منظومة الزمزمي الدرس الثاني عشر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
يقول الناظم
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
:
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: الحَضَرِيُّ وَالسَّفَرِيُّ مِنْ آي القُرْآنِ
وَالسَّفَرِيْ كَآيَةِ التَّيَمُّمِ
مَائِدَةً بِذَاتِ جَيْشٍ فَاعْلَمِ
أَوْ هِيَ بِالبَيْدَاءِ ثُمَّ الفَتْحِ فِي
كُرَعِ الغَمِيمِ يا مَنْ يَقْتَفِي
وبِمِنَى اتَّقُوا وَبَعْدُ يَوْمَا
وَتُرْجَعُونَ أَوْلِ هَذَا الخَتْمَا
وَيَوْمَ فَتْحِ آمَنَ الرَّسُولُ
لِآخِرِ السُّورَةِ يا سَئُولُ
وَيَوْمَ بَدْرٍ سُوْرَةُ الأَنْفَالِ مَعْ
هَذَانِ خَصْمَانِ وَمَا بَعْدُ تَبَعْ
إِلَى الحَمِيدِ ثُمَّ إِنْ عَاقَبْتُمُ
فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
بِأُحُدٍ وَعَرَفَاتٍ رَسَمُوا
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
وَمَا ذَكَرْنَا هَهُنَا اليَسِيرُ
وَالحَضَرِيْ وُقُوعُهُ كَثِيرُ
الشرح
الحمد لله رب العالمين أُصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فما زال الحديث موصولًا بالتعليق على منظومة الزمزمي في أصول التفسير، وبعد أن فرغ الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من الحديث عن المكي والمدني، تحدث عن الحضري والسفري، والمقصود بالحضر ما نزل في الحضر، وبالسفري ما نزل في أسفاره عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وإنما نص كما ترون في هذه الأبيات على السفري، لِمَ؟
لأن الأصل الحضري، والقليل هو الذي يمكن حصره، والكثير لا يمكن حصره؛ ولذلك قال:
وَمَا ذَكَرْنَا هَهُنَا اليَسِيرُ
وَالحَضَرِيْ وُقُوعُهُ كَثِيرُ
يعني الأصل أن القرآن نزل في الحضر، والمقصود بالحضر هنا نزوله بأرض مكة أو بأرض المدينة.
طالب:
... المكي والمدني حضر......؟
الشيخ:
هذا لأنه قليل لم يُجعل قسمًا منفردًا؛ ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المتأخرين رجحوا أن المكي ما نزل قبل الهجرة وأن المدني ما نزل بعد الهجرة لتكون القسمة حاصرة؛ لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ما قبل الهجرة وما بعد الهجرة هل هناك حاجة إلى قسم ثالث؟
ليست هناك حاجة إلى قسم ثالث؛ ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قالوا إن المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إذًا وما الذي لم ينزل في مكة ولا في المدينة ماذا نقول فيه؟ فكان هناك إشكال بسبب ذلك؛ فلأن السفري قليل لم يُجعل قسمًا منفردًا، أي في مقابلة المكي والمدني.
لكن هنا من باب زيادة العلم وزيادة التفصيل نص العلماء على بعض الآيات أو بعض المواضع التي نزلت في أثناء سفر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتي صح بها الخبر عنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وهذا كما قلت مرارًا مثل ما تكلمنا في أهمية المكي والمدني أو دراسة المكي والمدني، إنه من ضمن هذه الفوائد معرفة اهتمام الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، اهتمام الصحابة البليغ الكبير بالقرآن الكريم، كان عندهم عناية فائقة لدرجة أنهم ضبطوا المكان الذي نزل فيه القرآن الكريم من حيث الحضر والسفر، بل سيأتي الكلام عن الليلي والنهاري.
ولذلك بعد ذلك تكلم قال: الليل والنهار، والصيف والشتاء، والفراش، يعني الذي نزل وهو في فراش بعض نسائه والذي نزل بالليل والذي نزل بالنهار، أما تكفيك آية الصيف في مسألة الكلالة؟ فإذًا هناك آيات نزلت في الصيف وآيات نزلت في الشتاء، كل هذا زيادة في ضبط الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ للقرآن الكريم، فليست هناك آية إلا وهم قد اعتنوا بها وبمكانها وبسببها إن كان لها سبب وبزمانها.
قال: "الحَضَرِيُّ وَالسَّفَرِيُّ"، قال: "
وَالسَّفَرِيْ كَآيَةِ التَّيَمُّمِ
...
مَائِدَةً بِذَاتِ جَيْشٍ فَاعْلَمِ
"، يعني يقول مما نزل في باب السفر أو في الأسفار آية سورة المائدة، ويقصد بها آية التيمم بسورة المائدة، وإنما قيدها بالمائدة؛ لأنه توجد آية في سورة النساء، وهو يقصد أن الآية التي نزلت في شأن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا حينما حُبس الناس على فقد ما كان لديها من عقدٍ وقد امتنع الماء عنهم أو فقدوا الماء، وعاب بعض الناس على ذلك وعتبوا عليها وأخبروا أبا بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وقال: حبستِ رسول الله وحبستِ الناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلتمس العقد الذي افتقدته أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فأنزل الله آية التيمم.
وقال أسيد بن حضير
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
مقولته المشهورة: «
ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر
» [صحيح البخاري]، يعني معناها أن الله أنزل فيكم وفي شأنكم قرآنًا يتلى، ليس في مرة واحدة وإنما في مرات عديدة، فهذا له سبب نزول وهذا كان بالبيداء أو بذات الجيش ولذلك في الرواية: «
حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والناس على التماسه
» [صحيح البخاري].
وذات الجيش أو البيداء كما قال بعضهم إنها بين المدينة وخيبر، هذا جزم به النووي. والذي جزم به غيره كابن التين قالوا: إن البيداء هي ذو الحليفة، وهي بالقرب من المدينة من طريق مكة، وأما ذات الجيش فهي وراء ذي الحليفة، على كلٍ هي أماكن لكن جاء في الرواية: "هذه بيداؤكم التي تكذبون فيها على النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
".
إذًا هناك من جعل البيداء أو بذات الجيش بين المدينة وخيبر، وهناك من قال بل المراد بالبيداء ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذي الحليفة، على كلٍ هو مكان كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه في سفر من أسفاره فأنزل الله آية التيمم تيسيرًا ورفعًا للحرج عن المسلمين، وأنت تلحظ أن التيمم رخصة كبيرة ورحمة عظيمة من الله بعبادة.
وحين ينزل مثل هذا الحكم في مثل هذا الحدث الذي يكون الناس أحوج ما يكونون إليه ففيه تذكير بنعمة الله عَزَّ وَجَلَّ عليه، وهذا من فوائد تنجيم القرآن الكريم، القرآن لو نزل جملة واحدة خلاص أنت تقرأ كل التيسير مرة واحدة، لكن أن يكون فيه موقف والمسلمون في جانب عصيب ويبحثون عن الماء ولا يجدون ولا يدرون ماذا يصنعون، ولا يجدون الماء ليتوضؤوا به وليصلوا، فينزل التخفيف فهذا يكون له وقعه وموقعه العظيم من قلوب المسلمين.
قال: "
أَوْ هِيَ بِالبَيْدَاءِ ثُمَّ الفَتْحِ فِي ... كُرَعِ الغَمِيمِ يا مَنْ يَقْتَفِي
" ما المقصود بالفتح؟ سورة الفتح، يعني نزلت والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كراع الغميم، ويقال: "
ثُمَّ الفَتْحِ فِي ... كُرَعِ الغَمِيمِ يا مَنْ يَقْتَفِي
".
طالب:
...
الشيخ:
الظاهر أنها الآية كلها، وعلى كل المسألة فيها أخذ ورد لأنه في بعض روايات ظاهره أنها آية النساء، لكن الأكثرون على أنها آية المائدة.
هنا قال: "
ثُمَّ الفَتْحِ فِي ... كُرَعِ الغَمِيمِ يا مَنْ يَقْتَفِي
" أقول هي تقرأ "كراعٍ الغميم" من أجل ﴿إِلَّا﴾ ينكسر البيت، وإن كان الأصل أن كراع مضافًا إلى الغميم، لكن هذا التنوين لأن الأصل أن التنوين لا يأتي مع الإضافة، فالإضافة تمنع التنوين، كما تقدم معنا مرارًا، فمثلًا تقول "طالبٌ"، إذا قلت "طالبُ العلم" حذفت التنوين، فكذلك كراعُ الغميم هنا الأصل حذف التنوين، لكن وقع التنوين هنا فيكون ما بعده تسهيل له "كراعٍ" هو الغميم، أو أن يقال هذا من باب الضرورة الشعرية من أجل ﴿إِلَّا﴾ ينكسر البيت.
"
كُرَعِ الغَمِيمِ
" وهذا اسم وادٍ بين مكة والمدينة، بعضهم قال هو بعسفان، ﴿وَقِيلَ﴾ بل هو قريب من مكانٍ بين رابغ والجحفة وهي ميقات أهل مصر، فهذا مكان، فأيضًا نزلت على الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهذا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ كان؟ كان في صلح الحديبية؛ ولذلك قول كثير من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾1 المراد
بالفتح المبين قالوا إنه صلح الحديبية؛ ولذلك قال عمر
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
للرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أو فتح هو؟ قال: نعم" [صحيح مسلم].
فجعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الصلح الذي وقع بين المسلمين والمشركين فتحًا لأنه آذن بما بعده؛ لأنهم استراحوا من هذه الجبهة التي كانت تؤذيهم أيما إيذاء واستراحوا منها فتوجهوا بعد ذلك إلى غيرهم كاليهود، ثم بعد ذلك لما نقض المشركون العهد كان هذا مسوغًا وقد قويت شوكة المسلمين ليقوموا بفتح مكة كما هو معروف في العام الثامن من هجرة الرسول
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: "
يا مَنْ يَقْتَفِي
": الذي يقتفي ويتتبع هذه المسألة يجد هذا، فتقول اقتفى من القفو وأصله اتباع الأثر.
وبِمِنَى اتَّقُوا وَبَعْدُ يَوْمَا
وَتُرْجَعُونَ أَوْلِ هَذَا الخَتْمَا
"
وبِمِنَى اتَّقُوا
": يعني نزل بمنى قوله: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾2، ولذلك سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن كثيرًا من العلماء يرون أن هذه الآية هي آخر آية نزلت، وقد ورد ذلك عن ابن عباس
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
أن آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
لكن على كلٍ سيأتينا مبحثٌ كامل في دراسة أول ما نزل وآخر ما نزل فحينها نبحث هذه المسألة -إن شاء الله تعالى- هل آخر ما نزل هذه الآية أم آيات الربا أيضًا في خواتيم سورة البقرة أو آية الدين أم أنه قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾3؟ سيأتي تحرير هذه المسألة وإن كان المرجح هو قوله: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وَيَوْمَ فَتْحِ آمَنَ الرَّسُولُ
لِآخِرِ السُّورَةِ ياسَئُولُ
"
وَيَوْمَ فَتْحِ آمَنَ الرَّسُولُ
": يعني يوم فتح مكة أنزل الله قوله ، لكن الذي ورد في شأن ذلك أن الصحب الكرام أتوا الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وقالوا كُلفنا من الأعمال ما نطيق، كلفنا بالصلاة والصدقة والجهاد وهذا نطيقه وأنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها وهي قوله: ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾4، فأنزل الله التخفيف بعدُ ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾5، لكن ليس فيه ذكر لفتح مكة، لكن هكذا قال عدد من المفسرين بأنها نزلت في فتح مكة.
وقد جاء عن النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحيح مسلم عن ابن عباس
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
: «
بيْنَما جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقالَ: هذا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليومَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا اليَومَ، فَنَزَلَ منه مَلَكٌ، فَقالَ: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلَّا اليَومَ، فَسَلَّمَ، وَقالَ: أَبْشِرْ بنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بحَرْفٍ منهما إلَّا أُعْطِيتَهُ
» [صحيح مسلم]. والذي نزل به الملك ليس الآيات، وإنما هو البشارة بالآيات، لئلا يرد إيراد: هل نزل بالقرآن غير جبريل؟ فالجواب لم ينزل بالقرآن أحد سوى جبريل، وإنما الملك الذي نزل بهذا نزل بالبشارة، بقول: أَبْشِرْ بنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ.
