منظومة الزمزمي (الدرس العاشر) (1)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
العَقْدُ الأَوَّلُ مَا يَرْجِعُ إِلَى النُّزُولِ زَمَانَاً وَمَكَانَاً وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ نَوْعًا
الأَوَّلُ وَالثَّانِي المَكِّيُّ وَالمَدَنِيّ
مَكِّيُّهُ مَا قَبْلَ هِجْرَةٍ نَزَلْ
وَالمَدَنِيْ مَا بَعْدَهَا وَإِنْ تَسَلْ
فَالمَدَنِيْ أَوَّلَتَا القُرْآنِ مَعْ
أَخِيرَتَيهِ وَكَذَا الحَجُّ تَبَعْ
الشرح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فما زلنا مع منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها، وكنا قد توقفنا في الدرس السابق عند الحديث عن المكي والمدني، وتعرفنا على تعريف المكي والمدني والراجح من أقوال أهل العلم في ذلك، وأثر الخلاف في هذه المسألة، وتعرفنا على بعض ضوابط المكي والمدني، أظن أننا لم ننتهِ منها، أم كنا قد انتهينا؟
الخصائص؛ نعم، يعني ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المكي والمدني لكل منهما مميزات وخصائص وضوابط، ما الذي ذكرناه من الضوابط؟
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: كل سورة فيها فهي مكية.
كل سورة فيها الحروف المقطعة فهي مكية، باستثناء سورتي البقرة وآل عمران.
كل سورة فيها ذكر آدم وإبليس فهي مكية، باستثناء سورة البقرة.
كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية، باستثناء سورة العنكبوت فهي مكية.
كل سورة فيها وليس فيها فهي مكية.
كل سورة فيها حدٌ من الحدود، أو حديث عن الحدود، فهي سورة مدنية؛ لأن الحدود ﴿أَنَّمَا﴾ شرعت بالمدينة.
من ضمن الخصائص الموجودة في السور المكية والمدنية: السور المدنية تتسم بطول آياتها، وأما السور المكية فتتسم بقصر آياتها؛ هذا في الغالب، لكن توجد استثناءات؛ فمثلًا في سورة المدثر نرى قصر الآيات موجودًا باستثناء قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَـٰنًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾1، وكذلك في سورة المزمل باستثناء الآية الأخيرة منها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾2، وهكذا، لكن الغالب أن السور المكية آياتها قصيرة، وأن السور المدنية آياتها طويلة.
كذلك السور المكية تُعنى بقضايا العقيدة والقصص، وأما السور المدنية فالاعتناء فيها بتفاصيل الأحكام في الغالب، لكن أيضًا فيها حديث عن الاعتقاد وبعض القصص؛ يعني في سورة البقرة سرد وذكر لعدد من قصص بني إسرائيل وهكذا، وفي السور المدنية ذكر الجهاد في سبيل الله عَزَّ وَجَلَّ، وذكر المنافقين كما تقدم، وهذا لا ﴿تَكَادُ﴾ تجده في السور المكية، ﴿أَنَّمَا﴾ الموجود منه في السور المكية مثل ما يكون من قبيل الوعد الذي سيكون فيما بعد، وذلك قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ في سورة المزمل، فهذا إخبار بما سيكون: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾، فهذا يعني أنه سيكون هناك قتال في سبيل الله، وإلا فالسورة مكية، بل من أوائل ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
في السور المكية تتسم كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بقصر الآيات وبالفواصل المتقاربة وبالقوة، وأسلوب الوعيد وما إلى ذلك، بخلاف السور المدنية فليس فيها كثير من هذا، فتجد آيات السور المكية فواصلها قصيرة وفيها شيء من الوعيد والزجر وما يقرع الأسماع وما إلى ذلك.
على كلٍّ، الخصائص في ذلك كثيرة وكذا المميزات، لكن هذا من أشهرها والله تعالى أعلم.
ما فوائد دراسة المكي والمدني؟
من أشهر فوائد دراسة المكي والمدني:
أولًا:
معرفة الناسخ من المنسوخ
؛ ومن أجل هذا قال بعض العلماء: "لا يتكلم في تفسير القرآن إلا من عرف المكي من المدني"؛ وذلك لاتصاله بالناسخ والمنسوخ؛ لأنه عند التعارض وعدم إمكانية الجمع، سيقال بأن الآية المدنية نسخت الآية المكية.
ثانيًا:
كذلك من هذه الحِكم على رأي فريق من الأصوليين يستفاد منه في باب العام والخاص
؛ تعرفون، أو تقدم معنا في دراسة الأصول لو تذكرون، أن من الأصوليين من يشترط لصحة التخصيص أن يكون الخاص متأخرًا عن العام، فمن اشترط هذا الاشتراط فيستفيد من مسألة المكي والمدني، وإلا فالراجح عدم اشتراطه وسواء تقدم المخصص أم تأخر، ما دام أنه مخصص أو خاص فإنه يخصص به العام بضوابطه وقواعده.
ثالثًا: يستفاد من معرفة المكي والمدني في التفسير
؛ تفسير القرآن الكريم، وفي معرفة مراحل التشريع والتدرج فيه، وهذا يستفيد منه الدعاة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويتعرفون فيه كذلك على تاريخ التشريع الإسلامي؛ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ حُرِّم كذا؟ وكيف حُرِّم؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ حرمت الخمر وكيف حرمت؟، وكذلك الربا وما إلى ذلك.
بعد ذلك ذكر هنا في النظم السور التي يصح القول فيها بأنها مدنية، وأنت تستطيع أن تقول إن هناك سورًا مكية بالاتفاق، وإن هناك سورًا مدنية بالاتفاق، وهناك سور مختلف فيها، والعدد الأكثر مع السور المكية؛ إذًا أكثر سور القرآن مكية؛ لذلك هو عندما نص هنا، نص على أي سور ماذا؟ على السور المدنية؛ لِمَ؟ لأنَّها أقل، ومن المعروف أنه إذا كان هناك قسمان، قسم كبير وقسم دونه، فإنَّ الذي يُعَدُّ هو الأقل لحصره، فالمدني هو الأقل، والمكي أكثر، السور المكية أكثر من السور المدنية؛ لأن السور المدنية أغلبها سور طويلة، يعني قد تكون سورة مدنية واحدة تعادل سورًا كثيرة مكية في العدد، السور المدنية طويلة، لكنها في العدد أقل من السور المكية.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
فَالمَدَنِيْ أَوَّلَتَا القُرْآنِ مَعْ
أَخِيرَتَيهِ وَكَذَا الحَجُّ تَبَعْ
"
أَوَّلَتَا القُرْآنِ مَعْ أَخِيرَتَيهِ
"، بدأ يعد المدني يعني يعدد ويفصل السور المدنية، سنفهم كلامه أولًا، يعني نسير معكم بعد ذلك نذكر بعض الأشياء المتعلقة بهذا المبحث -بإذن الله تعالى-، "
أَوَّلَتَا القُرْآنِ
"، ما المقصود بـ "أولتا القرآن"؟ لو أننا نظرنا إلى الأولية سنقول الفاتحة والبقرة، لكنه لا يقصد هذا، ﴿أَنَّمَا﴾ يقصد: بـ "
أَوَّلَتَا القُرْآنِ
": البقرة وآل عمران، إذًا ما المقصود بقوله أولتا القرآن؟ أي البقرة وآل عمران، لا يريد الفاتحة؛ لأن الفاتحة مكية، وهذا الموجود في أصل الكتاب الذي هو "النقاية".
ألم نقل إن هذا النظم مأخوذ من أصول التفسير في (النقاية) للسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي جمع في كتابه أربعة عشر علمًا؟ فهو يرى أن سورة البقرة وآل عمران هما السورتان المدنيتان، يعني في العد بدأ بالبقرة وآل عمران، وتكون الأولية هنا أولية إضافية ليست الأولية بإطلاق، وإلا ففي الحقيقة هي أولية واحدة للفاتحة، يعني هو عندما عَدَّ أولتا جعل حتى البقرة وآل عمران أولًا، وهي ليست أولية مطلقة بلا شك، فالأولية هنا أولية إضافية والمراد بهما البقرة وآل عمران، وهما مدنيتان بالإجماع، فسورة البقرة وآل عمران سورتان مدنيتان باتفاق أهل العلم، وقد نقل الاتفاق غير واحد من العلماء.
ونحن نستفيد معرفة المكي والمدني من عدة طرق؛ منها كما قلت الروايات، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ليس هناك شيء ثابت مرفوع إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، لكن وردت بعض الآثار في ذلك عن بعض السلف الصالح، ومنها ما صح، أي منها آثار ثابتة صحيحة، فيؤخذ بهذه الآثار مع بعض الأدلة التي تشهد لهذا الأمر، كأحاديث ثابتة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، مع موضوع السورة والمقاصد والخصائص والمميزات التي تقدم ذكرها.
وقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا كما في البخاري: «
ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
» [رواه البخاري]، وهي لم يتزوجها الرسول إلا بالمدينة، وآل عمران كانت بعد البقرة فهي مدنية كما لا يخفى أيضًا، على أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نصارى نجران، وهذا بلا شك متأخر، فهذا يدل أيضًا على أنها نزلت بالمدينة والله تعالى أعلم.
إذًا البقرة وآل عمران، أما سورة الفاتحة فهي إحدى السور المختلف فيها، وفيها أقوال عديدة؛ فمنهم من قال هي مكية، ومنهم من قال هي مدنية، ومنهم من قال نزلت مرتين؛ مرة بمكة ومرة بالمدينة، ومنهم من قال نصفها مكي ونصفها مدني، وأولها أرجحها؛ وهو أنها مكية، وهذا قول الجماهير، ويشهد لذلك أمور منها -فضلًا عن الآثار التي وردت في ذلك- أن الله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ﴾3 في سورة الحجر، وسورة الحجر مكية بالاتفاق، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسر قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ﴾ بالفاتحة، فقال: "
هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت
" [رواه البخاري].
فإذا كانت الحجر مكية فكذلك سورة الفاتحة مكية، إلا أن يقال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ﴾ أي سنعطيك، فيكون التعبير بالماضي المراد به المستقبل، وهذا خلاف الظاهر، على أن الموضع موضع امتنان، والأصل أن يُمتن بما وقع حقيقة لا بما سيقع، ثم إنه لا يُعلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى صلاة بدون قراءة الفاتحة، وما دام أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في مكة قبل هجرته إلى المدينة، فيدل هذا على أن الفاتحة قد سبق نزولها والله تعالى أعلم.
والقول بأن بعضها مكي وبعضها مدني، هذا يوجهنا إلى مسألة وقضية يذكرها بعض العلماء في خصائص المكي والمدني وفيه مميزات؛ فبعضهم يجعل من ضمن المميزات الحديث عن أهل الكتاب، فيقول: السور المدنية تختص بالحديث عن أهل الكتاب، وليس هناك حديث عن أهل الكتاب إلا في السور المدنية، وهذا الكلام لا يُسلَّم، وإنما يقال: هو حكم أغلبي وليس مطردًا؛ ففي سورة الفاتحة: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾4، وقد فسر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك باليهود والنصارى، وهذا الذي دفع بعضهم إلى أن يقول الشق الثاني يتحدث عن اليهود والنصارى وهذا كان في المدينة، وهذا بعيد؛ نقول: لا مانع من أن السورة المكية تتحدث أيضًا عن أهل الكتاب.
ومما يدل على ذلك أن سورة العنكبوت سورة مكية وفيها قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾5، فإذًا لا مانع من الحديث عن أهل الكتاب في السور المكية، فإنْ قال قائل: ولم يكونوا موجودين؟ يُقال: لا إشكال في هذا؛ لأنهم سيكونون موجودين مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المدينة، فرب العباد يحذر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شأنهم ويبين له أحوالهم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يكون صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم في سكنٍ واحد أو ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يكونوا معه في مكانٍ واحد.
وفيه إشارة إلى التميز؛ إلى أن المسلم متميز منذ بداية الأمر، فهو ليس على عقيدة اليهودية وليس على عقيدة النصرانية -والله تعالى أعلم-، وهذا فيه دفع لئن يُقال ما تكلم عن أهل الكتاب إلا حينما ساكن أهل الكتاب؛ لا، بل ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتي إلى أهل الكتاب نزل القرآن فيهم، إلى غير ذلك من الفوائد التي نص عليها العلماء والله تعالى أعلم.
طالب:
البسملة؛ نحن عرفنا البسملة وأخذنا خلاف العلماء، وتتصل بالدعاة للذين يصلون بالناس، نسأل عن ذلك .... ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾6، كبعض الناس، ثم عاد هي المختلف فيها كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾.
الشيخ:
هي المختلف فيها كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾، نعلم الناس، نعلمهم أن الأفضل، أو أن الأكثر من فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الإسرار، وأحيانًا كان يجهر بها، كما صرح بذلك ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، الناس بحاجة إلى إمامٍ مخلص صادق يرون فيه العلم والعمل، فإذا وجدوه استجابوا له؛ هذه هي المشكلة، يعني أقصد أن المشكلة تكمن في أنهم لا يرون الإمام يحضر ولا الإمام يعرف، فلذلك هم لا يستجيبون له، لكن لو أنهم وجدوا فيه العلم والعمل، قال ما قال فسيستجيبون له.
إذًا "
أَوَّلَتَا القُرْآنِ مَعْ
أَخِيرَتَيهِ
"؛ ما المقصود بـ "
أَخِيرَتَيهِ
"؟ الفلق والناس، وهما مدنيتان، وأيضًا نُقل على ذلك الاتفاق، إذًا هناك اتفاق على أن سورتي الفلق والناس سورتان مدنيتان، ويدل على ذلك قصة نزولهما في قضية سحر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حينما سُحر عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، سحره لبيد بن الأعصم وهذا كان بالمدينة، وأيضًا قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ﴾7 و
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾»8 [رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ]، وعقبة من أهل المدينة، فدل ذلك على أنها نزلت بالمدينة النبوية.
إذًا سورة الفلق والناس سورتان مدنيتان وهما المعوذتان، وإذا قيل "المعوذات"، فقال بعضهم: المراد بها أيضًا الفلق والناس، وأدخل معها بعض العلماء سورة الإخلاص.
طالب:
هل يقال "المعوذتان" أم "المعوذات"؟
الشيخ:
ورد هذا وذاك؛ فإذا قيل "المعوذتان" فهذا واضح أنهما الفلق والناس، وإذا قيل "المعوذات" ففيها كلام طويل ذكره الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم، وكثير منهم يدخل معها سورة الإخلاص، لكن سورة الإخلاص مكية، لكن كلامنا الآن عن أخيرتيه وهما الفلق والناس.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
فَالمَدَنِيْ أَوَّلَتَا القُرْآنِ مَعْ
أَخِيرَتَيهِ وَكَذَا الحَجُّ تَبَعْ
"
وَكَذَا الحَجُّ تَبَعْ
": سورة الحج من السور المختلف فيها اختلافًا كبيرًا كثيرًا جدًّا؛ فمنهم من قال هي مكية، ومنهم من قال هي مدنية، ومنهم من قال مكية ومدنية، بل بعضهم قال إن في سورة الحج كل الأقسام؛ فيها المحكم والمتشابه، وفيها المكي والمدني، وفيها الناسخ والمنسوخ، إلى غير ذلك مما نص عليه بعض العلماء.
الذين قالوا إنها مكية نظروا إلى عدة أمور؛ منها أولها: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾9 وهم يرون أن تدل على مكية السورة، وقلنا إن هذا القول مردود وليس بلازم، فسورة النساء نقلوا الإجماع على مدنيتها مع أنها مُصَدَّرة بقوله: ، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الضابط الأصح في ذلك أن يقال: السورة التي فيها وليس فيها هي المكية، وسورة الحج فيها إذًا هذا يدل على أنه لا ينطبق عليها هذا الضابط الذي ذكروه.
وقالوا أيضًا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾10 وذكروا قصة الغرانيق، وقصة الغرانيق قصة باطلة لا تثبت، وهي مكذوبة ولا تصح.
والذين قالوا إنها مدنية استدلوا بأدلة منها: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾11، وأيضًا: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾12 إلى غير ذلك؛ قالوا: آيات الجهاد هذه ﴿أَنَّمَا﴾ شُرعت في المدينة، وإنما كانت بداية الجهاد في العهد المدني وليس في العهد المكي.
على كلٍّ، وردت آثار في هذا الباب، والأقرب في هذا الباب والله أعلم أن سورة الحج سورة مدنية، ولا يمنع ذلك من وجود بعض آيات ربما قال بعض العلماء بمكيتها، لكن كما تقدم أن الحكم على السورة يكون حكمًا للكل أو للأغلب.
"
مَائِدَةٌ
": سورة المائدة وهي مدنية بالاتفاق أيضًا، وفي صدرها ، بل تكرر فيها كثيرًا جدًّا، بل إن سورة المائدة كما ورد من آخر سور القرآن نزولًا؛ ولذلك قيل هي آخر سورة، ولذلك آخر ما نزل من القرآن من حيث السور اختلاف بين ثلاث سور: سورة المائدة، وسورة براءة، وسورة النصر، فقيل آخر سورة نزلت هي براءة، وآخر آية نزلت هي آية الكلالة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾13 كما في الصحيحين.
واستدلوا أيضًا بأن آخر سورة نزلت هي سورة المائدة في أثر عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وسورة النصر في أثر ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في صحيح الإمام مسلم، فهذه ثلاثة أقوال في هذا الباب، وأصحها أنها سورة النصر، لكن على كلٍّ هي من آخر ما نزل من القرآن، وفيها تحريم الخمر وقد وقع هذا في العهد المدني قطعًا، ففيها آيات تحريم الخمر، إلى غير ذلك مما جاء في سورة المائدة مما يدل على كونها مدنية والله تعالى أعلم.
"مَعْ مَا تَلَتْ"، ما المقصود بـ "مَعْ مَا تَلَتْ"؟ النساء؛ هذا هو الصحيح في الفهم، "مع ما تلت" يعني ما تلت هي؛ إذًا هو يتحدث عما سبقها، فالذي تلته المائدة سورة النساء، وليس المراد ما تلا المائدة وهي الأنعام؛ لأن الأنعام سورة مكية بالاتفاق، أما سورة النساء فهي مدنية، وقلت مما يشهد لمدنيتها ما جاء منذ قليل من أثر عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا في صحيح البخاري: «
ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
» [رواه البخاري]، وهي ما دخل بها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بالمدينة، فسورة النساء مدنية، أما سورة الأنعام كما قلت فهي سورة مكية، ولكن وقع الاختلاف هل نزلت جملة واحدة أم نزلت متفرقة؟ وقد وردت بعض روايات بأن شيعها من الملائكة عدد كبير، لكن الروايات لا تسلم من مقال ومن ضعف، لكن على كل هي سورة مكية، أعني سورة الأنعام.
فإذًا عندنا البقرة وآل عمران والنساء والمائدة هي سور مدنية، ونُقل الاتفاق على ذلك، ويناسبها من حيث الموضوع والمقصد، وكل المواصفات موجودة من طول الآيات وما إلى ذلك، مع ذكر الحدود والفرائض والأحكام وتفاصيلها؛ كل هذا موجود في هذه السور.
"
أَنْفَالُ
": سورة الأنفال أيضًا هي سورة مدنية وهذا واضح، وهي تتحدث عن غزوة بدر، وإن شئت فقل هي خالصة لهذه الغزوة، فلذلك لا شك في مدنيتها؛ ولذلك هناك اتفاق أيضًا على مدنية السورة، فهي من بدايتها تتحدث عن غزوة بدر: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾14، وقال: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾15،
وقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾16، إلى غير
ذلك من الآيات الواضحة في هذا الباب.
فسورة الأنفال سورة مدنية، وتقدم الكلام على استثناء بعضهم لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾17، إذ استثنى بعضهم هذه الآية وقال سورة الأنفال مدنية باستثناء هذه الآية، وهذا خطأ ليس بصحيح؛ لأن الآية تذكير بالماضي، وليس معناها أنها نزلت في مكة؛ صحيح أن الآية تتحدث عن مكر المشركين بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وإرادتهم اغتياله وقتله قبل هجرته، لكن هذا حديث عما مضى، فهل نزلت في ذلك الوقت؟ لا، هي نزلت في المدينة تتحدث عما سبق.
إذًا أحيانًا تنزل السورة بآية تتحدث عما سبق، كما حدث الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾18
، هل الآية نزلت في أيام الفيل؟ لا طبعًا، هي تتحدث عن سابق، الآيات تتحدث عن قصص الأنبياء والمرسلين؛ إذًا فرقٌ بين وقت نزول الآية وبين ما تحدثت عنه الآية الكريمة.
"
بَرَاءَةٌ
": سورة براءة سورة التوبة، وهي من آخر ما نزل من القرآن كما تقدم؛ فبراءة آخر سورة نزلت، لكن اختلفوا: أهي أسبق في النزول أم سورة النصر؟ خلاف طويل بين العلماء، لكن على كلٍّ هي من آخر ما نزل من القرآن، وسورة براءة الآيات الكريمة فيها تتحدث عن غزوة تبوك، كثير من آياتها تتحدث عن غزوة تبوك وقد كانت في السنة التاسعة من الهجرة، إذًا هي من أواخر ما نزل من القرآن: ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾19، وهذا كان في غزوة العسرة، غزوة تبوك.
وفي الحقيقة حاولت أن أعقد مقارنة بين السور الثلاث: المائدة وبراءة والنصر، وما آخرها نزولًا؟ لأن سورة النصر فيها إشكال كبير من حيث الروايات ومن حيث ظاهر الآيات الكريمة؛ لأن الآية الكريمة فيها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ20 وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾، فظاهر الآية ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾21 "إذا" لما يستقبل من الزمان، إذًا ظاهر الآية أن هذا كان قبل فتح مكة، "
" حينما يأتي نصر الله والفتح، والفتح هنا هو فتح مكة على قول جمهور المفسرين وحكاه بعضهم باتفاق؛ إذًا معناها أنها نزلت قبل فتح مكة أو قُبيل فتح مكة، وهي مدنية لا نزاع في مدنيتها؛ المدنية محل اتفاق، لكن أتحدث عن الآخرية، يعني هي نزلت قبل من؟ يعني هل كانت براءة أولًا أم سورة النصر أولًا؟ لكن كلتا السورتين مدنيتان بالاتفاق، وكذا المائدة.
فظاهر الآيات أنها نزلت قبل الفتح، مع أنَّ سورة النصر تسمى بسورة "التوديع"، وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قال: «
أجَلُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعْلَمَهُ إيَّاهُ
» [رواه البخاري]؛ ولا يخفى عليكم هذا أن السورة فيها نعي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك أكثر الرسول من استغفار الله وتسبيحه، وقال في الروايات إن الله أراه آية إذا رآها أن يفعل كذا وكذا، وهي ما جاء في سورة النصر.
