سورة الزمر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
(سورة الزمر مكية) وهذا واضح، ولا إشكال في ذلك، ولا خلاف فيه، ولذلك فهي سورة تقرر قضايا العقيدة من التوحيد، والرسالة والبعث.
قال: (من مقاصد السورة الدعوة إلى التوحيد، والإخلاص، ونبذ الشرك) أيضًا أي من مقاصد السورة نبذ الشرك، هذا واضح جلي في السورة الكريمة، وأنت إذا تأملت السورة الكريمة في أولها ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (الزمر: 2) [الزمر: 2] واتفقنا على أن بدايات السورة تدلنا على مقصود السورة، فهي سورة تتحدث عن قضية الإخلاص، ولذلك سورة الزمر تعالج قضية الإخلاص، وتدلل على قضية التوحيد لله رب العالمين.
ثم الآية التي تليها الآية الثالثة ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] أيضًا، وجاء أيضًا الرد على الشرك فيما يتلوها من آيات، وذكرت فيها دلائل التوحيد ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 29].
وأيضًا فيها ﴿قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (الزمر: 11) [الزمر: 11].
وفيها أيضًا ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُۥ دِينِى﴾ (الزمر: 14) [الزمر: 14] إذن من المقاصد العظيمة في سورة الزمر قضية الإخلاص، الدعوة إلى التوحيد، والإخلاص، وأيضًا فيها طرح الشرك، والرد على الشرك والمشركين وعلى دعواهم إذ اتخذوا شفعاء ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾.
وذلك قضية الشفاعة مذكورة بجلاء في سورة الزمر ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: 44) [الزمر: 44] وأيضًا هنا سيأتينا حينما قالوا: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3].
هذا صدر سورة الزمر وفيه بيان أن هذا الكتاب العزيز منزل من عند الله تعالى، والله هو الموصوف بالعزة والحكمة ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الزمر: 1) [الزمر: 1].
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (الزمر: 2) [الزمر: 2] ونزل هذا الكتاب مشتملًا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ومن أعظم الحق الذي فيه ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (الزمر: 2) [الزمر: 2] فنسأل الله أن يرزقنا الإخلاص.
﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] (السالم من الشوائب) كما ذكروا هنا، وقالوا: (الخالي من الشك).
﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] تأملوا هذه الآية.
﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] يعني الجملة حينما تقرأها ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] هنا تقدير قطعًا أي ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ يقولون ما نعبدهم لذلك قلت في كثير من المواضع يحذف القول لدلالة السياق عليه؛ لأن الكلام الذي بعده يكون قولًا إذًا علم أن ما قبله هناك قول مقدر؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 97) [الأنبياء: 97] يعني يقولون: يا ويلنا، وهذا كثير في القرآن.
﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] أي التقدير يقولون: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3] لذلك قالوا هنا في التفسير: (معتذرين) يعني يعتذرون عن عبادتهم لهم بقولهم: ما نعبد هؤلاء ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ منزلة، ويرفعوا حوائجنا إليه، ويشفعوا لنا عنده، والإشكال جاءهم أنهم ظنوا أن الله سبحانه وتعالى كملوك الأرض، فملك الأرض يتخذ له شفعاء، ويتخذ له وزراء، ووسطاء، وواسطات؛ فمن أراد أن يطلب منه فإنه يلجأ إلى الوزير، أو إلى الوسيط؛ لينقل له مراده، وليذكر له الطلب، ثم يرفعه إلى الملك، أما الله سبحانه وتعالى فهو قريب من عباده؛ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) [البقرة: 186].
ولذلك ربنا قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: 18) [يونس: 18] فرد الله عز وجل عليهم ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: 18) [يونس: 18].
يعني من أين لكم أن تدعون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، من أين لكم هذا؟ فرد الله عز وجل عليهم ذلك ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: 3) [الزمر: 3].
ثم أبطل الله عز وجل ادعاء الولد له ﴿لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ (الزمر: 4) [الزمر: 4] وقال في الآيات الأخرى هو الغني ما يحتاج إلى أولاد، وإذا نفى الله عن نفسه اتخاذ الولد فهو ينفي عن نفسه الولد من باب أولى بمعنى في بعض المواضع قال: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 91) [المؤمنون: 91].
أنت قد لا يكون لك ولد، لكن تتخذه ولدًا، تتبناه، فالله نفى أنه يتخذ ولد، وإن لم يكن ولدًا منه، فهو ليس له ولد، ولا يتخذ ولدًا سبحانه وتعالى ﴿لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ (الزمر: 4) [الزمر: 4، 5] كل هذه دلائل على توحيده سبحانه وتعالى كما سيأتي بيانها في الآيات المقبلة، لكن هنا ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ﴾ (الزمر: 5) [الزمر: 5] قال: يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل كما مضى معنا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40) [يس: 40].
فكل له وقته لا يدخل هذا على ذاك، كل له سلطان، هذا سلطان الله، وهذا سلطان النهار.
من فوائد الآيات:
¯التوسل إلى الله يكون بأسمائه وصفاته، وبالإيمان وبالعمل الصالح لا غير.
أما الفائدة الأولى: (الداعي إلى الله يحتسب الأجر من عند الله، لا يريد من الناس أجرًا) فهذه فائدة مأخوذة من أواخر سورة ص؛ لأنهم يتكلمون على الصفحة كاملة فهذه الفائدة من قوله: ﴿قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: 86) [ص: 86].
والفائدة الثانية: (التكلف ليس من الدين) هذا مأخوذ من قوله: ﴿قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: 86) [ص: 86].
والفائدة الثالثة: (التوسل إلى الله يكون بأسمائه وصفاته، وبالإيمان وبالعمل الصالح لا غير) يعني يقصدون لا يكون بالتقرب إلى الشفعاء، وقد جاءت السنة بالتوسل بدعاء الرجل الصالح الحي أيضًا فإنَّ هذا لا بأس به، وأما غير ذلك فلم يرد H0.
بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات امتنانه على الخلق فقال: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: 6) [الزمر: 6] إلى آخر الآية الكريمة، ومما يحتاج إلى بيان في هذه الآية قوله سبحانه وتعالى ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: 6) [الزمر: 6] فكيف أنزل لنا من الأنعام، والأنعام في الأرض؟
فالعلماء لهم أجوبة عن ذلك فبعضهم: فسر أنزل بمعنى خلق، ولذلك قالوا هنا: (وخلق لكم من الإبل، والبقر، والضأن والمعز ثمانية أنواع).
ومنهم من قال: بل معنى أنزل قضى، ومنهم من قال: أنزل المطر، والمطر ينبت به المرعى وحينئذ تتغذى الأنعام وتكون، ومنهم من قال: أنزل يعني أنزل الأمر بخلقها، فالكلام عن إنزال التشريعات، أو الأوامر الكونية، وحينئذ لا إشكال.
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: 6) [الزمر: 6] يعني أطوارًا.
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: 6) [الزمر: 6] فسروها بظلمات البطن، والرحم، والمشيمة فإنَّ يكن الأمر كذلك وقد قال به كثيرون، فهذا من الإشارات إلى أمر لم يعلمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا بوحي، وأنى له أن يعلم المشيمة، لكن هذا وحي من الله سبحانه وتعالى؛ لذلك يذكرها العلماء في الآيات التي فيها إشارات علمية.
ثم تمضي الآيات الكريمة ﴿إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (الزمر: 7) [الزمر: 7] وهنا قضية مهمة لا بد أن نعرفها في باب الاعتقاد وهو أن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولم يأمر بالكفر، لكن الكفر لما وقع بدر، ففرق بين أن يأمر الله بالشيء، وبين أن يقدر الله الشيء وهذا ما يذكره العلماء في الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية.
فهنا قال: ﴿إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (الزمر: 7) [الزمر: 7] وليس معناه أن من كفر، كفر رغمًا عن إرادة الله سبحانه وتعالى، لا بإرادة الله، لكن الله لم يحب ذلك، ولم يأمر به شرعًا.
﴿إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (الزمر: 7) [الزمر: 7].
ثم تمضي الآيات الكريمة قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] قال بعضهم: هذا في عثمان -رضي الله عنه-، والآية العبرة بعموم اللفظ كما هو معلوم.
هنا قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] فالعبد الصالح يجمع بين الأمرين، بين الرغبة والرهبة، بين الخوف والرجاء ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9].
وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] ساعات الليل ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] فهذه عبادة عظيمة نسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا إياها، ولذلك من فوائد الآيات فضل قيام الليل، وفضل وأهمية الخوف والرجاء في الله سبحانه وتعالى.
تحليل مقارن وربط بين السور
ثم قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] فالذين يعلمون هم الذين يقنتون آناء الليل ساجدين وقائمين، فالعلم له ثمرته، وثمرة العلم العمل، لكن هنا لفتة أن الله لما قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] هنا مقارنة لم يذكر الله الطرف الآخر، قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9] هذا لا يتساوى مع من؟ هنا محذوف مقدر، والعجيب أن هذا متكرر في سورة الزمر بكثرة، ولذلك سيأتينا في أكثر من موضع أن الله يذكر فريقًا، ويترك الفريق الآخر كأنه يقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العاقل ميز هذا يستوي هذا مع المقابل.
فهنا قدروا قالوا: أم ذلك الكافر يعني هل يستوي القانت مع ذلك الكافر الذي يعبد الله في الشدة، ويكفر به في الرخاء وهو الذي تقدم ذكره في الآية السابقة، ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 8) [الزمر: 8] عند الضراء، ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 8) [الزمر: 8].
ثم تمضي الآيات الكريمة قال الله: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10) [الزمر: 10] هنا قد يرد إشكال، هناك أناس أحسنوا في الدنيا، ولم يجدوا تلك الحسنة فماذا يصنعون؟ ففتح الله لهم الباب فقال: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10) [الزمر: 10] يعني إذا ضيق عليكم وجود الحسن، والتيسير في مكان فارحلوا إلى غيره ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10) [الزمر: 10] فإنَّ ابتليتم فلا يضركم فإنَّ من أعظم الحسن الصبر ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10) [الزمر: 10] لذلك قالوا: العمل له حساب، والصبر ليس له حساب، ولذلك قالوا في الصيام H0 أحد المعاني في ذلك؛ لأنه صبر.
ولذلك قالوا: الصّبر مثلُ اسمه مُرٌّ مَذاقته... لكنْ عواقبه أَحلَى من العسلِ
من فوائد الآيات:
¯رعاية الله للإنسان في بطن أمه.
¯ثبوت صفة الغنى، وصفة الرضا لله.
¯تعرف الكافر إلى الله في الشدة، وتنكره له في الرخاء دليل على تخبطه واضطرابه.
¯الخوف والرجاء صفتان من صفات أهل الإيمان.
وهذا واضح، هذه فوائد: (رعاية الله للإنسان في بطن أمه) ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: 6) [الزمر: 6] هذا هو الشاهد.
(ثبوت صفة الغنى) من قوله: ﴿إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (الزمر: 7) [الزمر: 7]، (وصفة الرضا لله) سبحانه وتعالى على الوجه الذي يليق به، وهناك من يتأولها، لكننا نبقيها، ونقول: ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) [الشورى: 11] رضا يليق بكماله سبحانه وتعالى H1.
(تعرف الكافر إلى الله في الشدة، وتنكره له في الرخاء) وهذا في آية ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 8) [الزمر: 8].
(الخوف والرجاء صفتان من صفات أهل الإيمان) ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 9) [الزمر: 9].
﴿قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (الزمر: 11) [الزمر: 11] وهذا كما تقدم المقصد العظيم من مقاصد هذه السورة الكريمة.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (الزمر: 12) [الزمر: 12] يعني أول من يستبق إلى الإسلام فيكون مسارعًا في الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى.
﴿قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الزمر: 13) [الزمر: 13] وهذا فيه أن المؤمن يعلن أنه يخاف، لكنه يخاف الله، ويخاف معصية الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك العبد يصرح بذلك، وأنه لا يجترئ على محارم الله ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُۥ دِينِى﴾ (الزمر: 14) [الزمر: 14].
وهنا قال الله سبحانه وتعالى في شأن أهل النار ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ (الزمر: 16) [الزمر: 16] ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ (الزمر: 16) [الزمر: 16] قالوا هنا دخان، ولهب، وحر، ومن تحتهم دخان ولهب وحر.
بعض العلماء قالوا: الظلة تكون فوق يستظل بها الإنسان، وهنا قال: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ (الزمر: 16) [الزمر: 16] وهذا واضح، ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ (الزمر: 16) [الزمر: 16] فهذا من شديد وعيد النار أن الظلة فوق وتحت، وقال آخرون: لأن النار دركات فهي ظلة بالنسبة لمن تحتهم فيكون له ولمن تحته، والعلم عند الله.
ثم لما كان القرآن مثاني يذكر الله حال السعداء، وحال الأشقياء، وحال الأبرار، وحال الفجار وهذا من عادات القرآن اقتران الترغيب بالترهيب، والترهيب بالترغيب ذكر الله حال أهل الإيمان ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 18) [الزمر: 17، 18] نسأل الله أن نكون منهم! ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 18) [الزمر: 18] لذلك إذا قال أحد أريد أن أعرف أأنا من المهتدين أم لا؟ ما علامة الهداية؟
يقال له: إذا كنت ممن يستمع القول فيتبع أحسنه فأنت من المهتدين، يستمعون القول الأقوال المتعددة فيتبعون أحسنه وهو القرآن؛ لذلك فسر ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 18) [الزمر: 18] أي القرآن؛ ولذلك قالوا هنا: (يميزون بين الحسن والقبيح فيتبعون أحسن القول أي القرآن الكريم).
وقال بعضهم: القرآن الكريم يدعو أحيانًا إلى العدل ويدعو إلى الإحسان فيأخذ بالأعلى ويأخذ بالفضل، فيأخذ بالأعلى درجة، ومنزلة وكل القرآن أحسن، بل أحسن ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 18) [الزمر: 18] وتأمل ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 18) [الزمر: 18] وهناك في سورة ص ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29] فعود على بدء.
وبعد ذلك ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى﴾ ٱلْأَلْبَٰبِ، فالقضية قضية أولي الألباب أصحاب العقول النيرة؛ لذلك ضرب الله القصص هناك الأمثال بالقصص وضرب هنا المثل في سورة الزمر ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 29].
ثم تمضي الآيات ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 19) [الزمر: 19] هنا التقدير كما تقدم ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 19) [الزمر: 19] تتأسف عليه؟ ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 19) [الزمر: 19] تهديه؟ لا تتمكن، وجبت عليه كلمة العذاب، ولذلك قالوا هنا: من وجبت عليه كلمة العذاب؛ لاستمراره في كفره، وضلاله فلا حيلة لك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في هدايته، وتوفيقه، ثم جاء بعد ذلك استفهام آخر ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 19) [الزمر: 19] من حكم الله عليه بذلك؟
﴿لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ﴾ (الزمر: 20) [الزمر: 20] ثم ذكر الله آية من دلائل قدرته أيضًا، وعظمته ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُۥ يَنَـٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَـٰمًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 21) [الزمر: 21] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُۥ يَنَـٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَـٰمًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (الزمر: 21) [الزمر: 21] ما قال أخرج به زرعًا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: يخرج وجاء يهيج قالوا: هذا لتصوير حالته كأننا نشاهده فإننا نرى في ذلك آيات عظيمة تدل على عظيم قدرته سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات:
¯هداية التوفيق إلى الإيمان بيد الله، وليست بيد الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
هذه الفوائد (إخلاص العبادة لله شرط في قبولها) من أين أخذناه هذه الفائدة؟ من قوله: ﴿قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (الزمر: 11) [الزمر: 11].
(المعاصي من أسباب عذاب الله وغضبه) ﴿قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الزمر: 13) [الزمر: 13].
(هداية التوفيق إلى الإيمان بيد الله، وليست بيد الرسول -صلى الله عليه وسلم-) هذا من أين أخذناه؟
أخذناه من التقدير ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 19) [الزمر: 19] تهديه، لا يمكن، ولذلك هداية الدلالة والإرشاد للرسول، ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يهدون الناس، أما هداية التوفيق فلله؛ لذلك نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله الهداية هداية التوفيق، ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 272) [البقرة: 272]، ولكنه أثبت هداية الدلالة والإرشاد ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52].
خلاصة وتثبيت الفكرة
إذن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56) [القصص: 56] هداية توفيق، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [الشورى: 52] هداية دلالة.
تمضي الآيات الكريمة ويذكر الله سبحانه وتعالى أقسام الناس تقدم أن الله ذكر حال أهل الكفر، وما يؤول إليه أمرهم في النار، وذكر لنا أهل التقوى وما يكونون فيه من غرف الجنان، ثم قال: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] أيضًا هنا المقارن له محذوف مقدر يعني ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] كمن قسى قلبه عن ذكر الله، فهو مقدر، وفهم مما جاء بعده فويل للقاسية، هذا فيه إعمال العقل، حتى في اللفظ يقدر الله عز وجل شيئًا يتركه محذوفًا حتى نفكر.
يقول: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] تقول كمن ليس كذلك كمن قسا قلبه، تتعجب أن الآيات بعدها جاء أيضًا مقارب لهذا، جاء فيها ما يقارب هذا، لكن من جهة عكسية ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الزمر: 24) [الزمر: 24] المعنى هناك ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ﴾ ٱلْقِيَٰمَةِ كمن هو آمن، لكن نلاحظ أن الله قدم هنا المؤمن في الأول ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] لعل هذا والله أعلم مناسب لآخر الآيات قبلها إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ (21) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ} [الزمر:21، 22].
ولما كانت الآيات الأخرى ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [الزمر: 23] حديث عن الضلال قال: ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الزمر: 24) [الزمر: 24] وهذا من إعجاز القرآن وبديع بلاغته أن الله سبحانه وتعالى ذكر مع المهتدين ما يناسبهم وذكر مع الأشقياء ما يناسبهم فقدم هنا، وآخر هناك، وآخر هنا وقدم هناك.
﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] نسأل الله أن نكون من هؤلاء.
﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] كيف ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] هل قست القلوب من ذكر الله؟
لا، هنا تقدير؛ لذلك يتحمل والله أعلم أن قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] يتعلق بويل، فيكون المعنى فويل للقاسية من ترك ذكر الله، أو أن قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22] يتعلق بالقاسية أي ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن﴾ سماع ذكر الله، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ كَٰفِرُونَ } [التوبة: 124، 125].
إذن بعض الناس يقسو قلبه عند ذكر الله، ويشهد لهذا ما جاء بعد في السورة نفسها: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الزمر: 45) [الزمر: 45] فهؤلاء هم الذين قست قلوبهم.
ثم لما ذكر الله حال هؤلاء ذكر حال أصحاب القلوب اللينة ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [الزمر: 23].
﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [الزمر: 23] وهو القرآن ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [الزمر: 23] ما معنى متشابهًا؟
يشبه بعضه بعضًا في الصدق هكذا قالوا، والحسن، والائتلاف، وعدم الخلاف تتعدد فيه القصص والأحكام والوعد والوعيد وصفات أهل الحق وصفات أهل الباطل هذا كله حق.
إذن القرآن يشبه بعضه بعضًا، ولذلك قال أهل العلم: إن الله وصف القرآن بأنه متشابه كله في هذه الآية، فقال: متشابهًا يشبه بعضه بعضًا، وجاء وصف القرآن بأنه محكم وذلك في قوله: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1) [هود: 1] ما معنى أحكمت؟
كتاب محكم، متقن، يحوي الحكمة وجاء في سورة آل عمران: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (آل عمران: 7) [آل عمران: 7].
إذن القرآن محكم كله باعتبار الإتقان، والقرآن متشابه كله باعتبار ما يشبه بعضه بعضًا، ومحكم ومتشابه في آل عمران؟
قالوا: أي ظاهر الدلالة، وخفي الدلالة، ففي القرآن ما هو ظاهر مفهوم، وما في القرآن ما يحتاج إلى إعمال نظر هذا معنى المحكم والمتشابه في سورة آل عمران.
﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [الزمر: 23] يعني تثنى فيه المواعظ مرة بعد مرة.
﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23)
ومن الفوائد التربوية إذا كان القرآن مثاني يكرر الفوائد ويكرر المواعظ فإنَّ الداعية إلى الله لا ينبغي له أن يسأم، أو أن يمل من تكرار المواعظ، ولنا في القرآن الكريم أسوة يعني الإنسان منا أحيانًا يمل، أو يستحي من أن يكرر المعلومة ظنًا منه إذا قالها فلا تعاد، والقرآن الكريم نفسه يكرر ويؤكد على المعلومة والقصة المرة بعد المرة هذا كله يستفاد من قوله ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2)
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2) هذه هي المرحلة الأولى، ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2) تأتي الليونة ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2) لذلك في بعض المواضع ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2) [سورة الأنفال:2].وفي بعضها ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) [سورة الرعد:28].فالقلب يوجل، ويطمأن.
وهنا معنى لطيف في قوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) أن الله ذكر لين الجلود والقلوب؛ لأن الجلود علامة على الظاهر، والقلوب علامة على الباطن، وهذا معناه أن الخشوع خشوعان خشوع الظاهر، وخشوع الباطن.
إذًا ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2) أي : ظواهرهم فالظاهر يخشع، ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الزمر: 24) باطنهم؛ فاحذر أن تكون مما يخشع ظاهره، ولا يخشع باطنه ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 25)
ثم جاءت الآية التي تليها وهي آية شديدة آية تجعل القلب يتأثر بها غاية التأثر ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الزمر: 24) [الزمر: 24] كما ذكروا هنا (فأدخله النار مغلول اليدين والرجلين) دخل النار مقيدًا، فالنار تأتيه ماذا يصنع؟
الواحد فينا يدفع بيديه، أو يدفع برجليه، أو يجري سبحان الله يتقي بوجهة سبحان الله، الإنسان يتقي بيده حتى يمنع النار عن نفسه هو يتقي بوجهة فهذا شديد نسأل الله السلامة ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الزمر: 24) [الزمر: 24] يعني وجهة هو الوقاء فكيف يكون وقاءه، وربنا قال: ﴿وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29) [الكهف: 29].
﴿وَقِيلَ﴾ للظالمين: ﴿وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29) [الزمر: 24، 25] إلى آخر الآيات وفيها ضرب الأمثال ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 27) [الزمر: 27] فضل ضرب الأمثال، ثم قال: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 29] وهذا مثال للتوحيد، دعوة إلى التوحيد ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 29] والقراءة الأخرى (ورجلًا سالمًا لرجل) حينما يكون هناك رجل يخدم رجلًا واحدًا يأمره فيأتمر، وينهاه فينتهي هل هذا يتساوى مع رجل فيه شركاء متشاكسون هذا يأمره، وهذا ينهاه، كذلك العبد إذا عبد الله وحده فإنه يستريح، وأما إذا اتخذ الأنداد، والشركاء فإنَّ هذا يتلقفه، وهذا يتلقفه، وهذا الهوى يهوي به هنا، وهذا الهوى يهوي به هناك فهذا مثل الموحد، ومثل المشرك.
لذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 29] استبان الحق، وضحت الحقائق ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 29].
ثم ذكر الله الحقيقة ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 29) [الزمر: 30، 31].
v لم يترك القرآن شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا بينه؛ إما إجمالًا، أو تفصيلًا، وضرب له الأمثال.
(أهل الإيمان والتقوى هم الذين يخشعون لسماع القرآن) وهذا جاء فيه ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) [الزمر: 23] الآية، (وأهل المعاصي والخذلان هم الذين لا ينتفعون به) ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22].
(التكذيب بما جاءت به الرسل سبب نزول العذاب) في قوله: ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: 25) [الزمر: 25].
(لم يترك القرآن شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا بينه؛ إما إجمالًا، أو تفصيلًا، وضرب له الأمثال) ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 27) [الزمر: 27].
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، هذا والله أعلم.
