مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المدثر

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 57 من 103 · 29 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

ســــــورة المدثر

سورة المدثر - مَكيّة -

مقاصد السورة

(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) الأمر بالاجتهاد في دعوة المكذبين وإنذارهم بالآخرة والقرآن

التعريف بالسورة

سورة المدثر سورة مكية، نعم سورة المدثر سورة مكية بل هي من أوائل سور القرآن نزولًا، وقد جاءت رواية عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه يستفاد منها أنها أول سور القرآن نزولاً لكنّ المحققين من أهل العلم وهو قول الجمهور يقولون :: إن أول سور القرآن نزولاً صدر سورة العلق ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ ... ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ كما يدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه الشيخان أول ما بدأ به رسول الله ص من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح وفيه فقال ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ اقرأ قال: «ما أنا بقارئ»...إلخ ففيه أن الله أنزل ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾

وأما ما جاء أن سورة المدثر أول ما نزل من القرآن الكريم فحمل ذلك على أنه كان بعد انقطاع الوحي ولذلك في الرواية فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعباً فرجعت إلى أهلي فقلت: «دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا» فأنزل الله عليَّ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ... ﴿وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾ فهذه السورة المباركة من أوائل ما نزل من القرآن وبعض العلماء قال سورة اقرأ أو سورة العلق نبيء بها النبي ﷺ وسورة المدثر أرسل بها يعني أنه صار بها رسولاً باعتبار أنه أمر فيها بالإنذار وأما سورة العلق فأخبر فيها بأنه نبي من عند الله سبحانه وتعالى يوحى إليه.

سورة المدثر واضح جداً أن لها صلة وثيقة بسورة المزمل فالمزمل كما تقدم وصف للنبي ص والمدثر كذلك وصف للنبي ثم إن المزمل والمدثر معناهما قريب وقال بعض العلماء معناهما متفق وفرق بينهما بعض العلماء ولهم في ذلك أقوال كثيرة وآراء متعددة ومن ذلك أن الدثار يدل على الشيء الثقيل أو العبء الثقيل ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ «الأنصار شعار والناس دثار» فالشعار هو أقرب الثياب إلى الإنسان الملابس كما نقول التي تكون أقرب لجسد الإنسان وأما الدثار فما يكون فوق فقالوا لأن المقام مقام دعوة ومقام حمل ثقيل ناسب أن يقول له ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وأما هناك فقال (يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المزمل ) لأنه دعوة إلى قيام الليل وهي عبادة قاصرة أي خاصة به وأما ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ففيه دعوة لغيره

ثم وقع اختلاف أيضًا يتعلق بأي السورتين نزلت أولًا هل قوله يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المدثر أم قوله يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المزمل وجرى على ذلك كلام كثير بين الأئمة لا يسع المقام لبيانه وذكره

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا من مقاصد السورة (الأمر بالاجتهاد في دعوة المكذبين وانذارهم بالآخرة والقرآن) الأمر بالاجتهاد :: ولذلك قال يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المدثر ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ فهذه السورة فيها دعوة وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في دعوة من يكذب بآيات الله وفي إنذارهم ولذلك هذه السورة الجليلة قامت على الإنذار، ولذلك حينما تلحظ تجد أن باب الإنذار كان له المقام الأوضح والأكثر والأكبر في السورة الكريمة كما سنلحظ بإذن الله تعالى في قراءة آياتها وتفسيرها، أيضًا هذه السورة الكريمة فيها دعوة للإخلاص ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ وفيها أيضًا دعوة إلى دوام الافتقار النبي ﷺ والدعاة إلى الله إلى ربهم عز وجل أن يديم العبد الافتقار إلى الله وألا يظن في نفسه كمالاً وألا يقع في نفسه شيء من كبر وإنما هو متواضع مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى يعلم أن المنة لله عز وجل لذا قال ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾.

تعليق الشيخ حفظه الله :

يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المدثر قالوا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المتغشي بثيابه وهو النبي انهض فخوف من عذاب الله وتقدم أن هذا النداء فيه تلطف من الله سبحانه بنبيه ص ونبينا ص قد سلك هذا المسلك مع أصحابه فقد قال لعلي رضي الله عنه قم أبا تراب وناداه بأبي تراب حينما كان نائماً في المسجد وكان مغضباً من فاطمة ابنة رسول الله ورضي الله عنها وكان يفرح أيما فرح بالتكنية بأبي تراب، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾....قوله ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ فيه براعة استهلال فيه إشارة إلى أن السورة الكريمة سيدور الحديث فيها عن الإنذار وعن الوعيد (﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾) وتأمل معي أخي الكريم :: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وهنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾...فمن أراد أن يكون موفقاً في دعوته فليكن موفقاً في عبادته ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظم ربك سبحانه وتعالى وثيابك فطهر :: فسر بعض العلماء قوله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ على أن الثياب هي الثياب المعروفة الظاهرة فقالوا وثيابك فطهر أي من النجاسات وبعضهم فسر الثياب بالقلب أو بالعمل وهنا جمعوا بين الأمرين فقالوا وطهر نفسك من الذنوب وثيابك من النجاسات فجمعوا بين التفسيرين وهو حسن وجميل، وثيابك فطهر فيه دليل على وجوب إزالة النجاسات قبل الشروع في الصلاة ولذلك قال العلماء إنه يجب على الإنسان أن يزيل نجاسة أو النجاسات التي تكون على ثيابه ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يصلي صلاة من الصلوات وكثير من الأئمة جعلوها من باب الشروط وهذا له تفصيله في الفقه كما هو معروف

قال ﴿وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾ قالوا هنا والرجز :: أي وابتعد عن عبادة الأوثان وبعضهم يفسره الرجز بالآثام أو بالمعاصي التي تؤدي إلى الآثام ولا تمنن تستكثر قالوا هنا ولا تمنن على ربك بأن تستكثر عملك الصالح يعني تواضع لربك واعلم أن المنة لله سبحانه وتعالى فهو الذي أعانك وهو الذي سددك وهناك من فسر الآية على معنى (ولا تضعف) فقالوا ولا تمنن أي ولا تضعف تستكثر يعني لا تستكثر عملك ولكن ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما عملته فهو قليل وينبغي لي أن أزيد وأن أزيد قدر استطاعتي وقال بعضهم ولا تمنن أي ولا تعطي العطية تريد أكثر منها وإنما ابتغِ بعطائك وجه الله سبحانه وتعالى

﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ فيه أمر بالصبر وأمر بالإخلاص ولذلك تقدم (ولربك) ولم يقل: واصبر لربك وإنما قال (ولربك) وحق اللفظ التأخير فأفاد أيضًا الحصر والقصر ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ﴾ أي فإذا نفخ في القرن النفخة الثانية ﴿فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى﴾ ٱلْكَـٰفِرِينَ...نسأل الله الثبات

﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ والمراد به الوليد بن المغيرة، وقد وردت في ذلك بعض الروايات في بيان هذه الآيات الكريمة وما يتلوها من آيات فقل كيف قدر ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾...وبسر..إلخ فقد نزلت في الوليد بن المغيرة وقد وردت بعض الروايات المرسلة في ذلك لكن على ذلك أيضًا إجماع المفسرين كما نقل عدد من أهل التفسير والله أعلم ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ هنا قالوا في تفسيرها : أي اتركني ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ومن خلقته وحيدًا في بطن أمه دون مال أو ولد يعني كان وحيدًا في بطن أمه دون مال أو ولد فجعلوا قوله وحيداً على أنه حال من المفعول به من المضمير في قوله ﴿خَلَقْتُ﴾ خلقته يعني الهاء التي جاءت مضمرة وليست مذكورة وهناك من يرى أن هناك وحيداً حال من تاء الفاعل (خلقت) أي وذرني ومن خلقت وحدي أي أنا الذي خلقته وحدي لم يشاركني أحد في خلقه فأنا خالقه ومالك أمره ومدبر شأنه هذا قول ثان.

قال ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ حضورا ولا شك أن البنين إذا كانوا بجوار أبيهم فإنه يتقوى بهم أكثر وأكثر فهم ليسوا غائبين عنه فعنده التركة وعنده الأولاد حاضرون، ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ وثم كما تقدم تفيد معنى التراخي وفيه التعجيب! يعني مع هذا كله كان عليه أن يشكر، لكنه لم يشكر الله بل يطمع أن يزيده الله مع عتوه ومع استكباره! وكفره ﴿كَلَّآ﴾ وفيه ردع وزجر، ليس الأمر كما زعم ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔايَـٰتِنَا عَنِيدًا﴾...سأكلفه مشقة من العذاب لا يستطيع تحملها

﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ وتقدم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ مادة «فكر» هكذا دون «تفكَّر» لم تأتِ في القرآن إلا في هذا الموضع وجاءت في موضع الذم وإنما الذي جاء في القرآن كثيراً تفكر ويتفكرون وما إلى ذلك للدلالة على أن التفكر يحتاج إلى إعمال وجهد وإلى ممارسات متعددة ونسأل الله أن يوفقنا. نعم

من فوائد الآيات

1- وجوب الطهارة من الخبث الظاهر والباطن، وذلك في قوله سبحانه ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾

2- الإنعام على الفاجر استدراج له وليس إكرامًا ولذلك قال ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ ﴿كَلَّآ﴾ ليس الأمر كما زعم فالله لا يحبه وإنما يبغضه وإنما هذا استدراج له ولذلك في الحديث «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» نعم.

تعليق الشيخ حفظه الله :

نعم، بين الله سبحانه وتعالى عقوبة هذا الإنسان الكافر الجحود فقال ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لعن وعذب كيف قدر ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ... ﴿فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾ وقد جاء في الروايات أن الوليد بن المغيرة حينما سمع من النبي ﷺ آيات من الذكر الحكيم أيقن أن هذا الكلام ليس ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ص وقال إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلو وفي لفظ وإنه ليحطم ما تحته؟

فلما رجع إلى قومه قالوا جئتنا بوجه غير الذي ذهبت به هل أغراك محمد هل أعطاك مالاً؟ وغير ذلك مما يستفزونه به ويحملونه على أن يتكلم في رسول الله ففكر ماذا يقول في الرسول هل يقول أنه شعر فهذا ليس على أوزان الشعر ولا ع اقراء الشعر يقول هذا بالكهانة فهذا ليس بالكهانة فبعد تفكير عميق ﴿فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أثره النبي ﷺ عن السابقين ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾ فتوعده الله وقال ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ﴾ ... ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ هنا قالوا لا تبقي شيئًا من المعذب فيها إلا أتت عليه ولا تتركه ثم يعود كما كان ثم تأتي عليه وهكذا دواليك ولذلك قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ﴾ ﴿لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ﴾ ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ شديد الاحراق والتغيير للجلود فقوله «لواحة» أي محرقة للبشر، للجلود وبعضهم يقول للبشر أي للخلق الذين يدخلونها فإما أن البشر المراد بهم البشر لكن هذا عام أريد به الخصوص والمراد بهم الكفار أو البشر للبشرة للجلود

قال الله سبحانه ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ خزنة جهنم ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةً﴾ هنا تركيب أصحاب النار المراد به خزنة جهنم بدلالة السياق ولذلك تقدم معنا كل أصحاب النار في القرآن فالمراد بهم أهل النار الذين يسكنون النار ويدخلون النار إلا في موضع سورة المدثر فإنَّ المراد بهم الملائكة الذين هم خزنة النار

قال ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ أي اختبارا للذين كفروا ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ... ﴿وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ وكأن هذا والعلم عند الله، موجود في كتبهم، مسطور عندهم لذلك ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ليعلموا أن هذا العدد الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم موافق لما في كتبهم وأنه ما ينطق عن الهوى ص وهذا العدد ابتلاء لأنهم يقولون إنه عدد قليل ولذلك قال بعضهم وتجرأ كما ذكر أنا أكفيكم هؤلاء أو أنا أكفيكم سبعة عشر واحداً منهم ثم أنتم عليكم باثنين من الملائكة وغفل هذا الجاهل أن الله سبحانه وتعالى قال عليها ﴿عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ قال (وليقول الذين..) قال هنا :: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم﴾ تردد في الإيمان، الذين لديهم تردد في الإيمان وشك في الإيمان وقبلها قال ( ويزداد الذين ءامنوا إيمانا) فيه دلالة على زيادة الإيمان فالإيمان يزيد وينقص قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ... ﴿وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ﴾ علام يعود الضمير؟ قالوا هنا ( وما النار إلا تذكر ة للبشر يعلمون بها عظمة الله سبحانه )

كلا :: ليس الأمر كما يزعم بعض المشركين أنه يكفي أصحابهم خزنة جهنم حتى يجهضهم عنها، أقسم الله بالقمر ﴿كَلَّا وَٱلْقَمَرِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ ... ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾ أي إن نار جهنم لإحدى الكبر الآيات العظيمة أو البلايا العظيمة ﴿نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ولذلك قال بعض أهل العلم :: إن الإنسان دوماً إما في تقدم وإما في تأخر، إما أن يتقدم إلى الله بطاعة وإما أن يتأخر عن الله بمعصية

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إِلَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ﴾ كل نفس بما كسبت قالوا كل نفس بما كسبته من الأعمال مأخوذة فإما أن توبقها أعمالها وإما أن تنقذها وتخلصها من الهلاك ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»

إلا أصحاب اليمين فهؤلاء يسلمهم الله عز وجل ولا يحبسون بل يدخلون الجنان ﴿فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ والمراد بالمجرمين هنا الكفار

بدليل قوله ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ وهذا كفر بالله سبحانه وتعالى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾ ﴿قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ﴾ ٱلْمُصَلِّينَ......بيوم الدين ) استدل بذلك جمهور الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما يسمى يعني بالأحكام الشرعية فهم محاسبون على الكفر بدليل (﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ ) ولو لم يكونوا محاسبين على ترك الصلاة وعلى عدم اطعام المسكين، وما إلى ذلك ما قال الله ﴿قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ﴾ فدل ذلك على أنهم محاسبون أيضًا على هذه الأعمال وعلى هذه الطاعات التي قد تركوها قال ربنا سبحانه ﴿قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ﴾ ... ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ﴾ قالوا يعني حتى جاءنا الموت، فحال بيننا وبين التوبة فالمراد باليقين هنا الموت، كما H0

من فوائد الآيات

1- خطورة الكبر حيث صرف الوليد بن المغيرة عن الإيمان بعدما تبين له الحق

لأن الكبر هو الذي حمله فهو عرف الحق وعرف أن القرآن حق لكن الذي صرفه عن ذلك كبره وكيف يقول له المشركون ما قالوا

2- مسؤولية الإنسان عن أعماله في الدنيا والآخرة :

﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

3- عدم إطعام المحتاج سبب من أسباب دخول النار وذلك في قولهم (_ولم نك نطعم المسكين ).

تحليل مقارن وربط بين السور

﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ﴾ وذلك لأن شروط الشفاعة، لم تتحقق فمن شروط قبول الشفاعة الرضا عن المشفوع له وهؤلاء كفار فلا تقبل فيهم الشفاعات لذلك كما قال الله ﴿مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ﴾ يعني لو كانت لهم شفاعة فإنها لا تنفع وهم ليست لهم شفاعة ولذلك هؤلاء في جنس الشفاعات المنفية وقلنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن هناك شفاعات مثبتة وهي الشفاعات التي يأذن الله عز وجل فيها لعبادة ﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾ وهناك شفاعات منفية وهذا في حق الكفار ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي (فمال لهم عن التذكرة ) ما الذي يجعلهم عن التذكرة معرضين ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ﴾ كأنهم في اعراضهم ونفورهم منه حمر وحش شديدة النفور فرت من قسورة يعني نفرت من أسد، خوفاً منه فالقسورة المراد به الأسد أو المطارِد فرت من قسورة، فرت ممن يطاردها فهي تجري وتنفر فلماذا يهربون من هذه التذكرة ويبتعدون عن هذه الدعوة مع أنها دعوة واضحة وحقة، بل يريد كل امريء منهم...)كل واحد منهم يريد أن ينزل كتاب من السماء هذا الكتاب ينبئه يخبره يقول له آمن بمحمد هذا محمد رسول الله آمن به، أو أن كل واحد منهم يريد أن يعطى رسالة مستقلة وأن يصير رسولًا من الرسل أو أن كل واحد منهم يريد أن ينزل كتاب فيه بيان براءاته ونجاته من النار على أقوال ذكرها المفسرون قال الله ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ كلا بلا يخافون الآخرة فهذا الذي دفعهم إلى ما دفعهم إليه هذا الذي دعاهم إلى التكذيب وإلى الكبر وإلى عدم إطعام المسكين وإلى ترك الصلاة إلى التكذيب بيوم الدين ﴿كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذا القرآن تذكرة ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ﴾ وتذكر هناك في سورة المزمل أيضًا ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ﴾ فهذا من وجه المناسبة بين خواتيم السورتين ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ أهل لأن يُتَّقى، وأهل سبحانه لأن يغفر ذنوب عباده إذا تابوا إليه وهناك في ختام سورة المزمل ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ وهنا قال ﴿هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فتسأل الله أن يجعلنا من المتقين وأن يغفر لنا سبحانه عز وجل.

من فوائد الآيات

1-مشيئة العبد مقيدة بمشيئة الله

نعم ولذلك قال ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ فالعبد له مشيئة واختيار لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب سبحانه وتعالى كما تقرر في مواضع كثيرة في كتاب الله ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد فرغنا من التعليق على سورة المدثر لننتقل إلى سورة القيامة.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة