
قال سبحانه ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 87) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵘﵜ
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الإسراء: 87) هذا متعلق بقوله سبحانه ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 86) أي إلا أن يرحمك ربك وحينئذ لا نذهب بالذي أوحينا إليك وحينئذ يكون الإستثناء متصلا فقوله ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ (الإسراء: 86) ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الإسراء: 87) فيكون استثناء متصلا أو نقول إنه منقطع بمعنى لكن كما فسروا هناك قالوا لكن لم نذهب به رحمة من ربه أو لكن لا يشاء الله ذلك رحمة منه سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 87) وهذا فيه تشريف للرسول عليه الصلاة والسلام وبيان لعظيم فضل الله عليه، فالله يبين له أنه سبحانه قادر على أن يذهب منه هذا الوحي لكن الله لن يفعل رحمة منه سبحانه وتعالى بعبده ورسوله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم والرسول عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة من الله ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ﵝالدُّخَان : ﵕ - ﵖﵜ وقال ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن يُلْقَىٰٓ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (القصص: 86) ﵝالقَصَص : ﵖﵘﵜ قال ﴿إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 87) ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 113) ﵝالنِّسَاء : ﵓﵑﵑﵜ
ثم قال ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵘﵜ
هذه الآية إحدى آيات التحدي يذكر أهل العلم أن هناك آيات صريحة في التحدي من هذه الآية الكريمة وهي التحدي بالقرآن الكريم كله ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 88) تحدي بمثل هذا القرآن ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88) كما جاء التحدي بعشر سور والتحدي بسورة ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ﴾ (الإسراء: 88) اجتمعوا المراد بالاجتماع الإتفاق وإتحاد الرأي فالمراد أن يجتمعوا ويتفقوا على طريقة معينة وعلى أداء معين حتى يستطيعوا تأليف مثل هذا القرآن لا يستطيعون الإتيان بمثله ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88) معينا ونصيرا فكيف وهذا لا يتأتى؟ اجتماع الإنس فضلا اجتماع الجن غير متحقق والله يقول ﴿لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ﴾ (الإسراء: 88) لو حدث هذا الإجتماع ما استطاعوا فكيف وهم غير مجتمعين لا الإنس ولا الجن فأنى لهم أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ والمعنى أن القرآن معجز على سبيل الأفراد وعلى سبيل الجماعات والأمم فهو معجز للأفراد والجماعات والأمم والإنس والجن على حد سواء.
وهذه الآية وأمثالها التي فيها التحدي لا يمكن بحال من الأحوال أن يجرؤ بشر على أن يقول مثلها، فالآية تنادي بنفسها على أن قائلها هو الله فالإنسان حين يتحدى يعلم أن له قدرات وأن له إمكانات لا يسعه أن يزيد فيها وإلا رُمي بما يرمى به غيره من سفاهة ونحوها، أما أن يقول لهم ذلك ليس من كلام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم البتة وليس منه شيء ولذلك أيضًا قوله هناك في البقرة ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (البقرة: 23) ﵝالبَقَرَةِ : ﵓﵒ - ﵔﵒﵜ تقدم هناك أن الإنسان حينما يحترز لنفسه لعل أحدا يأتي بما لم يعرفه وبما لم يدر في خياله، لكن يقول ولن تفعلوا هذا كلام رب البشر سبحانه وتعالى.
﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 88) وقد ذكر بعضهم أن الله قدم الإنس هنا على مع أنه في بعض المواضع قدم الجن على الإنس قالوا لأن المقام هنا مقام بيان ومقام فصاحة ومقام كلام وهذا الإنس فيه أظهر فقدمهم لما هو أنسب لهم ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ﴾ (الإسراء: 88) لِمَ؟ لأن القرآن معجز لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله وهذا فيه أن الإعجاز في القرآن نفسه وليس كما ذهب إليه بعض أهل الإعتزال حينما قالوا صرف الله الناس عن الإتيان أو صرف الله العرب عن الإتيان بالقرآن مع قدرتهم على ذلك، لا الإعجاز في القرآن نفسه ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88) قالوا هنا لأن اجتمع الإنس والجن كلهم ﴿عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ﴾ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ المنزل عليك في بلاغته وحسن نظمه وجلالته لن يأتوا به أبدًا، هذا فيه أنهم ذكروا بعض أنواع الإعجاز فمن أنواع الإعجاز البلاغي الإعجاز في حسن نظم القرآن وجزالة القرآن وأنواع ومجالات الإعجاز كثيرة ولذلك ذكر بعضهم كما ذكر السيوطي عن بن سراقة أن كل ما صنفه وتكلم فيه العلماء من إعجاز القرآن ومجالات وأنواع ما يبلغ عشر معشار الإعجاز في القرآن الكريم فإعجاز القرآن متنوع ومن أشهر أنواع الإعجاز وأعمها نوعان النوع الأول الإعجاز اللغوي البلاغي إعجاز نظم القرآن وأسلوبه لأن هذا موجود في كل آيات القرآن هناك إعجاز في بعض المواضع كالإعجاز في الأخبار بالغيبيات أو الإعجاز كما يسمى بالإعجاز العلمي وتقدم الكلام في هذا الاصطلاح قبل ذلك وما لنا عليه من بعض ملحوظات وإلى غير ذلك من أنواع الإعجاز لكن الإعجاز البلاغي أو اللغوي هو الذي يعرفه العرب ابتداء وهو الذي كانوا مشهورين فيه وتحداهم القرآن به والأمر الثاني أنه عام في القرآن كله والإعجاز الثاني إعجاز معاني القرآن وهو إعجاز الهداية وبعضهم يسميه بالإعجاز الهدائي لأن القرآن كله من فاتحة إلى خاتمة كتاب هداية، وليس هداية فقط، ﴿أَنَّمَا﴾ هداية للتي هي أقوم فهو يهدي للطريق الأمثل أو للطريقة المثلى وهذا الإعجاز لا يزال بحاجة إلى تجلية عند كثير من الناس إذ لا يتكلم فيه كثيرون على النحو المعروف في الإعجاز اللغوي والبلاغي والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 89) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵘﵜ
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بينا ونوعنا للناس ﴿هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ (الإسراء: 89) أي من كل ما يعتبر به من المواعظ والعبر والأوامر والنواهي والقصص ﴿فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 89) يعني أبوا إلا الكفور لذلك كما يقولون تأكيد الشيء بما يشبه ﴿فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 89) قالوا هنا ولما عجزوا بدأوا يقدمون مقترحات للتعجيز، أنت أمامك القرآن هات مثله، كان بإمكانك أن تأتي بسورة وتتقي الحروب والقتال والسلاح وقتال الرسول عليه الصلاة والسلام بإمكانك أن تقضي على هذا بأن تقول نعم بإمكاننا أن نأتي بسورة أو أكثر، فاقترحوا اقتراحات أخرى قائمة على التعنت فقالوا ماذا؟ ﴿وَقَالُواْ﴾ أي قال المشركون ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا﴾ (الإسراء: 90) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵙﵜ تريد أن نؤمن لك؟ ﴿تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا﴾، قالوا من أرض مكة عينا جارية لا تنضب ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ (الإسراء: 91) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵙﵜ يكون لك بستان من نخيل وأعناب ﴿فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا﴾ (الإسراء: 91) والله قادر على ذلك ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا﴾ (الفرقان: 10) ﵝالفُرۡقَان : ﵐﵑﵜ لكن القضية ﴿بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ (الفرقان: 11) ﵝالفُرۡقَان : ﵑﵑﵜ هذا منهم مغالطة لأنهم طلبوا ما ليس لهم أن يطلبوا وبإمكانهم أن يقروا لو شاءوا أن يقروا بالقرآن الكريم وهو حقيق بأن يؤمن به بأن يؤمنوا به لكنهم الكاذبون المكذبون قال ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا﴾ (الإسراء: 91) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵙﵜ هذا في جانب النفع وأما في جانب الضر ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا﴾ (الإسراء: 92) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵙﵜ إما أن تجلب لنا نفعا نريده أو أن تنزل بنا الضر الذي تتوعدنا به ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ (الإسراء: 92) يعني قطعًا من العذاب أوَلست تتوعدنا بذلك؟ آولست تخبر أن يوم القيامة يحدث ويحدث؟ ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ (الانشقاق: 1) ﵝالانشِقَاق : ﵑﵜ ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) ﵝالتَّكۡوِير : ﵑﵜ ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ (الانفطار: 1) ﵝالانفِطَار : ﵑﵜ إلى غيرها من آيات أرنا هذا في الدنيا ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ قَبِيلًا﴾ (الإسراء: 92) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵙﵜ تأتينا بالله والملائكة عيانا حتى يشهدوا لك بصحة ما تدعي، فما فائدة الرسل إذن؟ إذا كان الله يأتيهم عيانا فلما يرسل رسلا؟ ما الحاجة إلى إرسال الرسل حينئذ؟ إنها المكابرة ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾ (الإسراء: 93) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵙﵜ بيت مزخرف بالذهب، فالزخرف فسره الكثيرون بالذهب ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ (الإسراء: 93) تصعد في السماوات، فما قال أو ترقى إلى السماء، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ (الإسراء: 93) ما يصل إلى السماء فقط وإنما يرقى فيها ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ (الإسراء: 93) الإرتقاء وحده والصعود إلى السماء لا يكفيهم ﴿حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَـٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ﴾ (الإسراء: 93) أي ﴿بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ مسطور نقرأ فيه أنك رسول الله الكتاب، نازل محمد رسول الله وبعض المفسرين قالوا ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَـٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ نقرأه بيد كل واحد منا، ينزل لكل واحد كتاب كما قال الله ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾ (المدثر: 52) ﵝالمُدَّثِّر : ﵒﵕﵜ على أحد الأقوال في تفسير الآية ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 93) أي أنا رسول، وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون بإذن الله ليس بمشيئتي لا أملك الإتيان بشيء فكيف لي أن أجيء بما اقترحتموه؟ ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى﴾ (الإسراء: 93) يأمر الله نبيه أن يقول، والقراءة الأخرى قراءة بن كثير وبن عامر قال سبحان ربي وكأنه قال ﴿قُلْ﴾ إشارة إلى أنه مأمور بذلك فالقراءة الأخرى فيها أنه استجاب لذلك.
﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 94) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵙﵜ