مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة فصلت

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 30 من 103 · 1 ساعة و42 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذا لقاء من لقاءات التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة فصلت

التعريف بالسورة

سورة فصلت، سورة مكية وهذا بإجماع أهل العلم فهي سورة مكية، ولذلك فهي تعنى أيضًا بأصول العقيدة من ذكر التوحيد، والرسالة، وتقرير البعث، وإن كان من زائد فإننا نقول: إنها تحدثت حديثًا واضحًا وجليًا عن القرآن الكريم، وإثبات أنه حق؛ لذلك في قولهم بعد ذلك (من مقاصد السورة بيان حال المعرضين عن الله، وذكر عاقبتهم)& يناسب هذا أيضًا أن الله سبحانه وتعالى حدثنا في هذه السورة عن القرآن الكريم.

لذلك جعل بعض العلماء مقصود السورة الأم في سورة فصلت الحديث عن القرآن الكريم، وبيان أحقيته، والرد على المعرضين له، والمناوئين له، ولذلك من أول السورة ﴿حمٓ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 1-4) [فصلت: 1 - 4] تأمل هذه كلها من صفات القرآن.

﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4) [فصلت: 4] أيضًا عن القرآن ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4) [فصلت: 4].

فقولهم: (بيان حال المعرضين)& هذا نعم، لكن المعرضين عن الله، وعن القرآن الكريم، ولذلك يأتينا في الآيات ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26]، وأيضًا جاء فيها ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 41، 42] وأيضًا ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44] إلى غير ذلك من آيات توضح أن سورة فصلت تدور حول الحديث عن القرآن الكريم، وبيان أنه حق، وأن المعرضين عنه لا وجه لهم في الإعراض.

ولهذه المناسبة والعلم عند الله ناسب أن يقرأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الآيات المباركة على عتبة بن ربيعة أبي الوليد حينما جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد أرسله إليه مشركو مكة حينما قالوا: انظروا من هو أعلم منكم بالسحر، والكهانة، والشعر ليذهب إلى محمد وليسأله ولينظر ماذا عنده، فأتاه عتبة بن ربيعة وسأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال له: أنت فرَّقت، أنت عبت آلهتنا، وفرقت بيننا، وفعلت، وفعلت يا محمد، وقال له: أنت خير، أم عبدالله يقصد والده، أأنت خير أم عبدالمطلب، والرسول لا يجيبه، فقال: إن كانوا خيرًا منك فقد عبدوا آلهتنا فقد فعلت، وفعلت يا محمد، إن كنت تريد ملكًا ملكناك، إن كنت تريد مالًا جمعنا لك، إن كان بك الباءة زوجناك عشرًا إلى غير ذلك مما قاله إلى أن انتهى فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- فرغت يا أبا الوليد؟

قال: نعم، فقرأ عليه -صلى الله عليه وسلم- سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] ولذلك هم قالوا هنا: (بيان حال المعرضين) وهذا الإعراض عن الله، وعن آيات القرآن الكريم ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] قال: أعندك غير هذا؟ قال: لا، فرجع إلى قومه، وفي بعض الروايات: أنه وضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الله، والرحم، إلى غير ذلك من الروايات المتعددة.

على كل حال هذا يدل على أن هذه الآيات آيات جليلة، عظيمة يرد بها على كل معرض عن آيات الله بالرفق، ولذلك هو حذَّرهم ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] ومن بدايات الآيات ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (فصلت: 2) [فصلت: 2].

وقلت في اللقاء السابق فيما أحسب أنه من الأهمية بمكان أن ننظر إلى أسماء الله الحسنى المذكورة في صدر السور فهناك في غافر قال: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (غافر: 2) [غافر: 2] وظهر لنا دلائل علم الله، ودلائل عزة الله، هنا ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (فصلت: 2) [فصلت: 2] الرحمن الرحيم دلالة على أن مقام الرحمة في السورة مقصود، و لذلك تأمل بعدها ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4) [فصلت: 4] يعني جانب البشارة أغلب، ولذلك حتى هنا ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] يعني هذا في مقام الإنذار، لكنهم مع ذلك أعرضوا عن آيات الله سبحانه وتعالى.

وبالمناسبة فما ورد في قصة عتبة بن ربيعة لا يقال إنه سبب نزول الآيات؛ لأن الوارد هنا كان في ماذا؟ في مقام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليه الآيات فيحتمل أن الآيات نزلت قبل ذلك، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قالها في مقام الدعوة، وهذا فيه أن الداعي إلى الله قد يكتفي بقراءة القرآن إلى مَن يدعوه، قد يكتفي بقراءة القرآن أمام من يدعوهم سبحانه وتعالى، لا تجد أعظم، ولا أجل من أن تتلو آيات الله سبحانه وتعالى، وإن كان جاء في بعض الروايات أنه قال لهم لم أفهم شيئًا مما قاله محمد، ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) [فصلت: 5] ولم يفهم من هذه الآيات إلا قال أنذركم ﴿صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، وقال لهم: اتركوه وشأنه إلى غير ذلك مما ورد في هذا، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

خلاصة وتثبيت الفكرة

إذن من مقاصد السورة بيان حال المعرضين عن الله هذا من جهة، بيان أيضًا الترغيب، والترهيب؛ ولذلك هذا مناسب لسورة غافر، فسورة غافر مع ذكرها المجادلة بين أهل الحق، وأهل الباطل اعتنت كما رأيتم بجانب الترغيب، وجانب الترهيب، وهنا كذلك فيها تذكير بهذا الأمر كما سيستبين بإذن الله تبارك وتعالى.

فيها بيان كيفية معالجة المعرضين عن آيات الله سبحانه وتعالى، وكيف يتعامل معهم.

هذه سورة فصلت افتتحها الله سبحانه وتعالى أيضًا بـ حم فهي السورة الثانية بحسب الترتيب المصحفي التي تبتدأ بهذا حم، ولذلك يقال لهذه السور السبع آل حم؛ لافتتاحها بهذا، وهي من الحروف المقطعة التي تقدم التنبيه عليها، وأنها تدل على عجزنا، وعجز الخلق كلهم عن الإتيان بهذا القرآن الكريم مع معرفتنا بهذه الحروف.

تحليل مقارن وربط بين السور

وبالمناسبة فسورة فصلت أيضًا يقال لها سورة حم السجدة؛ لأنَّها السجدة الوحيدة من الحواميم التي فيها سجدة، والسجدة لها موقع؛ لأن المعرض لا يسجد، فجاء تذكيره بالسجود، فمن دلائل التواضع، والتذلل لله السجود له؛ ولذلك سيأتينا في ذلك قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37) [فصلت: 37].

قال: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37) [فصلت: 1، 2] وتسمى أيضًا بسورة المصابيح؛ لذكر المصابيح فيها، لكن الاسم المشهور سورة فصلت.

﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (فصلت: 2) [فصلت: 2] إذن فيها حديث عن رحمة الله سبحانه وتعالى في كثير من مواضعها ﴿كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3) [فصلت: 3] بينت آياته، فالقرآن كتاب بين، من قرأه، وأدركه وجد فيه الخير الكثير، ودله على الله سبحانه وتعالى.

﴿كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3) [فصلت: 3] وتأمل هنا ﴿كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3) [فصلت: 3] يعني لو علمتم، وأقبلتم على القرآن لرزقكم الله الفهم.

﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4) [فصلت: 4] فبدأ بالبشارة ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4) [فصلت: 4] وهذا من إنصاف القرآن ما يقول: فأعرض الجميع، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4) [فصلت: 4].

﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 4)

انظر، يا رعاك الله، إن أسباب تحصيل العلم، أو طرق تحصيل العلم ثلاثة طرق، هذه الطرق الثلاث من خلالها يحصل الإنسان على العلم " السمع، والبصر، والقلب " ولذلك ربنا قال ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 36) [سورة الإسراء:36].

تأملوا هنا هم منعوا كل طرق العلم ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 36) إذن القلب لن يفهم ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5)

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) صمم لا نسمع ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7) فلا نرى. إذن من أين يحصل لهم العلم؟

وهذا قريب مما ذكره الله سبحانه وتعالى في دعوة نوح عليه السلام ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾ (نوح: 7) [سورة نوح:7].تأمل ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾ (نوح: 7) يعني : فلا ينظرون ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾ (نوح: 7) فالقلوب لا تنتفع.

إذن هم ذكروا الموانع لا فائدة لا من السمع، ولا من البصر، ولا من القلب.

وهنا أيضًا من أسرار التعبير القرآني أن الله قال ذاكرًا قولهم ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7) لم يقولوا: وبيننا وبينك حجاب، فمن الابتدائية هذه تفيد معنى جليل بيننا وبينك حجاب قد يكون الحجاب في جزء، لكن ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) من البداية يعني من أول الطريق إلى آخره ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) فليس هناك طريق للانفتاح عليك، ولا لسماع دعوتك

﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) [فصلت: 5] من معانيها: اعمل في إبطال دعوتنا، ونحن نعمل في إبطال دعوتك، ما عليه دينك، لذلك قالوا هنا: (ومن بيننا وبينك ستر فلا يصل إلينا شيء مما تقول فاعمل أنت على طريقتك إنا عاملون على طريقتنا، ولن نتبعك) ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) [فصلت: 6] قال الحسن البصري: "علمه الله التواضع، وتتكرر في القرآن ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) [فصلت: 6] لذلك الإنسان يتعلم التواضع، من أنت؟ يقول: أنا محمد، أنا فلان، يتواضع؛ لذلك قالوا: ﴿قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 90) [يوسف: 90] فالإنسان يتعلم التواضع حينما يخبر عن نفسه.

ثم بين التفضيل الذي فضله الله به فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) [فصلت: 6] لم يقل: فاستقيموا له، ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) [فصلت: 6] منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هذا فيه تناوب، والأولى من ذلك أن يقال: إن الاستقامة هنا تضمنت معنى الإنابة والتوبة ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) [فصلت: 6] يعني أنيبوا إليه، توبوا إليه، واثبتوا فجاءت الاستقامة للدلالة على الثبات، وتعدت بإلى للدلالة على الإنابة والتوبة.

﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [فصلت: 6، 7] هناك كنا في سورة غافر ﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) [غافر: 35] ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن عنوان السعادة الانقياد لأمر الله، وتعظيم أمر الله، والإشفاق على الخلق.

هنا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6) [فصلت: 6] هؤلاء المشركون يتكبرون على الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم صرفوا العبادة لغيره ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7) [فصلت: 7] لا يشفقون على خلقه ما في قلوبهم رحمة، ولا شفقة.

بعضهم فسر ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7) [فصلت: 7] يعني الإيمان يعني زكاة النفس، قالوا لأن الزكاة فلم تكن في مكة، ﴿أَنَّمَا﴾ وجبت في المدينة، وبعضهم فسرها بالصدقة قالوا: ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7) [فصلت: 7] قالوا هنا: (الذين لا يعطون زكاة أموالهم)& وقال بعضهم: بل الزكاة فرضت في مكة، لكن الأنصبة، والمقادير ﴿أَنَّمَا﴾ كانت بعد في المدينة.

﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7-9) [فصلت: 7 - 9] قالوا هنا في التفسير: (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، موبخًا المشركين) إذًا هذا استفهام فيه توبيخ لهم.

{﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا﴾ ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 9، 10] وأيضًا في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (فصلت: 10) [فصلت: 10] الجبال ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (فصلت: 10) [فصلت: 10] قالوا: هذا يدل على أن الجبل لا ينشأ فوق، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (فصلت: 10) [فصلت: 10] كأنه أصل، وجذر في الأسفل، ولذلك هذا أيضًا مما وصل إليه العلم الحديث بأن هناك أوتادًا لهذه الجبال في باطن الأرض فهذا يناسبه أيضًا ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (فصلت: 10) [فصلت: 10] والعلم عند الله.

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (فصلت: 10) [فصلت: 10] هنا إشكال قد يفهم فاهم أن هناك يومين، ثم هناك أربعة أيام، ثم بعدها في السماء فيه يومين فكيف ذلك؟ تكون ثمانية أيام، فيقال: لا، ﴿أَنَّمَا﴾ معنى قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ (فصلت: 10) [فصلت: 10] يعني في تمام أربعة أيام، إذن الأربعة منها الاثنان المتقدمان؛ لذلك فخلق ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ (فصلت: 11) [فصلت: 11] ولأهل العلم كلام طويل في مسألة خلق الأرض، وخلق السماء؛ فبعضهم يرى أن دحو الأرض هو الذي تأخر جمعًا بين هذه الآيات وبين قوله: ﴿وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ﴾ (النازعات: 30) [النازعات: 30] وقد ثبت هذا عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، وإلا فالمسألة فيها كلام طويل، لكن الشاهد منها أن الله سبحانه وتعالى يذكر الخلق بحقيقة أمرهم، وبحقيقة خلق السماء والأرض، وأن هذا يدعوهم إلى توحيده، لا أن يدعوهم إلى الكفر به سبحانه وتعالى.

Ø استسلام الكون لله، وانقياده لأمره سبحانه وتعالى بكل ما فيه.

(تعطيل الكافرين لوسائل الهداية) الثلاث ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) [فصلت: 5] فلا السمع، ولا البصر، ولا الفؤاد ينتفع.

(بيان منزلة الزكاة) في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 7) [فصلت: 7] عند من فسر الزكاة بأنها الفريضة.

(استسلام الكون لله، وانقياده لأمره) وذلك في قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ (فصلت: 11) [فصلت: 11].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المطيعين له سبحانه وتعالى وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (فصلت: 12) [فصلت: 12] قالوا: (فأتم الله خلق السموات في يومين)& إذن معنى القضاء هنا في الآية الكريمة إتمام الخلق فأتمهن، وهو الذي عبر عنه أيضًا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29) [البقرة: 29].

ولذلك عاد الضمير على السماء باعتبار الجنس، ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ (فصلت: 11) [فصلت: 11] ثم قال: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (فصلت: 12) [فصلت: 12] قالوا: (بالنجوم)&.

قال: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (فصلت: 12) [فصلت: 12] قالوا: أي وحفظنا بها السماء من استراق الشياطين السمع، وهذا قد تقدم الكلام عنه في سورة الصافات كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ﴾ (الصافات: 6) [الصافات: 6] وكما جاء أيضًا في سورة الملك وفي غيرها، وهذا كله يقال له: النظائر القرآنية أن تجد معنى من المعاني مذكورًا في آية من الآيات، وتجد هذا المعنى مذكورًا في آيات أخرى.

وقد تقدم أن هذه النجوم لها بعض الفوائد منها: أنها زينة، ومنها أنها حفظ من استراق السمع، ومنها أنها يهتدى بها ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16) [النحل: 16].

﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (فصلت: 12) [فصلت: 12] قالوا هنا في التفسير: (ذلك المذكور كله)& يعني حينما نجد مثل هذه الإشارة في بعض المواقع مع أنه يعود على جمع، أو على مجموعة أشياء فكيف يكون المعنى ذلك؟ نقول: أي ذلك المذكور المتقدم في الذكر تقدير العزيز العليم، العزيز الذي لا يغلبه أحد، العليم بخلقه سبحانه وتعالى.

﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] تقدم أن السورة الكريمة سورة فصلت تتحدث عن القرآن الكريم وإعراض الكافرين عنه، وتماديهم في هذا الإعراض وهذا مما تختص به سورة فصلت عن سورة غافر فإذا كانت السورتان الكريمتان قد اشتركتا في الحديث عن قضايا كثيرة، ومن أصلها الحديث عن القرآن وتوحيد الله سبحانه وتعالى كما هو ظاهر في بداية السورتين إلا أن سورة غافر كان الاهتمام فيها، أو كان الغرض فيها متوجهًا إلى المجادلات التي وقعت بين المؤمنين والكافرين، وأما سورة فصلت فإنها تقص لنا صورًا من إعراض الكافرين، وتبين أنهم تمادوا في الغي والضلال فاستحقوا الهلاك، وفي هذا إنذار للمشركين المعاصرين لرسول صلى الله عليه وسلم ولمن اقتفى أثرهم، ثم فيها تبشير وإنذار بشيرًا، ونذيرًا، وفيها كذلك ذكر لرحمة الله الواسعة.

قال الله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] أي فقل لهم يا رسول الله، ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13، 14].

ولا يخفى أن كل واحد من هؤلاء جاءهم رسول واحد فثمود جاءهم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام، وعاد جاءهم هود عليه السلام، لكن الآية جاءت بصيغة الجمع ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] وهذا وارد في القرآن الكريم في مواضع متعددة كقوله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105) [الشعراء: 105] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 123) [الشعراء: 123] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 141) [الشعراء: 141].

وهم كذبوا رسولهم، لكن الجمع جاء؛ لأن دعوة الرسل واحدة، فمن كذب برسول فقد كذب بجميع الرسل، لذلك صح أن يقول هنا: إذ جاءتهم الرسل، ولا يقول قائل: كيف جاءتهم الرسل وإنما جاءهم بعض الرسل، أو جاءهم رسول؛ لأن دعوة الرسول واحدة، فكأن الرسل كلهم قد جاءتهم؛ لاتفاقهم في هذه الأصول التي يدعون إليها من توحيد الله سبحانه وتعالى، وإثبات البعث والنشور وما إلى ذلك.

﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] هنا معنى قوله: ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] يعني من كل جانب أتتهم الرسل، وبذلوا كل ما في وسعهم يعني ما قصروا، لم يألوا واحد منهم جهدًا في تبليغ الدعوة.

فقوله: ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] يعني من كل الجهات، مرة بالتبشير، مرة بالإنذار، مرة بالوعظ، ومرة بالأمر، ومرة بالنهي، ومرة بضرب الأمثال، مرة في السر، مرة في الجهر، مرة في الليل، مرة في النهار، وهكذا.

هذا أسلوب فهم من قوله: ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] هذه دعوة واحدة للأنبياء، والمرسلين ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25) [الأنبياء: 25].

﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] أي لو شاء ربنا إنزال ملائكة لأنزل ملائكة فدل قوله: ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] على مفعول شاء، لو شاء ربنا إنزال ملائكة لأنزل ملائكة.

﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] وهذا الكلام الذي قالوه ردده غيرهم إذ يزعمون أن الرسول لا تقبل دعوته إلا إذا كان من الملائكة، وهذا باطل، ولا يصح؛ لأنه من رحمة الله سبحانه وتعالى وحكمته أن يكون الرسول من البشر حتى يتمكن الناس من الاقتداء به، والحري بهم أن يسألوا عن آيته، وعن معجزته، لا أن يقولوا هو ملك، أو غير ملك فإذا جاء هذا الرسول وهو رجل وهو بشر ومعه الأدلة والبراهين فلتقبل دعوته، ولتقبل نبوته، أما أن يقولوا إنه ملك، إنه ليس بملك فهذه دعوى باطلة، وشيء يريدون أن يرتابوا به في دين الله سبحانه وتعالى، ولا يثبت لهم بهذا حجة، وقد تقدم التعليق على مثل ذلك أيضًا.

قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] هنا نستطيع أن نقول: أن هذه طريقة من طرق القرآن وهي التفريق بعد الجمع، والتفصيل بعد الإجمال يعني ربنا قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13] فجمع بينهما، ثم بعد ذلك جاء التفصيل بعد أن جمع فرق؛ قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] ولذلك أما يقولون عنها تفصيلية يعني بدأ التفصيل.

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15].

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] يعني ليس لهم حق في هذا الاستكبار هو استكبار لا حجة له، ولا برهان عليه.

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] تأملوا هنا قالوا في الشرح: (لا أحد أشد منهم قوة)& إذن ما معنى ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15]؟ لا أحد أشد منا قوة، إذن هذا الاستفهام هو استفهام إنكاري بمعنى النفي يعني ينكرون يقولون ليس هناك أشد منا قوة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاهم قوة عظيمة فغرتهم هذه القوة، وعرف من هذا أن من أسباب التكبر الاعتزاز بالقوة، فالإنسان قد يغتر بقوته، فتحمله قوته على التكبر، وعلى رفض دين الله، وعلى عدم الانقياد للحق.

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] قال: (أو لم يعلم هؤلاء، ويشاهدون أن الله الذي خلقهم أودع فيهم القوة التي أطغتهم هو أشد منهم قوة)&.

هذه جملة عظيمة جليلة جدًا ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] هذا رد عليهم ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] لم يقل: أو لم يروا أن الله أشد منهم قوة، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] وكونه يجيء بالاسم الموصول معناه أنه معروف لديهم يعني هم يعترفون بهذا، فإذا كنتم تعترفون بـأن الله خالقكم فكيف يمكن لمخلوق أن يتساوى مع الخالق، أو أن يكون أقوى من الخالق هذا لا يتأتى إلا بسبب الغباء، وبسبب الكبر الذي أعمى العقول والقلوب.

فذلك جاء قوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] وهذا أسلوب تقريري، يقول: وفيه أيضًا معنى التوبيخ ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] فلماذا يزعمون أنه لا أحد أشد منهم قوة لا وجه لهم فيما زعموا ما داموا يعتقدون أن الله هو الخالق، إن كانوا لا يقرون بأن الله هو الخالق هذا شيء آخر مع أنهم يقولون أنه الخالق فهذا تناقض منهم.

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 16) وأيضًا هنا فائدة جليلة، أصل سياق الكلام والعلم عند الله أن يقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ وكانوا بآياتنا يجحدون يعني - ربنا يصفهم - : فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وأيضًا كانوا بآياتنا يجحدون، لكن في الوسط ذكر جملة ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) هذه يقول عنها أهل العلم إنها جملة معترضة يعني جاءت في وسط الكلام، الكلام الذي بعدها موصول بما قبله هو من تتمة الكلام الذي قبله موصول به /معطوف عليه.

لكن تجيء للمسارعة في الرد عليهم أن كلامهم كلام غاية في السخافة، فلذلك جاء الرد عليهم مباشرة دون أن يكون هناك فاصل.

وهذا موجود في بعض المواضع كما في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) [سورة النحل:57].فأصل الجملة ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾، لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتم الجملة قال ﴿وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ (فصلت: 18) يعني تنزيهًا له سبحانه وتعالى.

وهذا يعلمنا أيضًا أننا حينما نبين تهافت قول من الأقوال، أو نبين ضلالة فئة من الفئات بسبب القول الباطل الذي يقولونه، إذا كان الكلام ربما غر بعض الناس حينما يسمعونه، فإنه ينبغي لنا ونحن نسوق الكلام وإن كان الكلام لم يتم بعد أن نبين أنه باطل فنقول مثلًا هذا كلام لا يخفى بطلانه وهو باطل، وهو لا يصح، ولربما سمع إنسان شطر الكلام، ثم انصرف، وما علم أن هذا الكلام باطل، وأن هذا الكلام منقوض، وما إلى ذلك فمثل هذا يستفاد من هذا والعلم عند الله.

قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] فعندهم إنكار شديد لما جاء به الوحي، ولما جاء به أنبياء الله ورسله.

قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 16) [فصلت: 16] فسَّروه هنا قال: (فبعثنا عليهم ريحًا ذات صوت مزعج في أيام مشؤومات عيلهم) &، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 16) [فصلت: 16] يعني ريح شديدة ذات صوت؛ لذلك جاءت كلمة ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 16) [فصلت: 16] وهي تدل على أنها ذات صوت مزعج، فصوتها مزعج، ثم هي كذلك مهلكة، وقد جاء وصفها في مواضع أخرى كما جاء في سورة الحاقة؛ لذلك قال ربنا: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (الحاقة: 7) [الحاقة: 7].

وقال في القمر: ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ (القمر: 20) [القمر: 20] فهذا يدل على أنه استئصال لهم، وقضاء عليهم.

قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 16) [فصلت: 16] أي مشؤومات عليهم، فهي بالنسبة لهم مشؤومة؛ لأن فيها هلاكهم، وإن كانت مقدرة بتقدير الله سبحانه وتعالى.

فاليوم من حيث هو تقدير الله سبحانه وتعالى وتقدير الله خير، لكن بالنسبة لبعض الناس قد يكون خيرًا له، أو شرًا عليه، ولذلك أطرح عليكم سؤالًا هنا وهو أن وصف الأيام بالنحسات، وأيضًا قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ (القمر: 19) [القمر: 19] فماذا أنتم قائلون مع النهي عن سب الدهر H0 فكيف التوفيق والجمع؟

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17)

يعني جمع الله لهم بين العذابين، العذاب الدنيوي، والعذاب الأخروي، لكن ما يلاحظ هنا ذكر كلمة الخزي ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) هنا مناسب لقوله ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [سورة فصلت:15]. ففيه أيضًا فائدة أن الجزاء من جنس العمل، فمن استكبر أخزاه الله سبحانه وتعالى.

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] قالوا هنا: (وأما ثمود قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فقد هديناهم بتبيين طريق الحق لهم)& إذن ما معنى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17]؟

يعني دللناهم على الصراط المستقيم، وليس المعنى وفقناهم؛ لأنه لا يمكن أن يكون المعنى هنا التوفيق بدليل ما جاء بعد ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] قد يقول قائل كيف استحبوا العمى على الهدى؟ نعم، استحبوا العمى لم يقبلوا هدى الله، بين الله لهم الحق، ولم يقبلوه، ولذلك تقدم أن الهداية أنواع منها نوعان بارزان مشهوران هداية دلالة، وبيان، وهذه عامة هدى الله لها ثمود بين لهم الحق كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) [النحل: 9] وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾ (الليل: 12) [الليل: 12] بيان الحق.

وأما الهداية هداية التوفيق فهذه لمن شاء الله سبحانه وتعالى لذلك قال هنا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] أي ففضلوا الضلالة على الهداية إلى الحق ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] قال: (أي فأهلكتهم صاعقة العذاب المهين)& ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] قال: (بما كانوا يكسبونه من الكفر، والمعاصي) وتأمل هنا للعاقبة.

قصة ثمود هنا جاءت مختصرة، أو جاءت موجزة، وفصلت في بعض المواضع، وما جرى منهم من عقر الناقة.

قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] (أي المهين)& إذن العذاب الهون يعني العذاب المهين.

والصاعقة وحدها تدل على أنَّ هذا عذاب، وعذاب شديد يعني لو قال: فأخذتهم الصاعقة هذا عذاب، لكنه أضاف الصاعقة إلى العذاب فدل على أنها صاعقة شديدة، ثم وصف العذاب بأنه العذاب المهين فهذا بيان لشدة العذاب الذي وقع بهم، وقد قال بعض أهل العلم إن ما وقع لثمود كان أشد مع أنَّ عاد ذكر الله هنا في حقهم ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] هنا ذكر الله في ثمود، ذكر أمرين:

ذكر ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] يعني لم يقبلوا الهدى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] ردوا الحق، كفروا بالله، لم يؤمنوا بالله، وقال في الختام وهذا متعلق أيضًا بجرمهم ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] يعني بسبب الكفر والمعاصي فهذا من تتمة إجرامهم.

ومن ذلك والعلم عند الله أيضًا أن عاد استكبروا في الأرض بغير الحق ولم يقبلوا آيات الله، وثمود عقروا آية الله، لم ينكروا وحسب، ﴿أَنَّمَا﴾ اعتدوا على آيات الله سبحانه وتعالى وكانت آية ظاهرة، ولذلك ربنا قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: 59) [الإسراء: 59] يعني آية واضحة جلية، ولعل هذا والعلم عند الله من أسباب ذكر ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17) [فصلت: 17] هنا في حق ثمود؛ يعني ما كان ثمة وجه لترك دعوة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، أو لإنكار دعوته، وقد استبانت المحجة للجميع، والله أعلم.

قال: ﴿وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ (فصلت: 18) [فصلت: 18] وهذا مناسب لما تقدم في صدر السورة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (فصلت: 8) [فصلت: 8].

﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (فصلت: 19) [فصلت: 19] بدأ ذكر حديث عما يجري في يوم القيامة، عن بعض ما يقع في يوم القيامة، وقلنا: إن السورة فيها وعد ووعيد، فيبين الله سبحانه وتعالى بعض ما يقع لهؤلاء يوم القيامة، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (فصلت: 19) [فصلت: 19] وهذا التعبير، وهذا التركيب ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (فصلت: 19) [فصلت: 19] تركيب ينبغي للمرء أن يعيه، وأن يدركه، وأن يحذر منه فهناك أولياء الله، وهناك أعداء الله، وسيأتي ذكر أولياء الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] قال بعدها ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (فصلت: 31) [فصلت: 31].

﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (فصلت: 19) [فصلت: 19] وبعد ذلك سيأتي ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28].

قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (فصلت: 19) [فصلت: 19] فسروا هنا يوزعون: (ترد الزبانية أولهم إلى آخرهم، ويتبع آخرهم أولهم)& هذا من تتمة الكلام.

إذن ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (فصلت: 19) [فصلت: 19] يعني يرد الآخر إلى الأول فيقفون في هذا الموقف ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 20) [فصلت: 20].

قال: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 20) [فصلت: 20] قالوا: (أسمعوهم، وأبصروهم)& فجعلوا السمع بمعنى الأسماع فهي بمعنى الجمع، وكذا الأبصار والجلود، وعطف الجلود على السمع والأبصار يمكن أن يقال من باب عطف العام على الخاص، فالجلود أعم، وأوسع، وذكر السمع والأبصار؛ لأن غالب المعاصي تقع بها، فكثير من المعاصي تقع عن طريق هذه الأشياء، نسأل الله السلامة، والعافية!

من فوائد الآيات:

¯الإعراض عن الحق سبب المهالك في الدنيا والآخرة.

¯التكبر والاغترار بالقوة مانعان من الإذعان للحق.

¯الكفار يجمع لهم بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة.

¯شهادة الجوارح يوم القيامة على أصحابها.

(الإعراض عن الحق سبب المهالك في الدنيا والآخرة) ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13) [فصلت: 13].

(التكبر والاغترار) وهذا ظاهر في قصة عاد.

(الكفار يجمع لهم بين عذاب الدنيا، وعذا ب الآخرة) ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 16) [فصلت: 16].

(شهادة الجوارح يوم القيامة على أصحابها) ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 20) [فصلت: 20].

﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] ذكر الله سبحانه وتعالى ما يقوله الكفار لجلودهم وجاء هنا القول للجلود مع أنه ذكر في الآية السابقة السمع والأبصار؛ لأنه كما تقدم الجلود أعم، ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] وربما كان المتوقع أن يقال: ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كيف شهدتم علينا؛ لأنه قال: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 20) [فصلت: 20] لكن لم يقولوا: كيف شهدتم علينا؟

وكأنهم لما عاينوا يوم القيامة، ووجدوا الأحوال الغريبة في يوم القيامة من تبدل الأرض، والسموات، وحدوث أمور عظيمة لم يكن هناك وجه لأن يسألوا عن الكيفية فقد ظهر الأمر، وإنما السؤال الذي يحتاجون إلى الإجابة عنه لم شهدتم علينا ونحن عنكن ندافع، ونحن عن الجلود ندافع، ونناضل كما جاء في الحديث حينما يختم على أفواههم وتنطق الجوارح فيقول: H0 يعني المتوقع أن الجلد يدافع عن صاحبه، وأنت الآن تشهد علي، ونسي هؤلاء أن تلك الجلود أمانة، وأن هذه الأعضاء سخرها الله عز وجل لهم، وهي أمانة، وهم لم يوفقوا لشكر هذه الأمانة، فكانت عليهم لا لهم، وانقلبت لتكون ضدًا عليهم، ولتكون شاهدة عليهم.

﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] إذن الإجابة جاءت أوسع ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] ما قالوا: شهدنا عليكم؛ لأنكم كفرتم، ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا ما هو أعم فعادوا إلى الأصل ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] وهذا أوسع ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] فجاءت الجلود مذكرة تذكرهم بحقيقة الأمر الذي غابت عنهم.

﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] عندما كنتم في الدنيا، وأنتم كنتم تنكرون البعث، وتشكون فيه، ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] فكأنها تذكرهم بما كان ينبغي عليهم أن يصنعوه في الدنيا من الإيمان بالله، ولذلك قد يقول قائل هنا ما وجه قولهم: ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] وقد رجعوا إلى الله؟

يعني الكلام هذا يكون يوم القيامة، لكن قالوا: ﴿وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 21) [فصلت: 21] فيحتمل والعلم عند الله أن المراد تذكير لهم ما كانوا يذكرون به في الدنيا كان يقال لكم في الدنيا الله خلقكم أول مرة وكان يقال إليه ترجعون، وأنتم لم تلتفتوا لهذا، أو أن الرجوع إلى الله عز وجل أنواع:

فهناك الرجوع بالبعث، وهناك رجوع إلى الله بعد ذلك؛ فهناك رجوع إلى الجنة، ورجوع إلى النار فمشاهد القيامة متعددة.

﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] قالوا هنا: (وما كنتم تستخفون)& إذن فسروا ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] تستخفون.

حين ترتكبون المعاصي حتى لا تشهد ﴿عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ولذلك هنا يكون هناك تقدير يعني وما كنتم تستخفون؛ لئلا يشهد عليكم هم قالوا: حتى، أو مخافة؛ لذلك يقدر المفسرون هنا تقديرًا، يعني وما كنتم تستخفون لئلا يشهد عليكم.

أو يكون معنى الاستتار هنا يعني لم تقدروا أن تستروا منها؛ لملازمتها لكم، ومن منا سيستر من جلده، كيف يستتر من جلده، يعني ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] يعني ما كان هذا حاصلًا لم يكن ليتأتى، فإذا كنتم ممن إذا خلا بمحارم انتهكها فإنه يخلو من الناس، لكن هل سيخلو من جلده، ما كان يتوقع هذا، ولا كان بإمكانه أن يستتر من هذا.

﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] وأيضًا من المعاني التي قيلت لم تكونوا تتحفظون منها فإذا كان الإنسان يتحفظ من رؤية الناس، ما كنتم تتسترون يعني لا تتحفظ منه، كيف تتحفظ من جلدك، ﴿أَنَّمَا﴾ يتحفظ من الناس، من الأجانب، من أن يراه أحد، وما إلى ذلك﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] لماذا ذلك؟

لأنكم لا تؤمنون بحساب، ولا عقاب، ولا ثواب بعد الموت ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] وقد ورد في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- في الصحيح حينما اجتمع قرشيان، وثقفيان، وقرشي وقالوا: هل ترى أن الله سبحانه وتعالى يسمعنا إذا تكلمنا، أو يسمع ما نقول: فقال بعضهم: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن كتمنا، أو أخفينا، وقال: إن كان يعلم إن أعلنا، أو جهرنا فإنه يعلم إن أخفينا فأنزل الله عز وجل الآية ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22) [فصلت: 22] تأمل ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 23) [فصلت: 23] أهلكهم فأصبحتم من الخاسرين.

وهذا فيه أن من أساء الظن بالله أساء العمل، فالذي لا يعتقد أن الله يعلمه، ويراه، ويطلع عليه، ويراقبه فإنه لن يعمل، ولذلك ربنا قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ (العلق: 14) [العلق: 14] وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الشعراء: 217-220) [الشعراء: 217 - 220].

لذلك المعول عليه في العمل الصالح مراقبة الله سبحانه وتعالى والإيمان به، فلأنهم اعتقدوا ﴿أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ عملوا ما يعملون يظنون أن الله لا يحاسبهم، أو أن الله لا يعلم ذلك، وهذا من جهلهم بالله سبحانه وتعالى، ولذلك من وفقه الله فعلم معاني أسماء الله الحسنى، وما تقتضيه فإنه يرزق الخير الكثير؛ لأن أسماء الله الحسنى تدعو إلى كل خير، وتدفع العبد إلى الخير دفعًا، وتحجبه، وتحجزه عن الشر حجزًا.

قال: ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] يعني فالنار مستقر لهم، هنا أمر ألفت النظر إليه أننا لا نقول فالنار هي جواب إن يعني لا نقول: ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ هذا هو الجواب؛ لأن النار مثوى لهم صبروا، أو لم يصبروا هي مثوى لهم؛ لذلك حينما نأتي للجواب يكون الجواب مرتبط بشرط، أما إذا كان الجواب متحقق، أو إذا كان الكلام بعد الشرط متحققًا وواقعًا بغض النظر عن الشرط فيكون هناك الجواب يدل عليه هذا الكلام.

فكأن المعنى: فإنَّ يصبروا لا ينفعهم يمكن هذا، أو فإنَّ يصبروا على عذاب شديد ﴿إِلَّا﴾ فليصبروا فإنَّ العذاب شديد، ثم قال: ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] فهذا يدل عليه.

﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] قال: (وإن يطلبوا رفع العذاب)& يريدون أن يرفع الله عز وجل لهم العذاب، ويكون لهم العتبى، والرضا من الله ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] لا يتحقق لهم ذلك، لمَ؟

يعني ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] لن يعتبوا أيضًا ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] لمَ؟ ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) [فصلت: 24] هؤلاء كفروا بالله سبحانه وتعالى وظنوا بالله ظن السوء.

ثم قال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] يعني وهيأنا لهؤلاء الكفار قرناء من الشياطين، وهذا فيه أن من أعرض عن الحق سيق إلى الباطل، وأن من انصرف عن الحق أقبل على الباطل فهم لما أعرضوا عن دعوة الأنبياء والمرسلين سلطت عليهم الشياطين؛ ولذلك النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية هذا صحيح كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الزخرف: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36) [الزخرف: 36] وكأنها مقايضة بيع، وشراء وملازمة وهذا في مقابلة قرناء الخير، أو أصحاب الخير.

﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] تأملوا هنا ماذا قالوا في قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] فحسنوا لهم سوء أعمالهم في الدنيا يعني جاءوهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الدنيا فقالوا لهم: اعملوا للدنيا، والدنيا فيها كيت، وكيت زينوا لهم أمور الدنيا من المعاصي، والذنوب، وحسنوا لهم ما خلفهم من أمر الآخرة لا تخافوا من الآخرة وكما أعطاكم الله في الدنيا فسيعطيكم في الآخرة إن كانت هناك آخرة فأنسوهم تذكُّرها، والعمل لها.

إذن جاءوهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ هذا كما قال الله سبحانه وتعالى في شأن الشيطان ﴿ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17) [الأعراف: 17] وتقدم أن قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] هنا فسَّروه بماذا؟

بالدنيا باعتبار أنه تقدم، ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] بالمستقبل؛ لذلك فسَّروه بالآخرة، ومنهم من يعكس والكلام في الحقيقة في هذا التركيب كثير، ولذلك تكرر، وتكرر معنا في السور الماضية، وتكرر معنا في سورة فصلت ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 14) [فصلت: 14] وسيأتينا أيضًا في قوله: ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) [فصلت: 42] وقد جمعت فيه جزءًا يسيرًا من بحث تكلمت فيه عن كل ما ورد في قوله: من بين أيديهم، ومن خلفهم، مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ؛ فلعله إن شاء الله تعالى يرسل إليكم بعد حين بإذن الله تعالى.

قال الله سبحانه وتعالى بعدها: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25].

﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] في جملة أمم ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] قالوا هنا: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] (يعني وجب عليهم العذاب في جملة أمم)&.

إذًا معنى ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] يعني في جملة أمم.

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 25، 26] تأملوا هنا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] هذا من تمام الإعراض، إذًا فهم فأعرض أكثرهم، فإنَّ أعرضوا، أيضًا من جنس الإعراض ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] وتأمل هنا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] يعني ما قالوا حتى لا تستمعوا يعني جاء التعبير هنا بنفي السماع، وكأنهم يعلمون أن السماع وحده يؤثر فضلًا عن الاستماع، والاستماع فيه شيء من بذل الجهد، والإصغاء، والإقبال.

فهم يخافون حتى من السماع؛ لأن السماع وهذا مشاهد فالذي يسمع القرآن يتأثر به ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] وهذا يدل على اعترافهم بأن القرآن غالب، وبأن القرآن عظيم أثره ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] إن حدث سماع لعلة، أو لضرورة فألغوا فيه.

وتأمل ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] يعني في داخله حتى يشوش عليه فلا فيكون منه شيء يسمع ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26].

وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] فيه إشارة إلى أنهم يعلمون أنهم بدون ذلك لا يكونون غالبين، بل يكونون مغلوبين يعني إذا رمتم الغلبة فما هو إلا الإعراض عن سماع القرآن، وما هو إلا اللغو في القرآن الكريم إن اضطررتم إلى سماعه وهذا يدل على عظيم أثر القرآن الكريم وأنه حقيق بنا ﴿إِلَّا﴾ نهجر القرآن الكريم سماعًا، ولا استماعًا، ولا نهجره حفظًا، وتدبرًا، وما إلى ذلك مما هو معروف.

قالوا: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 27) [فصلت: 26، 27].

و﴿فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 27) [فصلت: 27] ما هو؟ الكفر والمعاصي؛ ولذلك الحسنات التي يعملونها قد يكافئون عليها ﴿أَنَّمَا﴾ في الدنيا، وأما في الآخرة فلا شيء لهم كما قال الله﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (النور: 39) [النور: 39] وقال: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم: 18) [إبراهيم: 18] فهي ذاهبة.

قال: ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28] نسأل الله السلامة!

﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28] وهنا أسلوب عجيب أيضًا جليل ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28] في ماذا؟ لهم في النار، ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28] النار هي دار الخلد؟ يعني وكأنه خرج من النار جزء يقال لهم دار الخلد، وهي النار هذا يسمى بأسلوب التجريد في البلاغة يعني ينتزع شيء من الشيء، ويذكر وهو من أوصافه وقد ذكره بعضهم أيضًا في بعض المواضع القرآنية؛ كقوله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104) [آل عمران: 104] كأنه هناك منكم أنتم، وأنتم الأمة على قول عدد من المفسرين.

﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28] تأمل هنا ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 28) [فصلت: 28] وقد تقدم في كلام الله سبحانه وتعالى عن عاد ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [فصلت: 15] فهذا عود على بدء، ثم قال الله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ﴾ (فصلت: 29) [فصلت: 29] تأملوا رحمكم الله، الآيات في سورة غافر ذكر فيها المجادلات، لكن لأن السورة تقوم هنا ليس على المجادلات، ﴿أَنَّمَا﴾ عن طرق الإعراض عندهم إعراض ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [فصلت: 26] ولا يريدون الإصغاء للقرآن، ثم يأتي يوم القيامة يتبرؤون ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ﴾ (فصلت: 29) [فصلت: 29].

وذكروا هنا أعظم من أضل وهو إبليس اللعين، وابن آدم الذي سن سفك الدماء، ولا يمنع أيضًا أن يلحق بهما كل من أضل؛ فقد جاءت آيات تدل على أن التابعين يطلبون من الله سبحانه وتعالى أن يضاعف العذاب لأولئك المتبوعين الذين قد تبعوهم في هذه الحياة، وقد تقدم معنا قول المستكبرين ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 48) [غافر: 48].

من فوائد الآيات:

¯سوء الظن بالله صفة من صفات الكفار.

¯الكفر والمعاصي سبب تسليط الشياطين على الإنسان.

¯تمني الأتباع أن ينال متبعوهم أشد العذاب يوم القيامة.

(سوء الظن بالله صفة من صفات الكفار) ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 23) [فصلت: 23] وقد تقدم معنا في قول الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الصافات: 87) [الصافات: 87].

وقال هنا: (الكفر والمعاصي سبب تسليط الشياطين على الإنسان) ولذلك قال: (﴿۞ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25]) لمَ؟ بسبب كفرهم، وابتعادهم عن طاعة الله سبحانه وتعالى والاستجابة لأوامره.

(تمني الأتباع أن ينال متبعوهم أشد العذاب يوم القيامة) كما جاء هنا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ﴾ (فصلت: 29) [فصلت: 29].

والمطلوب منكم هنا أن نذكر آيتين، أو ثلاث آيات تدل على هذه الفائدة (تمني الأتباع أن ينال متبعوهم أشد العذاب يوم القيامة) وهذا متكرر في القرآن الكريم؛ فلنذكر بعض الأدلة على هذا في غير ذلك من مواضع القرآن الكريم.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا ولما ذكر الله جزاء أعداءه، ذكر جزاء أوليائه، وهذا تقدم معنا أن هذا يقال له بيان المناسبة فيقولون: ولما يعني بعد أن ذكر الله شيئًا ذكر المقابل له أو يذكرون المناسبة بحسب السياق وهنا قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] فهؤلاء هم أولياء الله.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] دلالة على أن العبد ينبغي له أن يستقيم على طاعة الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه الرجل أن يوصيه بوصية لا يسأل عنه أحدًا غيره صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: H0 قال: H1 وهي مستقاة من هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] قال بعضهم: لم يروغوا روغان الثعالب استقاموا على توحيده، وعلى شرعه فوحدوا الله، وعملوا الأعمال الصالحة فنسأل الله أن يرزقنا الاستقامة؛ ولذلك قال بعضهم: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة، من أعظم الكرامات التي يعطاها العبد من العباد أن يكون مستقيمًا في أموره كلها في السر والعلن، في الرخاء والشدة في شبابه، وفي هرمه في شدته، وفي ضعفه مع نفسه، ومع غيره أن يكون مستقيمًا.

قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] الخوف يكون مما هو مستقبل، والحزن على ما فات؛ لذلك قال: ﴿إِلَّا﴾ تخافوا من الموت، ولا مما بعده، ولا تحزنوا على ما خلفتم في الدنيا.

فهم لا يخافون من مستقبل، ولا يحزنون على ما فات، لا يحزنون على ما فات، لمَ؟ لأنهم سيقدمون على ما هو أعظم، وما هو أجل؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال: H2 لأن المؤمن مهما كان في الدنيا غنيًا، أو كان ممتعًا فإنَّ هذا سجن بالنسبة لما يلقاه في جنات النعيم، نسأل الله أن نكون من أهلها.

قالوا هنا: (عند احتضارهم) & فجعلوا هذا عند الاحتضار، وهذا عليه أكثر المفسرين، أو كثير من المفسرين، وجعلوا أن هذه بشارة لهم قبيل الموت، ولا يمنع والله أعلم أن حماية الملائكة لابن آدم هذا يسبق، لكن كأن هذا القول يقال لهم في هذا؛ لأنه غير مشهور أن الملائكة تقول هذا ظاهرًا للإنسان في الحياة، لكن تأمين الإنسان هذا موجود في الحياة؛ فأهل الإيمان يجدون من التأمين، ومن حفظ الله سبحانه وتعالى لهم، وتأييدهم بالملائكة يحفظونهم من أمر الله.

فلذلك المستقيم على طاعة الله سبحانه وتعالى هو في معية الله قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] يعني الملائكة تقول لهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) [فصلت: 30] لا سيما أن هذا في النزع الأخير، أو ذلك قبل الموت عند الاحتضار فتكون بشارة لهم.

﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (فصلت: 31) [فصلت: 31] وهذا يشهد للمعنى الذي ذكرت أن هذه البشارة وإن كانت قبيل الموت، لكن الولاية أسبق.

﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (فصلت: 31) [فصلت: 31] فقد كنا نسددكم ونحفظكم، وتأمل أخي الكريم، هذا في مقابلة ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (فصلت: 25) [فصلت: 25] فإذا كان الكفار تسلط عليهم الشياطين فإن المؤمنين يُعانون بالملائكة بإذن الله تبارك وتعالى فتكون صحبة طيبة، ورفقة عظيمة، نسأل الله من فضله!

﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (فصلت: 31) [فصلت: 31] يعني ما تطلبونه مما تشتهونه، فتدعون تطلبون، أو تتمنون.

﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (فصلت: 32) [فصلت: 32] وهذا يناسب صدر السورة ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (فصلت: 2) [فصلت: 2] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] يعني لا أحد ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾.

إذًا ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] المراد هنا بالاستفهام؟ النفي، أو إنه إنكار يفيد النفي يعني لا أحد، لا يمكن أن يكون هناك أحد أفضل من هؤلاء.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] وتأمل هذا التعبير القرآني الجليل ما قال: ومن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ من قول من دعا إلى الله الكلام عن القول، ومن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ من قول من دعا إلى الله، ولم يقل: ومن أحسن ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ إذا كان يتكلم عن الأشخاص، ﴿أَنَّمَا﴾ كان الكلام ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] وكأن الداعي إلى الله سبحانه وتعالى حينما تصدر الكلمات منه تتملكه فكأنه ليس إلا تلك الكلمات فالكلمات تمثله وهو يتمثلها والعلم عند الله، وهذه دعوة تدل على أن الشخص يكون صادقًا في دعوته، وأن الكلمات حينما تخرج تمر على القلب، وتستقر فيه، ثم تخرج من قلبه فتبلغ المبلغ العظيم ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ دعا إلى الله بماذا؟ دعا إلى الله إلى توحيد الله هذا صحيح، إلى الأمر بعبادته إلى الاستقامة على طاعته كل هذا يدخل.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] هذا فيه أن الداعية إلى الله ينبغي أن يجمع بين العلم والعمل فلكي تثمر دعوته فلا بد من العمل.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] وهذا معنى جميل وهو يبين أنه واحد منهم، وفرد منهم فهو ليس بمعزل عنهم في الدعوة، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) [فصلت: 33] أي المستسلمين إلى الله، وفيها أيضًا معنى الإخلاص أن يكون مخلصًا لله.

﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34] قالوا هنا: (ولا يستوي فعل الحسنات، والطاعات التي ترضي الله، ولا فعل السيئات، والمعاصي التي تسخطه)& يعني شتان، شتان بين حال هؤلاء المحسنين من أولياء الله، وبين حال أعداء الله سبحانه وتعالى.

لكن هنا معنى آخر لطيف ذكره بعض أهل العلم أن قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34] لما دخلت لا دلت على أن الحسنة في جهة، والسيئة في جهة فيكون المعنى حينئذ ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾، ولا تستوي السيئة، والمعنى: أن الحسنة متفاوتة يعني أن الناس في الحسنات متفاوتون كما أن الناس في السيئات متفاوتون، فليسوا على درجة سواء فكأن المعنى هناك من يدعو إلى الله، وهناك من يقصر في الدعوة إلى، ومن يدعو إلى الله على درجات، فقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34] يعني الحسنات متفاوتة، وكذلك السيئات متفاوتة فجعلوا هذا في كل باب من الأبواب.

فهما معنيان في قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34].

﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [فصلت: 34] ادفع بها ماذا؟ السيئة عرفنا هذا من آية أخرى أيضًا ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 96) [المؤمنون: 96].

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة