سورة يس — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة يس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فنبدأ على بركة الله تبارك وتعالى القراءة في كتاب (المختصر في التفسير) الذي أعدّه مركز تفسير للدراسات القرآنية، وكما بلغكم فسنبدأ بإذن الله تعالى بدءًا مِن سورة يس، باعتبار أن هذه السور إلى آخر القرآن الكريم أيسر على كثير مِن الناس، وكثير من الناس يحفظونها، فإذا فرغنا بإذن الله تعالى مِن سورة الناس وانتهينا مِن هذا الربع مِن أرباع القرآن الكريم فسنعود بإذن الله تعالى إلى سورة الفاتحة، ثم البقرة.
ونسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
التعريف بالسورة
سورة يس سورة [مكية]؛ سيتكرر معنا بإذن الله تعالى هذا المصطلح كثيرًا، فنقوله حتى يثبت في الأذهان ويرسخ، فلا نحتاج إلى معاودته مرارًا.
اصطلاح "مكي" معناه عند كثير مِن المحققين أي: ما نزل قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنها سورة مباركة نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِن مكة إلى المدينة النبوية فلذلك يُقال لها "مكية".
وهل معرفتنا بأن السورة مكية أو مدنية تفيدنا؟
الجواب: نعم، يفيدنا مِن ذلك أن للمكي ضوابط ومميزات وخصائص، فمن ذلك: أن السور المكية تُعالج أبواب الاعتقاد، ولذلك يكثر في السور المكية الحديث عن التوحيد، والحديث عن الرسالة، والحديث عن البعث، وهذا ما سنراه بإذن الله تبارك وتعالى جليا في سورة يس، وأن الحديث دار فيها عن هذه الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والبعث.
وهنا قال: [مِن مقاصد السورة إثبات الرسالة والبعث ودلائلهما] أي: وإثبات دلائلهما، فالسورة الكريمة تحدثت عن قضية الرسالة، وأنت ترى في أول السورة قول الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3]، وهنا قاعدة نستفيدها؛ إذا أردنا أن نعرف مقصود سورة مِن السور فإننا نعتني اعتناء شديدًا بمطلع السورة، أول السورة، ففي أول السورة يكون المقصد ظاهرًا أو جليًا، وفي بعض الأحيان يحتاج إلى شيء مِن الانتباه، لكن مقصود كل سورة في مطلعها، فربنا قال: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:2-3]، إذن سورة يس تعالج قضية الرسالة، تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وصدق، هذا من جهة.
ثم تبين حاجة الناس إلى الرسالة، ولذلك سنرى بإذن الله تعالى أنه قد تكرّر في السورة الكريمة ذكر الإنذار، ﴿لِتُنذِرَ﴾ [يس:6]، ﴿مَّآ أُنذِرَ﴾ [يس:6]، وكذلك ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:70]، ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11]، قضية الإنذار، إذن فيها قضية الرسالة وقضية الإنذار، أي: إننا بحاجة إلى هذه الرسالة لأن فيها إنذارًا، ولذلك جاءت قصة أصحاب القرية باعتبار أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن هؤلاء الرسل أنذروهم، ولمّا لم يستجيبوا أهلكهم الله سبحانه وتعالى.
ولا يعني ذلك أن السورة الكريمة قد خلت من الحديث عن التوحيد أو الحديث عن البعث، فإنَّ الحديث عن البعث في السورة الكريمة كثير جدًا، ولك إذا نظرت إلى نهاية السورة الكريمة ﴿فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83] في آخر سورة يس، ﴿فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [يس:83] هذا حديث عن توحيد الله سبحانه، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83] حديث عن البعث، ولذلك جاء ذِكر البعث مرارًا في السورة الكريمة، ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس:77-78] إلى آخر الآيات الكريمة.
الشاهد مِن ذلك أنه مِن مميزات هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب (المختصر في التفسير) أنهم في بداية كل سورة يتحدثون عن مقصود السورة، وهم مِن باب الاحتراز يقولون: [مِن مقاصد السورة]؛ لِمَ؟
لأن مقصود السورة الأكبر والأعظم أمر اجتهادي يحتاج إلى اجتهاد؛ بمعنى قد يرى عالم مِن العلماء أن مقصود السورة كذا، ويرى عالم آخر أن مقصود السورة كذا، فمجال الاجتهاد فيها واسع، فهم أرادوا أن يخرجوا من هذا المأزق لئلا يجزموا بشيء وربما لا يكون صحيحًا، فقالوا: [مِن مقاصد السورة].
تحليل مقارن وربط بين السور
لكننا حينما نسمع في سورة مِن السور أن مقصودها تقرير التوحيد أو النبوة أو البعث فيسأل السائل ويقول: كل السور المكية تعالج هذه القضايا، فما خصيصة سورة عن سورة؟ فمثلا سنأتي إن شاء الله إلى سورة الصافات نجد أنها أيضًا تحدثت عن التوحيد وتحدثت عن الرسالات، لكن الفرق أن لكل سورة سمة خاصة بها؛ فسورة يس- وأنا لا أريد أن أستبق الأحداث ففي أثناء القراءة سيتضح لنا بإذن الله تعالج بالفعل قضية الرسالة وذلك مِن صدر السورة، ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:2-3]، طيب ولماذا الرسالة مطلوبة ومهمة؟
لأن فيها إنذارا ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [يس:6]، والغافل يحتاج إلى تنبيه، لذلك أرسل الله الرسل، ولِمَ لا يرسل الله الرسل وقد أرسل الله إلى قرية رسولين، بل أرسل ثلاثة، بل جاء مِن أقصى ﴿ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ ليكون موافقًا لهؤلاء الرسل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فقامت السورة على ذلك.
ولمّا كان الرسول حينما يدعو قومه يُنذرهم، يُنذرهم بماذا؟
يخوفهم مِن عذاب الله، وهذا يقتضي أن يكون هناك إيمان بالبعث، لذلك كثر في السورة أيضًا تقرير البعث، دلائل البعث، الآيات الكونية، وكذلك الحديث عن الآخرة ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:51].
تكرّر في السورة ذكر الآية؛ بل مِن عجيب الذكر في السورة أنه يُقال ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾، لا يذكر الآية، ﴿أَنَّمَا﴾ يقول أولًا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي: انتبهوا هذا الذي نتحدث عنه آية مِن الآيات، إلى أن خُتمت السورة الكريمة.
فحاصل القول الذي نستفيد هنا أن مقصود السورة الكلي هو الحديث عن الرسالة وحاجة الناس إليها، والحديث عن البعث والجزاء الأُخروي، وانقسام الناس إلى أشقياء وإلى سعداء -جعلنا الله مِن السعداء بمنّه وكرمه-.
نعم هذه السورة تُسمى بسورة يس، لأنه في بدئها ﴿يسٓ﴾ [يس:1]، قال هنا: [سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة] هذا يسميه العلماء بالإحالة، يعني أنك تُحيل على كلام سابق، فتقول: "سبق"، هذا باعتبار أن القارئ سيقرأ مِن أول الكتاب فسيقرأ سورة البقرة، فتقابله ﴿الٓمٓ﴾ [البقرة:1]، فهو يريد أن يقول: الكلام في يس كالكلام في ﴿الٓمٓ﴾ [البقرة:1]، لكن لما كنا بدأنا بيس أو نبدأ بيس نضطر إلى أن نذكر عنها شيئًا يسيرًا.
بداية هذا معناه أن أصحاب الكتاب (المختصر في التفسير) لا يرون أن يس اسم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك أن فريقا مِن العلماء ووردت به بعض الآثار يقولون: إن يس اسم مِن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وعضدوا ذلك بأن الخطاب جاء بعد ذلك موجها للرسول، ﴿يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:1-3]، فقالوا: هو اسم مِن أسمائه.
لكن لم يثبت H0. ومال آخرون إلى أنه اسم من أسماء الله تبارك وتعالى.
لكن الأصح ما ذكروه أنه مِن الحروف المقطعة، وحاصل القول فيها أن هذه الحروف تحدّى الله عز وجل بها الناس أجمعين، فهو كأنه يقول لهم: أنتم تعرفون الياء، وتعرفون السين، وتعرفون هذه الحروف المقطعة، ومع معرفتكم بها وعلمكم بها إلا أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثل هذا القرآن الكريم.
خلاصة وتثبيت الفكرة
إذن لماذا يبدأ الله بعض السور بالحروف المقطعة؟
للدلالة على عجز الخلق، وأننا عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن الكريم، ولذلك في الغالب يأتي بعد يس قوله: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [يس:2]، أو يأتي الحديث عن القرآن كما في سور أخرى ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2]، ﴿حمٓ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ [الدخان:1-2]، وهكذا، فتجد في غالب الأمر أنه يأتي بعد الحروف المقطعة ذِكر للقرآن الكريم، وما ذلك إلا للدلالة على أن هذه الحروف يُتحدى بها، وأنه لا يستطيع أحد مع معرفته بالعربية ومع بلاغته أن يأتي بمثل هذا القرآن الكريم.
ثم جاء القسم بعد ذلك فقال الله: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [يس:2].
هذه هي الآيات الأولى مِن هذه السورة المباركة، وهي كما تقدم تتحدث عن إثبات رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان أنه على الهدى، وأن الناس كانوا في غفلة، وهم بحاجة إلى الرسالة، ولذلك جاء الرسول صلى الله عليه وسلم لينذرةم وليخرجهم مِن تلك الغفلة، لكن مع ذلك فأكثر الناس معرضون، ولذلك يستحقون العذاب، وهم ممتنعون عن الاهتداء بهدى القرآن الكريم، وأما مَن ينتفع بالقرآن فهو مَن ﴿ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11] وهذا له الأجر العظيم مِن الرب الكريم سبحانه وتعالى.
فقال هنا: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [يس:2] هذا أسلوب قسم، وهذا يتكرر في القرآن الكريم كثيرًا، يقسم الله سبحانه وتعالى بالقرآن الحكيم.
قال هنا: [والقرآن الحكيم الذي أحكمت آياته، والذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خلفه].
عَلام يُقسم رب العباد سبحانه؟
﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3]، فهذا أسلوب مؤكد، ولذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3] هذا يُقال له "جواب القسم"، يعني بما أقسم الله سبحانه؟
أقسم بالقرآن.
وأقسم على ماذا؟
أقسم على أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3]، وهذا أيضًا عجيب، لأن هناك علاقة بين المُقسم به والمُقسم عليه، فالمقسم به هو القرآن، يعني رب العزة يُقسم بالقرآن، يقسم بالقرآن على ماذا؟
على أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه يقول: "إذا أردتم أن تعرفوا الدليل على أن محمدا هذا هو رسول الله فأقرأوا القرآن، فإنَّ القرآن وحده كاف في أن يدلكم على أن هذا رسول الله صدقا وحقًا.
إذن علاقة قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3]بقوله: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [يس:2] أن القرآن يشهد لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ويدل على أنه مرسل مِن عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3] وهذا قد تكرر في القرآن ذكره، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:252]، وقال أيضًا: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ﴾ [المنافقون:1]، وهذا يسميه العلماء بالنظائر القرآنية، يعني الإنسان حينما يقرأ القرآن يجد هناك آيات لها نظائر، آيات تُشبهها آيات أخرى، فحري به وهو يدرس تفسير القرآن الكريم أن ينظر إلى الآية وإلى نظيرها، فحينئذ يستجمع تلك الآيات ويضم النظير إلى نظيره، فيكون هذا أعون له على تفسير القرآن الكريم.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يس:3-4] لنا أن نقول: إن المعنى: إنك يا رسول الله لمِن المرسلين على منهج مستقيم، إذن رب العباد يُقسم على ماذا؟
على أن محمدا مُرسل على منهج مستقيم، أو أن تكون الجملة قد تمت ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:3]، ثم قال: ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يس:4] يعني أنت على صراط مستقيم، إذن هي جملة جديدة.
يبقى إما أن يكون المعنى ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يس:3-4] أنت مرسل على منهج مستقيم. أو إنه ﴿أَنَّمَا﴾ أقسم على أنه رسول الله، ثم قال له: وأنت أيضًا على صراط مستقيم.
والعجيب أن رب العزة سبحانه وتعالى قد أخبر عن نفسه فقال: ﴿إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فالله على صراط مستقيم والرسول أيضًا على صراط مستقيم، كيف هذا؟
الله على صراط مستقيم لأنه الذي أنشأ الصراط، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم على صراط مستقيم لأنه متبع لهذا الصراط ودال على هذا الصراط،.
ثم تمضي الآيات المباركة ﴿تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [يس:5-6].
أنبه هنا فقط على لطيفة في قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ [يس:6]، "ما" هنا فسروها هنا قالوا: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [يس:6] أي: أنزلنا إليك ذلك لتخوف قوما وتنذرةم، لأن الإنذار معناه التخويف، وهم العرب الذين لم يأتهم رسول ينذرةم، فهم لاهون عن الإيمان والتوحيد، وكذلك شأن كل أمة انقطع عنها الإنذار تحتاج إلى مَن يذكرها مِن الرسل، هذا معناه أن قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ﴾ [يس:6] معناها:" لم ينذر"، فـ "ما" هنا نافية، وهذا معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء على قوم لم يأتهم نذير، ويشهد لهذا المعنى قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ:44]، ويشهد له أيضًا قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [القصص:46].
لماذا نقول هذا الكلام؟
لأن كلمة واحدة في القرآن الكريم إذا اختلف معناها سيترتب على ذلك اختلاف معنى الآية، لأن بعض الناس فهم ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ [يس:6]، أي: لتنذر قومًا بالذي أُنذر أباءهم، فقالوا: إذن الآباء أُنذروا، وأيضا لتنذر قوما مثل إنذار آبائهم؛ وترتب على ذلك هل النبي عليه وسلم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يجيء الناس كانوا في مرحلة الفترة؟ يعني هل كان المشركون ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يجيء الرسول مِن مات منهم هو في مرحلة الفترة؟ بمعنى إنه انقطاع عن الرسالات فيكون حكمه حكم أهل الفترة؟ أم يُقال الحجج قد قامت عليهم وهم على ذلك يحاسبون؟
الشاهد هذا فيه كلام طويل، لكن أحببت أن أنبه هنا على أن "ما" هنا على الصحيح كما ذكروا تُفيد أنه لم يأتيهم نذير قبل الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم تمضي الآيات ﴿لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:7] وهذا فيه دليل على أن الأمر كله بقضاء الله وقدره، ولكن الله لا يظلم أحدا.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًا﴾ [يس:8] قال هنا في التفسير: [ومثلهم في ذلك مثل مَن جُعلت أصفاد في أعناقهم]، الأصفاد أو الأغلال مثل الأطواق، يعني ربنا يضرب لهم المثل بأولئك الذين قد جُعلت أطواق في أعناقهم، بمعنى أن اليد قد شُدت ووضعت مع العنق في طوق؛ فشُد اليد مع العنق في غل وفي قيد ﴿فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ﴾ [يس:8] فارتفعت هذه الأثقال حينما شُدت إليها اليد بهذه السلاسل وتلك القيود ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ [يس:8] يعني رافعون رؤوسهم، لا يلتفتون هنا ولا هنالك، والمقصود مِن ذلك أنهم لا يستفيدون ولا ينتفعون بالهدى.
إذن هذا تمثيل لهم بأنهم لا يستفيدون بالإيمان لأنهم لا يذعنون له ولا يخفضون رؤوسهم من أجله، يعني تكبروا، كهذا الذي صار مقمحًا يعني رافعًا رأسه إلى فوق، فهو لا يرعوي ولا يستفيد ولا يلتفت إلى شيء؛ فهو تمثيل لإعراضهم عن الهُدى، وعدم استجابتهم لله سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ [يس:8]، ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ [يس:8]، قال هنا: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ [يس:8] أي: اُضطروا إلى رفع رؤوسهم إلى السماء، لأنه مِن شدة هذه السلاسل اُضطروا إلى رفعها فحينئذ لا يستطيعون خفضها.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:9] يعني لا يُبصرون إبصارا ينتفعون به لأنهم مصرون معاندون.
إذن ربنا ذَكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسله الله مِن أجل الإنذار، فهل استجاب الناس كلهم له؟
لم يستجب كثير مِن الناس، هؤلاء الذين لم يستجيبون منعهم الله الهدى، وحرمهم منه بسبب زيغ قلوبهم، فَلَمَّا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ.
لكن هناك فريق أخر هذا الفريق الآخر فريق مبارك، فريق يتبع الذكر، فقال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:11] وهكذا القرآن دومًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام يذكر حال الأشقياء ثم يذكر حال السعداء، يذكر حال المعرضين ثم يذكر حال المقبلين أو العكس.
﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ [يس:11] تأمل ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ [يس:11] وهناك ﴿لِتُنذِرَ﴾ [يس:6]، إذن كما قلت السورة تتكلم عن أن دعوة الرسول قائمة على الإنذار، وأننا ينبغي لنا أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم.
هنا إشكال قد يرد ويحتاج إلى جواب، حينما يقرأ قارئ قول الله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11] يقول: أليس الرسول صلى الله عليه وسلم مُنذرا لكل الناس؟ يعني ربنا قال: ﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس:2]، وهنا في الآيات ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا﴾ [يس:6] إذن الرسول مُرسل لجميع الناس ومنذر لجميع الناس مع أنَّ الآية جاءت بأسلوب الحصر ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ﴾ [يس:11] كأنه لا ينتفع بهذا أو كأنه لم يُنذر إلا لهؤلاء؛ فالجواب هنا أن الإنذار المُراد هنا الإنذار المنتفع به.
إذن معنى ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ﴾ [يس:11]يعني ﴿أَنَّمَا﴾ تنذر إنذارا ينتفع به، مَن الذي ينتفع بالإنذار؟
﴿مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ﴾ [يس:11] وهو القرآن، ﴿وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11] كما فسَّروه هنا قالوا: [وخاف من ربه في الخلوة حيث لا يراه أحد].
إذن ما معنى ﴿وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11]؟
يعني خاف مِن ربه في الخلوة حيث لا يراه أحد.
وهناك معنى ثانِ؛ يعني خشي ربه مع أنه لا يرى الله، إذن معنى ﴿وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11] فيه معنيان:
· أنه خاف وخشي الله في خلوته.
· وأنه خشي الله مع أنه لا يراه.
﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:11].
ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [يس:12] وهذا فيه أن السورة ستتكلم عن البعث، إذن مِن الإنذار الحديث عن إحياء الموتى وعن البعث، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [يس:12] وسيأتينا إن شاء الله إنه في أخر السورة حديث عن إحياء الموتى فهذا مِن التناسب.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟﴾ [يس:12] ما قدمه كل إنسان،﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:12]، فسروا "الآثار" هنا: ما قدموه في حياتهم الدنيا مِن الأعمال الصالحة والسيئة، إذن هذه هي الآثار، وبعضهم قال: "الآثار" الآثار المشي على الإقدام، يعني أنت حينما تمشي إلى الخير فهذا يُكتب لك، وإذا مشيت إلى الشر أو إلى السوء فهذا أيضًا يُكتب عليك، ويشهد لذلك أن الرسول قال: >يا بني سلمة دياركم تُكتب أثاركم<، يعني الزموا دياركم وأمشوا إلى المسجد وإن كان بعيدا فإنك كلما مشيت كتب الله لك الأثر.
لكن المعنى الذي ذكروه أوسع، وهو أن معنى،﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:12] أثرك يُكتب، كل عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ تعمله يُكتب، وكذلك ما يكون صدقة جارية عنك، فالعلم الذي يُنتفع، والشيء الذي تورّثه وإذا سننت سنة حسنة كل ذلك يكتبه الله، ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ.
أيضًا مِن مميز هذا الكتاب أنه يذكر بعض الهِدايات والفوائد المستنبطة مِن الآيات وهذا باب فسيح، فهم يذكرون بضع فوائد أو يذكرون ثلاث فوائد أو أربع فوائد، ثم يتركون المجال للمتدبر، بإمكانك أنت أن تنظر في الآيات ثم تستخرج منها مِن الفوائد ما يفتح الله عز وجل لك.
مِن الطريقة المثلى ونحن نقرأ الكتاب ونحن ندرس الكتاب مع أنفسنا أيضًا ونراجعه بعد هذه القراءة أن نستخرج هذه الفائدة مِن أي آية أُخذت، يعني العناد مانع مِن الهداية إلى الحق، نعم وهذا وقع مِن ماذا؟
مِن هؤلاء؛ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ [يس:8]، بسبب ماذا؟
بسبب عنادهم.
وأيضا قوله: ﴿وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:10]، فيكون لماذا لا ينتفعون؟
بسبب العناد.
طيب الفائدة الثانية: العمل بالقرآن وخشية الله من أسباب دخول الجنة؛ من أين هذه الفائدة؟
﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:11].
إذن مَن يعمل بالقرآن، مِن أين يعمل بالقرآن؟
﴿ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ﴾ [يس:11]، وخشية الله ﴿وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يس:11]، هذا مِن أسباب الجنة، وهذا دلّت عليه آيات أيضًا قرآنية أخرى، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى بيّن أن القرآن الكريم ﴿أَنَّمَا﴾ ينتفع به مَن يخشى الله، ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ [البينة:8]، وقال أيضًا: ﴿مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق:33].
قال هنا:[فضل الولد الصالح والصدقة الجارية وما شابههما على العبد المؤمن]، مِن أين أخذنا هذه الفائدة؟
من قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:12].
إذن الآثار يُحاسب عليها العبد وينتفع بها العبد يوم القيامة إذا كانت أثارا حسنة، فهذا يُستفاد مِن قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:12]، ولذلك يدخل أيضًا هنا مِن الفوائد أهمية الوقف الخيري، أن الوقف الخيري له أجر وثواب عظيم لأن الإنسان حينما يقف وقفًا فإنه مِن الآثار التي تبقى له.
أيضًا فيه أن الدعوة واجبة على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بإيقاظ الناس مِن غفلتهم، تأمل لماذا قال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ [يس:6] لِما؟
﴿فَهُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [يس:6].
﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ (يس: 6)
إذن عند غفلة الناس يجب على الدعاة إلى الله أن ينذروا الناس، فإذا أردت أن ترى مثلًا ونموذجًا عمليا لمن أنذر قومه فانظر إلى هذه القصة التي ذكرها الله بعد ﴿لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (يس: 7)
هذه الآيات الكريمة تحدثت عن مثل وعن قصة قرآنية بيّن الله سبحانه وتعالى أنه أرسل فيها رسلًا إلى قوم مِن الأقوام إلى أصحاب القرية ولم يبيّن لنا القرية، لم يبين لنا اسمها ولا صفتها، لم يُعيّنها لنا، لأنه لو كان هناك فائدة مِن تعيينها لذكرها، وهذا فيه أن قصص القرآن ﴿أَنَّمَا﴾ ينصب اعتناؤه أو يتجه إلى ذكر العبرة والعظة كما قال الله سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111) [سورة يوسف:111].
فقال: ﴿إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:13-14]، يعني فقويناهما بإرسال رسول ثالث.
فتأمل أُخي الكريم قرية يرسل الله عز وجل لها ثلاثة مِن الرسل ومع ذلك فقالوا: ﴿فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ [يس:14]، ﴿قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس:15].
انظر إلى هذه الجمل العريضة، إلى هذه الدعاوى ﴿مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس:15] هذا صحيح، وَلَٰكِنَّ ﴿ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾، ولا ينبغي أن يحتجوا بمثل ذلك، فإنَّ الله جعل الرسل مِن البشر حتى يتمكن الناس من الاقتداء بهم.
﴿وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ﴾ [يس:15] هكذا يزعمون، ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس:15]، ﴿قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:16].
وهنا فائدة: أنه لكل مقام مقال، فأنت حينما تتكلم بكلام دون حاجة إلى تأكيد، فإنَّ وجدت الذي أمامك يُنكر أو يشكك فإنَّ الأمر يحتاج إلى مزيد تأكيد، وهذا يعني أن الإنسان حينما يتكلم فإنه ينظر إلى ما يناسب المقام، ولذلك هم كما ترون في أول الأمر قالوا ماذا؟
﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:16]، فلما وقع منهم التكذيب والإعراض وهذه الدعاوى ماذا قالوا؟
﴿قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ [يس:16]، وقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ [يس:16] كأنهم قالوا: "والله"، يعني قال بعض العلماء: بمثابة القسم؛ ﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:16]، تأمل في الأول قالوا: ﴿إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ [يس:14]بدون اللام، لكن لما وقع منهم الإنكار أكدوا الكلام، وهذا يعني أن الإنسان يتكلم بما يناسب الواقع.
﴿وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ [يس:17] ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:18] تشاءمنا بكم، ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:18] ﴿قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ [يس:19] يعني تشاؤمكم معكم، يعني هذا التشاؤم يعود وباله عليكم، وإلا ما جئنا به هو الهدى لا ينبغي أن يُتشاءم به.
﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ [يس:19] هنا قال أصحاب التفسير: "أتتشائمون إن ذكرناكم؟" إذن هنا تقدير في الكلام.
ما معنى ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ [يس:19]؟
يعني أتتشائمون إن ذكرتم؟
وهناك قراءة أخرى قراءة أبي جعفر المدني، ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ [يس:19] يعني أن الله سبحانه وتعالى لم ينس تذكيركم، بل أرسل إليكم رسلا وأنتم مذكورون، كان ينبغي لكم أن تقابلوا هذا الذكر بالشكر، لا بالكفر.
ثم قال: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ [يس:20]، وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية الدعوة إلى الله، وأنه لا ينبغي أن يُلقي الإنسان الأمر على غيره بأن يقول: فلان موجود، وفلان موجود، وإنما يدعو إلى الله.
وهنا لطيفة أيضًا وهو أن الله قال هنا: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ [يس:20] وقال هناك في سورة القصص: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ [القصص:20]، فقدّم هنا ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [يس:20]، وهنا قدّم ﴿رَجُلٌ﴾ [القصص:20]وتقديم ﴿رَجُلٌ﴾ [القصص:20] هناك مُناسب للأصل، لأنه ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ [القصص:20] "رجل" فاعل، لكن هنا قدّم المتعلق قال: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ﴾ [يس:20] للدلالة على بعد المكان وأن هذا البعد لم يمنع هذا الرجل مِن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ﴾ [يس:20] مِن أبعد مكان مع أنهم ثلاثة، فلما كان ذكر المكان مقصودا وبيان بعد المسافة والحرص على الدعوة قدّمه الله سبحانه وتعالى هنا.
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس:20-21] وفيه أن النبي وأن الدعاة إلى الله يكونون أغنياء عن مطالب وعن دنياهم ﴿وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس:21] يعني ليس يمتنعون عن أخذ الأجر ثم هم ضالون، بل هم على الهدى.
﴿وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:22]، ﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً﴾ [يس:23] كيف أتخذ مِن دون الله آلهة؟ هكذا يعلمهم ويرشدهم، ويدلهم على الله سبحانه وتعالى.
﴿إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ﴾ [يس:23]، وهنا أيضًا مِن لطيف التعبير أنه لما ذكر "الضر" ذكره مع قوله: "الرحمن"، وهذا معناه أن "الضر" أقل، وإن وقع ضر لك فهذا لا ينفي أن الله هو الرحمن.
﴿إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا﴾ [يس:23]، فهذه الأصنام وهذه الآلة الباطلة لا تغني عنهم في الشفاعة، ولا تستطيع إنقاذهم بأنفسهم.
﴿إِنِّىٓ إِذًا لَّفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [يس:24]، قالوا هنا: [إني إذا اتخذتهم معبودات مِن دون الله لفي خطأ واضح]، إذن هنا في التفسير أفهمونا أن معنى ﴿إِنِّىٓ إِذًا﴾ [يس:24]، ﴿إِذًا﴾ [يس:24] هذا التنوين ما المراد به؟
أي: إذا اتخذتهم معبودات مِن دون الله.
﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:24] يعني لفي خطأ واضح، حيث عبدت مَن لا يستحق العبادة وتركت عبادة مَن يستحقها.
﴿إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ﴾ [يس:25]، قال هنا: [فما كان مِن قومه إلا أن قتلوه فأدخله الله الجنة]، تأملوا هنا يا أيها الإخوة الكرام وهذا أمر مهم ينبغي الالتفات إليه، أنه في القرآن الكريم تكثر الحذوف، يعني يكون هناك حذف، هناك تقدير في الكلام، لأن القرآن يجعلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السامع وأيها القارئ تُعمل فكرك وعقلك، هناك في سياق الكلام ما يدل على أن هناك مُقدرا، فأنت تقول: السياق يقتضي أن هناك كلاما، فهنا لما قال: ﴿إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ﴾ [يس:25] ﴿قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ﴾ [يس:26]، معنى ﴿قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ﴾ [يس:26] إذن الرجل مات، وكيف مات؟
مات بإهلاكهم إياه، أو بتعذيبهم له، أو بقتلهم له.
لذلك قدّروا هنا في التفسير قالوا: [فما كان من قومه إلا أن قتلوه]؛ هل هذا مذكور في الآيات؟
غير مذكور، لكن هذا يُفهم مِن تقدير الكلام.
فأدخله الله الجنة، قيل تكريما له بعد استشهاده ﴿ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ﴾ [يس:26]، قال متمنيا ﴿يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾ [يس:26]، سبحان الله! يحب الدعوة إلى الله حتى بعد أن فارق الحياة، وهم عذبوه وقتلوه ومع ذلك يتمنّى أن يعرفون مصيره وأنه صار إلى الجنة لعلهم يتوبون إلى الله ويعودون إلى رشدهم.
· رابعًا: حب الخير للناس صفة مِن صفات أهل الإيمان.
نعم هذه بعض فوائد لهذه الآيات الكريمة؛ أهمية القصص في الدعوة إلى الله وهذا واضح، الطيرة والتشاؤم مِن أعمال الكفر، وهذا ورد في قولهم: ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:18]، وهذا جرى في قوم موسى عليه السلام وفي أقوام كثيرين يقولون لأقوامهم هذا.
طيب؛ النصح لأهل الحق واجب، وهذا الذي جعل الرجل يأتي مِن أقصى المدينة.
حُب الخير للناس صفة مِن صفات أهل الإيمان؛ ووصل به الحب أنهم مع قتلهم له إلا أنه يحب لهم الخير.
هناك مِن اللطائف والفوائد أيضًا التي نزيدها هنا على سبيل السرعة:
· أُستدل بقوله: ﴿قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ﴾ [يس:26] على نعيم القبر، أستدل بعض العلماء على ذلك على وجود نعيم للقبر، قالوا لأن الذي يصحب الموت هو نعيم القبر قبل دخول جنة الآخر، لكنه ليس بظاهر في الدلالة لكنه قيل به.
· أيضًا فيه بيان أهمية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
هنا أيضًا لطيفة أسألكم فيها، أو اترك المجال بإذن الله تعالى للمجموعات التفاعلية للبحث عنها، وهو أن الله عبّر في صدر الآيات ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ﴾ [يس:13]، ثم قال بعده: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ﴾ [يس:20]، لم يقل: "وجاء من أقصى القرية"، فهو عبّر عنها في الابتداء بأنها قرية، ثم عبّر هاهنا عنها بعد ذلك فقال: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ [يس:20]، فهل هناك فرق بين التعبير بالقرية والمدينة؟
أدع المجال لكم ونجيب عنها بإذن الله في الدرس المقبل.
نعم هذه تتمة للقصة السابق ذكرها وهي قصة أصحاب القرية، ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:28] ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ﴾ [يس:29] يعني أن هؤلاء ليس لهم قدر عند الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل هو القادر المقتدر، فالله سبحانه وتعالى لم ينزل في إهلاكهم الملائكة تنزل مِن السماء لتهلكهم، وإنما أمرهم أيسر، ما كانت إلا واحدة فحينئذ هلكوا، أو فهم ليسوا ذا مكانة عند الله سبحانه وتعالى، لا قيمة لهم ولا وزن، والمعنى أن الله عز وجل أهلكهم بأيسر أمر، بصيحة واحدة، ﴿فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ﴾ [يس:29]، فنسأل الله السلامة والعافية.
هنا ألفت النظر إلى فائدة مهمة أيضًا، وهو أن قوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ (يس: 8) هو في المصاحف الذي بين أيدينا بداية جزء، فنجد هناك علامة على أن هذا بداية الجزء الثالث والعشرين، مع أنَّ قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس: 9) مرتبط تمام الارتباط بالقصة السابقة، فإذا كان هناك قارئ يقرأ القرآن مثلًا فيبدأ ببداية الربع أو ببداية الجزء، فإذا بدأ وهو يصلي بالناس مثلًا فقال بعد الفاتحة: قوله ﴿وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (يس: 10) ما القوم؟ وما الذي وقع منهم؟ وما الذي صدر منهم؟ لا نعلم، لأن هذه الآية من تتمة الآيات السابقة.
إذن إذا قرأ قارئ ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (يس: 11) يتم القصة، أو إذا بدأ يبدأ بعد القصة، وهذا له نظائر في القرآن الكريم.
فمثلًا قوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء:24] هذا بداية جزء، مع أنَّ قوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء:24] معطوف على ما سبق؛ فهو معطوف على ذكر المحرمات، فمعنى ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء:24]: المتزوجات مِن النساء أي: حُرمت عليكم أيضًا المتزوجات، المرأة المتزوجة.
فلو أن قارئا وقف نهاية جزء وبدأ ببداية الجزء الآخر فقرأ ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء:24] لم نعرف ما الذي عطفه؟ أو عطف ماذا على ماذا؟ فهذا أمر نبّه عليه بعض العلماء كالإمام النووي رحمة الله في (التبيان في آداب حملات القرآن) يُراعى هذا عند تلاوة القرآن الكريم.
ثم إن الآيات الكريمة بعد ذلك ذَكرت بعض الآيات الدالة على البعث والنشور، والدالة على قدرة الله، والدالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى، لأن هذا أعظم ما تتضمنه رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اتفقنا على أن السورة تعالج قضية الرسالة، وتعالج حاجة الناس إلى الرسالة، وتبين قضية الإنذار، وتبين قضية البعث والنشور، وتثبت قدرة الله عز وجل على ذلك، ولذلك هنا المفسرون جزاهم الله خيرا كانوا يقولون: "وعلامة للمكذبين بالبعث ودلالة للناس على توحيد الله، وعلامة لهم على وحدانية الله، وآية لهم دالة على توحيده"، انظروا إلى الشرح؛ في كل آية يقولون: آية دالة على التوحيد.
إذن ما علاقة هذه الآيات؟ ما وجه الرابط بين هذه الآيات؟
نقول: هذه الآيات دلائل على توحيد الله، على إثبات البعث، على بيان قدرة الله سبحانه على كل شيء.
والكلام في ذلك واضح وميسور بفضل الله سبحانه وتعالى لأن الله عدد هذه الآيات.
﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا﴾ [يس:33]، يبدأ بكلمة "آية" تأمل "آية"، مِن بداية الآية؛ إذن هذه آية، دلالة واضحة، والآية تجمع بين أمرين، يعني في مثل قوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ [يس:37]، قد يظن ظان أن الآية المراد بها الدلالة والعلامة فقط، والظاهر أن الآية هنا تضمنت معنيين:
· فالآية بمعنى العلامة.
· وبمعنى النعمة أيضًا؛ لأن هذا الذي ذكره الله عز وجل مِن آيات هي نعم أيضًا، الليل والنهار نعمة.
فهي علامات على قدرة الله، وهي أيضًا مِن نعم الله عز وجل على خلقه، فيجمع هذا بين كونه علامة على قدرة الله، وكونه نعمة في ذاته.
أيضًا مِن هذه الآيات التي قرأناها قول الله سبحانه: ﴿لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:35] ما معنى ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:35]؟ هل معناها ليأكلوا مِن ثمره وليأكلوا مِن ثمر ما عملت أيديهم؟ بمعنى أن اليد قد عملت فالإنسان يزرع ويجتهد ويكسب بيده؛ فهل معنى ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ [يس:35] يعني والذي عملت؟ هذا معناه أن "الذي" اسم موصول بمعنى "الذي" يعني الذي عملته؛ هذا قول.
والقول الثاني: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم، بمعنى أننا وإن زرعنا، وإن وضعنا البذر فنحن لم نصنع شيئًا، ما الذي نمى هذا البذر؟ وما الذي حوله إلى نخل وإلى أعناب وإلى ثمار؟ إنه الله؛ فيكون معنى "ولم" في قوله سبحانه: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ [يس:35] يعني ولم تعمله أيديهم؛ وهذا الذي أختاره هنا المفسرون، لذلك قالوا في المختصر: [ليأكل الناس من ثمار تلك البساتين ما أنعم الله به عليهم ولم يكن لهم سعي فيه].
إذن ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:35] يعني ليس لهم سعي، ليس لك جهد، أنت بذرت البذر ووضعتها وتركتها وأتتك الثمار من عند الله سبحانه وتعالى، هو الذي أنزل الأمطار، وهو الذي سقاها ورواها بفضل من الله سبحانه وبحمده.
وأكرر هنا ما أحببت النظر إليه؛ نحن نمر على التفسير مرورًا سريعًا، يعني جدًا يعلم الله سبحانه وتعالى قدر المستطاع بما يناسب المقام، وإن كنا بعد ذلك ربما نمر أسرع من هذا، لكن مع مراعاة بعض الأمور لحدوث بعض الأمور الطارئة اليوم، نسأل الله سبحانه الإخلاص والقبول والسداد.
لكن شاهدي من هذا أننا نركز على قضية وهو أن كل كلمة في القرآن الكريم لها مغزى ولها معنى ولها مراد، فإذا كانت بمعنى "لم" أفادت معنى، وإذا كانت بمعنى "الذي" أفادت معنى أخر؛ فقد تكون نافية، وقد تكون موصولة.
ثم قال: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:35] هذا يدل على أنها آية تستوجب الشكر، إذن هي نعمة، يعني لماذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الآية ليست علامة فقط، وإنما هي نعمة؟
بدليل ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:35].
﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:36] و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ [يس:36] هذا يدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:37] قال بعضهم يعني: نُجرّده منه، ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ [يس:37].
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس:38] وقد جاء في الحديث أنها تذهب فتسجد لله سبحانه وتعالى، تسجد تحت العرش لله سبحانه وتعالى؛ هذا ثبتت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس:38] يعني لاتزال تجري إلى يوم القيامة إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى، ﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس:38].
﴿وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:39] ما معنى ﴿قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:39]؟
يعني قدرنا سيره، يعني هو يسير في منازل.
﴿حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يس:39] لذلك نرى القمر يصغر ويكبر، ثم يصغر وهكذا، هذا كله يدل على قدرة الله، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الليل مُظلما، وجعل النهار مُبصرا، كل هذا مِن آيات الله، دلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى.
﴿حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يس:39] و"العرجون" كما فسروا هنا [عذق النخلة المتعرج المندرس في رقته، وانحناءه وسفرته وقدمه]، لذلك ما وجه تشبيه القمر بالعرجون؟
أنه يكون مثله في الرقة وفي الانحناء وفي الصفرة.
قال: ﴿لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:40]، هذه آية تحتاج إلى بيان، قالوا هنا: [وآيات الشمس والقمر، والليل والنهار مقدرة بتقدير الله، فلا تتجاوز ما قُدر لها، فلا الشمس يمكن أن تلحق بالقمر لتغيير مساره أو إذهاب نوره]، يعني الشمس لا تذهب إلى القمر لتغير مساره أو تذهب نوره، ولا الليل يمكنه أن يسبق النهار ويدخل عليه قبل انقضاء وقته، كله له وقته، فلا هذا يدخل قبل وقته، ولا هذا يدخل قبل وقته، [وكل هذه المخلوقات المسخرة وغيرها مِن الكواكب والمجرات لها مساراتها الخاصة بها بتقدير الله عز وجل وحفظه كما قال: ﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس:38]].
قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ﴾ [يس:40] يعني لا الليل يدخل على النهار قبل مجيء وقته؛ هذا لا يتعارض مع ما عرفه العلماء والناس مِن أن الليل يأتي قبل النهار، وأننا نحسب الشهر بالليل؛ هذا معنى أخر، هذا لا يعارض ما قررته هذه الآية الكريمة، ولذلك نحن نحسب بالليل فنعرف مثلًا أول ليلة مِن رمضان بدخول الليل، ونعرف دخول العيد أيضًا بالليل، ولذلك قالوا: حساب اليوم والليلة يبدأ بالليل، واستثنوا مِن ذلك يوم عرفة، فإنَّ ليلة عرفة هي ليلة العيد، بمعنى أن مَن وقف بعرفة في ليلة العيد فقد أصاب الوقوف بعرفة، هذا مستثنى فقط، وإلا فإنَّ الليلة تسبق النهار كما قرر أهل العلم، نعم.
فوائد من الآيات:
· أولا: لا رجعة لأحد إلى الدنيا بعد الموت.
· ثانيًا: مِن الأدلة على البعث إحياء الأرض الهامدة للنبات الأخضر، واخراج الحب منه.
ما أهون الخلق على ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ عصوه * وما اكرمهم عليه أن اطاعوه.
هذا أُستفيد مِن قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:28] ليس لهم قدر عند الله، لذلك ربنا لم يُنزل عليهم ملائكة ولم يُرسل إليهم ملائكة لإهلاكهم، ﴿أَنَّمَا﴾ كانت صيحة واحدة.
من الأدلة على البعث: إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر، وإخراج الحب منه، فإحياء الأرض الميتة هذا دليل على البعث والنشور، ولذلك تكرّر هذا في القرآن، ولذلك هذه الآية لها نظائر، أين دليل هذه الآية؟ أو أين دليل هذه الفائدة؟
قوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:33]، ولها نظائر ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:39]، وأيضا ﴿وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ [الحج:5].
مِن أدلة التوحيد: خلق المخلوقات في السماء والأرض وتسييرها بقدر، فخلق المخلوقات بهذه الدقة وبهذه الحكمة يدل على أن خالقها قادر على كل شيء، فهو سبحانه أمره ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا أن يقول له كن فيكون، وسيأتي مزيد بيان لبعض الأدلة الأخرى على البعث والنشور في الآيات التي ستأتي بإذن الله تبارك وتعالى.
تستمر الآيات المباركة في ذكر آيات الله سبحانه الدالة على قدرته، وعلى البعث والنشور، ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ [يس:41]، هنا قد يأتي إشكال في فهم الآية، ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:41] الذين حُملوا في الفلك المشحون على قول كثير مِن أهل التفسير هم مَن كان مع نوح عليه السلام، ومَن كان نوح عليه السلام هل هم ذريتنا أم هم آباؤنا وأجدادنا؟ هم آباؤنا وأجدادنا، وهنا الآية تقول: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ [يس:41]، فكيف هذا؟
هنا قالوا في التفسير: [أنا حملنا مَن نجا مِن الطوف مِن ذرية أدم زمن نوح]، فجعلوا قوله: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:41] ذرية الأب وهو أدم عليه السلام، وليس ذريتنا نحن، ويكون قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:41] المراد بالذرية: الجنس، مَن يكون له ذرية، وأول مَن كان له ذرية هو مَن؟ أدم عليه السلام، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن معنى ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:41] آباءهم وأجدادهم هنا، لأن هؤلاء هم الذين حُملوا مع أبينا أدم عليه السلام.
وهناك قول أخر مال إليه بعض المفسرين على قلة ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ [يس:41]، أن الذرية تقدّم بيانها، وأيضا أن الذرية بعد ذلك تركب الفلك المشحون أيضًا، السفن المملوءة بالبضائع، فكما أن أبانا نوحا عليه السلام ركب الفلك فإنه لا يزال الناس ينتفعون بهذا الفلك.
﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:42] أي: للذرية، فقالوا: هذا فيه إشارة إلى أنه ستكون هناك مراكب أخرى غير السفن، قد تشابها في الصورة لا في الحقيقة، ولذلك صارت هناك سفن في البحر، وسفن في الفضاء، وصارت هناك طائرات، فهذا أحد الأقوال في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ [يس:42]، إما مِن مثل سفينة نوح، أو من مثل هذا في الشبه وإن لم يكن في الحقيقة بمثيل له.
﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:43] ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يس:44].
ثم بعد ذلك جاء التذكير، يعني ما مناسبة هذه الآيات؟
رب العزة سبحانه بعد أن بين أنه قادر على كل شيء، وأن له آيات تدل حقيقة البعث والنشور، وأن الرسل أنذروا أقوامهم فجاء التذكير لهم بألا يُعرضوا، فبيّن الله أنهم مع ذلك لا ينتفعون بالإنذار، ولذلك جاءت هنا في وسط الآيات.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:45]، تأمل، ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس:46]، أمام الإنذار هم مُعرضون.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [يس:47].
ثم بعد ذلك جاء السياق ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [يس:48] عاد أيضًا إلى أقوالهم الخبيثة مِن استبعاد البعث، وأنه ليست هناك أخرة، وليس هناك دار أخرى، لكن في وسط هذا السياق ذَكر الله سبحانه وتعالى بعض ما يُقال له مِن نصيحة، ﴿ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس:45] فسَّروه هنا قالوا: [ما تُقدمون عليه مِن أمر الآخرة وشدائدها]، إذن ما معنى ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس:45]؟
يعني المُتقدم الآخرة، لِمَ؟
لأن ما بين يدك يكون أمامك، وما الذي أمامنا؟
إنه الآخرة، [احذروا ما تقدمون عليه مِن أمر الآخرة وشدائدها، واحذروا الدنيا]، إذن فسروا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس:45] أي: الدنيا.
إذن ما بين أيدينا هو ماذا؟
هو المستقبل، ما بين أيدينا يعني ما نستقبل، طيب وما خلفنا هو الماضي.
أنت إذا قرأت في كتب التفسير تجد مِن أهل العلم مَن يعكس هذا الكلام فيقول في هذه الآية وفي آيات أخرى ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:255]، ما معنى ما بين أيديهم؟
منهم مَن يقول: ما بين يدك، يعني هو الماضي الذي ذهب، فصار بين يدك لأنه مضى، وما خلفك أنت لا تعلم عنه شيئًا، إذن هو الذي سيأتي وهو المستقبل، لذلك نرى بعضهم يقول: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:255] الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:255] الآخرة، وبعضهم يعكس، وكلا الأمرين متجه، والعلم عند الله، ولذلك أورد العلماء هذه الكلمة أو هذا التركيب في الوجوه والنظائر؛ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:255]، وللاتساع في هذا المجال مقام أخر ليس هذا بمناسب له.
