منظومة الزمزمي الدرس الثالث عشر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوْعُ الخَامِسُ وَالسَّادِسُ: اللَّيلِيُّ وَالنَّهَارِيُّ
وَسُورَةُ الفَتْحِ أَتَتْ فِي الَّلْيلِ
وَآيَةُ الِقْبلَةِ أَيْ فَوَلِّ
وَقَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ
بَعْدُ لِأَزْوَاجِكَ وَالخَتْمُ سَهُلْ
أَعْني الَّتِي فِيْهَا البَنَاتُ لَا الَّتِي
خُصَّتْ بِهَا أزْوَاجُهُ فَأَثْبِتِ
وَآيَةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَا
أَيْ خُلِّفُوا بِتَوْبَةٍ يَقِيْنَا
فَهَذِهِ بَعْضٌ لِلَيْلِيٍّ عَلَى
أَنَّ الكَثِيرَ بِالنَّهَارِ نَزَلاَ
الشرح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فما زال الحديث موصولًا بالتعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وانتقل إلى: "
النَّوْعُ الخَامِسُ وَالسَّادِسُ: اللَّيلِيُّ وَالنَّهَارِيُّ
"؛ وهذا كما ترون كالذي قبله يتعلق بنزول القرآن الكريم، وتقدم أنه يمكن جمع هذه الأنواع في نوع واحد؛ فالصيفي والشتائي، والليلي والنهاري، والحضري والسفري، والمكي والمدني، كل ذلك مما يتعلق بنزول القرآن الكريم، فهي أقسام وأنواع مندرجة تحت باب نزول القرآن الكريم.
فقال هنا: "
اللَّيلِيُّ وَالنَّهَارِيُّ
"، ما معنى الليلي؟ يعني ما نزل بالليل، والنهاري ما نزل بالنهار، الأغلب من القرآن، من نزول القرآن، أن يكون نهارًا أم أن يكون ليلًا؟ نهارًا؛ لأن هذا وقت وقت اليقظة ووقت المعاش ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا﴾1، فغالب مجيء الوحي إلى الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كما يقول أهل العلم كان بالنهار.
لذلك التمثيل يكون لليلي ولا يكون للنهاري؟ يكون لليلي؛ فدرج عادة المصنف تبعًا لأصله أنه إذا مثل فإنما يمثل بالقليل المنحصر، وأما الكثير فلا حاجة للتمثيل له لأنه كثير، فذكر هنا قال:
وَسُورَةُ الفَتْحِ أَتَتْ فِي الَّلْيلِ
وَآيَةُ الِقْبلَةِ أَيْ فَوَلِّ
"وسورة الفتح أتت في الليل"، إذ ثبت عن النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أنه أنزل الله عَزَّ وَجَلَّ عليه سورة الفتح بالليل، وفي بعض الروايات إلى قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾2
، يعني ليس السورة كلها، ﴿أَنَّمَا﴾ صدر السورة الكريم.
وقال: «
لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾»3
[رواه البخاري]؛ فهو بناءً عليه قاس عليها جميع السور، لكن على كلٍّ حال صدر سورة الفتح نزل بالفعل ليلًا كما ثبت بذلك الحديث عنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فعرفنا أنه نزل ليلًا بحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد اختلفوا في المراد بالفتح في الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾؛ فالذي يعزى إلى جمهور المفسرين أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية؛ وذلك لأن الآيات نزلت في صدده، والسورة تتحدث عن صلح الحديبية، وعن بيعة الرضوان كما هو معروف: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾4، ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾5 إلى غير ذلك من الآيات الكريمة؛ فقالوا نزلت عليهم في منصرفهم من الحديبية، وقالوا للرسول: أفتح هو؟ قال: «نعم»، فقالوا المراد بالفتح صلح الحديبية.
وقالوا كان فتحًا؛ لأنه مقدمة للفتح الأكبر، ومقدمة الفتح فتح؛ وفي صلح الحديبية استقرت أمور المسلمين، واستطاع الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن يتفرغ لدعوة كثير من الأمم الأخرى بعد أن كان مشتغلًا بمواجهة ومجابهة المشركين فأمن جانبهم.
ثم كان أيضًا مقدمة لفتح مكة؛ لأنهم لما نقضوا العهد وقد قويت شوكة المسلمين، فصارت القوة مع المسلمين والنقض منهم، فكان هذا مسوغًا لفتح مكة بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وذهب فريق من العلماء إلى أن المراد بالفتح فتح مكة، وأنه مثل قوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ6 وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾؛ فهناك الجمهور على أنه فتح مكة، وبعضهم نقله اتفاقًا وإن كان فيه بعض خلاف لكنه يسير.
وعليه: فيكون التعبير بقوله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ من باب الإخبار عن الأمر المستقبلي؛ لأنه متحقق الوقوع، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾7 يعني سينادي، وكقوله ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾8 يعني سيأتي أمر الله، لكن القول الأول عليه أكثر المفسرين ولعله أرجح؛ لأنه الموافق لسبب نزول الآيات الكريمة، والله أعلم.
لكن على كلٍّ القولان بينهما شيء من التقارب باعتبار أن صلح الحديبية فتح؛ لأنه مؤدٍ إلى الفتح الأكبر؛ فتح مكة.
"
وَآيَةُ الِقْبلَةِ أَيْ فَوَلِّ
": ما هو "أي فول" ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾9 يقصد بذلك أن هذه الآية نزلت بليل؛ إذًا كان حديثه أولًا عن سورة، فهو لماذا ابتدأ بسورة الفتح؟ لأنه تكلم عن سورة ثم بعد ذلك بدأ يتكلم عن بعض الآيات، لكن تقدم الكلام هل السورة كلها أو صدر السورة كما جاء في بعض الروايات.
أما أن قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ نزلت في الليل، فيشهد لذلك حديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في الصحيح حينما قال: «
بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا
» [رواه البخاري ومسلم]، فقالوا هذا يدل على أن استقبال القبلة كان بالليل.
وهذا يثير إشكالًا وهو أنه قد جاء في حديث البراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن أول صلاة صلوها إلى الكعبة صلاة العصر، وجاء في بعض الروايات صلاة الظهر أو صلاة العصر على الشك، وفي بعضها صلاة الظهر؛ لذلك وقع خلاف كبير بين أهل العلم في أول صلاة صلاها الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلى الكعبة وتحولت القبلة فيها.
فمن قائل يقول إنها صلاة الفجر مستدلين بالحديث الذي معنا؛ حديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وقالوا: يبعد أن تكون صلاة العصر؛ لأن الفرق بين صلاة العصر وصلاة الفجر صلاة المغرب وصلاة العشاء، وصلاة الفجر؛ يعني صلاتين صلاة المغرب والعشاء، والفرق بين قباء وبين مسجد الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ليس بالكبير، فيبعد أن يصلي الرسول صلاة العصر بمسجده ويبقى إلى الفجر حتى يعلم الصحابة في قباء؛ لأن أول صلاة صلوها في قباء كانت الفجر، فكيف ذلك؟ ولذلك استظهروا أنها صلاة الفجر، وهذا مال إليه بعض العلماء كالبُلقيني وغيره.
وقال آخرون: هذا ليس بلازم، بل الأقرب أن أول صلاة صلوها هي صلاة العصر، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّمَا﴾ أوحي إليه بتحويل القبلة فيما يبدو بين الظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾، وأول صلاة صلاها العصر، لكن الذين علموا بذلك هم أقرب الناس إليه من المساجد، ثم بعض الصحابة كان يصلي في مكان فيخبرهم، والذين كانوا يسكنون بقباء ﴿أَنَّمَا﴾ هم بنو عمرو بن عوف، وهؤلاء لم يكن من العادة أن يذهب الرسول إليهم إلا كل سبت مرة؛ أي كل أسبوع مرة، فالذي شهد معهم كان صلاة الفجر.
وهذا اختاره الحافظ ابن حجر، ومال إليه، وقال عليه يكون معنى الحديث: "وآتاني آتٍ الليلة"، كيف يكون الحكم بالليلة؟ قالوا: أي المراد به الليلة وجزء من النهار؛ لأن معنى أنهم صلوا الفجر فقال لهم "أتاني الليلة" ولماذا لم يخبروا في قباء إلا الفجر؟ لأن الليل يبدأ من المغرب، فالمغرب والعشاء دخلا، وجزء قبل المغرب وهو العصر الذي هو مدة الساعتين من العصر، فيكون المراد به من وقت العصر إلى وقت الفجر.
على كلٍّ الأحاديث في ذلك فيها عدة روايات وفيها كلام طويل، ومن راجع كلام الحافظين ابن رجب وابن حجر يجد لهما فيه كلامًا كثيرًا؛ لأن هناك عدة روايات كثيرة جدًّا سواء في رواية البخاري ومسلم وفي غيرهما من الروايات، وبعض الروايات أن أول صلاة صلاها كانت عند البراء بن معرور ليس في مسجده أصلًا وكانت الظهر، ثم صلى في مسجده العصر، ثم كان في قباء الفجر، فهذه أقوال كثيرة في هذا الباب.
