مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة يس — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 360 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الله تعالى مكّن العباد وأعطاهم مِن القوة ما يقدرون به على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أُمروا به كان ذلك اختيارا منهم؛ أين أخذنا هذا؟ مِن قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ [يس:47] إذن ربنا أعطاهم ورزقهم، معك القوة، معك القدرة، فلا يجوز لك حينئذ أن تستدل بالقدر على تركك طاعة الله، ولذلك هم قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ﴾ [يس:47]، هذا يُسمى بالاحتجاج بالقدر على المعاصي وهذا خطأ، يعني الإنسان ما يعصي ربه أو يترك الطاعة ثم يقول: شاء الله عز وجل ذلك، لأننا نقول: إن الله قد مكنك وأعطاك القوة، فحقيق بك أن تمتثل ما أمر الله، وأن تجتنب ما نهى الله عز وجل عنه، لذلك قالوا: يُستدل بالقدر في باب المصائب ولا يُستدل بالقدر في باب المعايب، يعني إذا أُصيب الإنسان بمصيبة هذه المصيبة لا دخل له فيها ولا قدرة له عليها، حينئذ يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، يقول: هذا بقدر الله، لكن إذا قصّر وإذا عصى ربه ما يقول هذا بقدر الله، نعم هو بقدر الله لكن الله أعطاك الوسيلة وأعطاك السبب وأعطاك القدرة فيتراجع الإنسان عن غيره.

وهناك فوائد أخرى في الآيات الكريمة منها:

· إثبات النفختين؛ النفخة الأولى، والنفخة الثانية.

· ومنها أيضًا إشارة إلى مشروعية الوصية، إلى أن تكون هناك وصية.

إلى غير ذلك مما في الآيات الكريمة لمن تأملها وتدبرها.

ثم تمضي الآيات الكريمة في بيان حال أهل الجنة، بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى حال الكافرين المُعرضين، وأنهم يوم القيامة يُعاينون الحقائق كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:52]، ذَكر الله سبحانه وتعالى حال أصحاب الجنة ثم أتبعه بحال أهل جهنم، ولذلك قال العلماء: إن القرآن مثاني، ما معنى مثاني؟

قالوا: يجمع بين الترغيب والترهيب، حال أهل الجنة وحال أهل النار.

﴿إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ﴾ [يس:55]، مشغولون عن التفكير في غيرهم بما هم في نعيم، فنعيمهم يشغلهم عن غيرهم، والأصل أن هذا عام، ﴿فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ﴾ [يس:55]، أي: فهم في نعيم يتنعمون يشغلهم عن أن يفكروا في أحد آخر.

﴿هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس:56-57] ما معنى "يدعون"؟

قالوا: [ولهم كل ما يطلبون]، إذن "يدعون" معناها يطلبون، ولنا أن نقول أن معنى "يدعون" يتمنون، فمعنى "يدعون" يشمل الأمرين؛ الطلب والتمني.

﴿سَلَـٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس:58]، هذا السلام من الله سبحانه وتعالى، ولذلك الجنة يُقال لها دار السلام.

﴿وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59]، أي: يُقال للمشركين تميزوا عن المؤمنين، فلا يليق بهم أن يكونوا معكم لتباين جزائكم مع جزائهم، وصفاتكم مع صفاتهم.

استفاد بعض العلماء مِن ذلك أن أهل الجنة ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ أولا، ثم يُحبس أهل النار مِن أهل الإجرام، يُحبسون فترة، ثم بعد ذلك يُقضى عليهم بدخول النار، فمن إكرام الله لأهل الجنة أن يعجل لهم بدخول الجنان، لذلك قال هنا: ﴿وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59-61]، تأمل في بداية السورة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يس:3-4]، فبيّن الله هذا الصراط هنا، ما الصراط المستقيم؟ عبادة الله وحده لا شريك له.

﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:62]، "الجبل" الخلق الكثير، كلمة "جبل" وحدها تدل على خلق كثير، حتى أن بعضهم قال: إنهم مَن يتجاوزون عشرة آلاف فزيادة، فكيف وقد وصفهم الله بقوله كثيرًا؟

﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ [يس:62-65]، وقد دلت آيات متعددة على أن الجوارح تشهد على الإنسان يوم القيامة.

قال الله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ﴾ [يس:66]، تأمل هذه الآية الكريمة ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس:66]، قال هنا المفسر: [أي: ولو نشاء إذهاب أبصارهم لأذهبناها فلم يبصروا، فتسابقوا إلى الصراط ليعبروا منه إلى الجنة فبعيد أن يعبروا وقد ذهبت أبصارهم]، يعني لو شاء الله ذلك لكان، فبعض العلماء يقول: يعني هذا على سبيل التهديد، يعني ربنا يهددهم، يقول: إذا لم تتوبوا إلى الله فإنَّ الله عز وجل سيجعل بكم كذا وكذا، وسيُعمي أبصاركم، فلا تستطيعون الذهاب ولا النجاة من النار، بل ستقعون في جسر جهنم أو في جهنم- سلمنا الله.

لكن تأمل هنا التعبير القرآني وهو جليل، ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس:66]، لم يقل: "لطمسنا أعينهم"، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس:66]، بحيث إن هذا الطمس استولى على العين كلها فلم يبق منها شيء ترى.

﴿فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ﴾ [يس:66] أيضًا لم يقل: "فاستبقوا إلى الصراط"، تقول: استبق فلان إلى مكان كذا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ﴾ [يس:66]، لأنك حينما تقول: "استبق إلى الصراط" معناه أنك تستبق إلى غاية، تعرف الغاية، لكن لما قال: ﴿فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ﴾ [يس:66] طمسنا على أعينهم؛ فهم طُمست أعينهم فلا يعرفون الغاية ولا مكان الصراط أصلا، فمعناه أن الطمس أوقعهم في حيرة، ليست في الوصول إلى الغاية وإنما من البداية.

﴿فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:66-67]، يعني أذهبنا حركتهم، لم يستطيعوا تقدمًا ولا نجاة حتى يسلموا وهم يتحركون، ﴿عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّا﴾ [يس:67] وقف في مكانه حتى أُدخل في النار، وتعرفون أن الصراط عليه كلاليب وخطاطيف كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:67] وقال هنا: [ولو نشاء تغيير خلقهم وإقعادهم على أرجلهم لغيرنا خلقهم وأقعدناهم على أرجلهم فلا يستطيعون أن يبرحوا مكانهم ولا يستطيعون ذهابا إلى أمام ولا رجوعا إلى وراء، ﴿فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:67]] هذا وعيد تهديد.

ثم قال: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:68] قد يقول قائل: ما علاقة هذه الآية بالوعيد على النار؟ بوعيد وتهديد هؤلاء بأنهم سيُفعل بهم كذا وكذا؟

قد يقول قائل: إن وجه الصلة ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ﴾ [يس:68] يعني إذا تعجبت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان وقلت كيف أن الله سبحانه وتعالى يمسخ هؤلاء على مكانتهم فلا يستطيعون تحركًا؛ يُقال لك: ﴿إِلَّا﴾ ترى الإنسان القوي يصير ضعيفا حينما يكبر في السن، أو حينما يكبر في سنه، فالله يقول: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ﴾ [يس:68] ينقلب مِن قوي إلى ضعيف، فالذي جعل الإنسان يتحول من طور إلى طور قادر على أن يبقي هؤلاء في أماكنهم فلا يستطيعون حِراكا، لذلك قال: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:68]، لذلك هنا قالوا في التفسير: [ومَن نرد في حياته مِن الناس بإطالة عمره نرجعه إلى مرحلة الضعف]، فيكون ما معنى ننكسه في الخلق؟

يعني يرجع إلى الضعف.

ما علاقتها بالآيات السابقة؟ ﴿فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:67]، ليه؟

لأن ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.

لكن هناك وجه آخر في تفسير هذه الآية ذكره ابن عاشور وهو جيد ونفيس جدًا في نظري، والعلم عند الله، أن الآية لا تزال تتحدث عن هؤلاء الكافرين، عن هؤلاء المعرضين، كأن الله عز وجل يقول: هذا حالهم في الآخرة، إذا وصلوا إلى الآخرة فالله سيعمي الأبصار، قادر على أن يعمي الأبصار، وقادر على يمسخهم على مكانتهم ولا يستطيعون تحركا إلى أن يدخلوا النار، ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ﴾ [يس:68] يعني ومَن نبقيه منهم في الدنيا.

إذاً لو أن الله قدّر عليه ﴿إِلَّا﴾ يموت الآن وسيبقى في الدنيا؟ ﴿نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ﴾ [يس:68] أي: نذله، فمعنى ﴿نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ﴾ [يس:68] بالإذلال، يعني إذا أبقى الله أحدا منهم في الدنيا سيجعله ذليلا، وإذا أماته فإنه يعذبه في الآخرة، ويكون معنى ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ﴾ [يس:68] أي: ومَن نبقيه منهم، كقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ [فاطر:37] ما معنى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ [فاطر:37]؟ يعني أولم نُبقكم في الحياة، ليس المُراد إطالة العمر، ﴿أَنَّمَا﴾ أصله البقاء.

ثم قال: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:68] والقراءة الأخرى "أفلا تعقلون".

﴿وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ﴾ [يس:69] أيضًا عاد إلى الرسالة، لبيان كل ما جاء هذا هو الإنذار، أما ما تدعون فالرسول بريء، ليس بشاعر، ﴿وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ﴾ [يس:69-70]، تأملوا "لينذر"، لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ السورة تدور حول قضية الإنذار، الرسالة، "لينذر"، والقراءة الأخرى "لتنذر" ﴿مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [يس:70]، نعم.

فوائد مِن الآيات:

· أولا: أهل الجنة في شغل يسرهم مِن كل ما تهواه النفوس وتلذه العيون ويتمناه المتمنون.

· ثانيًا: ذو القلب هو الذي يزكو بالقرآن ويزداد مِن العلم منه والعمل، ويكون القرآن لقلبه بمنزلة المطر للأرض الطيبة الزاكية.

· ثالثًا: أعضاء الإنسان التي كانت عونًا لصاحبها في الدنيا تصير يوم القيامة شاهدة عليه.

هذه بعض الفوائد المُستفادة من هذه الآيات، في يوم القيامة يتجلى لأهل الإيمان مِن رحمة ربهم ما لا يخطر على بالهم، حتى أن بعض العلماء يقول: لو كان الموت مقدرًا على أهل الجنة لماتوا مِن شدة الفرح، لولا أن الله عز وجل قدر لأهل الجنة ﴿إِلَّا﴾ يموتوا لماتوا مِن شدة الفرح مما يرون من عظيم النعيم وإجلال وكريم فضل الله سبحانه وتعالى وتمام إحسانه عليهم وإليهم.

طيب مما يجري في هذا ﴿سَلَـٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس:58]، أهل الجنة مسرورون، أين هذا؟ في قول الله سبحانه وتعالى: في ﴿فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ﴾ [يس:55]، يتفكهون في ذلك مسرورين، ذو القلب هو الذي يزكو بالقرآن، ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:70]، أعضاء الإنسان تشهد عليه وذلك في قوله سبحانه: ﴿ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ [يس:65].

ثم تستمر الآيات المباركة في الاستدلال على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وأن البعث حق، فبعد أن رغّب ورهّب سبحان وبحمده بيّن أيضًا أنه يمتن على خلقه بنعم كثيرة، منها نعمة الأنعام، وهذه نعمة ظاهرة للعرب، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ﴾ [يس:71-72]، قالوا هنا: وسخرناها لهم، واللام هنا يُقال لها "لام التعليل" أي: لأجلهم، وجعلناها منقادة لهم، فعلى ظهور بعضها يركبون ويحملون أثقالهم، ومِن لحوم بعضها يأكلون، فيستفيدون منها في الركوب، ويستفيدون منها في الأكل، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ﴾، يشربون أيضًا مِن ألبانها، فيأكلون مِن لحومها، ويشربون من ألبانها، وينتفعون بأصوافها وأوبارها وأشعارها، وأيضًا مِن أثمانها حينما يبيعونها؛ فهذا كله مِن الانتفاع.

وتأمل هذا الجمل الكبير الذي سخره الله بحيث إنه يذل لطفل صغير، فمَن الذي سخر هذا المخلوق وإن عظم لهذا الإنسان وإن ضعف؟! إنه الله سبحانه وتعالى، فهذا التسخير آية مِن آيات الله سبحانه على منته على خلقه.

ومع هذا كله فإنَّ المشركين معرضون وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً، لِمَ؟

لعلهم يُنصرون، فهل الآلهة ستنصرهم؟ هيهات، لا يستطيعون نصرهم، وتأمل التعبير القرآني ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس:75] لم يقل هنا: "لا ينصرونهم"، وإنما ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس:75] وهذا أبلغ في النفي، لأن الذي ينصر يجمع بين الصفتين، بين صفة الاستطاعة والإرادة، فأنت تفعل شيء إذا استطعته وإذا أردته، فربنا سبحانه نفى عنهم الاستطاعة ابتداء، فهم لا استطاعة لهم، إذن هم مِن باب أولى لا يقع منهم نُصرة، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس:75]، ولذلك كما قال الله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ [الأحقاف:6].

﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:76] وهنا نقف، هذا أوّلى، وبعضهم يسميه بالوقف اللازم، ومعنى ذلك أننا لا نصل حتى لا يُوهم خلاف المراد، فأنت إذا وصلت ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:76] قد يتوهم واهم أن هذا الذي نهاه الله عن أن يُحزنه، والرسول لا يحزن مِن قوله ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:76]، ليس هذا مقولهم، ليس هذا بمقولهم، وليس هذا هو المراد، ﴿أَنَّمَا﴾ المراد ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:76] أي: تكذيبهم، وما قالوه، وما نفوه، ثم قال الله: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:76].

ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس:77]، هذه براهين مِن براهين البعث، ختم الله سورة يس بذكر براهين البعث للدلالة على أن البعث مِن أعظم ما تضمنته الرسالة لأنه يذكّر بالدار الآخرة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس:77-78]، أي: قاس الخالق على المخلوق، وما كان له أن يقيسه، ﴿وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:78-79]؛ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:79] هذا برهان مِن براهين البعث، ودليل مِن دلائله، وهو أن مِن دلائل البعث خلق الإنسان، فالذي خلق الإنسان قادر على إعادته، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:29]، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:27]؛ كل هذا مِن نظائر القرآن لهذه الآية.

لكن تأمل هذا التعبير القرآني البليغ، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ﴾ [يس:78] الجملة أصلها "وضرب لنا مثلًا قال مَن يحيي العظام"، ماذا قال؟ قال: مَن يحيي العظام؟ لكن في وسط الآية قال: ﴿وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ﴾ [يس:78]، هذه يقولون عنها جملة معترضة، لكنها مفيدة غاية الإفادة، لأن المراد ﴿وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ﴾ [يس:78] أي: مِن غبائه ومن عتوه وعدوانه أنه لم يفكر في هذا، كيف يزعم أن الله ليس بقادر على إعادته وقد خلقه أول مرة؛ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:79]، وهذا دليل ثانِ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:79]، العليم بكل خلق قادر على الإعادة، أنت تقول: كيف بعد أن صار الإنسان رفات وبعد أن صار ترابًا كيف يعيده الله؟ فيكون الجواب ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:79].

ثم البرهان الثالث: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:80]، كما قال هنا ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:80]، الذي جعل لكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس مِن الشجر الأخضر الرطب نارًا تستخرجونها منه، يُخرجون مِن أعواد الشجر عند احتكاك واصطدام بعضه ببعض تصدر النيران، فسبحان الله هذه النار اليابسة تخرج مِن هذا الشجر الأخضر، فمن الذي صنع ذلك؟ ومَن الذي خلقه؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

ثم جاء برهان رابع، ﴿أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [يس:81]، فالذي ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وهي أعظم قادر على خلق الإنسان، ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:57].

ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس:82] هذا أيضًا دليل.

ثم قال: ﴿فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83]، وقبله في الآيات قال: ﴿وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [يس:81]، مادام هو الخلاق لكل شيء، وهو العليم لكل شيء، فلماذا لا يقدر على إعادة الإنسان؟!

ثم ختم الله السورة الكريمة بالتوحيد، فقال: ﴿فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83]، وقلنا مِن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ السورة المكية تُعنى بالرسالة وبالتوحيد وها هو ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83] وهذا هو البعث والنشور، وهكذا تمضي هذه السورة المباركة في إنذار الناس وتخويفهم مِن عذاب الله حتى يُقبلوا على طاعة الله وحتى يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

لكن أعلق هنا على قول الشارحين لأن هذا يتكرر في الكتاب حينما قالوا: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا محمد مجيبا إياه يُحيي هذه العظام البالية مَن خلقها أول مرة، الأوّلى ﴿إِلَّا﴾ يُقال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا محمد، وهذا يتكرر أيضًا معنا في أوائل الصفحات، ﴿أَنَّمَا﴾ يُقال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله، والمختصرون أو أصحاب الكتاب في النسخ القديمة كانوا يقولون أحيانًا يا محمد، ثم أصلحوها بيا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في بعض المواضع، لكن فاتهم بعض أشياء، فهذا مما يُستدرك والعلم عند الله، لأن الله لما نادى الرسول في القرآن لم يخاطبه بيا محمد؛ فالأولى أن يُقال يا رسول الله ونحو ذلك، نعم.

· أولًا: مِن فضل الله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم في الركوب، وأكل لحومها وشرب ألبانها.

· ثانيًا: مِن صفات الله تعالى أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض مِن أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة.

نعم مِن فوائد هذه الآيات قالوا مِن فضل الله نعمته على الناس تذليل الأنعام لهم وتسخيرها لمنافعهم المختلفة، وهذا في الآية الأولى مِن الصفحة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ﴾ [يس:72]، الأولى والثانية.

وفرة الأدلة العقلية على يوم القيامة، يعني ربنا لمّا بيّن أن البعث حق ذَكر آيات عقلية، ففي القرآن دعوة إلى إعمال العقل كما تقدّم في الآيات ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس:77-78]، هذه أدلة عقلية، إذن هي في القرآن نقلية، ولكنها تخاطب العقول، فكأن الله رد عليهم في إنكارهم البعث كيف تنكرون البعث؟ الذي خلقكم أول مرة قادر على إعادتكم، ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ﴾ إعادتكم، الخلاق العليم قادر على إعادتكم، الذي أمره ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا أن يقول له كن فيكون قادر على إعادتكم، وهكذا.

مِن صفات الله تعالى أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، وذلك لأن قضية البعث تتعلق بالقدرة والخلق والعلم، ولذلك ربنا ذكر هنا الثلاثة قال: ﴿أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس:81] إذن هو القادر.

طيب ﴿بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [يس:81] خلاق وعليم، فالقادر الخلاق العليم لا يعجزه شيء، ولذلك فهذه أدلة واضحة وجلية على إثبات البعث والنشور.

وبهذا نكون يا أيها الإخوة الكرام بفضل الله عز وجل وتوفيقه قد فرغنا مِن التعليق على سورة يس، لكن سامحوني لا يفوتني أن أذكركم بما لم أذكركم به في بداية الأمر وهو أنه ينبغي لنا أن نخلص النية لله سبحانه وتعالى في العمل العظيم الذي نحتسبه على الله سبحانه وتعالى ونرجوه مِن الله أن يجعلنا فيه موفقين وأن يجعلنا مِن أهل القرآن العاملين به، فهذا الكتاب الذي نقرأه حقيق بنا أن نشعر بأننا نقرأ كتاب الله هذا أولا، ثم ثانيًا نريد أن نتفهم معاني القرآن العزيز، وأن نعرف ماذا أراد الله سبحانه وتعالى منّا حتى نعمل بهذا القرآن العظيم فنفوز في الدنيا والآخرة، كما علمنا الله سبحانه وتعالى، وقد H0.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة