سورة القمر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
ســــــورة القمر
سورة القمر - مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] التذكير بنعمة تيسير القرآن وما فيه من الآيات والنذر.
قال الشيخ حفظه الله:
التعريف بالسورة
سورة القمر سورة مكية، يعني نزلت قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ويدل على هذا حديث أنس -رضي الله عنه - أنّ أهل مكة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم - عن آية؛ فانشق القمر بمكة مرتين وأنزل الله قوله ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1) أصل الحديث موجود في الصحيح، لكن بدون (فأنزل الله الآيات) لكن جاء عند الترمذي وهو ثابت صحيح. فهذا يدل على أنّ هذه المعجزة وقعت بمكة، وهذا كان قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1) وأيضاً يشهد لهذا :- أنّ عائشة رضي الله عنها ذكرت أنّه أُنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم - وهي جارية تلعب ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ (القمر: 46) وهذا يعني أنها من أوائل ما نزل من القرآن وهذا كان قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فالسورة مكية وقد نُقِل الاتفاق على هذا.
من مقاصد السورة (التذكير بنعمة تيسير القرآن وما فيه من الآيات والنذر) نعم
وإن شئت فقل : إنّ هذه السورة الكريمة من مقاصدها العظيمة بيانُ إهلاك الأمم المكذبة، وتحقيق الإنذار للناس، ولذلك سورة القمر تقوم على أصل الإنذار، ولذا كثُر فيها ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 30) وأيضاً ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 141) إلى غير ذلك. كلمة «النُّذُر» تكررت كثيرًا كما سيأتينا إن شاء الله، إذاً سورة القمر تقوم على مقام الإنذار، وإن ورد فيها أيضًا التبشير للمؤمنين كما جاء في ختامها ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ﴾ (القمر: 54) وكأن الختام يشير إلى بدء جديد في سورة تالية وهي سورة الرحمن، فسورة الرحمن جاءت بجانب التبشير في بدايتها، وسورة القمر قامت في غالبها على مقام الإنذار، ولا يمنع أن السورة تحوي هذا وذاك كما جاء أيضًا في سورة الرحمن قسط من الإنذار كما سيأتي بإذن الله تعالى؛ إذاً في ذلك الإنذار والعظة للمكذبين وفيها أي في سورة القمر الحث على الانتفاع بالقرآن الكريم. نعم
قال الشيخ حفظه الله:
نعم. لا يفوتني أن أُنَبِّهَ على أنّ سورة القمر تُسَمى بهذا الاسم سورة القمر وقبلها سورة النجم، وبين النجم والقمر تناسب واضح كما لا يخفى فهذا من التناسب بين السور أيضاً.
﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1)
﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1) وهذا مؤذنٌ بقرب يوم القيامة، وقد جاء.
﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2) ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً﴾ : آية هنا جاءت نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم. يعني : وإن يروا أي ﴿ايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ : حينما رأوا القمر بهذه الصورة قالوا : هذا سحر، سحرَنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ماذا أصنع لكم؟ تُكَذِّبون بما آتيكم به من آيات وتشهدون بأنه الصادق الأمين. فما هذا التناقض؟ ﴿وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2) ما معنى مستمر؟ هنا في المختصر (ويقولوا ما شاهدناه من الحجج والبراهين سحر باطل) إذاً ﴿وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2) يعني هذا الذي نشاهده سحر باطل، فالمبتدأ مقدَّرٌ : سحر مستمر : يعني :- باطل، إذاً مُستَمِر معناه : باطل، وقد جاء في الرواية (ذاهب )، إذاً ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2) ذاهب فبعض العلماء يفسِّر المستمر بتفسيرات أخرى، فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿مُّسۡتَمِرّٞ﴾ يعني : محكمٌ موثَّق، يعني محمد متقنٌ في السحر، هذا معنى ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2)، وقال بعضهم : معنى ﴿مُّسۡتَمِرّٞ﴾ يعني : دائم لا ينقطع، وقال آخرون مستمر من : (المرارة) يعني : مستبشع. هذه أقوال قيلت في معنى مستمر؛ لكن القول الذي اختاره كثيرون أي : ذاهب باطل، وأنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد سحرنا؛ ولكننا عما قريب سندرك ذلك ونقضي عليه.
﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: 3)
قال الله ﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ (القمر: 3) أيضًا : اتباع الهوى، وهذا مُنَاسبٌ لما في سورة النجم ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ﴾ (النجم: 23)، ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾ ﴿حِكْمَةٌۢ بَـٰلِغَةٌ﴾ قال ﴿فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾ قالوا في المختصر (فما تنفع النذر قوماً لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) هذا على أنّ (ما ) نافية ﴿فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾ (القمر: 5) يعني لا تنفع، ولك أن تقول : إنّها استفهامية، يعني : فما تغني النذر؟ كأنه استفهام ويراد به الإنكار أيضًا.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ (القمر: 6) لذلك يُختار الوقف هنا، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تمَّ الكلام. ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ (القمر: 6) يعني : وقتها سترى وترى؛ لذلك ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ﴾ (القمر: 6) اذكر يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر أو قالوا هنا : منتظراً يوم يدعو الملك الموكل بالنفخ في الصور إلى أمر فظيع لم تعرف الخلائق مثله ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• خطر اتباع الهوى على النفس في الدنيا والآخرة.
• عدم الاتعاظ بهلاك الأمم صفة من صفات الكفار.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر اتباع الهوى على النفس في الدنيا والآخرة ﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ (القمر: 3)
• عدم الاتعاظ بهلاك الأمم صفة من صفات الكفار ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ (القمر: 4) وهذا فيه إثبات أنّه من حكم القصص الازدجار أو التذكر والاعتبار، وهذا من قوله ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ (القمر: 4) فيه عظة وعبرة.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ (القمر: 7)
نعم قال الله سبحانه وتعالى ﴿خُشَّعًا أَبْصَـٰرُهُمْ﴾ (القمر: 7) أي: ذليلةً أبصارهم، وهذه الذلة تظهر في الأبصار ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ (القمر: 7) ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ﴾ (القمر: 8) يسرعون إليه، ﴿يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (القمر: 8) كما قال الله سبحانه ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ﴾ (المدثر: 8).
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ﴾ (القمر: 9)
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (القمر: 9) جاء هنا ذِكرُ هلاك الأمم المكذبة ليكون هذا عبرة وإنذارا لمن يتعظ بهذه الإنذارات المتكررة والمتعددة، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا﴾ (القمر: 9)جاء التفصيل يعني ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (القمر: 9) هذا إجمال ثم جاء التفصيل فكذبوا لئلا يقول قائل : (كذبت ) ثم قال (فكذبوا) هذا تفصيل بعد إجمال؛ أو تكذيب بعد تكذيب، فهم كذبوا بالله وكذَّبُوا برسول الله ﴿فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا﴾ وهذا في وصف الأنبياء والمرسلين بأنهم عباد لله، وهذا وصف فيه تشريف لهم ﴿وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ﴾ (القمر: 9) سبحان الله! يصفون نبي الله نوحاً -عليه السلام - بأنّه مجنون ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (الذاريات: 52) ﴿وَٱزْدُجِرَ﴾ زجروه، واتهموه وآذوه ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) فانتصر لدينك، فانتصر لأوليائك، فانتصر لأنبيائك ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر: 11) قالوا هنا في المختصر (متدفق متتابع) ﴿وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (القمر: 12) جاء التعبير هنا أبلغ ما يكون، لم يقل (وفجرنا عيون الأرض)؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (القمر: 12) فقدّم الأرضَ هنا ﴿وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (القمر: 12) كأنّ الأرض كلها تفجرت، فصارت عيوناً.
﴿فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (القمر: 12) وهنا «الماء» يشمل ماء السماء مع ماء الأرض لكن جاء هنا فالتقى الماء لأنّ المراد به جنس الماء، إذاً ما معنى ﴿فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ﴾ يعني : جنس الماء النازل من السماء، وأيضاً عيون الأرض ﴿فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (القمر: 12) فكل شيء بقدر، ﴿وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ﴾ (القمر: 13) قال في المختصر يعني (ذات ألواح ومسامير) قال بعضهم : هذا فيه تعليم الناس كيف يصنعون السفينة، وفيه من جهة أخرى : بيان أنّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، فهذه السفينة المصنوعة من الألواح والدسر ينجي الله بها نوحًا ومن معه في هذا الواقع، وفي هذه الأمواج المتلاطمة مع هذه المياه من هنا وهناك. المياه النازلة من السماء والخارجة من عيون الأرض، وهناك أشياء ولطائف تتعلق بهذا : فتجد في بعض المواضع وُصِفَت سفينةُ نوحٍ بالفُلك، وهنا ذات ألواح ودسر، وتأتي السفينة وكل موضع له ما يتصل به وما يتناسق مع الموضع الذي ذكر فيه من آيات الله -سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم.
قال ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ (القمر: 14) قال في المختصر (بمرأى منا وحفظاً )، وكما تقدَّم لا يلزم بذلك أنها تجري في عين الله - سبحانه وتعالى - فهذا مُحال ولا يكون. لكن (بمرأى منا وحفظا ) ولا إشكال في هذا مع إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه من العين التي تليق به سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ قالوا هنا المفسرون (بمرأى منا وحفظاً) وهو كذلك، قال ﴿جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ (القمر: 14) ما معنى ﴿جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾؟ قالوا في المختصر (انتصارا لنوح الذي كذبه قومه وكفروا بما جاءهم به من عند الله) إذاً ﴿جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ (القمر: 14) به، يعني : ربنا نصره جزاءً له، فهنا ما قال (جزاء لمن كفر) جزاءً لمن ﴿كَانَ كُفِرَ﴾ (القمر: 14) أي كفر به لمن كان مكفوراً، وبعضهم جعل هذا عائداً على الله -سبحانه وتعالى – يعني: جزاءً من الله - سبحانه وتعالى –
﴿وَلَقَد تَّرَكْنَـٰهَآ ءَايَةً﴾ (القمر: 15) يعني هذه الفعلة أو هذه السفينة ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ هذا فيه تيسير القرآن حفظاً وفهماً وتلاوةً فهو مُيَسَّر ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 15) متعظ ومعتبر.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 18)
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 18) وبعدها ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 30) لذلك أحسنوا هنا في المختصر قالوا (كيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم) إذاً كيف كان العذاب؟ وكيف كان الإنذار؟ هل اتعظ الناس بهذا الإنذار؟ وتأمل أيضًا أنّ السؤال جاء بكيف؟ لذلك تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّه من مواضع العبرة والاتعاظ أن نتأمل كيفية العقوبات التي عاقب الله عز وجل بها الأمم المكذبة وكيف أنّ العقاب كان مناسباً للجرم الذي وقع منهم
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 23)
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 23) فسَّروا هنا السُّعُر بالعناء وهو وجه مشهور في الآية ﴿أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ (القمر: 25) أيضًا الدعوة الجائرة حينما يمتنعون من الإيمان بدعوى أن الرسل من البشر، مع أنّ هذا حكمة اقتضاها الأمر وهو أن يجعل الله الرسل ممن يُقتدى بهم عليهم الصلاة والسلام.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• مشروعية الدعاء على الكافر المصرّ على كفره.
• إهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين سُنَّة إلهية.
• تيسير القرآن للحفظ وللتذكر والاتعاظ.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشروعية الدعاء على الكافر المصرّ على كفره : ونوح -عليه السلام- دعا ودعا، ودعا قومه وبلغ بالليل والنهار والسر والجهار؛ ثمّ ما كان منهم إلا هذا بعد أن أعلمه الله سبحانه ﴿أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ (هود: 36)
• إهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين سُنَّة إلهية : وهذا واضح.
• تيسير القرآن للحفظ وللتذكر والاتعاظ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 40)
قال الشيخ حفظه الله:
﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ (القمر: 28)
هذا من تتمة قصة ثمود مع نبي الله ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ -عليه السلام - حينما كذبوا بالنذر، وقد قال الله -عز وجل- ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ﴾ (القمر: 27) فهذه الناقة كانت ابتلاءً لهم، وقد أُمِرُوا ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ (القمر: 28) لكل منهم يوم، يومٌ تشرب الناقة، ولا يقرب أحدهم هذا الشِّرب، أي الماء، ويشربون في هذا اليوم من لبنها، ثم في اليوم الثاني لا يكون للناقة شيء ويكون لهم الشراب الماء، كلٌ نصيب يحضره صاحبه وحده في يومه المختص به؛ وكان هذا أمراً ميسوراً عليهم لو استجابوا!، فهما بين شاربين للألبان وما بين شاربين للمياه. ولكن ﴿فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ﴾ وتأمل قوله ﴿فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ﴾ يعني كان هذا برضاهم لذلك جاء في الآية الأخرى ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ وإن كان العاقر واحداً؛ لكنهم لما كانوا راضين بعقره كانوا عاقرين مثلَه، قال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 30) قالوا في المختصر (كالشجر اليابس يتخذ منه المحتظر حظيرة لغنمه ) أهلكهم الله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 40)
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 33)
تحليل مقارن وربط بين السور
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 33) وتأمل - يا رعاك الله- أن القصص القرآن حينما يجيء كما تقدم يكون له ارتباط بمقصود السورة. فالسورة تتحدث عن هلاك المكذبين وعدم الاستجابة للإنذارات، لذلك تجد كل المقاطع ( كذبت، كذبت ) الكلام عن التكذيب في مواضع أخرى تجد ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (وإلى ثمود أخاهم صالحا) على حسب الموضوع، وأيضاً تكرر ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 30) قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 33) لأنّ النجاة من الانتقام نعمة، وأيُّ نعمة! تستوجب الشكر. فالشكر يكون لجلب أو لدفع نقمة، وكثيرٌ من الناس قد لا يدرك هذا فيظن أنّ الشكر يكون من استجلاب النعم فحسب، وإنما الشكر من جلب النعم ومن دفع النقم، ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 36) أيضًا الشكوك. كما تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة النجم ﴿أَفَتُمَـٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ (النجم: 12) ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ (النجم: 55) هنا ﴿فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ﴾ (القمر: 37) أيضًا مكثوا على ما هم عليه أو استمروا على ما هم عليه، من إتيان الذكران من العالمين، فلما رأوا الملائكة أرادوا أن يصنعوا معهم ما يصنعون مع الذكران قال ﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 37) هنا قد يشكل على الإنسان أمر: ﴿فَذُوقُوا۟ عَذَابِى﴾ هذا واضح ﴿وَنُذُرِ﴾ كيف يذوقون النذر؟ قال هنا في المختصر (نتيجة إنذاري ) فإذاً معنى ﴿وَنُذُرِ﴾ يعني ذوقوا نتيجة الإنذار، وهكذا ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: 38) ثم تمضي الآيات، قال الله سبحانه وتعالى
﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ﴾ (القمر: 41)
وتأمل اسم الله المقتدر، فإنّ له وقعاً في هذه السورة الجليلة، ولذلك قال بعضهم : اسم الله المقتدر الاسم له شأن عظيم في إهلاك الظالمين، وفي ختام السورة ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ﴾ (القمر: 54) فتكرر هذا الاسم في هذه السورة الجليلة. ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُو۟لَـٰٓئِكُمْ﴾ (القمر: 43) لماذا هذا الذي يجري من قريش، أجهلت قريش هذه الأخبار؟ أم لا تخشى أن تُعَاقب كما عُوقب أولئك ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى ٱلزُّبُرِ﴾ (القمر: 43) عندهم براءة وأنهم ناجون ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ (القمر: 44) هذا من الإخبار بالمستقبل الذي وقع، وقد هزم الله جمعهم في يوم بدر ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ (القمر: 45) فهذا من الإخبار بما وقع بعدُ ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ (القمر: 46) وتأمل هذه الآية الجليلة العظيمة التي فيها ترهيب وأي ترهيب! ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ (القمر: 46) لم يقل : ( بل الساعة موعدهم وهي أدهى وأمر) كرَّرَ كلمة (الساعة) وهي أدهى وأمرُّ.
﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ﴾ (القمر: 47) تأملوا قالوا في المختصر (ويقال لهم توبيخاً) وهذا مر معنا مراراً : أنّه يُحذَفُ القول للدلالة عليه ﴿ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ﴾ (القمر: 48) يعني : يُقَال لهم ﴿ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ﴾ (القمر: 48). ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) وهذا فيه إثبات أنّ كل شيء بقدر وأنّ الله لا يظلم أحداً.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• شمول العذاب للمباشر للجريمة والمُتَمالئ معه عليها.
• شُكْر الله على نعمه سبب السلامة من العذاب.
• إخبار القرآن بهزيمة المشركين يوم بدر قبل وقوعها من الإخبار بالغيب الدال على صدق القرآن.
• وجوب الإيمان بالقدر.
قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• شمول العذاب للمباشر للجريمة والمُتَمالئ معه عليها : فهم كانوا راضين، لذلك قال ﴿فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾ (القمر: 29) فكانوا كلهم على هذا.
• شُكْر الله على نعمه سبب السلامة من العذاب : ﴿كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ (القمر: 35)
• إخبار القرآن بهزيمة المشركين يوم بدر قبل وقوعها من الإخبار بالغيب الدال على صدق القرآن: إذن هذا من الإخبار بالغيب.
• وجوب الإيمان بالقدر : ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).
قال الشيخ حفظه الله:
﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍۭ بِٱلْبَصَرِ﴾ (القمر: 50)
﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍۭ بِٱلْبَصَرِ﴾ (القمر: 50) كلمة واحدة كن فيكون، ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ﴾ (القمر: 51) أي أمثالكم في الكفر من الأمم الماضية ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 51) ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ﴾ (القمر: 52) مكتوبٌ في كتب الحفظة ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ﴾ أحصاها ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ (القمر: 53) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ مُدَوَّن، ولذلك السؤال الذي نوجِّهه في هذا المجلس اذكر بعض الأدلة دليلين أو ثلاثة على أنّ كل شيء يعمله الإنسان مكتوب عليه في كتاب
في الختام ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ﴾ (القمر: 54) يعني : أنهار ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (القمر: 55) مجلس حق لا لغو فيه ولا إثم وذلك لأنهم صادقون، فهم في مجلس حق وصدق ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ﴾ (القمر: 55) وهو -سبحانه وتعالى - نسأل الله أن يجعلنا من المتقين بمنِّه وكرمه، وبهذا نكون قد انتهينا من سورة القمر بعد أن نقرأ الفوائد بإذن الله تعالى.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• كتابة الأعمال صغيرها وكبيرها في صحائف الأعمال.
قال الشيخ حفظه الله:
• كتابة الأعمال صغيرها وكبيرها في صحائف الأعمال : نعم وهذه فائدة كتاب الأعمال وتقدم أنَنَّا نريد أدلة عليها، والشاهد عليها من السورة ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ (القمر: 53).
ونشرع بفضل الله وتوفيقه في تفسير سورة الرحمن. ونسأل الله العون من الرحمن.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)