الشاهد قال الله سبحانه وتعالى بعدها: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:45]، ما معنى "لعلكم"؟
رجاء أن يمن الله عليكم برحمته، تريدون رحمة الله فأقبلوا على الله ولا تُعرضوا.
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟﴾ [يس:47] بعد أن قال: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ﴾ [يس:46] قال بعدها في الآية التي تليها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [يس:47] وهنا قد يقول قائل: ما علاقة الحديث عن النفقة هنا؟ يعني كلامنا كله عن الآخرة، كلامنا عن البعث، عن الإنذار، عن الرسالة، عن إعراض هؤلاء عن الرسالة، هذا المُعرض عن الإيمان بالله قاسي القلب، لا يقر بالحق ولا يحسن إلى الخلق، فهذا وجه الفائدة، الذي يُعرض عن الإيمان بالدار الآخرة تجده قاسي القلب، ولكي يتضح الأمر نقرأ آيات سورة الماعون ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:1-3]، لأنه مكذب بيوم الدين فهو قاسي القلب، لذلك ﴿يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾ [الماعون:2] يدفعه ويزجره، ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾، فلما ذكر الله إعراضهم عن الحق بيّن أنهم أيضًا مُعرضون عن مَن؟ عن الخلق، وأنهم إذا دُعوا إلى الإنفاق ماذا قالوا؟
قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ﴾ [يس:47]، إذا كنتم تعلمون أن الله هو الذي يُطعم فما بالكم لا تؤمنون به وتقرون له بالوحدانية؟ لمِا تصرفون العبادة لغيره؟ لمِا تشركون معه غيره؟ لِما لا تستجيبون لرسله؟ فهكذا يواجههم القرآن الكريم.
وتأمل هنا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟﴾ [يس:47] ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ﴾ [يس:47]، ما قالوا: "أننفق مَن لو يشاء الله"، ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ﴾ [يس:47] يعني في حتى في الحاجة الشديدة الإنسان يحتاج إلى طعام أحوج ما يكون ومع ذلك عندهم البخل والشح.
وهنا قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ [يس:47] لم يقل السياق "قالوا: أنطعم"، لأن "قال الذين كفروا" سجل عليهم الكُفر لأن هذا كلام الكفار، وأما المؤمن فإنه رقيق القلب يُحسن إلى الخلق.
ثم جاء الحديث عن يوم القيامة ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:48-49]، ماذا قال أهل التفسير هنا؟
قال: [ما ينتظر هؤلاء المكذبون بالبعث المستبعدون له إلا النفخة الأولى]، ما ينتظر؛ إذن هم فسروا ﴿مَا يَنظُرُونَ﴾ [يس:49] بمعنى ما ينتظرون، وهذا صحيح لأن مادة "نظر" إذا تعدّت بنفسها كانت بمعنى الانتظار، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ [الأنعام:158] يعني "هل ينتظرون"، لكن إذا "نظر" تعدّد بـ "إلى" فيكون النظر المعروف ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22-23] فهذا هو النظر الذي ينظر به الإنسان بخلاف النظر بمعنى الانتظار، ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً﴾ [ص:15] وهي النفخة الأولى.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس:50] لا يوصي بعضهم إلى بعض، وهذا فيه أن الإنسان ينبغي له أن يقدم الوصية ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يبغته الموت، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتيه الموت بغتة، في إشارة إلى الوصية.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:50]، هم لا يرجعون لا إلى أهلهم ولا إلى غيرهم، لكن لأن الشخص يميل إلى أهله ذكر هنا التنصيص على الاهل.
﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:51]، ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ﴾ [يس:51] من القبور، ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:51] يعني يُسرعون للحساب، يُسرعون في سيرهم للحساب، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر:7].
﴿قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا﴾ [يس:52]، تأملوا رحمكم الله هذه الآية، لأنه قد يرد فيها إشكال نريد أيضًا مداواته ومعالجته، وأنا قلت في هذا التفسير نحاول دوما نركز على بعض الإشكالات عند القراءة والتي قد ترد على الأذهان.
﴿قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس:52]، أي: قال هؤلاء الكافرون المكذبون بالبعث نادمين يا خسارتنا، إذن ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ [يس:52] يا خسارتنا، تعالا، كأنه يُنادي على الخسارة لتأتي هذا مكانكِ، مَن الذي بعثنا من قبورنا؟ إذن ما الذي المراد بالمرقد هنا؟ القبر، ﴿مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس:52]؛ فيُجابون عن سؤالهم هذا ما وعد الله به فإنه لا بد واقع، وصدق المرسلون فيما بلغوه مِن ربهم.
﴿يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس:52] فجاءهم الجواب، ﴿هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:52]، أو أنهم أدركوا الحقيقة وانكشف عنهم فهم الذين قالوا؛ إذن مَن قائل هذا ﴿مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:52]؟ يحتمل أنهم الملائكة ردوا عليهم، أو أنهم أجابوا أنفسهم حينما استبانت لهم الأمور.
لكن الإشكال هنا في قضية التعبير عن القبور بالمرقد، فقد يتوهم واهم ويقول: إذن هذا يدل على إنه ليس هناك عذاب في القبر، لأنه المرقد النوم، هم نائمون على سرورهم، إذن أين العذاب؟
فنقول: ليس كذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ يقول أهل العلم: إن هنا استعارة تصريحية حيث جرى على تشبيه ما جرى لهم في قبورهم، وشبه مكان الموت الذي هو القبر بمكان النوم، تدل على أنه وقت يسير، وأنهم بعد ذلك سيقومون مِن هذا المرقد إلى مكان آخر، ولا يلزم منه أنه ليس هناك عذاب للقبر، بل إن النصوص كثيرة في الدلالة على وجود نعيم وعذاب للقبر.
﴿قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:52]
﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً﴾ [يس:53] هذه الصيحة هي النفخة الثانية ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:53]، تجد كلمة "محضرون" تكررت هنا، ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:32]، لفظة "محضرون" في القرآن الكريم جاءت دومًا مع العذاب، ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم:16]، فإذا جاء "أُحضرت" هذا الحضور حضور العذاب ومعاينة العذاب، وهذا يُسمونه بعادات القرآن الكريم.
﴿فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:54]، لأن الله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم أحدا. نعم.
فوائد مِن الآيات:
· أولا: مِن أساليب تربية الله لعباده أنه جعل بين أيديهم الآيات التي يستدلون بها على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
· ثانيًا: الله تعالى مكّن العباد وأعطاهم مِن القوة ما يقدرون به على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أُمروا به كان ذلك اختيارا منهم.
· ثالثًا: في يوم القيامة يتجلى لأهل الإيمان من رحمة ربهم ما لا يخطر على بالهم.
مِن أساليب تربية الله لعباده أنه جعل بين أيديهم الآيات التي يستدلون بها على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وهذا واضح؛ ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ [يس:41]، هذا نستدل به على ما ينفعنا.