سورة القيامة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة القيامة - مَكيّة -
مقاصد السورة
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) إظهار قدرة الله سبحانه على بعث الخلق وجمعهم يوم القيامة.
تعليق الشيخ حفظه الله :
نعم هذه السورة الكريمة تسمى بسورة القيامة وذلك أنه جاء في صدرها ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ والقيامة اسم من أسماء هذا اليوم، القيامة اسم من أسماء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة بل إن شئت فقل هو من أشهر أسماء هذا اليوم (يوم القيامة) ومن معانيه أن هذا اليوم يقوم فيه الناس لله كما قال الله ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وأيضا سمي هذا اليوم بيوم القيامة لأن الساعة تقوم فيه ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ﴾ فهذا هو يوم القيامة
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا السورة مكية وهي كذلك نزلت قبل هجرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة النبوية، من مقاصد السورة إظهار قدرة الله سبحانه على بعث الخلق وجمعهم يوم القيامة. فالسورة الكريمة فيها إثبات وفيها دلائل على أن البعث حق ولذلك جاء في السورة الكريمة في ختامها (﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾....فخلق فسوى.....الذكر والأنثى....)بلى هو قادر سبحانه عز وجل ففيها اظهار قدرة الله على بعث الخلق وجمعهم يوم القيامة وكذلك يمكن أن يقال من مقاصد السورة الكريمة بيان أن يوم القيامة يوم لا مفر منه، يوم لا فرار ولا مفر منه وأنه آت لا محالة ولذلك في السورة ﴿يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ يَقُولُ﴾ الإنسان.....المفر....لا وزر....ألمستقر) نعم.
تعليق الشيخ وفقه الله:
لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ تقدم مثل هذا الأسلوب في كتاب الله سبحانه وتعالى ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾ ) ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾...إلى غير ذلك من الآيات وتقدم أن قول الأكثرين من أهل العلم أن هذا الأسلوب أسلوب قسم فهو قسم من الله سبحانه وتعالى (بيوم القيامة) ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ فهو قسم أيضًا من الله عز وجل بالنفس اللوامة
وما النفس اللوامة قالوا هنا: وأقسم بالنفس الطيبة، التي تلوم صاحبها على التقصير بالأعمال الصالحة، وعلى فعل السيئات إذن النفس اللوامة أي التي تلوم صاحبها إذا فرط أو قصر فإذا قصر في فعل الخير لامته وإذا ارتكب معصية لامته فهذا قسم من الله بها لأن لها قدرًا عند الله سبحانه وتعالى
ومن أهل العلم من فسر النفس اللوامة هي التي تتلوم على صاحبها وتدعوه إلى المعصية والأقرب الأول لأن هذه النفس التي ذكروها هي النفس الأمارة بالسوء وهي ليست حقيقة ولا جديرة بأن يقسم الله سبحانه بها، لكن النفس اللوامة هي التي ذكروها التي تلوم صاحبها إذا قصر وقد ذكروا أن للنفس أوصافًا، فهناك النفس المطمئنة وهناك نفس لوامة وهناك النفس الأمارة بالسوء
قال ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾ ﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ إذا صدر الآية أو صدر السورة بداية السورة وختام السورة يتوافق في الدلالة على مقصود السورة وهو إثبات البعث ولذلك قالوا من مقاصد السورة اظهار قدرة الله على بعث الخلق وهذا غاية من أول السورة ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾ ﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ وفي ختام السورة ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾
﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ قالوا هنا أي بل نقدر مع جمعها إذن (بلى قادرين) أي بل نجمعها قادرين كما قال عدد من المفسرين
﴿عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ على إعادة أطراف أصابعه خلقًا سويًّا كما كان، حتى أطراف الأصابع فالله سبحانه يعيدها سبحانه عز وجل وقد استدل بذلك بعض العلماء على بعض الإشارات العلمية التي تذكر من خلال الإعجاز العلمي من مسألة بصمات الأصابع وأن إصبع الإنسان تختلف عن غيرها، وأن لكل إصبع بصمتها وأن النبي ﷺ لم يكن له علم بمثل ذلك البتة وإنما هذا وحي أوحاه الله عز وجل به، إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾ ﴿يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ مستبعدًا هذا اليوم ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ لا ملجأ ولا منجى أو لا جبل فبعضهم قال لا وزر أي لا جبل، أو لا ملجأ ولا منجى ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وهناك في سورة المدثر تقدم قول الله ( ﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾...) وقبلها قال (﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ )وهنا قال ﴿يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾ فكل إنسان أعلم بحاله ولذلك قالوا الناس إذا تكلموا فيك تكلموا فيك بالظن وأنت كلامك عن نفسك كلام باليقين فأنت أعلم الناس بحالك، مهما أثنى الناس عليك أو مهما ذمك الناس فأنت أعلم الناس بحالك، فأنت أعلم الناس بحالك، بَلِ ٱلْإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ..معاذيره) هذه الأعذار الواهية لا ينتفع بها العبد ولا تنفعه يوم القيامة ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾ أي بل الإنسان شاهد على نفسه أيضًا يشهد على نفسه حيث تشهد عليه جوارحه بما اكتسبه من إثم ولذلك قيل :: ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك، فتولَّ أنت جميع أمرك
قال الله سبحانه ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾ هذه الآيات الكريمة نزلت لتبين للرسول أن الله جل وعلا قد تكفل بحفظ رسول الله للقرآن وفيه تبليغه البيان وذلك أن النبي كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتفق عليه أنه «كان يُعالِجُ من التنزيل شِدَّةً، وكان مما يُحرِّكُ شفتيه» فأنزل الله سبحانه هذه الآيات فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أن يتفلت عليه أو منه شيء من القرآن فإذا نزل جبريل عليه السلام ببعض الآيات أعاد النبي ﷺ تلك الآيات خوفاً من أن يتفلت منه شيء، وقد قال الله له أيضًا ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ فطمأن الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وقال له ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ إن علينا جمعه يعني أن نجمعه في صدرك وإثبات قراءته على لسانك ولذلك ما معنى ﴿وَقُرْءَانَهُۥ﴾ :: إنا علينا جمعه وقرآنه يعني وقراءته فإذا قرأناه يعني قرأه عليك جبريل عليه السلام ﴿فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾ وهذا فيه أن جبريل كان يقرأ على النبي ولذلك القرآن تلقاه الرسول لفظًا ومعنى لأن هناك بعض الدعاوى التي زعمها بعض الحداثيين تبعاً لغيرهم من المستشرقين من أن القرآن إن سلموا به نقول ﴿أَنَّمَا﴾ تُلُقِّيَ معناه وليس بلفظه وهذا خطأ بلا شك.! بل إن القرآن تلقاه النبي من جبريل وتلقاه جبريل من رب العزة بلفظه ومعناه وهنا قال ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾ قرأه جبريل عليك ﴿فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾ أي علينا تفسيره لك، أو علينا أن تبينه فتبلغه كما بُلِّغته، صلوات الله وسلامه عليه
تحليل مقارن وربط بين السور
هذه الآيات الكريمة جاءت بعد الحديث عن يوم القيامة وبعد الحديث عن بعض مشاهد يوم القيامة فقال بعضهم بأن قوله سبحانه ﴿يَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾ ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ إشارة إلى الحساب الذي يجري يوم القيامة ومن عادات القرآن أنه يجمع بين الحديث عن كتاب الآخرة أو الحساب والحديث عن القرآن الكريم، ولذلك مثلًا في سورة الكهف قال الله ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ﴾ ثم بعدها بآيات قال ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ﴾ فقالوا يجمع الله في الحديث بين الأمرين فهذا وجه المناسبة، أو أن الله سبحانه لما قال بعد ذلك (كلا بل تحبون العاجلة ) فأشار قبلها إلى أن هناك عجلة ليست مرادة فقال (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ ) هنا لا تتعجل فالناس يقبلون على العاجلة وأما أنت فتمهل في تلقي القرآن الكريم أو أن يقال كما قال بعض العلماء أن الرسول كان يردد هذه الآيات ويخشى أن تتفلت عليه وفي وسط نزول تلك الآيات نزلت عليه الآيات ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ ولذلك تذكر هذه في الآيات التي يخفى وجه مناسبتها لما قبلها وما بعدها وهذه التي ذكرتها بعض الأوجه التي قيلت في وجه المناسبة بين هذه الآيات لما قبلها ولما بعدها والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات
حرص رسول الله على حفظ ما يوحى إليه من القرآن وتكفل الله له بجمعه في صدره وحفظه كاملاً فلا ينسى منه شيء
يعني هذا يدل على حرص رسول الله على حفظ ما يوحى إليه من القرآن فهو ﴿أَنَّمَا﴾ حرك لسانه من أجل أن يحافظ على محفوظه وألا يتفلت منه شيء ص وتكفَّل رب العزة سبحانه بجمعه في صدره وهذا يدل على أن الرسول ص قد حفظ الق{آن كاملاً ولذلك هذا شاهد أو من شواهد أو أدلة حفظ رسول الله للقرآن الكريم
وأما قوله (سنقرئك فلا تنسى..)فلا يلزم منه أنه لم يحفظ بل هو حافظ ص، ولكن علق الأمر بالمشيئة ليتوجه قلب النبي إلى الرب سبحانه وتعالى وليعلم أن حفظه بمشيئة الله
ثم أن العبد قد ينسى شيئًا مما قد بلّغه ثم بعد ذلك يذكر به ولذلك كان رسول الله يقول (يرحم الله فلانا لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها أو أسقطتها من سورة كذا وكذا) ومن المعلوم أن الرجل الذي قرأ تلك السورة أو قرأ هذه الآيات ممن عرفها؟ ومن الذي بلغه بها؟ إنه الرسول ص أو أحد أصحابه الذين تلقوا عنه عليه الصلاة والسلام.
تعليق الشيخ وفقه الله :
ﵛكَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠ وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا﴾ نَاظِرَةٞ ٢٣ وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤ تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞﵚ
نعم. ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ وتذرون الآخرة) قالوا كلا ليس الأمر كما ادعيتم من استحالة البعث فأنتم تعلمون أن القادر على خلقكم ابتداءً لا يعجز عن احياءكم بعد موتكم لكن سبب تكذيبكم للبعث هو حبكم للحياة الدينا فقوله ( بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) ردع وزجر لهم، ليس الأمر كما تزعمون ﴿أَنَّمَا﴾ القضية : أنكم تحبون الدنيا وتذرون الآخرة وهذا فيه دلالة على وجه الصلة والترابط بين هذه السورة والتي قبلها ففي ختام سورة المدثر أيضًا قال الله سبحانه ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ وهنا قال( وتذرون الآخرة ) لا تفكرون فيها ولا تعملون لها ثم بين الله انقسام الناس في هذا اليوم في يوم القيامة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نسأل الله أن نكون من هؤلاء بمنه وكرمه وهذه الآية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا﴾ نَاظِرَةٌ هاتان الآيتان فيهما دليل لأهل السنة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بدليل قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وذكر النظر وتعديه بإلى يدل على أنه نظر لهذا الوجوه فنسأل الله أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم (ووجوه يومئذ باسرة...فاقرة) ووجوه قالوا أي ووجوه أهل الكفر والشقاء في ذلك اليوم عابسة (تظن ) أي توقن ( فالظن هنا بمعنى اليقين )
﴿أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ أي ينزل بها عقاب عظيم وعذاب أليم يقضي عليهم ويقصم ظهورهم (كلا إذا بلغت التراقي ) أي إذا بلغت الروح أو النفس
ﵛكَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦ وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨ وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩ ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾ ٣٠ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١ وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ ٣٤ ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ ٣٥ أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦ أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ ٣٧ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣٩ أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰﵚ
﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾ يعني إذا وصلت نفس أحدهم أعالي صدره هذا معنى التراقي (﴿وَقِيلَ﴾ من راق) هل من أحد يرقي هل من أحد يقدر على شفاءه (﴿وَقِيلَ﴾ من راق..الفراق) أيقن أنه الفراق وأنه في النزع الأخير (والتفت الساق بالساق) قالوا أي اجتمعت الشدائد عند نهاية الدنيا وبداية الآخرة فمعناها نهاية مرحلة وبداية مرحلة وحتى لو فسرت الساق بالساق للدلالة على وهن عظمه وأنه قد اقترب من نهاية أجله فأيضا كل ذلك يدل على أنه قد صار إلى نهاية أمره في هذه الحياة، ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾...) وتأمل كذب في مقابلة صدق وتولى في مقابلة صلى وهذا يدل على مكانة الصلاة وأن الإنسان ينبغي له ﴿إِلَّا﴾ يترك الصلاة فإنَّ من لم يصلي جعله الله سبحانه هنا من المتولين ممن تولى وأعرض قال (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) يختال في مشيته من الكبر (أولى لك..) وهذا فيه وعيد شديد) وهذا فيه دليل على أن العذاب قد قرب منه ( ﴿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰٓ﴾ ) زيادة في هذا الوعيد والتشديد وتأكيداً له ( ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ) وهذا فيه دلالة على أن الناس ما خلقوا عبثاً وإنما خلقوا لحكمة بالغةة كما قال سبحانه (﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا﴾...) ولذلك قرر أهل العلم أن الدلائل الشرعية دلت على وقوع البعث وكذلك الدلائل العقلية فكل عاقل يقول إن الناس في الدنيا قد لا يصلون إلى حقوقهم تامة أو كاملة وحينئذ هناك دار يأخذ النافس فيها حقوقهم وهذا الدار هي الدار الآخرة فالعقل يتقضي ذلك فكيف وقد دل على ذلك النقل بفضل الله سبحانه وتعالى (﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾ ) أي يصب في الرحم ( ثم كان علقة...)الزوجين النوعين (أليس ذلك بقادر...) بلى قادر سبحانه عز وجل.
من فوائد الآيات :
1-خطر حب الدنيا والاعراض عن الآخرة: وهذا في قوله سبحانه وتعالى (﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ ) ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يجعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه نعم الإنسان يحب أن يحيا في الدنيا ويكره الموت لكنه يعمل الصالحات ويتذكر الدار الآخرة ويعمل لما بعد الموت
2-النظر لوجه الله الكريم من أعظم النعيم: وذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نسألل الله سبحانه الكريم من واسع فضله وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد فرغنا من التعليق على سورة القيامة لننتقل إلى تفسير سورة الإنسان.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)