تستمر الآيات الكريمة في بيان الفرق بين حال المؤمنين، وحال الكافرين وهذا من مقاصد سورة الزمر، فالسورة الكريمة تضمنت حديثًا كبيرًا عن أحوال المؤمنين، وأحوال الكافرين، وعن الترغيب، والترهيب، وإذا كانت الآية السابقة على هذه الآيات التي قد استمعنا إليها جاء فيها قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: 31) [الزمر: 31]، فمن هذا الاختصام بيان من سيكون في النار، ومن سيكون في الجنة، فجاء البيان {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ (33) لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر: 32 - 35].
فحينئذ تضح الأمور، وتستبين الحقائق، وهذا من الاختصام، ولعلكم تذكرون ما سبق معنا في سورة ص، وأن فيها حديثًا عن الخصومات، فهذا من التناسب بين سورة ص، وسورة الزمر.
وهنا جاء التعبير القرآني ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 32) [الزمر: 32] وهذا التعبير القرآني فمن أظلم، ومن أظلم قد تكرر في القرآن الكريم حيث جاء في ستة عشر موضعًا في القرآن الكريم في بعض الآيات يقول الله -عز وجل-: ومن أظلم، وفي بعضها: فمن أظلم.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 114) [البقرة: 114].
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: 57) [الكهف: 57].
إلى غير ذلك من آيات.
وهنا يتكلم أهل العلم؛ ليبينوا معنى الآيات التي قد ورد فيها ذلكم أن معنى أظلم، أو أن أظلم صيغة أفعل التفضيل، فقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 32) [الزمر: 32] يعني لا أحد أظلم، فالاستفهام جميعها بمعنى النفي، يعني لا أحد ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ، ولا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ﴾، ولا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾.
فحينئذ يرد الإشكال إذا كان كل من هؤلاء لا أحد أظلم منه، فهل هم متساوون في الظلم؟
يعني ربنا -سبحانه وتعالى- نوع، لم يقل: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 32) [الزمر: 32] فحسب، ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر آيات أخرى فيها أنه لا أحد أظلم ممن صنع كذا، وكذا.
فأجاب جماعة من أهل العلم وقالوا: إنه لا أحد أظلم منهم، لكنهم متساوون في الأظلمية، إذن العامل المشترك بين هؤلاء جميعهم أنهم أظلم الناس، ولا يلزم من ذلك أن بعضهم أظلم من بعض، ولكنهم متساوون في الأظلمية؛ كما أننا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ مثلًا: لا أحد أكرم من فلان، ثم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في مناسبة أخرى: لا أحد أكرم من فلان لرجل آخر؛ فنعني بذلك نفي الأكرمية عليهم؛ بمعنى لا أحد أكرم منهما، لكن لا يمنع أن يكون هذا وذاك متساويين في الكرم.
ومن أهل العلم من قال: بل كل بحسب سياقه، فيكون المعنى لا أحد أظلم مانعًا ﴿مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ﴾، ولا أحد أظلم كذبًا، وتكذيبًا ﴿مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ﴾؛ إذن كل بحسبه، كل في بابه.
ولقائل أن يقول والعلم عند الله وهذا وجه: أن الآية الكريمة نفت الأظلمية، ولم تنفِ التساوي كما تقدم، فحينئذ فلا إشكال من الأصل فلا يحتاج إلى تقدير.
ثم هناك وجه لطيف أيضًا أن هذه الأقسام كلها وصف لفريق واحد، وهم الكفار أو المشركون، فالمعنى لا أحد أظلم من الكفار، أو المشركين؛ لأنهم صنعوا كيت، وكيت، وكيت؛ لأنهم جمعوا بين الكذب على الله، والتكذيب بآيات الله، ومنع ﴿مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ﴾ إلى غير ذلك من الأوصاف.
فتكون هذه أوصافًا لفريق هم أهل الكفر، وحينئذ لا إشكال في الآية هذا حاصل ما يقال في هذه المسألة والعلم عند الله –تبارك وتعالى-.
هنا المقابلة ذكر الكاذبين والمكذبين وهما صفتان هناك فرق بين الكذب، والتكذيب، هناك من يكذب على الله؛ كمن يدعي له الولد، ولذلك قالوا هنا في التفسير: (ولا أحد أظلم ممن نسب إلى الله ما لم يليق به من الشريك، والزوجة والولد) &.
إذن هذا كذب على الله، وهناك تكذيب يكذب الله، يكذب بآيات الله، يكذب رسل الله فهناك كذب، وتكذيب، وقد قالوا: إن الكذب أخطر وأشد؛ لأنه في الأصل لا يكون إلا عن عمد، وأما التكذيب فقد يكون عن شبهة، وإن كان المقصود هنا أنهم تعمدوا أيضًا الكذب، والتكذيب.
ومن لطائف ما يذكر هنا وإن لم يكن معنا في سورة الزمر أن الله -سبحانه وتعالى- قال في صدر سورة البقرة ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) [البقرة: 10] وفيها قراءتان، ولهم عذاب أليم بما يكذِبون. ﴿بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) فأفادنا معنين ينضم أحدهما إلى الآخر، ويتكامل بهما المعنى، وهذا من جمال وكمال القراءات المتواترة.
ثم تمضي الآيات الكريمة يقول الله جل ذكره ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36] بلى، وهذا الاستفهام يقال له استفهام تقريري ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36] يعني ربنا كافٍ عبده يكفيه، ويحفظه، ويحميه ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36] وهو رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وأتباع الرسول لهم حظ من هذه الكفاية بقدر اتباعهم، فمن كان للرسول أتبع كانت الكفاية له أتم قال الله ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36].
قال هنا في معنى الآية الكريمة: (بلى إنه لكافيه) & ذكروا الجواب، مع أنَّ الجواب غير مذكور؛ لأنه معلوم؛ ولذلك هناك أسئلة ترد في القرآن الكريم، ولا سيما ما يكون من قبيل الاستفهام المجازي فيكون الجواب فيها مقدرًا في الغالب إلا لقرينة.
قالوا: (بلى إنه لكافيه، ويخوفونك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول من جهلهم وسفاهتهم من الأصنام التي يعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ أن تنالك بسوء) &.
إذن معنى ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36] أي من الأصنام؛ لأنهم خوفوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا له: يا محمد، احذر الأصنام، أنت تدعي أنها باطلة، وأنها ليست آلهة احذرةا فإنها ستؤذيك، وإنها ستضرك، فربنا يقول له: لا تشتغل بأمرهم، ولا تغتم لهم، ولا تهتم بهم فإنَّ الله كافيك.
ومن جميل ما يذكر من الفوائد هنا والعلم عند الله أن الله قدم الكفاية على ما يذكرونه من التخويف وهذا يناسبنا في الدعوة إلى الله وهو أننا حينما ندعو غيرنا ونريد أن نؤمنه فإننا نبدأ بالجانب المحبوب، ونبدأ في جانب اللطف بالرفق فنؤمن أولًا، ثم نقول لا تقلق، فالله قال: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36] ذكر لفظ الكفاية، ثم يقول له: هم يخوفونك لا تشغل بالك ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36].
لكن بعض الناس حينما يريد أن يلفت نظر أحد إلى قضية يذكر له التخويف، و، و، ثم بعد ذلك يرتاع لذلك خوفًا، ثم بعد لك يأتيه التأمين فهذا فيه أنه في باب التعليم والدعوة يقدم الإنسان الأمان، ومن هذا أيضًا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (التوبة: 43) [التوبة: 43] فقبل أن يرد العتاب عفا الله عنه، يعني الله قد عفا عنك، ثم يأتي التوجيه من الله سبحانه وتعالى.
﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36، 37] وهذا فيه تقرير وتهديد أيضًا، يعني كيف تخوفونه بالأصنام، والله هو العزيز، هو ذو انتقام، فكيف يخافها، ومعه الله سبحانه وتعالى يؤيده وينصره.
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: 38) [الزمر: 38] إذن عندهم اعتراف بربوبية الله، وبأن الله هو الخالق، ومع ذلك لم يقدهم هذا إلى توحيد الله، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ثم جاءت التتمة أيضًا.
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: 38) [الزمر: 38].
إذن فكيف أخاف، يعني هذا تأكيد لما سبق تقرير لما سبق هي لا تملك دفع ضر، ولا جلب نفع، فإذن الأمر كله بيد الله ﴿قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 39) [الزمر: 38، 39] ما دمتم مستمرين على غيكم، وعلى إعراضكم ﴿قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 39) [الزمر: 39] قال: (على الحال التي ارتضيتموها من الشرك بالله، اعملوا على طريقكم، ومنهجكم الباطل) &.
﴿قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 39) [الزمر: 39] وهو لم يقل إني عامل على مكانتي، إني عامل؛ لأن عمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مستمر، ولأن الأوامر عظيمة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- في تقدم، وفي رقي، فهم إن ثبتوا على باطلهم ينزلون إلى دركات أسفل، وأما الرسول فهو إلى تقدم -صلى الله عليه وسلم-.
﴿قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 39) [الزمر: 39] ورواية شعبة معروفة (اعملوا على مكاناتكم) يعني على الأحوال التي تسيرون عليها.
﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (الزمر: 40) [الزمر: 39، 40] هم فسروا ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (الزمر: 40) [الزمر: 40] (في الدنيا كما جرى لهم في بدر، وكما جرى لهم في المعارك التي نصر الله فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه) &.
﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (الزمر: 40) [الزمر: 40] في الآخرة.
من فوائد الآيات:
*الإقرار بتوحيد الربوبية فقط بغير توحيد الألوهية لا ينجي صاحبه من عذاب النار.
هذا بعض الفوائد من الآيات عظم خطورة الافتراء على الله هذا واضح من قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 32) [الزمر: 32].
(ثبوت حفظ الله للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يصيبه أعداؤه بسوء) وهذا من قوله: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36].
(الإقرار بتوحيد الربوبية فقط بغير توحيد الألوهية لا ينجي صاحبه من عذاب النار) لأنهم أقروا بأن الله هو الخالق ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: 38) [الزمر: 38] ومع ذلك لم ينتفعوا بذلك.
تمضي الآيات الكريمة يبين الله سبحانه وتعالى فيها أن الحجة قد قامت عليهم بإنزال هذا الكتاب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41) [الزمر: 41] وتأمل كلمة الناس، وتفكر فيها ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41) [الزمر: 41] فهذا الكتاب أنزله الله للناس، لنا مقصودون به، معنيون به، لا ينبغي لنا أن نغفل عنه كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1) [إبراهيم: 1].
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41) [الزمر: 41] الانتفاع يعود إليه، ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41) [الزمر: 41] قالوا: (ولست عليهم موكلًا لتجبرهم على الهداية)& يعني الرسول صلى الله ليس مسؤولًا عن ذلك فهو لا يحفظ أعمالهم، أو يحاسبهم عليها كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66) [الغاشية: 21، 22] وكما قال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66) [الأنعام: 66] وقال أيضًا سبحانه وتعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق: 45) [ق: 45].
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس مسؤولًا عن هذا، ﴿أَنَّمَا﴾ هو مسؤول عن التبليغ صلوات الله وتسليماته عليه، والله يحفظه فيما يبلغه كما مضى في قوله: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) [الزمر: 36].
فورد علينا إيراد، كيف هذا، وقد ابتلي الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإيذاء بعض الناس، بإيذاء قومه كما وقع له في أحد مثلًا مما وقع له شج رأسه، وكسرت رباعيته -صلى الله عليه وسلم- إلى غير ذلك فيقال: هذا ضرر محتمل، لكنهم لا يسلطون عليه حتى يقتلوه، فلم يتمكن أحد من ذلك، فهذا هو المنفي في الآيات، يعني لا يقدر أحد على إزهاق روحك، وعلى قتلك هذا من جهة، ثم الأمر الآخر إن هذا مما تداعت له الأسباب، وكان هذا من بعض المشركين، وليس من الأصنام، والمنفي هنا وقوع الضرر في الآلهة المزعومة فإنَّ الله سبحانه وتعالى ناصر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، لكن قد يتعرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبعض الأذى؛ حتى تتعلم الأمة كيف صبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هذا الأذى؛ ولذلك بعضهم ذكر في الشاة المسمومة التي أكل منها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشعر بها قرب وفاته مع مضي سنوات على ذلك؛ حتى إن بعض العلماء قال: أراد الله أن يجمع للرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أجر النبوة، وأجر الشهادة مع أنه لم يقتل منها -صلى الله عليه وسلم-، أو لم يمت منها وقت أكلها -صلى الله عليه وسلم- إذ كان هذا في خيبر، وقد توفي بعدها بسنوات -صلى الله عليه وسلم-.
ثم تمضي الآيات ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42) [الزمر: 42].
﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42) [الزمر: 42] جاءت بعض الآيات التي فيها ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: 11) [السجدة: 11] وجاءت أيضًا ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: 61) [الأنعام: 61] وهذا لا تعارض فيه، ولا تعارض بينه، فالمتوفي على الحقيقة هو الله، هو خالق النفوس، وهو القادر على إزهاقها، وهو المقدر أمرها، لكنه سبحانه وتعالى قد جعل هناك ملك الموت موكلًا بهذا الأمر وهو قبض الأرواح وهو أعوان فإذا أضيف التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه رسول ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الله سبحانه وتعالى، مأذون له في ذلك، وحينئذ لا إشكال بين هذه الآيات.
﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42) [الزمر: 42].
وهذا فيه أن النوم موتة، لكنها الموتة الصغرى، وقد جاء في سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على أن النوم يقال له موتة، أو وفاة صغرى؛ ولذلك المطلوب منكم أن تأتوا لنا ببعض الأدلة من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي تدل على هذا المعنى.
قال: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42) [الزمر: 42] يعني إلى أن يأتي أجلها وهو الموت الحقيقي الذي هو ذهاب الروح، وإزهاق النفس، أو ذهابها إلى بارئها لتنتقل من الدنيا إلى مرحلة أخرى مرحلة البرزخ.
﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42) [الزمر: 42] وهذه آيات عظيمة حينما نرى الإنسان ينام فلا يدرك شيئًا، ولا يعرف شيئًا، ثم يستيقظ فيعود إلى هذه الحياة وهو مدرك لما حوله وقد كان في النوم لا يعي مثل ذلك.
﴿أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (الزمر: 43) [الزمر: 43] تأملوا يا أيها الإخوة الكرام، تقدم معنا أن سورة الزمر من مقاصدها العظيمة إبطال مزاعم المشركين بوجود الوثائق، أو الشفعاء عند الله سبحانه وتعالى، لذلك جاء هنا ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (الزمر: 43) [الزمر: 43] لم هذه الشفاعات؟
﴿أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (الزمر: 43) [الزمر: 43] الأصنام لا تعقل، فكيف تشفع، هي لا تفهم معنى الشفاعة فضلًا على أن تكون شافعة، أو أن تشفع عند الله سبحانه وتعالى، ثم جاء الحكم العام.
﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: 44) [الزمر: 44] أي لله سبحانه وتعالى ملك الشفاعة جميعًا، فالله هو مالكها وهو المتصرف فيها يأذن لمن يشاء، ويمنع ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾.
وقد فهم بعض الناس هذه الآية خطأ فقالوا: إن الآية تدل على نفي الشفاعة بإطلاق، وهذا خطأ؛ لأنه يقال: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: 44) [الزمر: 44] أي هو مالك الشفاعة، لكنه يأذن لمن يشاء ففي مثل قوله: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ (البقرة: 255) [البقرة: 255] هذا لا يتعارض مع قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: 44) [الزمر: 44] لأن من شفع بإذن من مالكها وهو الله سبحانه وتعالى وتكون الشفاعة المقبولة هي الشفاعة الشرعية الشفاعة إلى الله سبحانه وتعالى لمن أذن الله سبحانه وتعالى له، ورضي عنه، ورضي عن المشفوع فيه؛ كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا﴾ (طه: 109) [طه: 109].
أو يقال: الشفاعة المنفية هي شفاعة أهل الشرك، الشفاعة الباطلة القائمة على اتخاذ الأنداد، أو الوسائط بين العبد وبين الرب سبحانه وتعالى.
﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: 44) [الزمر: 44، 45].
وهذا أمر خطير أن يشمئز القلب عند ذكر الله؛ ولذلك مضى معنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: 22) [الزمر: 22].
﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الزمر: 45) [الزمر: 45] ولا أدري بما يستبشرون؟ يستبشرون بهذا الصنم الذي لا ينفع، ولا يضر هذا من الخلل، والخبل.
﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: 46) [الزمر: 46] دعك منهم، توجه أنت إلى ربك، وقل: يا رسول الله، وليقل المؤمنون معك ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: 46) [الزمر: 46].
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا؛ ولذلك ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في قيام الليل كان إذا استفتح صلاته من الليل قال هذا كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- كان يقول: H0.
فكان يقول هذا، بل أيضًا جاء في حديث أبي هريرة عند بعض أهل السنن حينما سأل أبو بكر الصديق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماذا أقول إذا أصبحت، وإذا أمسيت؟ فقال له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: H1 أو H2 ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك.
إذن هذا مما نتعلمه من الآية؛ ولذلك نقول: هذا من تطبيق الرسول -صلى الله عليه وسلم- للقرآن يعني ربنا قال: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: 46) [الزمر: 46] وقد قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيكون هذا من التفسير العملي للرسول -صلى الله عليه وسلم- لما ورد في القرآن الكريم.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الزمر: 47] وهيهات فهذا فداء لا ينفعهم لو كان لهم، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الزمر: 47].
وهذا الجزء من الآية جزء خطير، وعظيم، قال هنا أهل التفسير: (وظهر لهم من الله من صنوف العذاب ما لم يكونوا يتوقعونه) & ولذلك العلماء في التفسير قالوا في الآية: ظن بعضهم أن الله سيكافئه، ويعطيه حسنات، ولم يجد تلك الحسنات هذا من معاني الآية.
ظن أن له حسنات عند الله وأن له منزلة عند الله، وأن له كرامة ودرجات فلم يجد ذلك؛ ولذلك سفيان الثوري قرأ الآية وقال: "ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء!".
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الزمر: 47] ظن هو أنه عند الله بمنزلة، وعند الله بمكانة، لكنه لم ينل ذلك عند الله سبحانه وتعالى بسبب رياءه، وعدم إخلاصه.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الكهف: 103، 104].
وأيضًا ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الزمر: 47] كانوا يتوقعون أن الله سيتوب عليهم، سيغفر لهم، ويدخلهم الجنة فإذا بهم يعاقبون نسأل الله السلامة؛ ولذلك ذكروا في ترجمة محمد بن المنكدر ذكر ذلك الذهبي في السير وكذا غيره كابن الجوزي في H0 أن محمد بن المنكدر -رحمه الله تعالى- مرضًا شديدًا فأراد أهله أن ينظروا من يعوده، ومن يكلمه في هذا إذ غشي عليه، وصار متأثرًا غاية التأثر فأرسلوا إلى أبي حازم صديقه، فدخل عليه، ما بك، ما بك؟
قال: آية من كتاب الله سبحانه وتعالى حينما قرأها مرض، وأصيب بما أصيب به، قال: ما تلك الآية؟ فقرأ الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الزمر: 47] فمرض وبكى إلى جواره.
فقالوا له: جئنا بك لتداويه، فهيجته على البكاء أيضًا، فقالوا: إن محمد بن المنكدر قبل وفاته تذكر الآية وكان يخشى منها غاية الخوف، فنسأل الله سبحانه ممن صدقوا في أقوالهم، وأعمالهم، وممن يجدون عند الله المنازل العظيمة، والثواب الجزيل، والله شكور، غفور، وهذا ما نطمع فيه أن الله تعالى يُعطى على العمل القلب الثواب الجزيل الكبير وهو الكريم سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات:
*يتمنى الكافر يوم القيامة افتداء نفسه بكل ما يملك مع بخله في الدنيا، ولن يقبل منه.
(النوم والاستيقاظ درسان يوميان للتعريف بالموت والبعث) هذا صحيح؛ ولذلك في سورة النبأ والله سبحانه وتعالى يعدد آيات البعث، وآيات القدرة قال: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (النبأ: 9) [النبأ: 9] فالنوم يذكر بالموت.
كذلك قالوا هنا إذا ذكر الله وحده عند الكفار أصابهم ضيق، وهم، وهذا من قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الزمر: 45) [الزمر: 45].
(يتمنى الكافر يوم القيامة افتداء نفسه) هذا دلت عليه آيات كثيرة، والمراد بها هنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47) [الزمر: 47].
ومن فوائد الآيات التحذير من الرياء، وعدم الاغترار بالعمل، ولذلك قالوا: إن محمد بن المنكدر كما قلت قرب وفاته كان يحذر من هذه الآية مع أهم كانوا يقولون له أنت، ومن مثلك؟ يعني ومن مثلك في العبادة، ومن مثلك في العلم، ومن مثلك في الورع، لكنه ما كان يغتر بذلك -رحمه الله تعالى-.
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الزمر: 48) [الزمر: 48، 49].
تجدون أن الآية قريبة من الآية السابقة في سورة الزمر أيضًا ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ (الزمر: 8) [الزمر: 8].
وهكذا تجد في سور القرآن الكريم يقرر الله قاعدة، أو أمرًا، ثم بعد فترة من الآيات، بعد مدة من الآيات يعود على ما قرره سابقًا، لكن بطريقة أخرى؛ لتتلاءم المعاني وتتوافق وتكتمل فهنا جيء بهذا من أجل أمر آخر وهو: بيان أن هذه ليست نعمة في الحقيقة، وإنما هي نقمة واستدراج فإذا أنعم الله على الكافر بنعمة وهذا الكافر لا يشكر الله عليها فهي في الحقيقة استدراج له حتى يزداد في غيه؛ ولذلك رب العزة سبحانه وتعالى قد بين أن هؤلاء ﴿أَنَّمَا﴾ يملى لهم ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (الأعراف: 183) [الأعراف: 183].
فقال: ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ (الأعراف: 183) [الأعراف: 182، 183].
وقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) [آل عمران: 178].
قال هنا: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 49) [الزمر: 49] يعني أعطاني الله ذلك لعلمه بأني أستحقه يعني يظن أن الله سبحانه وتعالى يفضله على غيره مع أنه لم يعطِ الله حقًا، مع أنه لم يشكر الله سبحانه وتعالى وهذا من غبائه، أنت لم تشكر الله، ومع ذلك تقول: الله يعلم أنني أستحق فيعطيني ويتمادى في كفره هذا أحد المعنين في قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 49) [الزمر: 49].
والمعنى الثاني: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 49) [الزمر: 49] يعني على خبرة مني بمواضع الكسب أنا عندي ذكاء، وعندي فطنة كما قال قارون ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص: 78) [القصص: 78] يعني لم يلتفت إلى فضل الله، ولا إلى إحسان الله، ﴿أَنَّمَا﴾ يرى أنه اجتهد ووصل إلى ما يريد، ولم ينسب الفضل إلى الله سبحانه وتعالى.
إذن في الآية معنيان:
والفارق الواضح بين نعمة يعطيها الله عز وجل للمؤمن، وأخرى يعطيها للكافر والعاصي فإذا كنت مقيمًا على طاعة الله، ومن الله عز وجل عليك بنعمة فأبشر فهذا من عاجل بشرى المؤمن وهذا من تيسير الله لك، ومن إكرام الله لك، وأما إذا كان العبد متماديًا في المعصية، أو كان كافرًا بالله العظيم، وأنعم عليه فإنَّ هذا في حقيقة الأمر ليس نعمة، وإنما هو بلية، وإنما هو استدراج وهذا ما يسميه أهل العلم بفتح الاستدراج وهو الذي جاء في قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:44، 45].
وقد H1.
ولذلك الإنسان أدرى بحاله إذا وجدت أنك في طاعة، والله منّ عليك برزق، من عليك بعافية، من عليك بزوال كربة فهذا من الخير، أما إذا كنت تتمادى في المعاصي والله يعطيك، والله يعطيك إذن خف على نفسك، فهذا من الاستدراج، وما يدريك لعلك تؤخذ بغتة، نسأل الله السلامة والعافية!
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)