مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة غافر

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 29 من 103 · 2 ساعة و12 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذا لقاء من لقاءات التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة غافر.

التعريف بالسورة

(سورة غافر مكية)& ولا خلاف فيه، معنى أنها مكية كما تقدم أنها قضية التوحيد، والرسالة، والبعث ظاهرة في السورة الكريمة.

قال هنا من مقاصد السورة بيان حال المجادلين في آيات الله، والرد عليهم، أنت حينما تتأمل السورة وهذا مما يجعلك تتعرف أيضًا على مقاصد السورة، وتلاحظون أننا في كل مرة ونحن نتكلم عن مقاصد السورة نذكر بعض الأشياء التي يدرك بها مقصود السورة.

فمما يدرك به مقصود السورة تكرار كلمة بعينها في السورة بحيث إنها تكون بارزة ظاهرة فتجد أن كلمة الجدال تكررت في السورة في أولها، وفي وسطها تتكرر مرارًا هذه السورة ﴿مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ (غافر: 4) [غافر: 4] ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56) [غافر: 56] في أواخر السورة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ﴾ (غافر: 69) [غافر: 69].

الحديث عن الجدال بما لا تجده في غيرها من سور القرآن إذن إذا كانت سورة ص تتحدث عن الخصومات بين أهل الحق وأهل الباطل وسورة الزمر فيها الاحتجاج على أهل الباطل والرد على الشبهات من الوساطات والشفعاء، والأنداد لله فتأتي سورة غافر أيضًا لتبين أن هناك جدالًا يجري بين أهل الحق وبين أهل الباطل، جدال في إثبات الرسالات، في توحيد الله، وما إلى ذلك.

ولذلك هناك فريقان، فريق ﴿يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾، وفريق يجادل عن آيات الله، فريق يجادل في الآيات، وفريق يجادل عن الآيات، وجاء مثله ظاهرًا جدًا في قصة موسى، وفي قصة المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه كما سيأتي بإذن الله تعالى.

هذا من مقاصد السورة، ولا يمنع أن السورة أيضًا دعوة إلى الإخلاص، والتوحيد فهي قريبة من مقاصد الزمر، لكن هناك كثر فيها ذكر الردود على شبهات أولئك المشركين فيما يتعلق في باب الوساطات، وجاء هنا الرد على شبهاتهم من جهات أخرى من إنكار النبوات، والنظر في عواقب الأمم، والسير في الأرض للاعتبار، والاتعاظ.

وفي سورة الزمر جاء ترغيب، وترهيب وهنا جاء أيضًا ترغيب وترهيب، فالسورتان بينهما تعانق، وتناسب ونسق.

مقاصد السورة

من مقاصد السورة أيضًا هنا بيان أهمية الدعوة إلى الله، وأهمية تفويض الأمر لله، فإذا كانت سورة الزمر قد عالجت هذا أيضًا ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ﴾، فقد جاءت سورة غافر؛ لتقرر هذا في قول هذا الرجل المؤمن ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 44) [غافر: 44].

ولذلك جاءت قصة الدعوة ﴿وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ (غافر: 41) [غافر: 41] وكأن الله يأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يستمر في دعوته.

ففي سورة يس ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: 3) [يس: 3] وفي سورة ص إشارة إلى الخصومات، وكيف يرد عليهم، وفي سورة الزمر كذلك رد على بعض الشبهات، وتأتي سورة غافر لتبين أهمية الدعوة، وكيف يكون الجدال الحق، وكيف يرد على شبهات المنكرين، وفي كل ذلك ترهيب، وترهيب.

هذه أولى السور بحسب الترتيب المصحفي التي تأتي فيها كلمة حم، ثم تتابع حم فيما سيأتي بإذن الله تعالى من سور، وهي لا تخرج عن كونها من الحروف المقطعة التي تقدم الكلام عنها في سورة يس بالنسبة لنا في القراءة، وكذلك في سورة ص، والعلماء يذكرونها غالبًا في أول سورة البقرة من أنها حروف نعرفها، ولكننا لا نستطيع الإتيان بمثل القرآن الكريم على ما تقدم بيانه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

تحليل مقارن وربط بين السور

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿حمٓ﴾ (غافر: 1) [غافر: 1، 2] هنا أيضًا لفتة أحب لفت الانتباه إليها، أو لفت الأنظار إليها أن هناك مناسبة بين ما يذكره الله سبحانه وتعالى من أوصاف له عز وجل، أو لكتابه في صدر السور، وما تتضمنه السورة الكريمة.

فمثلًا نجد في سورة الزمر ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الزمر: 1) [الزمر: 1] إذن السورة تدور حول العزة والحكمة، وفي سورة غافر ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (غافر: 2) [غافر: 2] ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (فصلت: 2) [فصلت: 2] وهكذا، وهذا باب عظيم.

أن يتأمل الإنسان الأوصاف والأسماء الحسنى التي ذكرها الله في صدر السور، وما سر تخصيص هذه السور بهذه الأسماء دون غيرها في هذا الموضع، وما مناسبتها لبقية موضوعات السورة، وما تتضمنه السورة، وهذا كما قلت يقوله الإنسان، ولكن عند التأمل يتعب فيه كثيرًا، وقد يعيش وقتًا طويلًا، ودهورًا متتابعة حتى يفتح الله عز وجل له ما يفتح، وأحيانًا يكون الشيء ظاهرًا، وأحيانًا يكون خفيًا، ومثل ذلك أوصاف القرآن فمثلًا في أول سورة يس كما تقدم ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (يس: 2) [يس: 2] سر ذكر الحكيم كوصف للقرآن بخلاف ﴿قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ (ق: 1) [ق: 1] وهكذا.

فهنا قال ﴿مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ إذن الآيات ستتحدث عن مواضع العزة؛ ولذلك كثر فيها هلاك الأقوام المكذبة، وهذا كله من عزة الله، وفيه أيضًا إظهار معاني العلم أن الله عليم بما في الصدور، ويعلم أفكارهم، وكيف تهدم شبهاتهم، ولذلك جاء ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ (غافر: 19) [غافر: 19] وسنقف عندها وقفة بإذن الله تعالى في سر التعبير بقوله: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ (غافر: 19) [غافر: 19] فهذا مما ينظر ويحتاج إلى مزيد تأمل.

وأيضًا ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] دليل واضح على أن السورة تقوم على الترغيب، والترهيب، وهنا بدأ بالترغيب ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3].

وهنا لفتة ما وجه الاقتران ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] لم يكتفَ بأحدهما؟

قال أحدهم: غافر الذنب حتى وإن لم يتب؛ لأن الله قد يغفر الذنب للعبد، وإن لم يتب قد علمنا أن من مات ولم يشرك بالله شيئًا فأمره مفوض إلى الله إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عاقبه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، لكن وقابل التوب هذا لمن تاب.

خلاصة وتثبيت الفكرة

إذن ربنا يغفر الذنب لمن شاء، ويقبل التوبة لمن تاب فجمع بين الوصفين هذا من جهة، وكأنه بدأ بـ ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3]؛ لأنه أوسع دائرة من حيث إنه لا يشترط فيه التوبة، أو من باب إنه في باب التخلية، ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] الرجوع إلى الله، وهذا جانب الطاعة، وأيضًا فيه لفتة أخرى والله أعلم أن ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] فيه إشارة أنه يتقبل عملًا صالحًا، ففيه أنه يغفر الذنب، وأن التوبة طاعة، فالتائب يغفر ذنبه ويؤجر على توبته، وهذا معنى لطيف في التوبة، يعني العبد حينما يتوب يثاب على التوبة؛ لأن التوبة عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، لذلك قال: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] لأنه عبادة عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.

﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] هذا جمع بين الترغيب، والترهيب كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ (الحجر: 49–50) فهذا من النظائر القرآنية.

﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] هنا فسَّروه قالوا: (ذي الإحسان والتفضل) & وهذا من معاني الطول، وبعضهم يقول: ذي القدرة، فيكون ذي الإحسان، والتفضل وذي القدرة؛ ولذلك لم يقل ذي الانتقام كما ظن بعضهم أن الطول معناه الانتقال أوسع دائرة القدرة بالتفضل والإحسان، وكل ذلك من معاني ذي الطول.

﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3] ثم جاء المقصود العظيم في السورة ﴿مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ (غافر: 4) [غافر: 4] لماذا يجادلون؟

وبعد ذلك سيأتي في الآيات ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ (غافر: 13) [غافر: 13] يعني في مقابلة الجدال هناك من يتذكر فلا يجادل ﴿أَنَّمَا﴾ يجادل عن آيات الله، لا في آيات الله.

أيضًا في الآية التي بعدها وقفة تحتاج إلى استيعاب أيضًا، وإلى تأمل ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (غافر: 5) [غافر: 5] ما قال ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ﴾ ليقتلوه مثلًا ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ليأخذوه، ولذلك جاء هنا في التفسير: (وهمت كل أمة من الأمم برسولها لتأخذه فتقتله)&، لكن التعبير القرآني جاء ليأخذوه بأي طريق؛ سواء كان بالقتل، بأي طريق من الطرق التي يريدون القضاء بها على هذا الرسول، أو النبي، لكن الأعجب من هذا العقاب.

قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (غافر: 5) [غافر: 5] لم يقل فأهلكتهم، مش هم يريدون أخذ الرسول، لا، أخذهم الله، هذا فيه أن الجزاء من جنس العمل يعني قال: ليأخذوه فأخذتهم، هذا فيه أن الجزاء من جنس العمل، ولذلك تأمل بعدها ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (غافر: 5) [غافر: 5] لم يقل: فماذا كان عقابي، لا، فكيف كان عقاب، فرق بين أن تعرف عقاب الله، وأن تعرف كيف كان عقاب الله مناسبًا لما ارتكبه الأقوام، ولذلك من بديع ما يتأمل في القرآن الكريم، ومن مواضع الاعتبار في القصص القرآني في هلاك الأمم المكذبة لا أن نعرف أن الله أهلكهم فحسب، ولكن أن نعرف كيف أهلكهم الله، وما وجه المناسبة بين ذنبهم، أو ذنوبهم، وبين إهلاك الله لهم يعني في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ﴾ (القصص: 81) [القصص: 81] هذا ما علاقته بذنب التكبر الذي كان عليه مثلًا، ﴿فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ (الحجر: 74) [الحجر: 74].

انتكست فطرهم، وقلبوا الحقيقة، قلبوا الأمر ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 165) [الشعراء: 165] إذن كان الجزاء ﴿فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ (الحجر: 74) [الحجر: 74] وهذا باب أيضًا فسيح وواسع في تدبر قصص القرآن الكريم.

ثم تمضي الآيات الكريمة وفيها أيضًا قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] هذا يذكرنا بآخر سورة الزمر وهذا من المناسبات هناك ﴿وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) [الزمر: 75].

﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] تقدم أن التسبيح فيه تذكر لجلال الله، وأن الحمد فيه تذكر لكمال الله، فالله ذو الجلال، والإكرام.

﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] هنا أيضًا لفتة يؤمنون به معروف أن الملائكة يؤمنون بالله، بل حملة العرش، فما بالك بحملة العرش، لكن قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] قال بعض العلماء؛ لأن الإيمان مشترك لهم بينهم، وبين المؤمنين فكأن الله ذكر ويؤمنون به؛ ليبين العلاقة بين الملائكة بين حملة العرش، وبين المؤمنين في الدنيا يعني لماذا؟

قام حملة العرش بالاستغفار لكم؛ لأنهم مؤمنون، وأنتم مؤمنون، فأنتم وإن اختلفت أجناسكم تتفقون في الإيمان هذا معنى، وبعض العلماء ذكر معنى آخر ويحتاج إلى تدقيق نظر والعلم عند الله، لكن قاله بعضهم قالوا: هذا فيه أنهم ليس هناك ما يدل على أنهم يرون الله عز وجل، ﴿أَنَّمَا﴾ هو بالنسبة لهم غيب، وإن كانوا حملة العرش، والعلم عند الله، لكن قد قال بذلك عدد من أهل العلم، ﴿وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ﴾ قدير، وهذا استفادوه من الآية، لكن لا أعلمه صريحًا من أدلة أخرى.

قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] إذن هذا فيه أن المؤمن يستغفر للمؤمن، فيه أن المؤمن يحب أخاه، وينصح له، ويدعو له، وإن اختلف جنسه، وإن اختلف صنفه، إن اختلف بلده، وإن اختلف زمنه؛ ولذلك ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10) [الحشر: 10].

فالإيمان دافع للمحبة، وللدعاء للصالحين.

تأمل هنا ماذا قالوا في المختصر؟ قالوا: (قائلين في دعائهم)& لم تأتِ كلمة قالوا، لكن هذا مفهوم، لأن ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] هذا قول، ومر معنا التنبيه على هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] تأمل قدموا الرحمة على العلم ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7].

﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7] منهجك، ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7) [غافر: 7].

من فوائد الآيات:

¯كرامة المؤمن عند الله حيث سخر له الملائكة يستغفرون له.

(الجمع بين الترغيب في رحمة الله، والترهيب) وهذا واضح ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3) [غافر: 3].

(الثناء على الله بتوحيده) كما جرى من الملائكة.

(كرامة المؤمن عند الله حيث سخر له الملائكة يستغفرون له) إي والله، شرف عظيم كرامة يعني أنت تنام، والملائكة تستغفر لك قد يكون الإنسان نائمًا على فراشه، ولا يدري، لا يعرف شيئًا مما يجري حوله، والملائكة تستغفر له هذا من إكرام الله سبحانه وتعالى.

لذلك هذا مما يجعلنا نحب الملائكة، ونتقرب إلى الله بالإيمان به، وبحبهم.

﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (غافر: 8) [غافر: 8] هذا من تتمة دعاء الملائكة لأهل الإيمان يقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (غافر: 8) [غافر: 8] هذا من كريم دعائهم أنهم يدعون لأهل الإيمان، ولمن صلح من الآباء، والأزواج، والذريات، وهذا فيه أن المؤمن ينتفع به أقاربه إذا كانوا صالحين معهم الأصل، معهم الإسلام.

وقد دل على ذلك أيضًا قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ ۚ كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: 21) [الطور: 21] ولذلك من فضل الله أن العبد قد يرفع إليه بعض أقاربه؛ لتقر به عينه؛ فيكون هذا من فضل وجود الصالح بين الأهل، أو بين الأقارب.

ولذلك إذا وجدت في أولادك، أو وجدت في أقاربك من هو على الصلاح، وممن هو أعلى منك في باب التقوى، والصلاح فأحبه، وأكرمه، وتقرب إليه فإنَّ هذا خير، وإن هذا صلاح، وعساك أن تنتفع به!

قال الله: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (غافر: 9) [غافر: 9] أيضًا هذا من دعائهم ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (غافر: 9) [غافر: 9] هذا شأن أهل الإيمان.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (غافر: 10) [غافر: 10] يمقتون أنفسهم يوم القيامة إذا أدخلوا النار، يمقت نفسه، يبغض نفسه سبحان الله، يبغض نفسه؛ لأن نفسه هي التي أهلكته، H0 فهو يكره نفسه، ويمقت نفسه، فيقال له: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (غافر: 10) [غافر: 10] فبغض الله لكم أعظم من شدة بغضكم لأنفسكم حين كنتم تدعون في الدنيا قال بعض العلماء: أي بغضه لكم في الدنيا حينما كنتم على الكفر، أو في الآخرة على أقوال لأهل التفسير.

ثم تمضي الآيات ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ (غافر: 11) [غافر: 11] وهذا يفسره ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) [البقرة: 28].

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) [البقرة: 28] هذا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تنفخ فيكم الروح، ثم بعد ذلك وجدتم في الحياة فصرتم أحياء، ثم يأتي الموت، ثم يكون البعث.

قال: ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ (غافر: 11) [غافر: 11] هذا على سبيل التمني.

﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12) [غافر: 12] أيضًا هنا من اللفتات ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12) [غافر: 12] جاء بـ إذا؛ لأن إذا تكون مع المتحقق، والكثير.

﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12) [غافر: 12] إن تكون مع النادر الوقوع، القليل؛ كأن الله يقول الأصل أن الله هو الذي يدعى، ومع ذلك يقع منكم الكفر، والشرك وهو شاذ لا ينبغي أن يقع، ومع ذلك تقبلون عليه ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12) [غافر: 12].

ثم تمضي الآيات يقول الله فيها ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ (غافر: 13) [غافر: 13] وهذا كما قلت يقابل ﴿مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ (غافر: 4) [غافر: 4] أما أهل الإيمان فإنهم أنابوا وتذكروا.

﴿فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 14) [غافر: 14] تأملوا هنا سبحان الله ﴿فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (غافر: 14) [غافر: 14] لماذا يكرهون يعني يتصور أنهم يكرهون ما يقع من أمور أخرى كما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال: 7–8) فالمجرمون يكرهون إحقاق الحق، وإبطال الباطل هذا واضح.

أيضًا ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33) [التوبة: 33] هذا واضح، لكن في الدعاء إذا أخلصنا لماذا يكرهون، والإنسان يدعو كيفما يشاء كل يدعو إلهه، ويدعو كذا؟

هذا يدل على بغضهم لأهل الإيمان، وأنهم إذا رأوا أهل الإيمان يجتمعون، أو يدعون الله مخلصين فإنهم يعلمون أن النصر آتٍ فحينئذ تبدو الكراهة منهم، ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.