فتخلص من ذلك، وبعضهم يعزو للجمهور أنها نزلت قبل الفتح، مع أنهم يقولون هي آخر سورة نزلت، وهذا أحدث إشكالًا كبيرًا عندهم، لكن مع البحث والتحرير والله أعلم، حينما ننظر، هذا كان يحتاج مني شيئًا، أولًا يبقى الإشكال هل من الممكن أن يودعه ويأمره بالتسبيح والتحميد قبل وفاته بقرابة السنتين وزيادة؟ قالوا: لا بأس بهذا؛ لأن عمر الدعوة ثلاث وعشرون سنة، فعندما يقول له ذلك بعد إحدى وعشرين سنة أنك قربت أن تتوفى هذا لا إشكال فيه، فإنه يبدأ بالاستعداد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويكثر من التسبيح والاستغفار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والجمهور يقولون إنها كانت قبل فتح مكة، وبعضهم حكى أنها كانت منصرفة من غزوة خيبر، ويدل على ذلك في بعض روايات أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما جاءه وفد من اليمن قال: «
جاءكم وفد من اليمن" ثم قرأ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ22 وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾
» . وهذا يدل على أنها قبل فتح مكة؛ لأن وفد اليمنيين كان بعد خيبر وقبل فتح مكة.
فكان هذا يحتاج شيئًا وهو: هل ثبت أن هناك آيات نزلت من سورة المائدة قبل هذه الفترة؟ وهل هناك آيات نزلت من سورة براءة قبل هذه الفترة؟ بحيث نقول إن معنى أن آخر سورة هي سورة النصر أي (كاملة)، بمعنى قد تكون هناك آيات نزلت بعد سورة النصر من سورة التوبة، وهناك آيات نزلت من سورة المائدة بعد سورة النصر، لكن سورة النصر هي آخر سورة نزلت كاملة؛ يعني تكون براءة قد نزلت على مراحل، وتكون المائدة نزلت على مراحل فالذي قضى فيه ابن عباس أن آخر سورة نزلت سورة النصر باعتبار السورة الكاملة؛ لأن سورة النصر قطعًا نزلت كاملة لأنَّها ثلاث آيات ومتصل بعضها ببعض؛ يعني الشرط وجواب الشرط أو المتعلق بجواب الشرط على اختلاف أن جواب الشرط هو مقدر أو مذكور.
فوجدت في سورة المائدة تحريم الخمر، وتحريم الخمر عند الجمهور كان في السنة الثالثة من الهجرة، إذًا هناك آيات في المائدة نزلت قبل فتح مكة بفترة طويلة، فتكون المائدة قد بدأت قبل النصر، والنصر هي التي جاءت أخيرة، قال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾23 سبب نزولها في عثمان بن مظعون رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حينما أراد أن يختصي، وأن ُيحرم على نفسه أكل اللحم وما إلى ذلك فأنزل الله الآية، والسبب ثابت صحيح، وعثمان بن مظعون ممن ماتوا متقدمًا، حتى قالوا إنه أول من لُقب بالسلف لموته بداية بعد بدر بفترة، يعني من أوائل من مات من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بالمدينة.
إذًا قطعًا هناك آيات نزلت في المدينة قبل فتح مكة بمراحل، وكذلك في سورة براءة، قد يؤخذ من قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾24، ففي بعض ما ورد في قصة العباس وغيره أن هذا كان في أوائل العهد المدني أيضًا، فإذًا أغلبها كان في غزوة تبوك وهذا متأخر، لكن كسورة من أولها إلى آخرها، سورة النصر.
على كلٍّ هذا محل أخذ ورد يحتاج إلى شيء من الكلام الطويل في هذا، لكن هذا اختصاره والله تعالى أعلم.
خلاصة ما نحتاج إليه الآن أن السور الثلاث مدنية، وأن مدنيتها ثابتة بالاتفاق، لكن الذي أحوجنا إلى هذا البحث هو اختلاف الروايات آخِر، أخِر، أخِر، فكيف نجمع بين هذه الروايات؟ فهذه آخرية باعتبار، وهذه آخرية باعتبار.
طالب:
هل براءة هي آخر سورة نزلت كاملة؟
الشيخ:
هذا أيضًا يحتاج إلى كلام فيه، فهم يقولون (كاملة) يعني بانتهائها بفراغها؛ يعني انتهت، وإلا فقد نزل جزء منها قبل ذلك، يعني تمت واكتملت بذلك، وأيضًا بعضهم يقول هذا حسب اجتهاده، وإلا فهناك من قال -كما تعرفون- إن آخر آية نزلت هي: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾25، وهذا سيدخلنا في مسألة آخر آية نزلت والله تعالى أعلم.
طالب:
والأقرب أنها سورة النصر.
الشيخ:
سورة النصر، ومن المفسرين ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ معناها (إذ جاء)، يعني أنه قد جاء إن السورة نزلت ولهذا يقول بعضهم إنها نزلت قبل وفاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشهرين أو بثلاثة أشهر، ﴿وَقِيلَ﴾ قبلها بسنة أو بسنتين، هناك من قال بهذا..
طالب:
أي تحقق مجيئه..
الشيخ:
وقالوا إن أحيانًا تُستعمل بمعنى الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾26 والآية نزلت بعدما وقعت الحادثة، فالمعنى (وإذ رأوا تجارةً أو لهوًا)، فتقول "إذا" والشيء يكون قد وقع؛ ولذلك قالوا أحيانًا وتتناوبان، لكن يُعكر على هذا أن هذا خلاف الأصل، مع الحديث الذي ورد أنه قالها حينما أتاه وفد اليمن، فأقول المسألة هذه فيها كلام طويل.
"
وَالرَّعْدُ
": أما سورة الرعد -وهي التي بعد يوسف- فهي من السور المختلف فيها؛ فمنهم من قال بمكيتها ومنهم من قال بمدنيتها؛ ويشهد للقول بمكيتها افتتاحها بالحروف المقطعة على نمط السور المكية باستثناء البقرة وآل عمران، وغالب ما في السورة يشهد لمكيتها، وصحت آثار في أنها مكية.
ورد أثر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وهذا الطريق فيه كلام طويل جدًّا، والأقرب فيه والله أعلم أن الرواية حسنة لأنَّها رواية (صحيفة). قالوا هناك انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس؛ وعلي بن أبي طلحة لم يلق ابن عباس ولم يسمع منه ففيها انقطاع، قالوا هي صحيفة وقالوا عُلمت الواسطة، وقالوا وروايته مقبولة فيها كلام طويل جدًا والأكثرون على قبولها، والإمام البخاري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ظاهر صنيعه أنه يحتج بها إذ يذكرها بصيغة الجزم، ولذلك ذكر غير واحد من أهل العلم قبولها، فاعتمدها كثير من المحققين –والله تعالى أعلم-، رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس هي من الأسانيد المختلف فيها والله أعلم.
على كلٍّ وقد وردت روايات في أنها مكية والأقرب مكيتها، ولا يضر ذلك ذكر أهل الكتاب فيها؛ لأن الذين قالوا بمدنيتها استندوا إلى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾27، عند من فسر بأن المقصود به أهل الكتاب والمراد به عبد الله بن سلام، فبعضهم قال هذا لا يلزم أن يكون التفسير هكذا وتأولوها بتأويلات أخرى، ثم قالوا منهم من قال باستثناء الآية من السورة، وإلا فأكثر السورة على أنها مكية، وهذا هو الأقرب أن السورة مكية.
"
وَالِقتَالُ
": سورة القتال وهي سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ تسمى بسورة القتال وبسورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي سورة مدنية ونُقل اتفاقًا ويدل على ذلك أيضًا سياق السورة فالسياق كله عن الجهاد والقتال وهذا مناسب للعهد المدني كما لا يخفى، نُقل فيها، وبعضهم حكى فيها خلافًا لكنه ضعيف، فيكاد يكون قول الجمهور أو الاتفاق.
"
وَتَالِيَاهَا وَالحَدِيدُ النَّصْرُ
": "تلياه" ما المقصود بـ "
وَتَالِيَاهَا
"؟ الفتح والحجرات، وكلتاهما سورة مدنية، وهي كذلك مدنية، وسورة الفتح واضح أنها مدنية، وهي حديث عن صلح الحديبية، وهذا بلا شك كان بعد الهجرة فهي سورة مدنية بالاتفاق أيضًا، وهي من السور التي يُمثل بها للسور التي نزلت بقرب مكة ولكنها مدنية؛ لأن الحديبية قريبة من مكة بالنسبة للمدينة، ومع ذلك فهي سورة مدنية باعتبار التفريق بين المكي والمدني بأن ما قبل الهجرة مكي وما بعد الهجرة مدني.
والحجرات كذلك، وهذا قول الجمهور أنها مدنية، وكلها حديث عن المؤمنين: ، وهي سورة مدنية، والآثار تشهد لهذا أيضًا، أحيانًا نستدل بالآثار وبالموضوع وأحيانًا بالإجماع.
طالب:
...
الشيخ:
يعني نقول أحيانًا تكون هناك آثار ثابتة وأحيانًا نستقي ذلك من إجماع العلماء، وطبعًا الإجماع في التفسير أحيانًا قد لا يكون سالمًا، يعني قد يحكي بعضهم إجماعًا ولكن بالتحرير تجد هناك بعض خلاف لكنه قد يكون خلافًا ضعيفًا.
طالب:
هذا في حالة الحكم المكي والمدني؟
الشيخ:
أي نعم.
"
وَالحَدِيدُ النَّصْرُ
" أما سورة الحديد فمن السور التي اختلف فيها في مكيتها ومدنيتها، والأقرب أنها مدنية لورود ذكر الحديد والبأس الشديد فيها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾28، وهذا يناسبه الجهاد وهذا في العهد المدني.
بعضهم ذهب إلى مكيتها وقد يستدل لهم بما ورد في أثر ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «
ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾29 إلا أربع سنين
» [رواه مسلم]، فقالوا: ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ من المهاجرين السابقين الأولين، فقوله هذا يدل على مكية هذه السورة، لكن قالوا:.. لا نقول بهذا بل نقول هذه الآية مستثناة فالسورة مدنية باستثناء الآية والله أعلم.
"
النَّصْرُ
": سورة النصر وتقدم الحديث فيها؛ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كما في صحيح الإمام مسلم صرح بأنها آخر سورة نزلت جميعًا، وهي سورة: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾، سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ قبل فتح مكة أم بعد فتح مكة فهذا في العهد المدني والأمر فيها واضح.
وهي من السور المدنية القصيرة على خلاف المشهور في السور المدنية؛ إذ الغالب في السور المدنية أن تكون طويلة، لكن هذه ليست قاعدة عامة، وإلا فعندنا سور ليست بطويلة لكنها مدنية مثل المنافقون والجمعة كما سيأتي -إن شاء الله- سور مدنية أيضًا، وسورة المطففين على الراجح، ولكن فيها خلاف ولعله سيأتي الكلام فيها.
"
قِيَامَةٌ
": سورة القيامة وهي مكية وليست مدنية، وقد نُقل الاتفاق على مدنيتها، لكن الحقيقة ليس هناك اتفاق بل هناك اختلاف، لكن الخلاف ضعيف، والأقوى من حيث الدليل أنها مكية، وأما إيراد الزمزمي لها هنا فهو متابع فيه للسيوطي؛ لأن السيوطي في "النقاية" وكذا في "التحبير" ذكرها في السور المدنية، وقالوا هذا وهم منه، وإلا فقد قال بعضهم المقصود بذلك سورة (القيمة)، والمقصود بها سورة البينة، والصحيح أنها ليس المراد بها سورة القيامة، ﴿أَنَّمَا﴾ سورة القيمة ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾30 لأنَّها يطلق عليها (القيمة) أيضًا.
إذًا سورة البينة على الراجح مدنية ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾؛ البينة، فنضع مكانها البينة وهي تتحدث عن أهل الكتاب أيضًا: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ والمشركين، ووردت آثار بأنها مدنية. أما القيامة فهي مكية؛ إذًا هذا مما يؤخذ على الناظم تبعًا للأصل.
فنقف عند سورة الزلزلة ونكمل إن شاء الله تعالى بقية السور الأخرى التي لم يذكرها المصنف باعتبار أنها مكية مع أنَّ الراجح أنها تُضم إلى المدنية والله تعالى أعلم.
وسنشير إن شاء الله في الدرس القادم لبعض البحوث المهمة في هذا الباب؛ إذ إن هناك رسالتين جامعيتين قويتين في المكي والمدني، وفي الحقيقة هما من الرسائل القوية جدًّا في هذا الباب وإن كان يمكن للباحث أن يزيد عليهما، وهناك بعض البحوث النفيسة التي تُبحث في هذا الباب، لكن الرسالتان هما:
أولًا: (
المكي والمدني في القرآن الكريم دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات من أول القرآن إلى نهاية سورة الإسراء
) لعبد الرزاق حسين أحمد، نال بها درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
ثانيًا: زميله أكمل بعده (
المكي والمدني من السور والآيات من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس
) لمحمد بن عبد العزيز الفالح.
وكانا في الحقيقة مفلحين في بحثيهما والله تعالى أعلم.
نكمل إن شاء الله في الدرس القادم، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَـٰنًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾ — المدثر: 31 ↩
- آية: ﴿۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ — المزمل: 20 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ﴾ — الحجر: 87 ↩
- آية: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ — الفاتحة: 7 ↩
- آية: ﴿۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ — العنكبوت: 46 ↩
- آية: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ — الفاتحة: 1 ↩
- آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ﴾ — الفلق: 1 ↩
- آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ — الناس: 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ — الحج: 1 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — الحج: 52 ↩
- آية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ — الحج: 39 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — الحج: 58 ↩
- آية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ — النساء: 176 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — الأنفال: 1 ↩
- آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — الأنفال: 41 ↩
- آية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — الأنفال: 67 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ — الأنفال: 30 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾ — الفيل: 1 ↩
- آية: ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 117 ↩
- آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — النصر: 1-3 ↩
- آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — النصر: 1 ↩
- آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — النصر: 1-2 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — المائدة: 87 ↩
- آية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — التوبة: 19 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ — البقرة: 281 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — الجمعة: 11 ↩
- آية: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ — الرعد: 43 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ — الحديد: 25 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ — الحديد: 16 ↩
- آية: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ — البينة: 1 ↩