على كلٍّ، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ نسلم للزمزمي بالتمثيل بهذه الآية "وآية القبلة أي فول" على ترجيح رواية ابن عمر التي فيها أن أول الصلاة كانت صلاة الفجر في قباء ؛ يعني هي صلاة الفجر باعتبار أنه كان في الليل؟ لكن لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد كما قال الحافظ إنه من العصر؛ إذًا لا يصلح هذا دليلًا لهذه المسألة، والله أعلم، والأمر في ذلك يسير على كلٍّ هو قرآن منزل.
لذلك قد يقول قائل: ما الفائدة من معرفة الليل والنهار؟ هو لا يترتب عليه أثرٌ تفسيري، نحن تكلمنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ هناك من علوم القرآن ما لا يدخل في علوم التفسير، وأن علوم القرآن أوسع دائرةً من علوم التفسير؛ يعني هناك علوم من علوم القرآن لو لم تعلمها لا تؤثر على تفسير القرآن مثل الليل والنهار، ومثل الصيف والشتاء، ومثل عدد آيات السورة مثلًا، لكن العلم بها حسن؛ لأنَّها علوم تتعلق بالقرآن الكريم، وتدل على العناية الفائقة التي قام بها الصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان، وأنَّ كلَّ شيء يتصل بالقرآن الكريم زمانًا ومكانًا وغير ذلك لم يغفل عنه الصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان، هذا وجه الكلام في ذلك.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَقَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ
بَعْدُ لِأَزْوَاجِكَ وَالخَتْمُ سَهُلْ
أَعْني الَّتِي فِيْهَا البَنَاتُ لَا الَّتِي
خُصَّتْ بِهَا أزْوَاجُهُ فَأَثْبِتِ
يعني ماذا؟ يقصد بذلك آية الحجاب: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾10، يقول هذه الآية نزلت أيضًا بالليل، وإلى آخر الآية "سهل"، يعني ختمها سهل.
"
أَعْني الَّتِي فِيْهَا البَنَاتُ
"؛ فهذا اسمه احتراز؛ لأنه لو قال "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي" فقط، "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾"، فهناك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾11 التي هي آية التخيير؛ فقال "أعني التي فيها البنات" يعني آية الحجاب.
"
لَا الَّتِي
خُصَّتْ بِهَا أزْوَاجُهُ فَأَثْبِتِ
": يعني هذه بخلاف آية التخيير؛ فهو لا يتكلم عن آية التخيير ﴿أَنَّمَا﴾ يتكلم عن آية الحجاب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.
ما وجه استدلاله على ذلك؟ أو استدلال من استدل على ذلك؟
استدلوا على ذلك: بسبب نزول الآية الكريمة، فقالوا: إن آية الحجاب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، تعلق أمرها بقضية أو بقصة سودة بنت زمعة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حينما كانت تخرج لحاجتها في الليل، ووقع من عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ما وقع من قوله: "قد عرفناكِ يا سودة" وما إلى ذلك؛ فقالوا إن خروج النساء لقضاء حاجتهن كان معروفًا بالليل ولا يكون بالنهار، فكون هذا سببًا لنزول الآية الكريمة يدل على أنه كان بالليل، لكن هل نزلت الآية مباشرة أو نزلت بعد ذلك؟ هذا أيضًا محله الإشكال، فليس صريحًا صراحة واضحة، أصرح الآيات التي فيها التصريح بأنه نزل عليه ليلًا أو ما إلى ذلك، لكن على كلٍّ هذا وجه استنباطه أنها نزلت بالليل لتعلقها بقضية سودة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَآيَةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَا
أَيْ خُلِّفُوا بِتَوْبَةٍ يَقِيْنَا
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾12. ومن الثلاثة؟ مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية؛ وبعضهم يقول: "مكة"؛ يعني مرارة الـ "م"، وكعب الـ "ك"، هلال الـ "ه".
وقالوا: إن هؤلاء هم الثلاثة: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وقوله ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ لم يقل "تخلفوا"؛ لأن المقام هنا "خُلِّفُوا" لقضاء الله فيهم، لذلك بعضهم يظن أن معنى ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أن الكلام هنا عن تخلفهم، بل الكلام في الآية يتحدث عن الذين أُخروا لحكم الله فيهم.
طالب:
أُخروا لمزاجهم؟
الشيخ:
لا، هم وقع منهم التخلف.
طالب:
إذًا تخلفوا؟
الشيخ:
وربنا ماذا قال؟ ،
وربنا يتحدث عن موضوع ثانٍ، يعني وقع منهم التخلف لكن الآية تتحدث عن ماذا؟ أنه ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾13 هؤلاء الذين جاؤوا واعتذروا الأعاذير الكاذبة، ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾14 يتحدث عنهم، إذًا ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ يعني يتحدث عن الذين خُلفوا أي ربنا أمر الرسول أن ينظرهم في الحكم؛ يعني الرسول لم يقضِ فيهم شيئًا حتى نزلت التوبة عليهم، هذا المقصود بالآية الكريمة، ويدل عليه رواية كعب بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ المشهورة الطويلة في الصحيحين.
الشاهد:
أنه قال: "
بتوبة يقينًا
"، "بتوبة" يعني بسورة التوبة، ويمكن أن يقال "يقينًا" يعني استيقن يقينًا فتكون مفعولًا مطلقًا لفعل مقدر، هذه نزلت بالليل قطعًا؛ لأن هذا يدل عليه الحديث الصحيح وقصة أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها؛ فنزلت على الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ براءة هؤلاء أو توبة الله على هؤلاء في ثلث الليل الأخير، وحين أنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ذكر هؤلاء الذين تيب عليهم، كما قال الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لأم سلمة: «
إِذًا يَحْطِمُكُمُ النَّاسُ مِنَ اللَّيْلِ
»؛ يعني الناس لن يتركوكم لو قام الرسول بالليل وقال لهم نزلت التوبة، فانتظروا إلى صلاة الفجر، والقصة مشهورة معروفة؛ فإذًا هذا واضح وثابت أن هذا كان في الليل.
فَهَذِهِ بَعْضٌ لِلَيْلِيٍّ عَلَى
أَنَّ الكَثِيرَ بِالنَّهَارِ نَزَلاَ
يعني الأكثر أيضًا بالنهار، لكن هذه بعض الأمثلة والنماذج لليلي، والله تعالى أعلم.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالثَّامِنُ الصَّيفِيُّ وَالشِّتَائِيُّ
صَيْفِيُّهُ كَآيَةِ الكَلَالَةِ
وَالشِّتَائِي كَالْعَشْرِ فِي عَائِشَةِ
الشرح
"
صَيْفِيُّهُ
": يتكلم عن الصيف والشتاء ولم يذكر الربيع والخريف؛ فبعضهم يقول باعتبار أن الصيف أشمل وكذلك الشتاء، يعني لو أردنا تقسيم الفصول ممكن نقول اثنين واثنين، أو ممكن نجعلهم اثنين فقط بمعنى قد ندخل الربيع في الصيف وندخل الخريف في الشتاء باعتبار أن الشتاء جنس للبرودة والصيف جنس للحرارة في غالب الأمر، أو أن يقال إن هذا الذي أسعفه فيه الدليل؛ فالذي أسعفه فيه الدليل ذكر الصيفي والشتوي.
والأولى في النسبة إلى الشتاء "الشتوي" بالواو، هذا هو الأصح من قوله "الشتائي"، وإن أجازه بعضهم، وبعضهم رأى أنه شاذ وأنه خلاف الأصل في النسبة، أما الصيفي صيفي لا إشكال في ذلك، لكن الإشكال في نسبة الشتاء إن في مثل ذلك أن يقال "شتوي"، وبعضهم أجازه كما ذكره هنا.
قال: "
صَيْفِيُّهُ كَآيَةِ الكَلَالَةِ
"، هذا يدل عليه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
يَا عُمَرُ، أَمَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟
» [رواه مسلم]، وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كان يكثر من سؤال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أحكام الكلالة؛ فقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾15
، وهذا يدل على أن كلمة "آية الصيف" جاءت أيضًا من قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يعني هذا أمر مضبوط عندهم سابقًا، وكأنه يمكن للمرء أن يأخذ من هذا أن أصل هذا التقسيم موجود له أدلة نبوية من قول الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وهذا يدل على تمام ضبط النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هل تتذكر الآية التي نزلت عليَّ صيفية.
ولذلك بعض العلماء قال: يستفاد من ذلك أن الآية الأخرى كانت في الشتاء وهي الآية الأولى؛ لأن عندنا في الكلالة آيتين:
الآية الأولى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾16
فيها ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
الآية الثانية:آية الصيف الأخيرة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ إلى آخر الآية الكريمة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾.
ما الفرق بين الآيتين؟ يعني الكلالة هنا مثل الكلالة هنا؟ الإخوة في الآية الأولى هم الإخوة لأم، والإخوة في الآية الأخيرة هم الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب، وقد نقل كثير من أهل العلم الإجماع على ذلك؛ ولذلك لو أن شخصًا قرأ الآيتين دون أن يفهم هذا الكلام لوقع في إشكال، لماذا؟ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ كيف يكون له السدس وهناك يقول ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾؟ هل هو النصف أم السدس؟ نقول له: لا، هذه في قصة وهذه في قصة، هذا في موضوع وهذا في موضوع؛ يعني الأخ الشقيق أو الأخ لأب هذا حكمه في آخر السورة، لكن ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ هذا في الإخوة لأم؛ لذلك العلماء قالوا: الإخوة لأم يستوي الذكور فيهم بالإناث، يعني لو كان أكثر من واحد ﴿فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ﴾ بالسوية، وهذه من الصور التي تكون فيها الأنثى مماثلة للذكر ولا تكون نصف حظ الذكر، بل تكون مثيلة له.
طالب: هل لها علة يا شيخ؟
الشيخ: لا، هذه النصوص فيها توقيفية؛ لأنّّ الله قال ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾، لكن هناك قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾.
طبعًا بعضهم يذكر بعض الحكم من ناحية أن هذه من جهة الأمومة والأمومة امرأة فالعلاقة واحدة، لكن هناك متعلق بالعصبات لأب وأم ولأب ففيها الذكورة والقوة فصار فيها ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾17، لكن العبرة في ذلك التوقيف والله تعالى أعلم.
بعضهم يذكر لطائف في ذلك؛ لكن يعني بعضهم يقول مثلًا: الإخوة لأم نزلت الآية في الشتاء كأن أخاك لأمك يحتاج منك إلى دفء، وأما الأخ الشقيق والأخ لأب فأحيانًا تحدث نفرة فجاءت في الصيف، لكن هذا ليس عليه كبير دليل، فمثل هذا لا نعول عليه؛ إذ ليس كل مناسبةٍ مقبولة، وليس كل لطيفة مدعاة بلطيفة، ﴿أَنَّمَا﴾ يُقبل ما دل عليه الدليل.
"
وَالشِّتَائِي
" إن صححنا التعبير "
كَالْعَشْرِ فِي عَائِشَةِ
"، طبعًا قوله "في عائشةَ" من باب الوزن والاتساق؛ لأن قبلها يقول "الكلالة" فقال "عائشة" لتكون على نفس القافية، وإلا فالأصل هي "في عائشةَ" باعتبار أن عائشة ممنوعة من الصرف؛ فهنا إذا قال قائل لماذا جرها هنا بالكسرة؟ فنقول: مراعاة للنظم، ولكن ليس من ناحية الإعراب.
إذًا "
كَالْعَشْرِ فِي عَائِشَةِ
"، ما العشر في عائشة؟ ما جاء في آيات سورة النور في حادثة الإفك: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾18. فهذا نزل في الشتاء، ما الدليل على أنه نزل في الشتاء؟
أنه في الرواية أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزلت عليه الآيات وإن جبينه ليتفصد عرقًا في يوم شاتٍ؛ فقالوا إذًا نزلت عليه الآيات في اليوم الشاتٍ، فكان الدليل أن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لما ذكرت أن: «
وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَنْزِلَ اللَّهُ فِيَّ قُرْآنًا يُتْلَى
» [رواه البخاري]؛ يعني لم تكن تتوقع أن ينزل فيها القرآن، لكن رؤيا يراها الرسول، فلما وجد الرسول ونزل عليه آيات القرآن جعل يتفصد جبينه عرقًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعقود الجمان في يوم شاتٍ؛ فإذًا هذا كان في الشتاء.
بعضهم قال: ليس بصريح في المسألة؛ لأنه يحتمل أنها تصف حاله باستمرار؛ لأن الرسول كان يأتيه أحيانًا الوحي بالفعل كما جاء أيضًا في حديث الحارث بن هشام لما سأل النبي: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث عائشة أيضًا في الصحيح: «
فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا
» [رواه البخاري]، فهذه حالته باستمرار، أنه لو كان يومًا حتى شديد البرودة فمن شدة الوحي عليه يتفصد عرقًا؛ فهل قولها "في يوم شاتٍ" لبيان أن هذا اليوم كان شاتيًا؟ هذا احتمال، أو أنه "في يوم شاتٍ" تكملة للوصف؛ أي أنها تقول رغم...
على كلٍّ استدل به فريق على أنها نزلت في فصل الشتاء، وآيات براءة أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها معلومة لكم وقد برأها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذه الآيات المباركة من آيات سورة النور.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
التَّاسِعُ الفِرَاشِيُّ مِنَ الآيَاتِ
كَآيَةِ الثَّلَاثَةِ المُقَدَّمَةْ
فِي نَومِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَهْ
يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثْلَ الرُّؤْيَا
لِكَوْنِ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيَا
الشرح
قال: "
التَّاسِعُ الفِرَاشِيُّ مِنَ الآيَاتِ
": ولم يذكر له مقابلًا؛ يعني لم يحتج إلى أن يذكر له مقابلًا، فعندما ذكر صيفي ذكر شتائي، ولما ذكر ليلي ذكر نهاري، ولما ذكر حضري ذكر سفري، لكن لما ذكر الفراشي ما احتاج أن يقول "وغير الفراشي" باعتبار أنه قوله الفراشي يعني وهو على فراشه، والكثير أنه لا يشترط أن يكون الفراش حالة فيها وصف، فإنَّ جاءت آيات فيها أنه كان على فراشه.
إذًا بقية الآيات مسكوت عنها؛ فهي ليست في حاجة إلى تخصيصها بالذكر، فأحيانًا يأتي الوصف والوصف المقابل معروف، أو إنه يكون فيه صفة خاصة، فهو جعلها من الصفات الخاصة بذلك.
"
كَآيَةِ الثَّلَاثَةِ المُقَدَّمَةْ
": التي هي آية ماذا؟ ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾، فقوله "كآية الثلاثة المقدمة" هي التي تقدم ذكرها في قوله "وآية الثلاثة أي خلفوا بتوبة يقينًا"، هؤلاء هم الثلاثة الذين تكلم عنهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.
"
فِي نَومِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَهْ
": كما جاء في حديث كعب بن مالك في الصحيحين، وهي نفسها طلبت أن تخبر الناس بذلك، إذًا هذا كان على فراشها. طيب، ورد عندنا حديث عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وهي تمتدح وتبين فضل الله عَزَّ وَجَلَّ عليها: «
مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ غَيْرِي
»، فهل يقال إن هذا باعتبار أنها حدثت بما تعلم أو باعتبار الغالب، وبعضهم جمع جمعًا آخر فقال: أي وهي مجتمعة معك، وإلا فقد ينزل في بيت بعض نسائه دون أن تكون موجودة؛ يعني مثلًا هي تخرج فيقوم جبريل بالدخول أو يكلم الرسول أو نحو ذلك، لكن أن يدخل ويكون الملك موجودًا وهي لا تزال موجودة فهذا كان لعائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، هكذا قال بعض أهل العلم، ويحتمل أن يقال إن هذا على اعتبار ما علمت رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها.
طبعًا أم مسلمة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها وفضل أم سلمة هذا كلام كثير، ولا أدري كيف حالكم مع السيرة، يعني عندما تُسأل عن أم سلمة، ماذا تعرف عن أم سلمة؟
"
يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثْلَ الرُّؤْيَا... لِكَوْنِ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيَا
": يتكلم عن رؤيا الأنبياء يعني يقول: إن الذي يدخل في حكم الفراشي ما جاءه في الرؤيا؛ لأن الذي نزل عليه في الرؤيا سيكون وهو في الفراش في غالب الأمر، "
يَلْحَقُهُ
": يعني يلحقه في الحكم؛ يعني يلحق الفراشي في الحكم النازل مثل الرؤيا، "
لِكَوْنِ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيَا
": رؤيا الأنبياء وحي وقد جاء من عدة طرق عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وله حكم الرفع.
طالب:
هل النبي في المنام يكون وهو في فراشه هو الآن وضع حالة وحالة، يعني الفراش غير الرؤيا؟
الشيخ:
لا، ما هو ممكن المرء أن يكون في فراشه وهو مستيقظ، فآيات توبة كعب بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كانت وهو مستيقظ هو يقول: يلحق بذلك الذي نزل عليه وهو في الرؤيا، إذًا من باب أولى في فراشه؛ لذلك هو لم يجعله قسمًا منفصلًا، هو قال يدخل في نفس الحكم.
طالب: يعني سيدنا جبريل ينزل عليه وهو نائم؟
الشيخ: نعم في الرؤيا، لكن سأتكلم في...،
طالب: ...
الشيخ: لا، الرؤيا يا أخي يرى رؤيا ليس شرطًا أن يكون جبريل، لا ليس المراد هنا جبريل، ليس شرطًا أن يكون جبريل، ﴿أَنَّمَا﴾ عن طريق الرؤيا؛ معناه أنه رؤيا وأن رؤيا الأنبياء وحي.
فأنا أتكلم الآن في مسألتين:
الأمر الأول:
تقرير أن رؤيا الأنبياء وحي. الأمر الثاني: أين السورة التي نزلت عليه عن طريق الرؤية أصلًا؟
الأمر الأول:
تقرير أن رؤيا الأنبياء وحي. وهذا صحيح؛ فرؤيا الأنبياء وحي وقد جاء من عدة طرق، وبعضهم أعلها بالوقف والصواب أن لها حكم الرفع؛ لأن الصحابي لا يقول "رؤيا الأنبياء وحي" من تلقاء نفسه؛ لأن هذا لا يدخله الرأي فله حكم الرفع، فرؤيا الأنبياء وحي هذا ثابت صحيح، ويشهد له صنيع الخليل إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حينما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾19؛ إذ لو لم يكن هذا وحيًا ما كان له أن يقدم على ذبح ولده، هل ينفع سيدنا إبراهيم بدون وحي أن يقول لابنه ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾؟ لا، لأن هذا وحي.
الأمر الثاني: أين السورة التي نزلت من القرآن في هذا الطريق؟ لا يثبت فيما أعلم -والله أعلم- أن سورة نزلت من القرآن بهذا الطريق، وما يُذكر في هذا الباب لا يسلم من نزاع، وأشهر ما أُشكل على ذلك حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في صحيح الإمام مسلم: «
بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾»20 [رواه مسلم].
فقالوا: هذا دليل على أن الوحي أتاه وهو نائم في رؤيا؛ لكن هذا ليس ظاهر الدلالة؛ لأن معنى "أغفى إغفاءة" الظاهر أنها الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي؛ يعني معنى "أغفى إغفاءة" من الوحي، أليس الرسول عندما كان يأتيه الوحي أحيانًا يغفي إغفاءة وأحيانًا يسمع له غطيط كغطيط البكر ودوي كدوي النحل وغير ذلك من الصفات؟ فهذه صفة من الصفات التي اعترت النبي عند مجيء الوحي.
ويشهد لذلك أنه كان بين أظهرهم، فأين نومه على فراشه؟ يعني الكلام هذا وهو كان بين أظهر الصحابة، وهل كان النبي وهو بين الصحابة يتركهم وينام؟ هذا بعيد أيضًا عما عُهد من فعله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لذلك الصحيح أن سورة الكوثر كغيرها نزلت عن طريق جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
الأمر الآخر أن الأصل عندنا في هذا الباب قول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ21 عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾22 فلم يستثنِ سورة ولا آية؛ يعني قال "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ نزله"؛ إذًا القرآن كله منزل عن طريق جبريل روح القدس، ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ﴾؛ إذًا هذا حكم عام ليس فيه ولا منه استثناء، والله تعالى أعلم.
فعليه: كلام الزمزمي "
يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثْلَ الرُّؤْيَا... لِكَوْنِ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيَا
"، نقول: نعم رؤيا الأنبياء وحي، لكن أين النازل من القرآن بهذه الطريقة؟ على أننا نقول: لو فرضًا نزل شيء من القرآن بهذه الطريقة لقبلناه؛ لأنه وحي، لكن لا نعلم أن شيئًا نزل بهذه الطريقة وإنما كان نزول القرآن الكريم عن طريق جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وقد تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ دفع إشكال ما جاء في فضل سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، وقلنا إن النازل كان الملك الذي نزل وقال: «
أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
» [رواه مسلم]، فقالوا إن هذه السورة وخواتيم سورة البقرة نزل بها ملك غير جبريل؛ نقول: لا، الملك نزل ببيان الفضل وبالبشارة، لم ينزل بالسورة نفسها، بدليل أن سورة الفاتحة مكية وخواتيم سورة البقرة مدنية، بل ليست في بدايات الهجرة، بدليل سبب نزولها؛ فإنما كان النزول للملك الآخر بالفضل وبالبشارة وليس بأصل السورة أو الآيات الكريمة، والله تعالى أعلم.
لكن هناك رؤيا للرسول؟ نعم، وهناك وحي آخر؟ نعم؛ لأن الوحي ليس مقتصرًا على القرآن الكريم، نحن نتحدث عن القرآن. «
إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا
» [رواه ابن حبان والحاكم]، هذا من الوحي، ممكن بعض الأحاديث القدسية تأتي بذلك عن طريق الرؤيا لا إشكال؛ نحن نتحدث عن القرآن الكريم على وجه التحديد.
طالب:
هل فيه وحي مثل سيدنا جبريل ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي؟
الشيخ:
نعم، ممكن عن طرقٍ أخرى ليس إنه يأتي عن طريق الرؤيا...
طالب:
...
الشيخ:
لا، ليس شرطًا، هو رؤيا منام يعني يُرى ما يُكلف بكذا وكذا.. وإن لم تأتيه صورة الملك..
طالب:
... ينزل بالأشياء المختلفة هذه...؟
الشيخ:
لا، ليس شرطًا .. أن يكون في اليقظة، هذه سأتحدث فيها، لكن أقول: هذه رؤيا منامية؛ رؤيا يعني جاءته رؤيا في المنام: "يا محمد قم وافعل كذا وكذا"، كون الذي يكلمه جبريل أو غير جبريل ليس شرطًا؛ لأن هذه اسمها رؤيا.
إذًا نحن عندنا ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾23؛ فعندنا تكليم الله للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير واسطة كما جرى في رحلة المعراج حينما فرض عليه الصلوات، فهذا لم يكن عن طريق جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هناك الإلهام أو هناك النفث في الروع؛ ولذلك الوحي أنواع وأظن تكلمنا عن هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.
طالب:
ومعناها ماذا "النفث في الروع"؟
الشيخ:
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الفرق أن النفث في الروع يكون عن طريق الملك، والروع هو النفس؛ يعني يقذف في نفسه الملك بكلمات، أما الرؤيا فلا يشترط فيها هذا النفث.
طالب:
الملك هذا من يكون إذًا؟
الشيخ:
هو جبريل.
طالب:
هو جبريل؛ إذًا هو جبريل في كل الحالات؟
الشيخ:
لا إله إلا الله، لكن الرؤيا ليست هي النفث في الروع، الرؤيا هذه نوع ثانٍ، كما قال العلماء: هناك نفث في الروع، وفيه ورؤيا، هل الرؤيا يلزم أن يكون أحد قد كلمة كملك أو غيره؟ بل قد يرى رؤيا معينة كما رأى عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رآها وهي تأتي في سرقة من حرير وقال: «
إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ
» [رواه البخاري ومسلم] وصارت زوجًا له رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها، إلى غير ذلك من الرؤى؛ يعني أقصد أن هذه رؤيا، ورأى كذلك ما يقع لأصحابه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ في مسألة رؤيا البقر وما إلى ذلك.
يرى بعض الأشياء ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾24؛ إذًا هو رأى رؤيا، ورأى مسألة الطواف بالبيت وما إلى ذلك، ولا يشترط أن يكون عن طريق جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، والله أعلم.
بعد ذلك النوع العاشر وهو أسباب النزول وهو أعظمها وأجلها؛ يعني تستطيع القول أنه من أهم هذه الأقسام هو أسباب النزول، وهذا الذي يترتب عليه آثار كثيرة جدًّا، وهو أسباب النزول، إذًا الآن نحن أخذنا الليلي والنهاري، والصيفي والشتائي، والفراشي، وبعد ذلك يكون البدء -بإذن الله تعالى- بأسباب النزول، والله أعلم.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا﴾ — النبأ: 11 ↩
- آية: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ — الفتح: 2 ↩
- آية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ — الفتح: 1 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ — الفتح: 10 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ — الفتح: 18 ↩
- آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ — النصر: 1-3 ↩
- آية: ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — الأعراف: 44 ↩
- آية: ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ — النحل: 1 ↩
- آية: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ — البقرة: 144 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — الأحزاب: 59 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ — الأحزاب: 28 ↩
- آية: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — التوبة: 118 ↩
- آية: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — التوبة: 90 ↩
- آية: ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — التوبة: 106 ↩
- آية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ — النساء: 176 ↩
- آية: ﴿۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ — النساء: 12 ↩
- آية: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — النساء: 11 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — النور: 11 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — الصافات: 102 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ — الكوثر: 1-3 ↩
- آية: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ﴾ — الشعراء: 193-195 ↩
- آية: ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ — النحل: 102 ↩
- آية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ — الشورى: 51 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ — الفتح: 27 ↩