وإنما المشهور أن الذي نزل بفتح مكة هو قوله تعالى:
﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾6، فهذا وارد في فتح مكة في قصة مفاتيح الكعبة، في قوله:
وقد أدى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه المفاتيح لأهلها.
طالب:
....
الشيخ:
ورد مثل ملك الجبال، أليس ملك الجبال استأذن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه أن يُطبق عليهم الأخشبين، وهذا أَبْشِرْ بنُورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ، لا بأس، وهي سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة.
طالب:
هذه في فتح مكة؟
الشيخ:
لا، أن قلت ليس في الحديث نصٌ على ذلك، لكن الموجود البشارة؛ لكن لذا قال عددٌ من أهل العلم.
"
يا سَئُولُ
": يعني مقصود به يا طالب العلم، ولكن عبر عنه بالسئول باعتبار أن المتوقع من طالب العلم أن يكون كثير السؤال فيما ينفع ويفيد؛ لأن العلم يضيع بين المستحي والمتكبر، فالأصل أن الإنسان يسأل عن ما جهل، والله قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾7.
"
وَيَوْمَ بَدْرٍ سُوْرَةُ الأَنْفَالِ مَعْ... هَذَانِ خَصْمَانِ وَمَا بَعْدُ تَبَعْ
": ويعني يوم بدر وسورة الأنفال؛ يعني سورة الأنفال نزلت في غزوة بد وهذا صحيح لا إشكال فيه وهو محل اتفاق، وسورة الأنفال كلها حديثٌ عن غزوة بدر، وعلى هذا الإجماع أيضًا أنها نزلت عقب بدر وفيها آيات صريحة في هذا الباب، ولذلك فيها أسباب نزول واقعة في بدر قطعًا: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾8، جاء سؤالهم عن الأنفال بعد غزوة بدر، وكذلك ما وقع فيها حديث عن بدر، في آخرها عن الأسرى ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾9.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لقد عرض علي ..." .
طالب:
...
الشيخ:
نعم، لكن هما قالوا إنها نزلت في بدر أيضًا؛ لأن الآيات يعني ذُكرت للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمجرد قبوله للفداء وعرض الصحابة
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم
له قبول هذا الفداء فأنزل الله الآيات؛ ولذلك قال: «
عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة
» لما وجد عمر
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
الرسول يبكي ووجد أبا بكر يبكي، قال إن وجدتم بكاء وإلا تباكيت لبكائكما فهذا يشهد لهذا الأمر يعني.
"مع
هَذَانِ خَصْمَانِ وَمَا بَعْدُ تَبَعْ
": باعتبار أن قوله هذان خصمان نزلت في الصحابة الذين قاتلوا في غزوة بدر الثلاثة في مقابلة الثلاثة من المشركين في شأن علي وحمزة وعبيدة ففي قتالهم للمشركين نزل قول قول الله ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾10، طبعاً باعتبار إن بدر إن هي ليست من المدينة في ما مضى من حيث إنها خارج حدود المدينة، وإلا فبدر يعني بعيدة وهي ما زالت بعيدة عن المدينة شيئًا ما فلهذا قالوا إنها نزلت في الأسفار وهذا وجه إنها من الأسفار، وإلا قلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن بعضهم يدخل القريب في حكم الداخل فمثلاً منى يعني ولا ولما قال: "وبمنى اتقوا" بعضهم يجعل منى تابعة لمكة؛ فلذلك يقول مكة وضواحيها ويقول المدينة وضواحيها ليدخل فيها ما كان من من الضواحي.
"
وَمَا بَعْدُ تَبَعْ
إِلَى الحَمِيدِ
": أيضًا وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾11 إلى قوله تعالى فهذه أيضًا قالوا بأنها نزلت في يوم بدر؛ فهذه أيضًا قد قالوا بأنها نزلت في يوم بدر؛ لأنَّها من تتمة الكلام السابق بعد أن ذكر الله الخصمين ذكر الله جزاء أهل الإيمان وأنهم ينعمون في جنات النعيم.
"
ثُمَّ إِنْ عَاقَبْتُمُ
فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
": هذا يسميه العلماء بأسلوب الاقتباس، وهذا موجود في بعض الأبيات السابقة فقد ذكر "آمن الرسول" وما إلى ذلك، وهو أن يأتي بجزء من الآية الكريمة في أثناء البيت وهنا لم يأتِ بها لمجرد الاقتباس وإنما للاقتباس والاستشهاد؛ لأنه جيء بها لمقصودها لذاتها ليس أنها سيقت لمجرد الاقتباس، وإنما قصد بها الاقتباس وفي نفس الوقت الاستشهاد؛ يعني هو يريدها تحديدًا ليست كلمة يرددها فحسب.
"
ثُمَّ إِنْ ﴿عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم﴾
" وذلك في خواتيم سورة النحل؛ لأنه وردت بعض الروايات أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لما قُتل عمه حمزة
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
ومَثَل به المشركون، قال: "لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنُرْبيَنَّ عليهم"، فأنزل الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾12.
لكن هذه الرواية جاءت من طريقٍ مرسل وفيها راوٍ مبهم، وجاءت موصولة، لكنها أيضًا من طريقٍ ضعيف، فمن صححها من أهل العلم قال بمقتضاها وبناءً عليه ستكون هذه الآيات مستثناة من سورة النحل المكية، فتصلح كدليلٍ على آياتٍ مدنية في سورة مكية.
ولكن الذين يضعفون تلك الرواية يقولون: لم يثبت خبر عن النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وإنما الآية الكريمة مثلها مثل غيرها من الآيات التي فيها أن الإنسان إذا جازى غيره فليجازه بالمثل وإن صبر فهو خير، ففي ذلك مثلاً قول الله في سورة الشورى ، فعلى ذلك الآية لا يكون لها سببٌ خاص وتبقى تلك الآيات آيات مكية ولا يصح استثناؤها من سورة النحل على أنها مدنية، ولعل هذا أقرب والله تعالى أعلم.
لكن على كلٍّ ذهب كثير من المفسرين إلى استثناء هذه الآيات من سورة النحل؛ لأن ما وقع لحمزة رضي الله عنه ﴿أَنَّمَا﴾ كان في غزوة أحد وعليه فتكون الآيات نزلت في السنة الثالثة من هجرة الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فتكون الآيات مدنية، ومن قبل ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن وجود آيات مدنية في سورة مكية خلاف الأصل ولا يثبت ذلك إلا بدليلٍ صحيح فمن صحح هذه الروايات بطرقها المتعددة؛ ولأن أكثر المفسرين على قولها وكذا أهل السير كما ذكر ابن إسحاق وغيره فإنهم يقولون باستثنائها وإلا مع عدم ثبوتها فالأصل أن يُقال الآية عامة وليست خاصةً بحمزة
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
ولا بغيره وإنما هي من جنس الآيات الداعية إلى العفو والتي تنهى عن الاعتداء عند الثأر أو عند الأخذ بالحق والله تعالى أعلم.
طالب:
... الآية مدنية في حمزة أو في غيره، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ليس لها تأثير طالما ليس لها تأثير إذًا لماذا أدخلها في خلاف ؟
الشيخ:
الآن ما الإشكال عندك، ما سؤالك؟
طالب:
نحن نقول أنها مدنية وأوقعنا الخلاف، وقولنا سنوقع على العموم.
الشيخ:
نحن ما أوقعنا خلافًا، الآن وردت روايات أن سبب نزول هذه الآيات في شأن حمزة
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
، سورة النحل سورة مكية ولا مدنية؟ مكية، إذًا كيف يكون فيها حديث عن واقعة وقعت بعد غزوة أحد أو في غزوة أحد؟ سنضطر ونقول إن السورة كلها مكية لكن هناك آيات نزلت في المدينة ضمت إليها فيكون هذا مثالاً للآيات المدنية التي أُلحقت بالمكية، لكن قلت عند عدم ثبوت الدليل وإن الروايات لا تخلو من مقال فلا وجه للاستثناء وحينئذٍ نقول إن السورة كلها حينئذ مكية؛ لضعف الروايات الواردة في شأن حمزة
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
أو في هذا السبب الوارد فتكون السورة كلها حينئذ مكية.
لكن على كل الأحوال كما تكرمت العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولا نزاع في هذا أصلاً ﴿أَنَّمَا﴾ النزاع هل نستثنيها أو لا نستثنيها؟ وهذا الكلام تكلمنا عنه في الدروس السابقة، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن فيه كثير يتساهل في قضية الاستثناءات هناك من يتساهل ويُدخل آيات ليلحقها باتجاه آخر فيجعل في المكي مدني أو العكس، لكن الأصل المكي بالفعل، الأصل الآيات كلها مكية السورة مكية كلها أو مدنية كلها هذا هو الأصل، والمستثني عليه الدليل.
قال: "
بِأُحُدٍ
" هذا تتمة الكلام، فقوله "بأحدٍ": متعلق بقوله: "فعاقبوا"؛ يعني نزلت بأحد، وكذلك الآيات الأخرى يعني "ويوم فتحٍ آمن الرسول"؛ يعني نزل آمن الرسول يوم فتحٍ وهكذا.
"
وَعَرَفَاتٍ رَسَمُوا
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
": وهذا أمره واضح؛ فعمر
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
لما قال له الرجل اليهودي: «يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم جمعة» [صحيح البخاري]. وفي بعض الروايات "وكليهما لنا عيد" بحمد الله تعالى، فهذا أمر واضح فقوله:
نزلت على الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يوم عرفات، ولكن ليست هي آخر آية على القول المرجح وسيأتي في الحديث عن آخر ما نزل من القرآن الكريم.
"
وَمَا ذَكَرْنَا هَهُنَا اليَسِيرُ
": يعني هناك آيات أخرى ودردت أنها نزلت في أسفار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كالآيات التي نزلت على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، وغيرها من الآيات التي نزلت في بعض أسفاره عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
"
وَالحَضَرِيْ وُقُوعُهُ كَثِيرُ
": يعني الحضري هذا هو الأصل.
فهذا هو الباب الذي معنا وهو الحضري والسفري ما نزل في السفر وما نزل في الحضر، هل يترتب على ذلك شيء يتعلق بالتفسير؟ لا يترتب عليه ولذلك نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن علوم القرآن الكريم أعم من التفسير؛ فهناك بعض علومٍ من علوم القرآن الكريم لا يتوقف عليها تفسير القرآن الكريم، كمعرفة عدد الآيات أنت لا تعرف عدد آيات السورة هل هذا سيرد عليك إشكالاً من حيث فهم السورة أو الآيات؟ لا، كذلك معرفة الآيات نزلت بمكان كذا نزلت في الحضر أو نزلت في السفر، لكن لا شك أن الإنسان حينما يعلم مناسبة الآيات والسياق الذي نزلت فيه الآيات الكريمة يعينه ذلك على فهمها، على أن القاعدة العامة أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وهذه قاعدة غاية في الأهمية.
وعلى كلٍّ سنتعرض لهذه القاعدة -إن شاء الله تعالى- فيما بعد؛ لأنَّها قاعدة غاية في الأهمية وفيها رد واضح على الحداثيين والعلمانيين ومن شابههم ممن يقول بتاريخية النص القرآني أو بتاريخية النص القرآني، وهذا إشكال كبير، وأن بعض العلماء قالوا بأن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ فقالوا نحن نأخذ بهذا القول وهم لم يقولوا بذلك؛ لأن القائلين بذلك قصدوا معنى لم يقصده هؤلاء وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى في مبحث أسباب النزول والله أعلم.
طالب:
ماذا تعني تاريخية النص القرآني؟
الشيخ:
يعني يقولون: القرآن نزل لتاريخ معين، نزل لأسباب معينة.
طالب:
....
الشيخ:
الحداثيون تلاميذ المستشرقين.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ — الفتح: 1 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ — البقرة: 281 ↩
- آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — المائدة: 3 ↩
- آية: ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — البقرة: 284 ↩
- آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — البقرة: 286 ↩
- آية: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ — النساء: 58 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ — النحل: 43 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — الأنفال: 1 ↩
- آية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — الأنفال: 67 ↩
- آية: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ — الحج: 9 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ — الحج: 23 ↩
- آية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ — النحل: 126 ↩
دروس مشابهة
- وقفات مع قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر جزء1 - خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
- وقفات مع قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- المجلس السادس - التعليق على تفسير الجلالين (مقدمة سورة البقرة وآيتان1-2)
- دفع إشكال في فهم آيات منها قوله تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول)
- لمحة في سورة الضحى