مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الصافات

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 361 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذا لقاء من لقاءات التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وننتقل الليلة بفضل الله -سبحانه وتعالى- إلى سورة الصافات.

التعريف بالسورة

قال: (سورة الصافات سورة مكية) وتقدم بيان معنى مكية في اللقاء السابق.

ثم قالوا من مقاصد السورة تنزيه الله عما نسبه إليه المشركون، وإبطال مزاعمهم في الملائكة، والجن.

إذن هذا مقصود من المقاصد العظيمة التي دلتنا علينا هذه السورة العظيمة، فالله -سبحانه وتعالى- يبين أنه منزه عما نسبه إليه أهل الشرك، ويبطل مزاعمهم إذ زعموا أن الملائكة بنات الله، وكذلك زعموا أن بينه، ويبن الجن نسبة، ومصاهرة، أو أنه تزوج من سروات الجن فكان نتيجة ذلك الملائكة، عياذ بك اللهم!

فالله -سبحانه وتعالى- ينزه نفسه، وهو حقيق بالتنزيه -سبحانه وتعالى- في هذه السورة الكريمة، وكما تقدم فقضية مقاصد السورة قضية تحتاج إلى بذل جهد، وإلى نظر، وتأمل عميق في السورة الكريمة وفي موضوعاتها، ثم إن المجال مفتوح فقد يستبين لشخص أن هذا هو المقصد الرئيس، ثم يجد آخر أن المقصد شيء آخر ويكون كل منهما قد أتى بدلائل واضحة على ما ذهب إليه وهذا من بركة القرآن الكريم، ومن إعجازه.

فإذا نظرنا إلى قضية تنزيه الله -سبحانه وتعالى- وجدناها ظاهرة جدًا، فإنَّ القسم الموجود في أول السورة جاء جوابه ﴿إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ﴾ [الصافات: 4] وعلم من ذلك أن القضية المحورية في هذه السورة الكريمة قضية التوحيد ﴿إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ﴾ [الصافات: 4] وقارن بينها، وبين ما تقدم في سورة يس ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 3] فهناك الجواب ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 3]، وهنا الجواب ﴿إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ﴾ [الصافات: 4]).

ذكر الله -سبحانه وتعالى- في هذا القسم أوصافًا للملائكة كما عليه جمهور المفسرين، وكما سنقرأ في التفسير، (﴿وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّا فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: 1 - 3]) فالله -سبحانه وتعالى- يقسم بهؤلاء الملائكة فهم لهم شرف، ولهم قدر عند الله، لكنهم لا يتجاوزون حدودهم فالله -سبحانه وتعالى- منزه عن أن يتخذ ولدًا سواء أكان ذلك من الملائكة، أم من غيرهم.

لذلك فالملائكة مصفوفة عند الله، أو صفوف عند الله -سبحانه وتعالى- تتعبد لله فقال: (﴿وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1]) ولذل جاء في ختام السورة؛ ولذلك جاء في ختام السورة ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: 164 - 166] فالملائكة تذعن لله -سبحانه وتعالى- بالوحدانية.

ولما كان أولئك المشركون قد اتخذوا الجن أيضًا، اتخذوا الشياطين قرابين يتقربون بها لما يرون من أن لها صلة بالسماء، وأنها تتطلع على ما في السماء، وأنها تسترق السمع فجاءت السورة الكريمة؛ لتبين أنهم مدحورون، وقال الله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] فكيف يعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، لا الملائكة تعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، ولا الجن يعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، لا ينبغي أن يعبد أحدًا سوى الله -سبحانه وتعالى- فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له.

لذلك جاء أيضًا في آخر السورة الكريمة ﴿سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180] فربنا ينزه نفسه عما وصفه به أولئك، ثم كذلك في ختام السورة، واسمع يا رعاك الله!

فقد تقدم أن الإنسان يعرف مقصد السورة من عدة أمور؛ منها: أول السورة، ومنها آخر السورة.

ففي آخر السورة ﴿سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 180 - 182].

وقد تكرر في السورة الكريمة (فاستفتهم) ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ [الصافات: 11]، وجاء أيضًا ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ [الصافات: 149 - 152].

فكل هذا من دلائل أن الله -سبحانه وتعالى- أراد منا أن نتعلم من هذه السورة أنه منزه عن الشريك، والولد، والنقائص -سبحانه وتعالى-.

هذا من جهة، من جهة أخرى فبعض أهل العلم يرى أن السورة الكريمة تدور حول قضية تعظيم الله، والدعوة إلى التوحيد وهذا ليس ببعيد عن المقصد السابق، وأنت إذا تأملت السورة وجدت فيها الوصف بالعظمة في مواضع فربنا -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]، وقال: ﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الصافات: 76].

فوصف الكرب بأنه عظيم، ووصف الذبح بأنه عظيم، ولا يصدر ذلك إلا من العظيم -سبحانه وتعالى-.

هناك من ذهب أيضًا إلى أن مقصود السورة العظيم هو الاستسلام لله -سبحانه وتعالى-؛ لأن الله لما ذكر أوصاف الملائكة ذكر أنها صافات، وهذا دليل على استسلامهم لله -سبحانه وتعالى-.

تحليل مقارن وربط بين السور

ولما ذكر قصة الخليل إبراهيم عليه السلام ذكر قصته مع ولده الذبيح؛ وهي قضية الاستسلام في أعلى صوره، وفي أسمى معانيها ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103] وهنا معنى لطيف أنه ينبغي لنا حينما نقرأ قصص القرآن الكريم أن نعلم أن الله حينما يذكر جزءًا من قصة، أو قصة من القصص في سورة بعينها فإنَّ هذا لمناسبة تلك القصة لمقصود تلك السورة.

فنحن نجد أن الله سبحانه قد ذكر سورة إبراهيم، أو قصة إبراهيم عليه السلام في مناسبات متعددة، لكن قصة الذبيح لم تذكر إلا في هذه السورة، سورة الصافات؛ لأن لها تعلق بالإسلام، فالله يأمر، ونحن ننفذ كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعليقًا على تلك الآيات.

والعجيب أن الله -سبحانه وتعالى- لفت أنظارنا إلى أمر يتعلق بالاستسلام، وهو أن من لم يستسلم في الدنيا فإنه يستسلم في الآخرة؛ لذلك قال الله -عز وجل- ﴿بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: 26] فذكر الله -سبحانه وتعالى- أن أولئك يستسلمون له -سبحانه وتعالى- ﴿بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: 26] خاضعون رغم أنوفهم مع أنَّ المجال كان مفتوحًا لهم في الدنيا.

خلاصة وتثبيت الفكرة

إذن هذه بعض المقاصد التي ذكرها بعض المحررين، والمحققين في أمر مقصود السورة فهي سورة تنزيه الله -عز وجل- عما يدعيه أهل الشرك، وفيها إبطال مزاعمهم فيما يتعلق بأمر الملائكة، والجن، وفيها أيضًا الدلالة على عظمة الله، والدعوة إلى التوحيد، وفيها أيضًا الدعوة إلى الاستسلام لله رب العالمين.

فيها أيضًا من جهة أخرى، وبه أختم الحديث عن هذا المقصود ما يتعلق ببيان فضل الأولياء، وبيان ذم الأعداء، فالله ذكر الأولياء، ومثل لهم بالملائكة فهم أولياء الله، وبدأ بالحديث عنهم حينما أقسم بهم، وكذلك ذكر الله نفرًا، ومجموعة من الأنبياء والمرسلين فذكر لنا بعض قصص الأنبياء والمرسلين وهذا مثال وأنموذج جليل لأولياء الله، كيف أن الله ينصرهم، ويؤيدهم.

وذكر الله أعدائه فذكر الجن، والشياطين، وما يجري لهم، ثم ذكر لنا بعض مشاهد يوم القيامة ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 50] فانظر يا رعاك الله!

كما أن أولياء الله، وأعداء الله في الدنيا يختلفون، فهم كذلك في الآخرة يختلفون، ومع هذا كله فإنَّ السورة الكريمة لم تغفل جانب البعث، والحديث عن البعث والنشور، بل جاء ذلك في أول آياتها كما سيأتي تقريره فبينت كذلك البعث والنشور وإثبات نبوة النبي الكريم صلى الله وعلى آله وسلم.

(﴿وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1]) ابتدأ الله -سبحانه وتعالى- هذه السورة الكريمة بهذا الأسلوب أسلوب القسم، وهناك سور من سور القرآن الكريم افتتحها الله -عز وجل- بالقسم؛ ولذلك قسم العلماء استفتاحات السور إلى عشرة أقسام، أو أنواع منها:

الاستفتاح بالقسم ومن أمثلته هذه السورة، وإذا رأيت قسمًا فإنك تبحث عن المقسم عليه وهو ما يسمى جواب القسم، فالله أقسم بالصافات صفًا، على ما يقسم رب العزة؟ يقسم على أمر، بل هو أعظم مأمور وهو توحيد رب العالمين فقال: ﴿إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ﴾ [الصافات: 4] وهذا قسم بالملائكة على قول جمهور المفسرين، وإن كان بعضهم يختار التعميم.

﴿وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1] من الملائكة، ومن الناس، من الطير وغيرهم، وقد H0

لأنهم كما قلت: زعموا أنهم بنات لله فيتقربون إليهم من أجل هذه البنوة، وهذا كلام باطل بلا شك، ثم تمضي الآيات الكريمة؛ ليبين الله سبحانه وتعالى فضله على خلقه إذ زين السماء الدنيا ﴿بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: 6، 7].

وكما ذكر المفسرون هنا أن الله زين السماء الدنيا بهذه الكواكب، وهذه النجوم لعدة فوائد:

نصت الآيات هنا في سورة الصافات على أنها زينة فقال: ﴿بِزِينَةٍ﴾ [الصافات: 6].

وعلى أنها حفظ ﴿مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ﴾.

إذن من مزايا، ومن فوائد النجوم:

أنها زينة، وأنها حفظ من تلقف الشياطين، واستراقهم ما تردده الملائكة.

وجاء أيضًا في سورة أخرى في سورة النحل ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] فهذه ثلاث فوائد من فوائد وجود النجوم في السماء، أو الكواكب في السماء بفضل الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ [الصافات: 8] أي هؤلاء الشياطين ﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: 8، 9] فتشان شتان بين أولياء الله الملائكة، وبين أعداء الله الشياطين.

ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍۭ﴾ [الصافات: 11] وقد ذكر الشراح هنا كما ترون أنه (ربما يلقي تلك الكلمة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يحرقه الشهاب إلى إخوإنه فتصل إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة) وهذا جاء به الخبر H1.

ثم تمضي الآيات الكريمة وقبلها وقفة مع قوله: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ﴾ [الصافات: 5] فالرب يستحق أن يعبد؛ ولذلك قالوا: إن الله سبحانه وتعالى يذكر دلائل ربوبيته في القرآن كثيرًا؛ ليبين أن الذي هو ربنا جدير، أو حقيق بأن يعبد سبحانه وتعالى فيستدل على توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية.

﴿وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ﴾ [الصافات: 5] ولم يذكر المغارب قالوا: اكتفاءً وهذا أسلوب مشهور، وهو أسلوب الاكتفاء، تذكر كلمة ويعرف مقابلها، ثم تمضي الآيات الكريمة؛ لتبين أقوال هؤلاء المكذبين.

﴿وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصافات: 15] هذا طعن في النبوة، وأيضًا ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: 16، 17] هذا طعن في قضية البعث فذكر الله الأصلين ورد عليهم ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ [الصافات: 18 - 20] تأملوا رحمكم الله.

﴿ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ [الصافات: 22] من قائل: ﴿ٱحْشُرُوا۟﴾ [الصافات: 22]؟ القائل هو الله، ولمن قال الله ذلك؟ قاله للملائكة هذا عرف من السياق فهنا مقدر، لذا أحسن المفسرون حينما نقرأ الكتاب قال: (ويقال للملائكة في ذلك اليوم) لأن احشروا خطاب ربنا خاإذاً به الملائكة ﴿ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ﴾ [الصافات: 22].

هنا شبهة تحتاج إلى جواب، ورد عليها هل معنى ذلك أن كل ظالم يدخل النار تدخل معه زوجه حتى وإن كانت صالحة، وكذا العكس؟

الجواب: الأمر ليس كذلك فمعنى الأزواج هنا النظراء، والأشباه، وليس الزوجة التي كانت زوجته في الدنيا، أو كان لها زوجًا في الدنيا، إذن ما معنى ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: 22] كما فسروا هنا (وأشبهاهم في الشرك) والمشايعون لهم في التكذيب، وحينئذ فلا إشكال بفضل الله.

قال: ﴿ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ﴾ [الصافات: 22 - 24].

ثم ذكر الله صورتين من صور يوم القيامة؛ ليبين لنا السعداء، وحال الأشقياء حال أولياء الله، وحال أعداء الله فلنستمع إلى الآيات الكريمة وتفسيرها بعد أن نستمع إلى الآيات المذكورة فيها.

إثبات الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم يعبره أهل الجنة، وتذل به أقدام أهل النار.

(تزيين السماء الدنيا) تقدم بيان هذه الفائدة، والدليل عليها، وإما إثبات الصراط فهذا مستفاد من قوله: ﴿فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ﴾ [الصافات: 23، 24].

تمضي الآيات الكريمة يبين الله -سبحانه وتعالى- فيها موقفًا من مواقف يوم القيامة هذا الموقف يقع بين الأتباع والمتبوعين من أهل الشرك، والكفر بعد أن استسلموا لله رب العالمين إذ لم يستسلموا في الدنيا طواعية وها هم يستسلمون في الآخرة.

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: 27، 28] قال الشراح هنا في التفسير: (قال الأتباع للمتبوعين عرف هذا من السياق).

﴿قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: 28] قالوا هنا: (من جهة الدين والحق فتزينون لنا الكفر والشرك بالله، وارتكاب المعاصي وتنفروننا من الحق الذي جاءت به الرسل من عند الله).

إذن ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: 28] أي عن جهة الخير تقولون نحن على الخير، وعلى الهدى فاتبعونا من أنهم على الضلال.

وهناك من فسر اليمين بالقوة ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: 28] يعني من جهة التسلط علينا، أو السلطة، أو القوة فتقهروننا بذلك، أو ﴿كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ الذي هو القسم تقسمون لنا فنغتر بقسمكم كما ذكر الله -عز وجل- في شأن إبليس مع الأبوين المكرمين ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21].

ثم ذكر الله ما جرى بينهم من اعترافات، وبيان أنهم كلهم على الضلال، وإن كانوا متفاوتين في هذا ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: 33 - 35] يستكبرون يعني أنهم غير مستسلمين؛ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من مقاصد السورة الاستسلام.

وأيضًا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [الصافات: 35] وهو ما دعت إليه السورة.

﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍۭ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 36، 37] ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍۭ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 36، 37] ثم مضت الآيات الكريمة.

﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 39، 40] هنا إشكال يحتاج إلى إزالة، أو إلى كشف عنه ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 39] فكل يجزئ بحسب عمله، لكن الله استثنى فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 40] فهل عباد الله المخلصون لا يجزون بما كانوا يعملون؟

لا شك أن عباد الله المخلصين يجزون أيضًا بما كانوا يعملون، والله يتفضل عليهم، إذن هذا الاستثناء إلا فسَّروه قالوا: (لكن عباد الله) يعني هذا كلام جديد وهو ما يسمى بالاستثناء المنقطع؛ يعني تم الكلام، ثم قال: (لكن عباد الله) انتقال للحديث عن الطرف الآخر عن أولياء الله.

أو أن يكون قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 40] متعلق لا بقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ﴾ [الصافات: 39] ولكن بقوله: ﴿لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ﴾ [الصافات: 38] أي ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ﴾ [الصافات: 38] ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 40].

ثم وصف الله عباده المخلصين وتكررت كلمة ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ والوصف بالإخلاص في السورة الكريمة في مواضع متعددة، المخْلِصين، المخلَصين، وهذه فيه الدعوة إلى التوحيد أيضًا.

ثم ذكر الله طرفًا من نعيمهم جعلنا الله من أهل الجنة بمنه، وكرمه وكان مما ذكر -سبحانه وتعالى- على ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الصافات: 44] وهذا فيه فائدة يمكن أن تضم إلى فوائد الآيات:

أن الأفضل في الجلوس إذا كان هناك حوار بين مجموعة أن يكون على طريق التقابل، لا التدابر بحيث ينظر بعضهم إلى بعض.

وقال: ﴿وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: 48] فالمرأة تقصر طرفها على زوجها، لمَ؟

لأنَّها عفيفة فهي قاصرات الطرف لا تلتفت إلى غير زوجها، وهذا مما يمتدح بلا شك.

وقال بعضهم: بل هي قاصرات الطرف لهم للأزواج؛ أي هو أيضًا يقصر طرفه بسببها؛ لجما لها، ولعفته ففيه وصف الأزواج بالجمال ووصف الزوجان بالجمال ووصف الأزواج والزوجان كذلك بالعفة.

﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ﴾ [الصافات: 50، 51] كما أن أهل الجنة يتلذذون بالنعيم، ويتلذذون بالحور العين، وبالكأس، ويتلذذون بالطعام فإنهم يتلذذون بالحديث؛ لأن مجالس العلم لذة وأي لذة فيجري بينهم تحاور، وحديث ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 50] يتذكرون بعض ما وقع في الدنيا فذكر الله -سبحانه وتعالى- قصة أحدهم حينما تذكر صديقه الذي كاد يغويه لولا تداركته نعمة الله -سبحانه وتعالى-؛ لنعرف فضل الصحبة الصالحة، وخبث الصحبة السيئة، سلمنا الله وإياكم.

وهذا ما سنعرفه في القصة بعد قراءة تلك الفوائد من هذه الصفحة.

من فوائد الآيات:

سبب عذاب الكافرين العمل المنكر وهو الشرك والمعاصي، من نعيم أهل الجنة أنهم نعموا باجتماع بعضهم مع بعض، ومقابلة بعضهم مع بعض، وهذا من كمال السرور.

(سبب عذاب الكافرين) العمل المنكر وهو الشرك والمعاصي وهذا مأخوذ من قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: 35]، وقبلها أيضًا ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: 34].

فجمعوا بين العمل المنكر من شرك ومعاصي.

( من نعيم أهل الجنة أنهم نعموا باجتماع بعضهم مع بعض ومقابلة بعضهم مع بعض) وهذا ظاهر في قوله -سبحانه وتعالى- ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الصافات: 44]إلى آخر الآيات الكريمة.

وتقدم أنه يستفاد من الآيات أن الأفضل في المجالسة أن تكون عن طريق المقابلة، وفيه فضل السمر في العلم، والحديث وأنه من أعظم اللذات.

تمضي الآيات الكريمة يحدثنا الله -سبحانه وتعالى- فيها عن هذا الموقف الذي جرى بين مؤمن بالله دخل الجنان يتحدث مع إخوإنه، وأحبابه من أهل الجنة ويتذكر حال صديق له في الدنيا كاد يغويه، ويضله عن الصراط المستقيم، لكن الله رحمة وتفضل عليه، وثبت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والهدى فقال عنه:

﴿يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: 52 - 54] ما رأيكم أن نطلع على هذا الصديق، والصاحب لنرى مصيره، ولنعرف أين هو؟

﴿فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] وهذا بتوفيق الله له، وقدرته على ذلك أطلعه على حال صاحبه في النار.

﴿قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56] إن كدت لتهلكني ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57] تقدم أننا حينما نجد في القرآن الكريم لفظة لمحضرون، من المحضرين فإنها تستعمل في حضور العذاب، وفي دخول هؤلاء النار، وبئس المصير.

قال هنا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: 58] قال أصحاب التفسير هنا: (ولما أنهى كلامه مع قرينه من أهل النار توجه إلى خطاب قرنائه من أهل الجنة) وهذا الذي ذكروه عليه كثير من أهل التفسير، بل هو قول أكثرهم أن الحديث انتقل بعد أن ذكر مآل إليه صاحبه، وبعد اطلاعه عليه بدأ يبتهج ويتذكر نعمة الله عليه فيتحدث مع أصحابه من أهل الجنة ويقول: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: 58] بأسلوب التقرير ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 58 - 60].

لكن هناك احتمالات في الآية الكريمة، أو في الآيات الكريمة؛ فمنهم من قال: بل الآيات مستمرة فهو يخاإذاً صاحبه الكافر الذي في النار، وكأنه يقول: أما تتذكر ما قلت لي ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ﴾ [الصافات: 58، 59] أي في الدنيا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: 59] أي لن نبعث.

ثم انتهى الحديث، وجاء قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 60] يعني رب العزة يبين أن هذا هو الفوز العظيم، وذهب فريق من أهل العلم إلى أن صاحب الجنة، أو أن هذا المؤمن ﴿أَنَّمَا﴾ قال ذلك حينما علم أنه سيخلد في الجنان، ورأى ذلك عيانًا حينما يؤتى بالكبش الذي يذبح وهو الموت ويقال: H0 فحينئذ ردد ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 58 - 60]، ولذلك من أعظم نعيم الجنة أنه نعيم مقيم دائم؛ لأن العبد في الدنيا مهما كان في نعيم فلعلمه أن هذا النعيم سيزول يكدر عليه صفوه، ولذلك H1.

ثم تمضي الآيات الكريمة ومما ذكره الله في ذلك ما يتعلق بشجرة الزقوم أعاذنا الله منها بمنه، وكرمه!

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الصافات: 63] يحتمل أن معنى ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الصافات: 63] يعني عذابًا للظالمين.

هم قالوا هنا ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً﴾ [الصافات: 63] أي إنا صيرنا هذه الشجرة فتنة يفتتن بها الظالمون) وهذا معنى من المعاني وذلك أنهم قالوا: كيف تنبت هذه الشجرة في داخل النار ففسروا الفتنة بأنها الافتتان، ﴿وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ﴾ قدير سبحانه وتعالى.

أو أن المعنى ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً﴾ [الصافات: 63] يعني إنا جعلناها عذابًا للظالمين قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13] يعني يوم هم على النار يعذبون.

إذن هي فتنة لهم؛ لأنهم يقولون، كيف تنبت شجرة في النار، وقد تقدم معنا إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ومن دلائل قدرته ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 80] فإذا كان هذا في الدنيا فكذلك فيما يتعلق بالنار، سلمنا الله وإياكم!

ثم تمضي الآيات قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ [الصافات: 65] وهذا تشبيه عظيم، وجليل؛ لأن هؤلاء اتخذوا الشياطين يتقربون إليها، ويظنون أنها تطلع على الغيب، فربنا يصف النار، ويصف أهلها، ويبين أن طلع هذه الأشجار، أو هذه الشجرة ﴿كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ [الصافات: 65].

ونحن وإن لم نرَ رؤوس الشياطين فهو يدل على بشاعة حالهم وعلى قبح أمرهم؛ فلذلك وصفه الله سبحانه وتعالى أو شبهه بما لا نعلمه، وبما هو مستتر عنا؛ لبيان قبحه.

ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينًا السبب، ما الذي جعلهم في النار؟

قال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: 69، 70] يعني أنهم يتابعون الآباء على الضلال، وفيه ذم التقليد الأعمى، التقليد الذي لا يقوم على حجة، ولا برهان كما هو في فوائد هذه الآية الكريمة.

ثم تمضي الآيات ليبين الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: 71 - 73].

وهنا فائدة جليلة وهي أن الله يذكر الأمر إجمالًا، ثم يتبعه بالتفصيل، فربنا ذكر حال كثير من المنذرين، وأنه يرسل المنذرين بالدعوة إلى التوحيد هذا إجمال، ثم بدأ يذكر الله عز وجل بعض قصص الأنبياء والمرسلين.

v أجاب الله دعاء نوح بإهلاك قومه، والله نعم المقصود المجيب.

هذه فوائد ظاهرة، وجليلة.

(الظفر بنعيم الجنان هو الفوز العظيم) ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ﴾ [الصافات: 60، 61] هذا فيه أيضًا أنه ينبغي للمسلم أن يتنافس مع غيره في الخير؛ لذلك من الفوائد ﴿لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ﴾ [الصافات: 61] التنافس في الخير، ولذلك نطلب منكم أيضًا زيادة على الأسئلة الفائتة في الدرس السابق، ولعلنا نجيب عليها بإذن الله في كلمات مستقلة.

نذكر بعض الأدلة على التنافس في الخير، على الحث على التنافس في الخير.

قال هنا: (إن إطعام أهل النار هو الزقوم ذو الثمر المر الكريه) هذا واضح.

(أجاب الله دعاء نوح عليه السلام بإهلاك قومه) وهذا واضح أيضًا من الآيات الكريمة.

من هذه الفوائد في الآيات ذم التقليد الأعمى ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: 69، 70].

تمضي الآيات الكريمة حدثنا الله سبحانه وتعالى فيها عن نصرته لنوح عليه السلام، وعن نصرته لإبراهيم عليه السلام وهما مثلان واضحان جليان لنصرة أولياء الله سبحانه وتعالى.

ومما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات الكريمة ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 87] يخاإذاً إبراهيم عليه السلام قومه.

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 87] جاء هنا التفسير قالوا: (فما ظنكم يا قوم برب العالمين إذا لقيتموه وأنتم تعبدون غيره، وماذا ترونه صانعًا بكم) وهذا فيه أنه لا ينبغي للعبد أن يغتر بسعة رحمة الله سبحانه وتعالى، أو قد غرهم أن الله سبحانه وتعالى يمهلهم ويتركهم يرزقون، ويأكلون، ويسعون هنا وهنالك مع أنهم يصرفون العبادة لغيره هذا معنى عظيم، ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 87].

وهناك معنى آخر في الآية أيضًا يمكن أن يضاف إلى ما ذكر هنا ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 87] هل تظنون بالله نقصًا، هل الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى شريك ليشرك معه غيره، لماذا صرفتم العبادة لغيره، ما ظنكم برب العالمين إذا كنتم تعتقدون أن الله هو الخالق، الرزاق ﴿فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ﴾ الحقيق بالعبادة لا تصرف العبادة لغيره سبحانه وتعالى.

أيضًا قال الله سبحانه وتعالى قبلها ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84] وفيه فضل القلب السليم نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا سليمة.

وفي سورة الشعراء دعا الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 87 - 89].

قالوا: هنا في تفسير القلب السليم قالوا كلامًا جيدًا حينما ذكروا ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84].

قالوا: اذكر استفادوا كلمة اذكر من ذكر إذ؛ لأن إذ هنا تحتاج إلى ما يتعلق بها فهو مقدر أي اذكر حين التي هي بمعنى إذ.

﴿جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84] من الشرك تأمل ناصحًا لله في خلقه، إذن القلب السليم، والقلب السالم من الشرك والبدعة الناصح لخلق الله، وقد ذكروا أن عوفًا الأعرابي سأل ابن سيرين ما القلب السليم؟

فقال الناصح لله عز وجل في خلقه، الذي ينصح لله عز وجل في خلقه، ولا يغشهم هذا صاحب قلب سيلم.

أيضًا قال سبحانه وتعالى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ﴾ [الصافات: 88] كيف نظر نظرة في النجوم؟

قال بعضهم: هذا كناية عن التفكر فكان أحدهم إذا نظر إلى النجوم، أو نظر فيها يقال إنه يفكر، أو أنه نظر نظرة في النجوم كأنه يوهمهم بذلك أنه مريض، ولا يستطيع الذهاب معهم، أما ما ذهب إليه بعض المفسرين من أنه قال لهم صراحة إن النجم في هذه الأيام ينبئ عن أنني مريض فهذا لا يليق بمقام إبراهيم عليه السلام ولا ضرورة تحوجنا، أو تلجئنا إلى قول هذا، والعلم عند الله.

فقال: ﴿فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89] هذا من المعاريض ولذلك جاء في السنة H0 ذكر منها إني سقيم.

وهي كما قرر العلماء ليست كذبات صريحة، ﴿أَنَّمَا﴾ هي من قبيل المعاريض، ولذلك قالوا: إني مريض قال بعضهم: يعني أنا سقيم بذهابكم إلى أصنامكم فهو مريض مما يصنعون، وإن كانوا قد فهموا معناها أنا مريض أي لا أستطيع الذهاب معكم فهذا من المعاريض؛ ولذلك من الفوائد جواز المعاريض عند الاحتياج إليها، أو لوجود مصلحة.

ثم تمضي الآيات المباركة وفيها قوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] والمعنى والله خلقكم وعملكم، أو والله خلقكم والذي تعملونه وعلى كل الوجهين فهذا فيه إثبات أن الله خالق كل شيء، وأنَّ كلَّ شيء يقع في الكون فهو بقدر الله سبحانه وتعالى وكيف تصرف العبادة لمخلوق ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: 17].

قال الله سبحانه وتعالى بعدها أيضًا ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [الصافات: 99، 100] فيه فضل الدعاء بالولد الصالح ليست القضية أن ترزق بولد، وإنما يكون هذا الولد صالحًا ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101] وقد ذكروا أنه إسماعيل عليه السلام لأنه الولد الأكبر، وهذا صحيح، ومن قرائن ذلك في الآيات المباركة أن الله قال بعد ذلك كما سيأتي في الآيات المقبلة قال الله عز وجل: ﴿وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [الصافات: 112] إذًا البشارة بعد كانت بإسحاق، أما هنا فكانت بإسماعيل عليه السلام وأيضًا يشهد لذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71] فلما بشر بإسحاق بشر بالحفيد وهو يعقوب فكيف يبشر بأن إسحاق سيولد له، ثم يخبر بأنه سيذبحه هذا معنى ليس صحيحًا والعلم عند الله.

فالأقرب أن الذبيح هو إسماعيل O.

هذه القصة كما قلت مناسبة لمقصود السورة وهو الاستسلام لله رب العالمين.

من فوائد الآيات:

v من مظاهر الإنعام على نوح نجاة نوح ومن آمن معه وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس وإبقاء الذكر الجميل والثناء الحسن.

v أفعال الإنسان يخلقها الله ويفعلها العبد باختياره.

الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل عليه السلام؛ لأنه هو المبشر به أولًا، وأما إ سحاق فبشر به بعد إسماعيل عليه السلام.

قول إسماعيل ﴿سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [الصافات: 102] سبب لتوفيق الله له بالصبر؛ لأنه جعل الأمر لله.

هذه بعض الفوائد من مظاهر الإنعام على نوح نجاة نوح ومن آمن معه وجعل ذريته أصول البشر؛ لأنّّ الله قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77].

وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس وإبقاء الذكر ا لجميل والثناء الحسن وهذا في قوله ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْءَاخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 78، 79] فها نحن نجلس هذا المجلس ونذكر نوحًا عليه السلام ونقول: نوح عليه السلام، وقد ذكر في القرآن الكريم فلله الحمد والمنة.

قال: أفعال الإنسان يخلقها الله ويفعلها العبد باختياره وهذا معنى جميل إذن ما نعتقده أن أفعالنا مخلوقة لله، ونحن نفعلها؛ إذن أنت الذي يصلي، ويصوم، ويزكي، وأنت الذي يفعل كذا طاعة أو معصية، لكن الله خالق كل شيء.

هذه الفائدة من أين أخذت؟ من قوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].

الذبيح تقدم الحديث عنه في قوله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102] فالراجح أنه إسماعيل عليه السلام.

قال قول إسماعيل: ﴿سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [الصافات: 102] سبب لتوفيق الله له بالصبر؛ لأنه جعل الأمر لله.

من الفوائد أيضًا حينما ننظر إلى هذه الآيات قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ﴾ [الصافات: 102] استفاد بعض العلماء من ذلك أنه ينبغي للأب أن يصطحب ولده معه، فلم يقل فلما بلغ السعي، فإنما ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ﴾ [الصافات: 102] يعني الولد في سن السعي يسير مع أبيه، ويتحرك مع أبيه ففيه رفقة الوالد لولده.

كذلك في قوله: ﴿يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102] معلوم أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على ذبح ولده لمجرد رؤية رآها، ففيه أن رؤيا الأنبياء وحي فهذه الآيات دالة على هذا وقد ورد بذلك الخبر عنه -صلى الله عليه وسلم- وإن أعل فله حكم الرفع.

ثم قال: ﴿فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102] هذا أيضًا فيه تعليم الأب الولد كيف تكون طاعته لله سبحانه وتعالى؛ حمل الأب الولد على الطاعة والاستسلام لم يذبحه مباشرة، وإنما أعلمه؛ ولذلك يشهد لذلك أيضًا القراءة الأخرى قراءة حمزة والكسائي وخلف ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ هنا ﴿فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102].

هو لا يخيره، ﴿أَنَّمَا﴾ هو يخبره بأمر الله، فيقول: ماذا تُري، كأنه يقول: ماذا تُري ربك منك؟ أتستسلم لله؟ فأجابه الابن بهذه الإجابة ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [الصافات: 102] وفيه معنى الاستثناء أنك حينما تقول قولًا تقول: إن شاء الله فهذا أيضًا من الفوائد.

مضت الآيات الكريمة لبيان تتمة قصة الخليل إبراهيم O مع ولده الذبيح ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا﴾ [الصافات: 103] وهذا مما تقدم من مقاصد السورة الاستسلام لله رب العالمين ﴿وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103] ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103] إذن جمع بين الأمرين بين العزم والفعل فهما لم يعزما فقط، وإنما قاما بالفعل، لكن أثر الفعل لم يقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكرمهما فقال: ﴿وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] وقال الله في هذا: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106] ولا شك أنه بلاء مبين فالشخص منا إذا رزق بالولد بعد كبر سنه ووهن عظمه فالأمر يكون عليه شاقًا إذا مرض فضلًا على أن يموت، فكيف إذا أمر هو بذبح ولده، لا أن يذبح الولد من طرف آخر، ولا من شخص آخر، وإنما يقوم هو بتنفيذ ذلك، وأن يتقبل الولد ذلك.

قال الله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾ [الصافات: 108 - 110] هنا نجد أن رب العزة سبحانه وتعالى كرر هذا المعنى إنا كذلك نجزي المحسنين، وهنا كذلك نجزي المحسنين، وجاء ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾.

إذن من الفوائد العامة التي نستفيدها من سور الصافات جزاء المحسنين، وكذلك جزاء عبادة الله المخلصين فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يجعلنا من المحسنين.

ومعنى قوله: إنا كذلك، يعني إنا مثل هذا الجزاء الذي أعطيناه لهؤلاء المرسلين نجزي المحسنين وهذا من فضل الله وكرمه.

ثم تمضي الآيات الكريمة ويحدثنا الله عما وقع لموسى عليه السلام ولهارون عليه السلام ومما ذكره الله في شأنهما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ﴾ [الصافات: 116] وهذا فيه أن الله ينصر أوليائه ويجعلهم الغالبين كما سيأتي في ختام السورة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171 - 173].

أقف وقفة أيضًا مع قوله ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ﴾ [الصافات: 113] هذا في شأن إبراهيم ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 113] هذا فيه دفع الإيهام؛ لأنك حينما تقرأ ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ﴾ [الصافات: 113] تتوقع كل من سيأتي من وراء هذين النبيين المكرمين سيكون صالحًا فيبين الله -عز وجل- أن من بطأ به عمله لا يسرع به نسبه؛ فقال: ﴿وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ﴾ [الصافات: 113] مع أنَّ إبراهيم عليه السلام عند الله بمكان عظيم، وكذا إسحاق، ولكن ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 113] فمنهم الصالح، ومنهم الطالح.

تمضي الآيات الكريمة وحدثنا الله عن إلياس عليه السلام ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: 123 - 125] قالوا: هو اسم لصنم وهنا قاعدة أن كل بعل في القرآن فهو الزوج إلا في هذا الموضع فهو اسم صنم، هذا يذكره علماء علوم القرآن في قضية تسمى بكليات القرآن، أو ألفاظ القرآن الكريم فيقولون: هذه الفظة جاءت في القرآن كله بمعنى واحد، لكن تكون هناك استثناءات.

ومما يذكر هنا أيضًا من لفتة في ذكر ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: 125] ووجه ذكر قصة إلياس على وجه التحديد قالوا: إن هذا الصنم كان رمزًا للذكورة والقوة عندهم وذلك أنهم كانوا يحرصون على الشهوات ولذلك ذكر الله -سبحانه وتعالى- أنهم نسبوا لله البنات فهمهم ما يتعلق بأمور الفراش، أو بأمور البنات، أو بأمور الأولاد فذكر الله أن هذه أصنام فكيف تنسب إلى الله؛ لذلك قال: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: 125، 126] فهو الخالق فكيف يتساوى معه مخلوق من صنم أنتم تصنعونه والله -عز وجل- هو الخالق لكل شيء.

Ø من فوائد الآيات:

v قوله: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا﴾ [الصافات: 103] دليل على أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كانا في غاية التسليم لأمر الله تعالى.

v الثناء الحسن والذكر الطي من النعيم المعجل في الدنيا.

v قوله: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا﴾ [الصافات: 103] يدل على هذا يدل على أنهما كانا في غاية التسليم، ومن مقاصد الشرع تحرير العباد من عبودية البشر ولذلك ذم الله -عز وجل- أولئك الذين عبدوا الأصنام ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ [الصافات: 125] وأيضًا فرب العزة -سبحانه وتعالى- فدى إسماعيل عليه السلام ﴿وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] الثناء الحسن والذكر الطيب من النعيم المعجل في الدنيا.

تمضي الآيات الكريمة ويحدثنا الله -سبحانه وتعالى- عما وقع للمكذبين بإلياس عليه السلام ولم يذكر الله -سبحانه وتعالى- لنا عقابًا لنا في الدنيا ماذا جرى لهم الله أعلم، لكن ذكر أن الخاتمة كانت لإلياس عليه السلام فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 127، 128] ثم تمضي الآيات الكريمة ويحدثنا الله عن لوط عليه السلام ومن عجيب الأمر ليتبين لنا أن العبرة بصلاح العبد بغض النظر عن قرابته، وصلته بأهل التقى، فالخليل إبراهيم عليه السلام رزق بإسماعيل وإسحاق وكلاهما نبيان صالحان مكرمان.

ولوط عليه السلام كان زوجه على الشرك والكفر فهذا مثال من جهة أخرى أنه قد يكون هناك من هو قريب لأهل العلم، أو لأهل الفضل، أو لأهل التقى وهو على صلاح، وقد لا يكون كذلك.

قال: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْءَاخَرِينَ﴾ [الصافات: 135، 136] ثم تمضي الآيات الكريمة ليحدثنا الله عن يونس عليه السلام وسبحإن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أثنى الله على يونس فقال: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 139].

ومع ذلك فلا مجاملة قال: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 140، 141] أي من المغلوبين ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ [الصافات: 142] تأمل ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 142] ما معنى وهو مليم؟ يعني قد أتى بما يلام عليه؛ ولذلك قالوا هنا ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 142] قالوا: وهو آتٍ بما يلام عليه سبحان الله!

إن يونس عليه السلام ظن أن قومه لن يومنوا بالله رب العالمين وأنه لا فائدة من بقائه بين ظهرانيهم فأراد أن يخرج فخرج وظن أن الله لن يضيق عليه في ذلك وهذا معنى قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ﴾ [الأنبياء: 87] أي لن نضيق عليه فعتب الله عليه فتأمل ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 142] فهذا أمر ذكره الله.

ومن أجل هذا الذي وقع ليونس عليه السلام ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 142] فليحذر الله معصية الله -سبحانه وتعالى- ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستغفر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ في المجلس الواحد أكثير من سبعين مرة صلوات الله وتسليماته عليه، وكذلك دعانا إلى ذلك.

ولذلك جاء في الآيات الأخرى ﴿فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

قال: ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143] هذا فيه فائدة جليلة وهو أن الله لم يقل لولا أنه سبح في بطن الحوت، لا، قال: ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143] قال بعض العلماء: يستفاد من ذلك أن الله ذكر أنه كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ من المسبحين فهو سبح وهو في بطن الحوت وكان مسبحًا قبل ذلك ففيه أن من تعرف على الله في الرخاء عرفه الله في الشدة كما جاء في الحديث H0.

ومن معاني التسبيح هنا الصلاة قالوا: ﴿مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143] قال بعضهم: من المصلين.

قال: ﴿لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 144، 145] هنا إشكال يحتاج إلى جواب:

قوله هنا: ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143 - 145] فيه أن الله طرحه بالعراء وهو سقيم وهو مريض بسبب ما وقع فيه من ظلمة وهو في بطن الحوت.

إذن هذا فيه أن الله طرحه ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ [الصافات: 145] لكننا نجد في آخر سورة القلم ﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: 49] إذن معناه أنه لم ينبذ ﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ لنبذ، فكيف هذا؟

فهل نبذ يونس، أم لم ينبذ؟ والجواب عن ذلك: أن النبذ هنا مختلف فالنبذ المثبت وهو سقيم يعني وهو مريض، ثم عافاه الله، أما النبذ الذي نفاه الله عنه في سورة القلم ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: 49] أي أنه لما نبذ قد تاب الله -عز وجل- عليه فهو ليس بمذموم وإنما أخرجه من بطن الحوت وأنقذه منه إكرامه له عليه السلام.

ثم هنا إشكال في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] قد يقول قائل: أليس الله يعلم إذا كانوا مائة ألف أم أكثر من مائة ألف؟ الله بكل شيء عليم، وهنا جاءت أو والله يعلم إذا كانوا مائة ألف، أو كانوا أكثر فيقال إن أو هنا ليست للشك، وإنما أو هنا بمعنى بل كما فسره هنا الشراح قالوا: أو يزيدون، بل يزيدون وهذا من التدرج في الكلام فتقول: ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ﴾، ثم تقول: بل يزيدون فقال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] هذا معنى.

والمعنى الثاني والله أعلم أن هذا بالنظر إلى المخاطبين يعني من نظر إليهم ربما قال هم مائة ألف، وقد ينظر ناظر آخر فيقول هم أكثر من مائة ألف، وليس هذا شكًا من الله -سبحانه وتعالى-.

ثم تمضي الآيات الكريمة قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: 149] وأذكرك بصدر السورة ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: 11].

ومن جميل تعبير القرآن أن الاستفتاء يختلف عن السؤال فالاستفتاء بمعنى السؤال، لكن الفرق بين الاستفتاء والسؤال:

أن الاستفتاء يوجه لمن يختص بهذا العلم، فأنت تستفتي بمن هو خبير بذلك، وكأن الله يقول: أنتم أصحاب خبرة، فلنستفتكم استفتهم يا رسول الله، فهم أخبر بأنفسهم ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ [الصافات: 11] وهنا ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ [الصافات: 149، 150] هنا أيضًا معنى أنبه عليه أن أم تأتي بمعنى بل، لكن هنا لا يصح أن نقول إنها بمعنى بل فقط؛ لأننا لو فسرناها بذلك لكان المعنى خطأ، بل خلقنا الملائكة إناثًا وهذا خطأ، ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى بل خلقنا الملائكة إناثًا فيكون مع بل الاستفهام الإنكاري.

﴿أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ [الصافات: 151، 152] كما سمعنا القارئ الكريم حفظه الله إذ وصل الآيتين حتى لا يقع إشكال في الفهم ﴿أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ [الصافات: 151، 152] فهذا مقولهم، ثم جاء الجواب، أو البيان ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ﴾ [الصافات: 152، 153].

Ø من فوائد الآيات:

v سنة الله التي لا تتبدل، ولا تتغير إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين.

v ضرورة العظة والاعتبار بمصير الذين كذبوا الرسل حتى لا يحل بهم ما حل بغيرهم.

v جواز القرعة شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 141].

v (سنة الله التي لا تتبدل، ولا تتغير) هذه قاعدة عامة (إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين) هذا واضح في السورة كلها.

v ضرورة العظة والاعتبار بمصير الذين كذبوا الرسل فالآيات ﴿أَنَّمَا﴾ تذكر لنا ذلك من أجل أن نتعظ ونعتبر.

v (جواز القرعة شرعًا) ولذلك مما يدل على ذلك في السنة النبوية H0 فهذا مما يدل على هذا المعنى.

v وفيه أيضًا التعرف على الله في الرخاء حتى يعرفه رب العزة -سبحانه وتعالى- في الشدة وهذا تدل عليه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

تمضي الآيات الكريمة وكما تقدم في صدر السورة وفي السورة عن مقصود السورة أن السورة الكريمة فيها إبطال ما زعمه المشركون من دعوى الإلهية لغير الله، أو البنوة لأحد من الملائكة وهذا ما جاء في ختام السورة؛ لذلك تقدم في الصفحة الماضية ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ [الصافات: 149، 150].

وجاءت الآيات هنا أيضًا ﴿وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 158] كيف يجعلون بين الله سبحانه وتعالى وبين الملائكة أو الجن نسبًا؟ كيف يجعلون هذا محال؟

فالله سبحانه وتعالى لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وتأمل التعبير القرآني ﴿وَجَعَلُوا ﴾ [الصافات: 158] لم يبين لنا من الذين جعلوا يعني ما قال: وجعل المشركين وهو معروف، ولكن كأن المعنى وجعلوا ﴿وَمَا يَنۢبَغِى﴾ أن يجعلوا من هذا الذي يقول هذا القول، ثم قال: ﴿سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 159، 160] هنا تنزيه لله سبحان الله، ولذلك في آخر السورة أيضًا ﴿سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180] فهذا من مقاصد السورة.

وتأمل هنا ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 160] فالله سبحانه وتعالى يقبل كلامهم فيه؛ لأن المخلصين ينزهون الله سبحانه وتعالى عما لا يليق بكماله سبحانه بحمده.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى شأن الملائكة إذ يقولون: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] وهذا فهم من السياق؛ لأنه تأمل ربنا يقول: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 161 - 164] ربنا يحدثنا، لكن الذي يقول ﴿وَمَا مِنَّآ﴾ [الصافات: 164] هم جماعة إذن هم الملائكة هذا يعلم من السياق.

﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: 165، 166] وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ [الصافات: 165] مناسب لما أقسم الله به في بداية السورة ﴿وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1].

تأمل هنا ﴿وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: 167، 168] ﴿وَإِن كَانُوا۟﴾ [الصافات: 167] إن تأتي على عدة معانٍ، لكن لما وجدناها دخل عليها اللام بعد في قوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: 167] عرفنا أن هذه اللام يقول لها العلماء إنها اللام الفارق وهذه اللام الفارقة تميز إن النافية عن إن المؤكدة التي هي تخفيف من إن المؤكدة لذلك المعنى: وإنهم كانوا ليقولون عرفنا أن الكلام فيه إثبات، وليس فيه نفي وهذا يدل على عظمة اللغة بخلاف ما جاء في صدر السورة ﴿وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصافات: 15] فإنَّ هناك نافية يعني ما هذا إلا سحر مبين.

لذلك القاعدة التي نستفيدها هنا أن إن إذا جاءت معها إلا فإنها نافية، وأما إن إذا جاءت معها اللام الفارقة فإنها مؤكدة والمعنى يختلف بلا شك، بل هذا يكون مقابلًا لهذا والذي يوضح هذا أيضًا السياق.

فهذا فيه إثبات يعني إن كانوا يقولون هؤلاء يرددون ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 168، 169] سبحان الله! يزعمون أنهم لو جاءهم ذكر، وجاءهم كتاب سيكونون من عباد الله المخلصين فلما جاءهم الكتاب ﴿فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: 170] فنسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يجعلنا من المستجيبين له!

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171 - 173].

وهذا دلت عليه دلائل كثيرة في القرآن الكريم ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ [غافر: 51].

وقال الله: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21].

لذلك أطرح عليكم سؤالين أضمهما إلى السؤال السابق:

أما السؤال الأول: فهو أن الله عز وجل ذكر عباده المخلصين هنا في مواضع عديدة من السورة فكيف يكون العبد عبدًا مخلصًا لله يراجع كل واحد منا الآيات الكريمة وما يفتح له وعليه كيف يكون العبد مخلَصًا، ومخلِصًا لله سبحانه وتعالى هذا معنى، أو هذا سؤال.

والجهة الثانية: إن الله قد بين أن عباده المرسلين غالبون ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171 - 173] فقد يقول قائل كيف ذلك وقد ذكر الله أن بعض النبيين قد قتلوا؟ قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ [البقرة: 61].

وقال أيضًا ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 112] فهل ما ذكره الله سبحانه وتعالى من أن بعض النبيين قد تعرضوا للقتل ينافي ما ذكره الله هنا من أن الرسل غالبون ينظر في هذا؟ وبإذن الله تعالى ننتظر الإجابات وسنجمعها، ثم نرد عليها في حينها بإذن الله.

ثم تمضي الآيات الكريمة إلى أن ختم الله السورة بهذا الختام العظيم الذي هو جامع كل المطالب العالية كما نص عليه الرازي وهو قوله في ختام السورة ﴿سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 180، 181] هذا في جانب التنزيه.

﴿وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 182] هذا في جانب الثناء؛ ولذلك نحن نقول: سبحان الله وبحمده H1.

v سنة الله نصر المرسلين، وورثتهم بالحجة والغلبة، وبالآيات بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله أنه غالب منصور.

v في الآيات دليل على بيان عجز المشركين، وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبشارة لعباد الله المخلصين بأن الله بقدرته ينجيهم من إضلال الضالين المضلين.

الفائدتان واضحتان سنة الله نصر المرسلين، وورثتهم بالحجة والغلبة، وفيها أيضًا بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله جعلنا الله منهم بمدده وكرمه!

وهذا واضح في الآيات الكريمة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 171].

في الآيات دليل على بيان عجز المشركين، وعجز آلهتهم عن إضلال أحد وهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 161 - 163] إلى غير ذلك مما يذكر في فوائد هذه الآية.

بهذا نكون قد انتهينا يا أيها الإخوة الكرام من القراءة في تفسير سورة الصافات، وبقي لنا وقت يسير فلا يمنعنا من أن نقرأ من سورة ص مقدمات وما أشبه ذلك مما يفتح الله به، ونسأل الله السداد والإخلاص.

دروس مشابهة