ثم جاء الآيات بعد ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ﴾ (غافر: 15) [غافر: 15] ما معنى رفيع؟

قال بعضهم: يعني رفيع درجاته دلالة على عظمته، ومجده يعني رفيع عظمته، أو أن معنى رفيع رافع يعني رافع درجات ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ كما قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 83) [الأنعام: 83] فهو رفع السموات والأرض ورفع عباده فوق آخرين، ويرفع قومًا فيعطيهم رزقًا لا يعطيه لغيرهم كل هذا من المعاني.

﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ﴾ (غافر: 15) [غافر: 15] وتأمل يلقي يوم التلاق يعني يلقي في الدنيا، فمن أعرض عن هذا التلقي بالوحي فهناك يوم التلاقي وهو يوم القيامة.

﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16) [غافر: 16] وهذا فيه تقرير، وفيه تبكيت، وتخذيل لأهل الكفر فيأتي الجواب: ﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16) [غافر: 16].

من فوائد الآيات:

¯محل قبول التوبة في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.

¯نفع الموعظة خاص بالمنيبين إلى ربهم.

¯استقامة المؤمن لا تؤثر فيها مواقف الكفار الرافضة لدينه.

¯خضوع الجبابرة والظلمة من الملوك لله يوم القيامة.

(محل قبول التوبة في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾) نعم، لأن التوبة ﴿أَنَّمَا﴾ تقبل في الدنيا، أما بعد الموت فلا قبول للتوبة، ولا فائدة منها.

(نفع الموعظة خاص بالمنيبين إلى ربهم) وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ (غافر: 13) [غافر: 13].

(خضوع الجبابرة والظلمة من الملوك لله يوم القيامة) ﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16) [غافر: 16].

﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16) [غافر: 17، 18].

والمراد بالآزفة: يوم القيامة، وذلك لأنَّها قريبة، وكل ما هو آتِ فهو قريب، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1) [القمر: 1] بل قال: ﴿أَزِفَتِ ٱلْـَٔازِفَةُ﴾ (النجم: 57) [النجم: 57] فهي آزفة، ومع ذلك ﴿أَزِفَتِ ٱلْـَٔازِفَةُ﴾ (النجم: 57) [النجم: 57] فهي قريبة.

ولذلك قال الله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ (المعارج: 6–7) لذلك المؤمن في وجل، وخوف من الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18].

قال هنا: (ذلك اليوم تكون القلوب من شدة هولها مرتفعة حتى تصل إلى حناجر أصحابها)& هذا معنى ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18] يعني ﴿تَكَادُ﴾ تصل القلوب إلى الحناجر فلا هي بالتي تخرج فيستريح صاحبها، ولا هي بالتي تعود إلى مكانها وهذا من شدة خوفها وهلعها.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18] هذا فيه نفي الشفاعة عن أهل الكفر، لكن ليس فيه أن كل شفاعة مرفوضة؛ لذلك الآية خاصة بأهل الكفر ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18].

والظالمون هنا المشركون ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18] ليس لهم شفيع أصلًا، لكن قال: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18] يعني لو فرض أن لهم شفيعًا فإنه لا يطاع.

ثم قال: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ (غافر: 19) [غافر: 19] حديثًا مرة أخرى عن الله سبحانه وتعالى، وعن بعض صفاته تأملوا ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (غافر: 2) [غافر: 2] ما سبق من دلائل عزته، وهنا من دلائل علمه.

﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ (غافر: 19) [غافر: 19] قال: (الله يعلم ما تختلسه أعين الناظرين خفية) إذا اختلست بعينيك نظرة، فالله يعلم تلك الخائنة.

ذكر كثير من المفسرين يدخل في هذا المعنى إذا مرت امرأة على قوم جالسين فاختلس ناظر إليها نظرة، فلما نظر إليه أصحابه التفت عنها، ولم يبن، ولم يظهر أنه كان ينظر إليها، فالله يعلم تلك الخائنة ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ (غافر: 19) [غافر: 19].

وهذا عجيب في التعبير، لم يقل ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا﴾ في الصدور، لا، يعني هناك ما في الصدر فالله يعلمه، لكن الصدر نفسه يريد أن يخفيه، فالله يعلمه؛ لذلك جاء ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ ما يريد الصدر أن يخفيه، ويسعى في إخفائه، فالله أيضًا يعلمه.

ثم قال: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر: 20] ولم يقل، ويقضي بالحق عطفًا عليها، لكن جاء بالله، ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 20) [غافر: 20] لأن الجدال يحتاج إلى مَن يقضي فيه وهو سبحانه وتعالى القاضي الحق﴿وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (غافر: 20) [غافر: 20].

أيضًا في قوله سبحانه وتعالى بعد ذلك ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] تأمل كيف كان ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] للتوغل في الماضي يعني انظروا في الماضي إلى أبعد ما يكون، فكلما نظرتم وجدتم العبرة، والعظات.

ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] هنا تقدير، هنا قال: (أولم يسر هؤلاء المشركون) إلى آخره (وأثروا في الأرض بالبناء ما لم يؤثر فيه هؤلاء فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم) عرفنا من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] أي فأذنبوا ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21].

لأن الله لا يؤاخذهم من أجل أنهم أقوياء فقط، ولا من أجل أن لهم آثارًا في الأرض، وإنما من أجل كفرهم.

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] وجاء التعبير ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] ليدل على تنوع العقاب، وهذا مناسب لما جاء في أول السورة.

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] وهذا تعبير بليغ غاية في البلاغة ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] يعني ما ينبغي لأحد أن يقي أحدًا من عذاب الله؛ لأنه الله، فيقول: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] يعني كيف يكون لهم من الله واق؟ لا يمكن؛ لذلك جاء ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21] يعني ما صح، لا يمكن أن يقع هذا.

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (غافر: 22) [غافر: 22] تأمل ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (غافر: 22) [غافر: 22] كم تكررت فأخذهم الله، فأخذهم، وفي أول السورة ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (غافر: 5) [غافر: 5] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (غافر: 5) [غافر: 5] وهكذا.

ثم تمضي الآيات الكريمة قالوا هنا: (ولما واجه -صلى الله عليه وسلم

﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 24) [غافر: 23، 24] تأملوا ماذا قال المفسرون هنا: (فقالوا موسى ساحر كذاب) & حتى كلمة موسى لا يريدون قولها ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 24) [غافر: 24] ساحر هذا خبر لمبتدأ مقدر يعني هو ساحر موسى ساحر حتى كلمة موسى عندهم خشية قلق، هلع؛ لأن كلمة موسى تؤذن بالحق، تؤذن بالصدع بالحق بالانتصار لدين الله وهم يكرهون ذلك.

﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 25) [غافر: 25] ما ملكوا إلا أن يقولوا ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 25) [غافر: 25] لم يقل وما كيدهم إلا في ضلال، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: وما كيد الكافرين وهذا يقول عنه العلماء وضع الظاهر في موضع المضمر يعني ما قال وما كيدهم ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 25) [غافر: 25] للدلالة على أنهم كفار من جهة، ولبيان أن كل كافر كيده يكون في ضلال؛ إذن ليفيد معنى التعميم ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ﴾ (غافر: 25) [غافر: 25].

من فوائد الآيات:

التذكير بيوم القيامة من أعظم القوارع عن المعاصي.

إحاطة علم الله بأعمال عباده خفية كانت، أم ظاهرة.

الأمر بالسير في الأرض للاتعاظ بحال المشركين الذين أهلكوا.

(التذكير بيوم القيامة من أعظم القوارع عن المعاصي) من قرأ هذه السورة، وسور القرآن عمومًا، والسور المكية وجد الترغيب، والترهيب والذكرى يوم القيامة يتعظ، ويعتبر، وينزجر؛ لذلك من أراد أن يرق قلبه، من أراد أن يرق قلبه، من أراد أن يقلع عن المعاصي، من أراد أن يتراجع عن غيه، من أراد أن يهتدي فعليه بتدبر القرآن الكريم، وقراءة القرآن بتمعن، وتدبر.

تأملوا في قوله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18) [غافر: 18] قالوا هنا: (الذين يكونون صامتين لا يتكلم أحد منهم إلا من أذن له الرحمن) & صامت في الدنيا يتكلم كيف يشاء، لكن في الآخرة صامت، كاظم، وقال آخرون: كاظمين: ممتلئين بالحزن، والخوف، والقلق، والهلع، لكن لا يتجرؤون ماذا يصنعون؟

(إحاطة علم الله بأعمال عباده خفية كانت، أم ظاهرة) ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ (غافر: 19) [غافر: 19].

(الأمر بالسير في الأرض للاتعاظ بحال المشركين الذين أهلكوا) وذلك في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21) [غافر: 21].

ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

هذه الآيات الكريمة تتمة لما سبق بيانه في اللقاء السابق مما ذكره الله -سبحانه وتعالى- من طرف يتعلق بقصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون، وأنتم ترون يا أيها الإخوة الكرام، أن الذي ذكر من قصة موسى عليه السلام في هذا المقام يناسب المقصود الذي سيقت له السورة الكريمة فتقدم أن المقصود الأكبر، ونستطيع أن نقول إنه المقصود الأم لهذه السورة الجليلة ذكر المجادلات التي تقع بين أهل الإيمان، وأهل الكفر، بين من يجادل عن الله، ومن يجادل في آيات الله -سبحانه وتعالى-؛ لذلك ذكر الله -سبحانه وتعالى- من قصة موسى ما يناسب ذلك، فلموسى عليه السلام مع قومه مواقف كثيرة ذكرها الكريم في سور متعددة، وكذلك لموسى عليه السلام منذ ولادته قصص معروف، وحوادث متعددة، لكن المذكور هنا في السورة الكريمة ﴿أَنَّمَا﴾ هو متعلق بباب المجادلات، الحوارات التي دارت بين فرعون من جهة، والملأ وقومه، والتي دارت بين موسى وفرعون، والتي دارت بين هذا المؤمن الذي كتم إيمانه ومع ذلك انتصر لدين الله -سبحانه وتعالى-.

فجاءت الآية الأولى التي استمعنا إليها ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] قالوا هنا: (اتركوني أقتل موسى عقابًا له، وليدع ربه أن يمنعني مني فأنا لا أبالي أن يدعو ربه) &.

وهو حينما يقول لهم: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] يعني اتركوني، ودعوني وكأنه بذلك يبين أن هذا عزم قوي منه على هذا الأمر، فأنت تقول ذرني أفعل كذا، وكذا، ذرني أفعل كذا دلالة على قوة عزمك، وإصرارك على هذا الفعل، أو أنه قال لهم هذا الأمر؛ لئلا يتوهم واهم أنه يخاف من الحوار مع موسى عليه السلام؛ لأن الأصل أن يقبل الحوار لا يتجه إلى قضية القتل، والفتك به عليه السلام.

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] وكأنه يستشيرهم في هذا الأمر ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] وكأن فرعون يعلم أن الركن الشديد الذي يأوي إليه موسى عليه السلام هو ربه -عز وجل-، وفيه أن العبد يتضرع إلى الله في أموره كلها فها هو فرعون يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] يعلم أن موسى عليه السلام سيلجأ إلى الله، ويتوكل على الله، لكن فرعون يعلن بكبريائه وغطرسته أنه لا يضيره ذلك، ولا يخشى من ذلك، وكأنه يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] فأنا لا أخشاه، ولا أخشى ربه، لكن الله أهلكه كما سيأتي بيان ذلك.

ثم بين السبب، لماذا يعزم على قتله هذا العزم القوي ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] وهذا فيه أن القائم على أمر الناس من ولاة الأمر عليهم أن يحافظوا على دين الناس، فهذا أعظم ما يُحافظ عليه.

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] فجمع بين الأمرين، ولذلك هنا قراءة وهي متواترة (وأن) بالعطف هنا جاءت بأو، والقراءة الأخرى بالعطف يعني يقع منه هذا وذاك، لكنه بدأ بقضية تبديل الدين، وهذا معناه أن من ولاة الله -عز وجل- أمر المسلمين فإنه يحافظ على أمر دينهم، وأن الإنسان لا يسمح لأحد أن يبدل دينه، أو أن يشوش عليه معتقده، ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾.

ثم جاء بيان ما قال موسى عليه السلام وهو التوجه إلى الله -عز وجل- ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27] وهنا قاعدة عظيمة جدًا نبه عليها كثير من أهل العلم المحققين وهي أنه في بعض الأحوال حينما يأتي الحوار القرآني ذكرًا قول قائل والتعقيب على قوله فإنك لا تجد عطفًا بالواو، وإنما تجد قال، قال هذا هو الأصل في الحوار.

ولذلك قالوا: إن الأصل في أسلوب المقاولات، المقاولة يعني قال، وقال، أو الحوار، ﴿إِلَّا﴾ يكون هناك عطف بالواو؛ لأن هناك اتصالًا بين كلام المتكلم أولًا، والراد عليه ثانيًا وهو ما يسميه علماء البلاغة بشبه كمال الاتصال كأنه جواب عن سؤال مقدر، يعني كأنك تقول: قال فلان، فماذا أجابه فلان؟ قال كذا، قال فلان، فبماذا أجابه؟ قال: كذا.

فلا تأتي الواو، ولذلك مثلًا في سورة البقرة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30) [البقرة: 30] تجد قال، قال، ولا تجد وقال، فإن جاءت الواو فيكون هذا لعلة، لحكمة.

إذن من أسلوب القرآن، وعادات القرآن الكريم أنه في أسلوب المحاورة والمقاولة لا تأتي بالواو؛ لأن هناك جوابًا عن سؤال مقدر، وكأنك تنتظر ماذا قال؟ فيجيئك الجواب، فإذا جاءت الواو العاطفة فيكون هذا لمغزى، ولسبب من ذلك أن يكون المقام مختلفًا بمعنى أن القائل قال الكلام في مناسبة، وأن الكلام الآخر في مناسبة أخرى.

من أجل هذا قال بعض أهل العلم إنه لا يلزم أن موسى عليه السلام رد عليه في المجلس فإنَّ فرعون كان يكلم الملأ، ودار الحوار بينه وبينهم بمعزل عن موسى عليه السلام، لكن الله أبلغ موسى عليه السلام، وعلم الكيد، والمكر الذي يريده هؤلاء به، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن تضرع إلى الله، واستعاذ بالله، لذلك جاء العطف ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27].

وكذلك بعده ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28].

﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27] وهذا فيه أن الشر كل الشر في هذا الذي يتكبر، ولا يؤمن بيوم الحساب فإنَّ من تواضع لله اتبع الحق، وانقاد له، والذي لا يؤمن بالحساب لا يرجو الله، ولا يخافه، ومن لا يرجو الله، ولا يخافه فإنه يفعل المنكر ولا يبالي؛ فلذلك قال: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27] ولم يقل لا يخاف يوم الحساب؛ لأن قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27] يجمع الأمرين: الخوف، والرجاء.

فقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27] يعني لا يرجو، ولا يخاف يوم الحساب؛ لأنه غير مؤمن بهذا اليوم.

ولا شك أن فرعون لو كان متواضعًا، أو كان يؤمن بيوم الحساب لكان الأمر مختلفًا عما صار إليه هو ومن اتبعه.

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] هذه مناسبة أخرى وقعت، ويمكن أن يقال والعلم عند الله إنها من استجابات دعوة موسى عليه السلام، أو من استجابة الله لدعوة موسى، أو لاستعاذة موسى عليه السلام، فقد قيض الله -عز وجل- لموسى عليه السلام هذا الرجل، ولم يكن قد عرف له كلام سابق في النصرة لدين الله، والانتصار لما عليه موسى عليه السلام.

لكنه هنا ينطق، ويتكلم، فكأن هذا من إجابة دعوة موسى عليه السلام، ومن إجابة استعاذته بالله أن قيض الله له هذا الرجل الموجود مع فرعون في المكان الذي يجالسه فيه الكبراء، وعلية القوم؛ ولذلك جاء التعبير القرآني ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] الأقرب، والذي عليه الجمهور من المفسرين أن هذا الرجل كان من آل فرعون، وعليه فهو ليس من بني إسرائيل، وإنما هو من آل فرعون؛ فمن تأييد الله موسى عليه السلام أن يوجد من أقرب الناس إلى فرعون من يوحد الله -سبحانه وتعالى- ويؤمن به.

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] ومع كتمانه الإيمان إلا أنه نطق بالحق، وإن كان قد عرضه في صورة الرجل المنصف الذي يسعى إلى إحقاق الحق بطريقة فيها رفق، وهذا من حكمته، وذكائه، وفطنته، لكنه وجد أن الأمر قد وصل إلى حد لا يمكن معه السكوت، ولكن لا بد من الجهر، والكلام فجهر بما لا يستبين به أمره جدًا بحيث لا يكون واضحًا كل الوضوح، لكن فيه إشارات، وفيه دلالات ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾.

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] وكتمان الإيمان هنا لا بأس به للحاجة فهو موجود في هذا الواقع، وبين فرعون والملأ، ولا شك أن وجوده بينهم إذا جهر بالإيمان من أول مرة فإنه لا يسمح له بالكلام أصلًا، ولا بمشاركتهم، ولا بمعرفته شيئًا عن أخبارهم فكان لهذا أمر عظيم، وأيضًا لأن فرعون يتخذ هؤلاء أولياء له يستشيرهم، ولذلك يقول فبماذا تأمروني يرجع إليهم في بعض الأمور، فلو أن هذا أظهر أمره معناه أنه يريد شق الصف، فحينئذ تكون الدائرة عليه منهم جميعًا دون أن يبلغ، فبدأ بالبلاغ بهذه الطريقة العظيمة.

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] هنا قال المفسرون: (وقال رجل مؤمن بالله ﴿مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ﴾ عن قومه منكرًا عليهم) &.

من أين أخذوا كلمة منكرًا عليهم؟ من الاستفهام، من قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] لذلك نقول: إن هذا الاستفهام استفهام إنكاري ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] وتأمل التعبير ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] مع أنهم لم يقتلوه بعد، ﴿أَنَّمَا﴾ هموا بالقتل؛ لذلك معنى ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] أتهمون، وتعزمون على قتله ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] ما تهمته، وما جريمته؟ وهو ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28].

ولم يقل: ﴿وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن﴾ ربه، ﴿أَنَّمَا﴾ من ربكم يعني كل منكم يقر بأن له خالقًا، وأن له رازقًا، ثم قال لهم بالكلام المنصف كما يسميه علماء التفسير، وعلماء البلاغة ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] هو يعلم صدق موسى عليه السلام ولا يشك طرفة عين في أن موسى عليه السلام صادق، لكن مع ذلك بدأ بمبدأ الكذب ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] وهذا فيه أنه منصف، يعني نسلم قد يكون كاذبًا، وقد يكون صادقًا، وهذا به دفع التهمة عنه أنه لا يريد الخير لهم، أو أنه تابع لموسى عليه السلام، ونحو ذلك فبدأ الأول، وقال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] أي كذبه يضره، لا يضركم.

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] فثنى بالصدق ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] وكان المتوقع أيضًا أن يقول يصبكم الذي يعدكم، لكن إن لم تنالوا كل ما صدق فيه فستنالون بعضه، وبعضه يكفيكم.

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] هذا يسميه العلماء بكلام منصف؛ يعني وأنت تكلم خصمك تتنزل معه في هذا فتقول له لنسلم أنك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ولنسلم لرأيك، وما أشبه ذلك، ومن هذا ما جاء في قول الله -سبحانه وتعالى- آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿۞ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24) [سبأ: 24].

ولا شك أن الرسول يعلم صلى الله عليه وسلم أنه على الهدى، أن هؤلاء المشركين على الضلال، لكنه يقول: ﴿۞ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24) [سبأ: 24] أحد الفريقين على الهدى، والآخر في ضلال وهو يعلم من هو على الهدى، ومن في ضلال، لكن هذا من باب الإنصاف.

قال هنا: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] وقد أحسن المفسرون هنا حينما فسروا ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] بقولهم: (إن الله لا يوفق للحق من هو متجاوز لحدوده، مفترٍ عليه، وعلى رسله)& ففسروا ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] معناها لا يوفق للحق؛ لأن الهداية بمعنى الدلالة هذه عامة، والله يهدي الناس كلهم هداية الدلالة؛ ولذلك ربنا قال: ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (يونس: 25) [يونس: 25] يعني يدعو الناس كلهم إلى دار السلام، وكذلك قال: ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 10) [البلد: 10] وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾ (الليل: 12) [الليل: 12].

إذن الهدى المنفي هنا هدى التوفيق، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] والمعنى: أنتم إذا قتلتموه فأنتم مسرفون كذابون.

﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] والمراد بالأرض هنا مصر، يذكرهم بنعم الله عليهم، ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] أما تخافون تغير الأحوال أنتم تعيشون في رفاهية من العيش، وفي نعمة، وفي سعة، فلماذا تبدلون نعمة الله ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] وتأمل قوله: ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] إذن هو واحد منهم هذا مما يعضد القول بأنه من آل فرعون.

قال: ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] يحتمل أنه قاله في نفس المقال، لم؟ لأنه لم يدخل الواو؛ لذلك قالوا: كأن فرعون أظهر الإنصاف أيضًا، أو أظهر كما يسمى بالمصطلح الحديث الديمقراطية يعني ما أراد أن يأخذه أخذة شديدة، ولا سيما أنه لا يجهر ويقول: إنه تابع لموسى عليه السلام، وهو لا يجد ما يجيب به على هذا الرجل المؤمن الصالح التقي الذي يكتم إيمانه، فما كان من فرعون إلا أن قال: ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29] يعني نريد أن ننتهي من هذا المجلس، ومن هذا الكلام، فأنا ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ﴾، ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29].

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28) [غافر: 28] وهو يقول: ﴿يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) [غافر: 29].

﴿وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ﴾ (غافر: 30) [غافر: 30] يحتمل أنه في مجلس آخر كما قلت، وكأن هذا الرجل الذي كتم إيمانه وجد الفرصة سانحة بأن يدعو المرة تلو الأخرى فيدعو ويكرر حتى يثبت هذا في أذهان هؤلاء ويرسخ في قلوبهم، وكأنه رفق بهم، فلم يعطهم الجرعة مرة واحدة، ولكنه أعطاه إياها شيئًا بعد شيء هذا والعلم عند الله، والكلام في ذلك يطول في مقام التفسير، لكن عمومًا أصل القاعدة تدل عليه، أو يدل عليها استعمال القرآن الكريم في مقامات كثيرة.

﴿وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ﴾ (غافر: 30) [غافر: 30] هذا جانب الوعيد، إذن هو يذكرهم يرغبهم، ويخوفهم أيضًا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ﴾ (غافر: 30) [غافر: 30] وفي كل مرة يقول يا قوم، يا قوم، H0 فأنا ناصح لكم.

﴿وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ﴾ (غافر: 30) [غافر: 30، 31] لم يقل ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ مباشرة، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ﴾ (غافر: 30) [غافر: 30] هذا إجمال، ثم جاء التفصيل، أحزاب الكفر الذين تجمعوا على الأنبياء والمرسلين، لكن الله نصر الأنبياء والمرسلين عليهم.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (غافر: 31) [غافر: 31] وهذا معناه أن أخبار الأنبياء والمرسلين كانت تصل إليهم حتى وإن تباعدت المسافات، لكن تبقى الأنوار واضحة جلية، فيكون بقايا وآثار تنبئ عن هؤلاء، أو أن هذا سمعوه من موسى عليه السلام، فلما سمعوه وتكرر فهو يعيد شيئًا مما قاله موسى عليه السلام.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (غافر: 31) [غافر: 31] وهذا أبلغ من أن يكون المراد نفي الظلم عن الله فحسب، وقد ورد نفي الظلم عن الله في مواضع ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40) [النساء: 40] ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46) [فصلت: 46] وغير ذلك من المواضع، لكن هنا في هذا الموضع ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (غافر: 31) [غافر: 31] فإذا كان لا يريد الظلم فهو لا يظلم من باب أولى، يعني هو لا يظلم، ولا يريد ذلك وقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (غافر: 31) [غافر: 31] يعني هذا لا يتأتى من الله أن يريد الظلم للعباد؛ لكمال عدله -سبحانه وتعالى-.

﴿وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ﴾ (غافر: 32) [غافر: 32] مرة أخرى ﴿وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ﴾ (غافر: 32) [غافر: 32] قالوا هنا في التفسير: (ذلك اليوم الذي ينادي فيه الناس بعضهم بعضًا بسبب قرابة، أو جاه ظنًا منهم أن هذا المسلك ينفعهم في هذا الموقف الرهيب)& يعني لا تنتفعون بفرعون، ولا بسؤدده، ولا بسلطانه كل ذلك سيذهب، وسيذهب هو، ويكون من الهالكين فمن ينفعكم حينئذ يوم التناد ينادي فيه الناس بعضهم بعضًا.

وقد قال الله: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (الإسراء: 71) [الإسراء: 71] ولذلك في القرآن الكريم جاء ذكر نداءات متعددة في يوم القيامة، وفي الجنة، وفي النار ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) [الأعراف: 44] ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الأعراف: 50) [الأعراف: 50].

ولعله والعلم عند الله أن ذكر يوم التناد هنا كما نبه بعضهم يناسب المقام من فرعون؛ لأن فرعون كان يناديهم في مناسبات عديدة، ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) [الزخرف: 51] فكانت عنده نداءات يقول: ﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات: 24) [النازعات: 24] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (القصص: 38) [القصص: 38] فهذه نداءات ضالة فتذكروا يوم التناد الحق وهو يوم القيامة.

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: 33) [غافر: 33] من الخوف، والهلع، والفزع ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: 33) [غافر: 33] ليس هناك عاصم يعصمكم من الله -سبحانه وتعالى- ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: 33) [غافر: 33] قالوا هنا: (ومن يخذله الله، ولا يوفقه للإيمان فما له من هاد يهديه؛ لأن هداية التوفيق بيد الله وحده)& فالمراد هنا بنفي الهداية عنه، هي نفي هداية التوفيق؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله، ولم يستجيبوا له.

من فوائد الآيات:

¯لجوء المؤمن إلى ربه؛ ليحميه من كيد أعدائه.

¯جواز كتم الإيمان للمصلحة الراجحة، أو لدرء المفسدة.

¯تقديم النصح للناس من صفات أهل الإيمان.

(من فوائد الآيات: لجوء المؤمن إلى ربه؛ ليحميه من كيد أعدائه) وهذا كما قلت تفطن له فرعون حينما قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) [غافر: 26] يعني هو يتوقع أن موسى لن يسكت، وإنما سيلجئ إلى الله، وهكذا ديدن المؤمن، وبالفعل هذا ما وقع من موسى عليه السلام؛ إذ قال: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ (غافر: 27) [غافر: 27] فهذا لجوئه إلى الله.

(جواز كتم الإيمان للمصلحة الراجحة، أو لدرء المفسدة) وهذا ما وقع من هذا المؤمن الذي كتم إيمانه لهذه المصلحة.

(تقديم النصح للناس من صفات أهل الإيمان) ولهذا هذه قصة جليلة عظيمة، وتدل على حكمة هذا الرجل هذا المؤمن، ولو كان هناك وصف آخر يضم إلى وصفه بالإيمان الذي ذكره الله لكان أمثل ما يوصف به هذا الرجل الحكمة في أعلى دلالتها، وفي أعظمها إذ سلك معهم مسلك الحكماء بلا شك؛ ولذا سميت السورة كلها كما سماها بعض أهل العلم بسورة المؤمن، فهي تسمى بسورة غافر، وتسمى أيضًا بسورة المؤمن، لمَ؟

لهذه القصة من الأثر البالغ في مقصود السورة العظيم في ما يتعلق بالمجادلات، والمجادلة عن الحق، والنصرة لدين الله -سبحانه وتعالى-.

﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] من المعلوم أن بين يوسف وموسى عليه السلام قرونًا، ومدة ليست بالقصيرة، وهنا قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] وهو ﴿أَنَّمَا﴾ جاء الأجداد ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34) [غافر: 34] يعني ولقد جاء أجدادكم، ولكن مع ذلك فأنتم كأحفاد اتبعتم الأجداد في الكفر، والتكذيب فانظروا إلى هلاك الأجداد كيف أهلكهم الله فلا تكونوا مثلهم، ولذلك في كثير من مواضع القرآن الكريم يذكر الله سبحانه وتعالى الأبناء بما كان عليه الآباء ويذكر الأخلاف بما عليه الأسلاف، وهذا كثير فيما يتعلق ببني إسرائيل فيقول: يا بني إسرائيل، ويخاإذاً المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنَّ الذي جرى مع بني إسرائيل أيام موسى عليه السلام.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة