مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 7

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 277 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

نعم جاء القرآن الكريم معظماً لحرمة نفس المؤمن وناهياً عن انتهاكها ومرتبا على ذلك أشد العقوبات وهذا واضح جلي في الآيات السابقة وقد قال الله ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٩٣ﵢ ولذلك وردت الأدلة الكثيرة في ذم قتل النفس بغير حق كما هو معلوم ونريد منكم أن تذكروا لنا ثلاثة من الأدلة التي تشهد لهذا المعنى وهو تغليظ قتل النفس المعصومة ثم أن النفس المحرم قتلها هي نفوس معصومة ويدخل في النفس المعصومة المؤمن والمعاهد والذمي والمستأمن فهذه نفوس لا يجوز للإنسان أن يعتدي عليها بخلاف الحربي فهذا له شأن آخر.

قالوا من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمن القاتل لا يخلد أبدًا في النار وإنما يعذب فيها مدة طويلة ثم يخرج منها برحمة الله تعالى حتى الذين يقولون أنه ليست له توبة قالوا يعاقب لكن لا يخلد في ذلك خلود الآبدين وإنما يعذب على قولهم وأما الآخرون وهو القول الراجح فيقولون أيضًا أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه وهذا فيه أن الشراح - وفقهم الله - ذكروا الخلود بمعنى المدة الطويلة المكث الطويل وهذا أفضل ما ذكر في أصله في أصل الشرح والعلم عند الله.

وجوب التثبت والتبين في الجهاد وعدم الاستعجال في الحكم على الناس حتى لا يعتدى على البريء لذلك قال فتبينوا وفي القراءة الأخرى فتثبتوا.

تعليق الشيخ حفظه الله :

نعم قال الله سبحانه ﵣلَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ ﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَـٰتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ﵝالنِّسَاء من الآية ﵕﵙ إلى الآية ﵖﵙﵜ

إذا كان رب العزة سبحانه وتعالى قد أمر المؤمنين بالتثبت والتبين قبل القتال وفي أثناء القتال فهذا لا يعني أن الجهاد ليس له شرف بل الجهاد له شرف وأي شرف فرغب أيضًا في الجهاد في سبيله حتى لا يتكاسل الناس أو يتقاعسوا ولكن عليهم أن يتبينوا ويحترزوا ففرق بين أن يحترز الإنسان ويتبين وبين أن يتقاعس أو يتكاسل المطلوب منهم الجهاد في سبيل الله مع التثبت والتبين

﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وقد جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها عند الشيخين أن الآية نزلت أول ما نزلت ﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ بدون قوله ﴿غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ﴾ وجاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد وعنده ما عنده من العذر فأنزل الله قوله ﴿غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ﴾ ولذلك يضرب هذا مثالا لجزء من آية نزل مستقلا فقوله غير اولي الضرر نزل بعد أن لم يكن نازلا في بادئ الأمر وهذا جزء من الآية

لذلك قول من قال من أهل العلم أنه كانت تنزل عشر آيات بعشر آيات أو خمس آيات هذا لا يقال باطل وإنما في بعض المواضع ربما نزلت سورة بأكملها وربما نزلت عشر آيات فأكثر كما في شأن حادثة الإفك مثلًا وربما نزلت آية وربما نزل جزء من آية ومن الأمثلة على نزول جزء من الآية هذا الموضع غير اولي الضرر ( والمطلوب أن تذكروا لنا مثالا آخر نزل فيه جزء من آية واحدة )

قال الله بعدها ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ قالوا هنا ﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على القاعدين عن الجهاد درجة ثم قال ﴿وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وكلا وعد الله الحسنى وعد من؟ وعد المجاهدين والقاعدين إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن القاعدين هم الذين تخلفوا عن الجهاد قال لأن لهم أعمالا أخرى يكافئهم الله سبحانه وتعالى عليها أو يقال والعلم عند الله أن المراد بالقاعدين هنا هم أولو الضرر

فقوله ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً﴾ أي القاعدون غير اولي ضرر لهم اجر بسبب نيتهم الحسنة لكن المجاهد جمع بين النية والمباشرة ففضل بدرجة زائدة وهي درجة مباشرة وبناء عليه يزول الإشكال فيما جاء بعد ذلك وهو قوله ﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ درجات ففي الموضع الأول قال درجة وهنا قال درجات

فقال بعض المفسرين الدرجة في الموضع الأول هو تفضيل المؤمنين المجاهدين على القاعدين من ذوي الضرر إذا المجاهد والقاعد الذي قعد بسبب الضرر كان أعمى كما هو شأن عبد الله بن مكتوم رضي الله عنه فالمجاهد أفضل منه بدرجة لأنه جاهد وباشر أما المجاهدون ففضلهم على القاعدين بدون أن يكونوا من اولي الضرر درجات منه ومغفرة وهذا معنى أجرا عظيما

أو أن يقال أن قوله درجة ودرجات في شأن قوم معينين وهم في شأن قوم وهم القاعدون بصفة عامة لكن الدرجة معناها المنزلة درجة أي منزلة وأما درجات المقصود بها منازل الجنة فالدرجة لما أطلقت هي معناها منزلة وأما الدرجات على سبيل التفصيل وهي المنازل لأن الجنة منازل كما هو معلوم والعلم عند الله تبارك وتعالى

وهذا يجر إلى مسألة تحتاج إلى تفصيل وهي أن من نوى الخير أجر عليه لكن هل يكون ثوابك ثواب المباشر لهذا الأمر؟ هذا يحتاج إلى تفصيل بالنظر إلى عموم النصوص الواردة في ذلك فمثلا في قصة أو في حديث الأغنياء والفقراء وطلب الفقراء من الرسول صلى الله عليه وسلم ما طلبوا منه حينما ذكروا أن الأغنياء سبقوهم وH0

فلذلك استدل بعضهم بذلك وبعضهم يستدل بحديث أبي كبشة ﴿أَنَّمَا﴾ الدنيا لأربعة نفر على خلاف في تصحيح الحديث وفي دلالته فهو بنيته فهما سواء ما معنى سواء هل سواء في أصل العمل أم سواء في تضاعف العمل واجره والعلم عند الله؟

لكن مما قاله بعض المفسرين أن الدرجة في الموضع الأول على القاعدين غير اولي الضرر وأما في الموضع الثاني فهذا في عموم القاعدين

قال الله بعدها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ ٩٧ ﵝالنِّسَاء الآية ﵗﵙﵜ

قوله قالوا ﴿قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ﴾ هذا الاستفهام استفهام إنكاري يُراد به التوبيخ ولذلك قالوا هنا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ توفاهم الملائكة وهم ظالمون لأنفسهم بترك الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام تقول لهم الملائكة حال قبض ارواحهم توبيخا لهم إذا هذا على سبيل الإنكار والتوبيخ والآية نزلت في جماعة أقاموا في دور الكفر أو في دار الكفر وهم مسلمون لكن لم يذهبوا إلى الهجرة مع قدرتهم على تلك الهجرة فكان وجودهم بين ظهراني المشركين مما يكثر سواد المشركين لأنهم حينما يكونون وسطهم وبينهم يكثر بذلك سوادهم وربما يكونون معهم في وسط المعارك وإن لم يريدوا قتال المسلمين

فقال الله لهم أو ذكر قول الملائكة ﴿قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ﴾ قالوا كنا مستضعفين في الأرض أي كنا ضعفاء لا حول لنا ولا قوة نرد بها عن أنفسنا فقالوا ﴿قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا﴾ وهذا فيه أن من لم يستطع إقامة دينه فإن عليه أن يهاجر إلى أرض يستطيع إقامة دينه فيها وهذه الآية وردت في شأن أولئك كانوا في مكة وقت أن كانت دار كفر ثم صيَّرها الله عز وجل بلدًا إسلاميًا كما H0

قال الله ﴿إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ فبعد أن ذكر الله الوعيد لأولئك الذين تخلفوا عن الهجرة ذكر الاستثناءات للمعذورين ﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾ وأنتم ترون ولعلكم تذكرون ما سبق معنا ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵕﵗﵜ وقلنا هذا من حكم مشروعية الجهاد في سبيل الله وسورة النساء من السور التي اعتنت بالحديث عن المستضعفين وحقوقهم

﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قالوا هنا لا يستطيعون ممن لا قوة لهم يدفعون بها عنهم الظلم والقهر فكان معنى لا يستطيعون حيلة : يعني دفعا للظلم أو حيلة يستطيعون الهروب بها والتخلص من الوجود بين ظهراني المشركين لم يستطيعوا أن يتفلتوا منهم أو كانوا ضعفاء عن السير كانوا مرضى أو مرضهم مرض شديد لا يقوون معه على الهجرة في سبيل الله ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵐﵐﵑﵜ

ثم بعد ذلك أثنى الله على من يهاجر في سبيله ولذلك أحسنوا هنا في المختصر فقالوا ولما ذكر الوعيد على ترك الهجرة مع القدرة عليها رغب فيها، إذاً هذا بعد التحذير والتنفير جاء دوره جاء دور الترغيب والتبشير فقال ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ﵢ ما معنى يجد مراغما؟ قالوا يجد في الأرض التي هاجر إليها مراغما متحولا وأرضا غير أرضه إذا هذا معنى المراغم الكثير وكأنه قيل له مراغم لأنه حين يسافر يراغم عدوه يراغم عدوه فلذلك قيل له مراغم حينما يترك هذه الأرض ويتجه إلى أرض يوحد الله سبحانه وتعالى فيها وسعى فيجد رزقا من الله سبحانه

﴿من يخرج من بيته مهاجرًا إلى ٱللّه ورسوله ثمّ يدركه ٱلموت فقد وقع أجره على ٱللّه﴾ أي هو لنيته نال اجر الهجرة لأنه لم ينوِ فحسب وإنما باشر الفعل ولذلك من نوى وباشر قالوا يأخذ الأجر كاملا لأنه باشر الفعل حقيقة فهذا ﴿من يخرج من بيته مهاجرًا إلى ٱللّه ورسوله ثمّ يدركه ٱلموت فقد وقع أجره على ٱللّه وكان ٱللّه غفورٗا رّحيمٗا﴾ وقد ورد في ذلك عدة روايات في سبب نزول هذه الآية منها ما ورد في شأن ضمرة بن جندب رضي الله عنه ورغبته في الهجرة في سبيل الله والخروج من بيته وطلبه ذلك من أولاده أو من أقاربه مع ضعفه الشديد وعدم قدرته ثم بعد ذلك وهو متجه في هجرته توفاه الله فقال الله ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ إلى غير ذلك من روايات وردت في هذا والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾

ولذلك جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثلما كان يعمل صحيحا

ثم قال الله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ ١٠١ ﵝالنّساء الآية ﵑﵐﵑﵜ

ذكر الله عز وجل لنا هنا حكما مهما يتعلق بالصلاة في الخوف وذلك في السفر وذلك في حالة الخوف في الجهاد في سبيل الله فالحديث عن الهجرة والجهاد ناسبه أن يذكر بعض الأحكام المتعلقة بذلك وهو حكم الصلاة في أثناء الخوف وفي أثناء الهجرة وفي أثناء السفر ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ استفاد الجمهور من ذلك أن القصر في الصلاة أعني الصلاة الرباعية لأن الصلوات التي تقصر هي الصلاة الرباعية والقصر هنا قصر في العدد على قول الأكثرين وإلا فبعضهم يرى أن القصر هنا قصر صفة وليس قصر عدد على القول بأنه قصر عدد وهو المرجح عند كثيرين

فقوله ﴿عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ عند الجمهور يدل على أن القصر رخصة خالف في ذلك الاحناف فقالوا إنه عزيمة وقالوا لا يلزم من قوله فليس عليكم جناح أنه على سبيل الإباحة وأنه من قبيل الرخصة ولكن معناه أنه أيضًا حكم شرعي ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك القصر في السفر فقالوا بل هو عزيمة وقالوا بوجوبه لكن الجمهور على عدم وجوبه.

قال ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟﴾ هذا قيد هذا القيد إذا اخذنا بظاهره فمعناه أن القصر في الصلاة في السفر ﴿أَنَّمَا﴾ يكون في الخوف " إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا" وبناء عليه فبمفهوم المخالفة إذا كنا في حالة أمن فليس لنا أن نقصر الصلاة لكن جاءت السنة النبوية بينت أن هذا القيد ليس له مفهوم وهذا معنى ما يقوله أهل الأصول يقولون قيد ليس للاحتراس وإنما لا مفهوم له معناه أننا لا نأخذ بمفهوم المخالفة فسواء كنا في حالة خوف أم كنا في حالة امن يجوز لنا أن نقصر

ولذلك لما سأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن هذه الآية قال وقد أمن الناس الآن صرنا في امن فهلا نقصر الصلاة؟ فH1

نقول سواء خاف أم أمن فإنَّ له أن يقصر الصلاة ولذلك أحسنوا هنا في المختصر أيضًا لما قالوا وقد ثبت بالسنة الصحيحة جواز القصر في السفر حال الامن

ثم قال الله ﴿إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾

من فوائد الآيات

فضل الجهاد في سبيل الله وعظم أجر المجاهدين وأن الله وعده منازل عالية في الجنة لا يبلغ لا يبلغها غيرهم

أصحاب الاعذار يسقط عنهم فرض الجهاد مع ما لهم من أجر إن حسنت نيتهم

فضل الهجرة إلى بلاد الإسلام ووجوبها على القادر إن كان يخشى على دينه في بلده

مشروع قصر الصلاة في حال السفر

قال الشيخ حفظه الله :

فضل الجهاد في سبيل الله وعظم اجر المجاهدين وهذا واضح في قول الله ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً﴾ إلى آخر الآيات

أصحاب الاعذار يسقط عنهم فرض الجهاد مع ما لهم من أجر إن حسنت نيتهم وهذا مفهوم من قول غير اولي الضرر

فضل الهجرة إلى بلاد الإسلام ووجوبها على القادر إن كان يخشى على دينه في بلده أما الفضل ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ﵢ الآيات ووجوبها على القادر لأن الله ذم المتخلفين عنها مع القدرة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ﴾ الآية الكريمة

مشروعية قصر الصلاة في حال السفر وقوله مشروعية باعتبار أن الحكم في ذلك واسع ما بين القائلين بالاستحباب أو بكراهة ترك القصر أو بوجوب القصر واثم تاركه إلى غير ذلك من أقوال معروفة في الفقه لكن يقال مشروع فالقصر في الصلاة في حال السفر مشروع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودليله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ الآية الكريمة

ﵣوإذا كنت فيهم فأقمت لهم ٱلصّلوة فلتقم طآئفة ٞ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بِكُمْ أَذًى ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ ١٠٢ ﵝالنّساء الآية ﵒﵐﵑﵜ

بعد ذكر الله سبحانه وتعالى مشروعية القصر في السفر لا سيما عند الخوف ذكر الله صلاة الخوف لأن المسلمين عند التحام القتال واشتداد الأمر عليهم يحتاجون إلى هذه الصلاة، وهي صلاة الخوف وهذه الصلاة قد وردت لها عدة صفات في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واورد هذه الصفات عدد من الأئمة من علماء الحديث وممن اعتنى بسرد تلك الصفات ما ذكره ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في هدي خير العباد

والآية القرآنية ذكرت لنا صفة من هذه الصفات وقد جاء بيانها أيضًا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال لها صلاة الخوف حين يكون هناك قتال بين المؤمنين والمشركين وحضرت الصلاة حينئذ يصلي المسلمون مع أخذ الحذر والاحتياط والحيطة في ألّا يهجم عليهم عدو من الاعداء فقال الله ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ أي إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم في الجيش وقت قتال العدو فيهم لا يعني أن صلاة الخوف لا تشرع إلا في حالة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن بحكم أنه الإمام صلوات الله وتسليماته عليه قال ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ شرعت صلاة الخوف جماعة ولذلك بعض العلماء استدل على وجوب صلاة الجماعة بمثل هذا فقالوا إذا كانت الجماعة شرعت وامروا بها حتى في حالة الخوف فكيف في حالة الأمن؟

والعلماء لهم تفصيل ولهم كلام طويل في حكم صلاة الجماعة أهي واجبة على العين أم على الكفاية أم سنة مؤكدة؟

قال ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ وهذا معناه أنه يقسم الجيش جماعتين فتقوم جماعة وتصلي مع الإمام وقوله ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ وهذا يدل على مشروعية إقامة الصلاة ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ قال بعضهم فلتقم يعني القيام هنا المراد به الوقوف تقف معك وتصلي ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ليأخذوا اسلحتهم معهم في صلاتهم فتكون معهم في الصلاة قال ﴿فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ﴾ إذا صفة هذه الصلاة أن يصلي جماعة مع الرسول أو مع الإمام وأن تبقى جماعة بلا صلاة لتتوجه إلى العدو إذا هناك من يصلي وهناك من ينتظر هؤلاء يتأهبون ويقفون للتصدي للأعداء وأما الجماعة التي تصلي مع الإمام فإنها تصلي مع الإمام ركعة ثم تتم لنفسها الركعة الثانية على سبيل السرعة فتتم الركعة الثانية ثم تتجه وترجع إلى الخلف وتتقدم الأولى الطائفة الثانية لتكمل الصلاة مع الإمام فالإمام يصلي ركعة وينتظر حتى تتم هذه الجماعة لنفسها ركعة ثانية ثم ترجع هذه الجماعة وتتقدم الجماعة الأخرى لتصلي الركعة الثانية مع الإمام وهي الركعة الثانية للإمام والركعة الأولى بالنسبة لهم ثم يتمون الركعة الثانية وفي بعض الروايات ثم يسلمون مع الإمام فيكون للأولين البدء ويكون للأخرين الختام والانتهاء

وقد ورد في ذلك عدة روايات فقوله هنا ﴿فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ ليس المراد بالسجود السجود الذي هو الركن وإنما قال فإذا صلوا فليكونوا من ورائكم تجاه العدو إذا المراد بالسجود هنا الصلاة يعني إذا انتهوا من الصلاة بأن اتموا لأنفسهم فليكونوا من ورائكم تجاه العدو في قبالة العدو وفي مواجهة العدو

قال ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟﴾ الطائفة الأخرى التي لم تصل ﴿فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ قالوا فليصلوا ركعة مع الإمام فإذا سلم الإمام اتموا ما بقي من صلاتهم وفي بعض الروايات أنه ينتظر الإمام ثم يتمون ثم يسلم بهم أو أنه يسلم وهم يتمون لأنفسهم ورد الصفة صفات أخرى كان يصلي بهؤلاء ركعتين ويصلي بهؤلاء ركعتين إلى غير ذلك من أوصاف صلاة الخوف

المراد من ذلك أنه لا ينبغي أن يغفل الجميع عن مواجهة الأعداء وأيضاً لا يفرطون في الصلاة وهذا في حالة التمكن من الصلاة أما في حالة عدم القدرة على صلاة الجماعة وما إلى ذلك فيتأتى قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ﵝالبقرة الآية ﵙﵓﵒﵜ يعني يصلون وهم راكبون وهم هنا في حالة الالتحام الشديد في القتال وعدم القدرة لاصطفاف الصفوف وما إلى ذلك

قال ﴿وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ثم قال ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً﴾ الكفار يودون ذلك ولذلك ورد في حديث مسلم في أنهم قالوا أنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد واسمع جميل ما قالوا يقول هؤلاء المشركون والحق ما شهدت به الاعداء أنه ستأتيهم أي المسلمون صلاة هي أحب اليهم من الاعداء فإذا حضرت فقاتلوهم يعني عند الصلاة سيقومون للصلاة إذا فهم المشركون أن المسلمين لن يفرطوا في تلك الصلاة

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ استدل بعض العلماء على وجوب أخذ الأسلحة وعدم وضعها في الأصل لأن الله رخص في حالة الأذى ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مرضى حينئذ هناك رخصة في أن تضعوا أسلحتكم فلا وإلا فالأصل أن يحملوها وألا يفرطوا في شأنها وبعضهم حمل ذلك على الندب

ثم قال ﴿خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ﴾ وتلاحظون أن السورة الكريمة أمر بالأخذ بالحيطة والحذر في أكثر من موضع ومنه ما تقدم معنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵑﵗﵜ

قال ﴿ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾

ﵣفإذا قضيتم ٱلصّلوة ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟﴾ ٱلصّلوة إنّ ٱلصّلوة ﴿كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ ١٠٣ ﵝالنّساء الآية ﵓﵐﵑﵜ

ثم قال ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ يعني فرغتم من الصلاة فلا تتركوا التسبيح والذكر كما قال ﵣ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤٥ﵢ ﵝالأنفال الآية ﵕﵔﵜ

﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ يعني زال عنكم الخوفﵣفَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰة ﵢ يعني على الوضع المعروف بإتمام الركوع والسجود والاركان واصطفاء الشروط إذا هذه الصلاة عند الضرورة أما إذا عاد لكم الامن فعودوا إلى الصلاة المعهودة والمعروفة

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ يعني فريضة محددة بوقت ولذلك يجب علينا في الصلاة أن نصلي على الوجه الذي يرضي الله وأن نصلي في الوقت فلا يكفي الإنسان أن يقول أنا سأصلي لله في اليوم خمس مرات ثم يصلي كيف يشاء ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت شاء ولكن الأمر كما قال ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ واعاد قوله الصلاة فلم يقل فأقيموا الصلاة أنها كانت بل إن الصلاة وقوله كانت على المؤمنين يدل على وجوب ذلك مراعاة الوقت

﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵐﵑﵜ

ثم قال ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ﴾ يعني لا تضعفوا في طلب عدوكم إذا الإسلام يدعونا إلى أخذ الحذر وألا نتكاسل ونتوانى في الاعداء وبعضهم قال في ابتغاء القوم يعني في طلب العدو فيكون عندكم همة في طلبهم وفي مبادرتهم لا أن تكونوا متأخرين

﴿تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا﴾ تَأۡ يعني إن كان يصيبكم الم ووجع فإنه يصيبهم مثل الذي يصيبكم فإنا وهم في ذلك سواء

ولكن الفرق ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ فعندكم الدافع الذي يثبتكم عندكم العزيمة فأنتم ترجون الدار الآخرة تنتظرون إحدى الحسنيين أما هم فالدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم فلا ينبغي أن تكونوا وهم سواء في الهمة وهذا يعني أن الذي يدفع الإنسان إلى فعل الخير وإلى الاستباق إلى فعل الخيرات وإلى بذل النفس والنفيس أنه يرجو من الله ما لا يرجو أولئك الكفار

﴿وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ والرجاء الطمع فيما عند الله سبحانه وتعالى قد يفسر بالخوف لكن الأصل أن الرجاء على بابه وقد قيل لا ﴿أَنَّمَا﴾ يقال له خوف في حالة النفي يعني لا يرجون يقال بمعنى لا يخافون ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وأيضاً قيل له ذلك لأن الراجي يخاف أن ما يرجوه فكان من أجل ذلك في الرجاء خوف كما ذكر الزجاج قال ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

ثم قال ﴿أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ وهذه الآية مع الآيات التي بعدها أو تتبعها لها قصة ولها سبب نزول وهي مرتبطة بعضها ببعض فنجعلها بإذن الله تعالى مع الآيات المقبلة بإذنه تعالى للحديث عن معنى الخائنين في قوله ولا تكن للخائنين خصيما

من فوائد الآيات :

استحباب صلاة الخوف وبيان احكامها وصفاتها

الأخذ بالأسباب مطلوب في كل الأحوال ولو كان الإنسان في عبادة مشروعة

دوام ذكر الله تعالى على كل حال فهو حياة القلوب وسبب طمأنتها

النهي عن الضعف والكسل في حال قتال العدو والأمر بالصبر على قتاله

قال الشيخ حفظه الله :

استحباب صلاة الخوف وبيان احكامها وصفاتها ولو قالوا مشروعية صلاة الخوف لكان أفضل والآية تقول ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵒﵐﵑﵜ على سبيل الأمر والأمر قد يحمل على الوجوب أو على الندب بحسبه

الأمر بالأخذ بالأسباب في كل الأحوال وأن المؤمن لا يعذر في تركها حتى لو كان في عبادة ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ﴾ وقال أيضًا قبلها ﴿وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾

مشروعية دوام ذكر الله على كل حال فهو حياة القلوب وسبب طمأنتها لذلك قال ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ يعني لا تغفلوا عن عبادة الله فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ

النهي عن الضعف والكسل في حال قتال العدو والأمر بالصبر على قتاله قال الله ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى آمين ونظرا يا أيها الإخوة الكرام لقرب العشر الأواخر من شهر رمضان فإننا بإذن الله تعالى سنتوقف عن الدرس هذه المدة ونكمل بإذن الله تعالى الدروس بعد العيد

المسابقة التي مضت من أول سورة يس إلى آخر الناس

السلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105)

كنا قد توقفنا عند هذه الآية الكريمة، وذلك أنّ هذه الآية : بداية حديث عن واقعة وقعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أورده أكثر المفسرين، إذ يوردون لهذه الآيات سبب نزول، وبداية فبعد أن حدثنا الله سبحانه وتعالى عن بعض أحكام الجهاد، وما يتعلق بصلاة الخوف وأنّ الله سبحانه وتعالى بيّن لنا أيضًا ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104) بيّن الله أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا على همة في قتال أعدائهم الذين يتربصون بهم؛ ولكن مع هذا كله فلا ينبغي للمسلمين أن يجوروا في الأحكام أو أن يظلموا أحداً فبيّن الله لهم هذه القصة ليعتبروا وليتعظوا؛ وليعلموا أنّ المؤمنين عدول مع من يوافقون ومع من يخالفون.

وصدر الله ذلك بقوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ (النساء: 105) فالقرآن نزل بالحق، وكذلك تضمّن الحق كما قال الله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام: 115) [ الأنعام : 115 ] وكما قال ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: 105) [ الإسراء : 105 ] فنزول القرآن حق، والقرآن قد احتوى ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ أيضًا ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ (النساء: 105) يقولون : إنّ الباء : باء الملابسة أو المصاحبة ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 105) هذا من حكم إنزال القرآن فمن حِكَمِ أنزال القرآن أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الناس، وهذا فيه أن القرآن كتاب حكم فهو كتاب تشريع وكتاب موعظة وهداية ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 105) ولم يقل : ( لتحكم بين الناس بما رأيت )؛ ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 105) فهو في كل الأحوال يرجع إلى ربه سبحانه وتعالى، بعض العلماء استنبط من هذه الآية الكريمة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام لأن قوله ﴿بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 105) هذا فيه أن للرسول رؤية، فهو يرى ويجتهد في فهم النصوص صلوات الله وتسليماته عليه، وقد جاءت أدلة تدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواضع، ثم قد يُقَرُّ على ما صنع، وقد يصحح له اجتهاده صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال : بل هذا راجع إلى الوحي أصالة لأن قوله ﴿بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 105) أي : مما بينه الله عز وجل لك.

﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون مدافعاً عن الخائنين فمن الخائنون؟ الذين نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن الدفاع عنهم ورد في ذلك عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وهذه الروايات لا ﴿تَكَادُ﴾ تخلو من مقال؛ بيدَ أنّ كثيراً من الأئمة بمجموع طرقها مالوا إلى تصحيحها فهناك روايات عند الترمذي والطبري وغيرهما؛ بل وأورد الحاكم بعض الروايات وحكم عليها بأنها صحيحة على شرط مسلم وإن لم يكن الأمر كما قال لكن كما قلت هناك روايات مرسلة، وأخرى في سندها مقال، فقالوا : هذا يدل على أن السبب صحيح وإن كان بعض التفصيلات أو التفاصيل الواردة في سبب النزول مختلفة وحاصل الأمر أو حاصل كثير من هذه الروايات أنه هناك جماعة يقال لهم بنو أبيرق، وبنو أُبَيْرق كان فيهم شخص سارق، وفي بعض الروايات أنه كان منافقاً، وفي بعضها أن اسمه بشير وفي بعضها طعمة بن أبيرق، فوقع منه أنه سرق قتادة بن النعمان، وفي بعض الروايات أنه سرق خاله، وفي بعض الروايات أنه اؤتُمِن على أمانة منهم أو منهما أو من أحدهما وكانت هذه الأمانة درع أو سلاح؛ لكنّه كتم ذلك وأخبأ هذا عند رجل آخر ثم اتهم الآخر بأنه الذي سرق أو أنه وقع منه سرقة، فلما دُلَّ عليه إذا به يُخبِّئ هذا عند غيره في بعض الروايات أنه عند رجل يهودي : وهو زيد السمين وفي بعضها عند لبيد بن سهل أحد المسلمين فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه عند اليهودي فيتأتى هنا أن القرآن الكريم بين الحقيقة والحق وأنّ هذا هو الظالم، وأنّ هذا اليهودي لم يقع منه هذا الذي وقع من خيانة أو سرقة بغض النظر عن الاختلاف في ذلك؛ فأقارب ابن أبيرق أو أقارب هذا السارق أو الخائن جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجادلين عن السارق، واتهموا الآخر بالسرقة والنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الروايات قال لقتادة : تتهم رجلاً بأنه سرقك ولم يسرقك فقالوا : أن هذا هو دفاع الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل الذي اتهمه قتادة مع أنه بالفعل كان هو السارق فلذلك قال الله ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) فبعضهم قال : ﴿أَنَّمَا﴾ صنع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك حينما رأى من أقاربه تبرئتهم له، وأنهم وجدوه عند الآخر فالرسول صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك دافع عنه.

أو أن معنى ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) أن النهي هنا : بسبب الهم الذي وقع فقال أنه نهي لما صدر منه من هَمٍّ صلى الله عليه وسلم بأن هَمَّ بأن يدفع عنه فبين الله أن هذا لا يُدَافع عنه لأنه الخائن حقيقة، ولأنه السارق حقيقة وقد مال الطبري إلى ترجيح أن الذي وقع منه كان من جنس الخيانة من أجل التعبير الوارد في الآيات ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) فمال إلى ذلك. على أن المعاصي فيها نوع خيانة كما أنّ الفرائض فيها أمانة كما قال الله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ﴾ (الأحزاب: 72) [ الأحزاب : 72 ] والأمانة : على قول كثيرين هي التكاليف الشرعية التي أُمِرَ بها عباد الله.

فربنا يقول ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) لا تدافع عنهم وهم خائنون خانوا الأمانة وما استودع عندهم أو سرقوا وظلموا ولم يكتفوا بذلك؛ بل وقع منهم ما وقع من رمي البريء بهذه التهمة.

قال الله ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106)

استغفر الله على هذا الهم إذ هممت بالدفاع عنه أو واستغفر الله لأنك دافعت عنه حقيقة وقلت لقتادة : كيف تقول كذا؟ والرسول صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّمَا﴾ صنع ذلك بحكم الظاهر ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106) وإذا كان للعبد أن يستغفر الله سبحانه وتعالى وإن صدر منه هم على وجه الخطأ أو فعل على وجه الخطأ وبدون عمد، فكيف إذا تعمد الوقوع في الذنب؟ فهذا أدعى للاستغفار، فقال ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106) وهذا تعليم للأمة ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106) ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس استغفاراً مع كونه أعظم الناس خشية وتقى وعبادة لربه سبحانه وتعالى ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106) واستنبط من ذلك بعض العلماء : أنّه يُشرَع للمسلم عند الحكم بين الناس أن يستغفر الله قالوا : لأن الآية هذه جاءت بعد قوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) فبعد الحكم بين الناس بما أنزل الله سبحانه وتعالى بين يدي الحكم بما أنزل الله سبحانه يشرع الاستغفار لأنّّ الله قال ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 106) فالإنسان قبل الحكم بين الناس يستغفر ربه سبحانه وتعالى وقال بعض العلماء أيضًا : عند الفتوى يستغفر الله سبحانه وتعالى حتى يُسدَّدْ وحتى يُوّفَّق في فتواه.

ثم قال ﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء: 107) لا تخاصم عن أي شخص يخون ويبالغ في إخفاء خيانته لذا هنا في المختصر فسروا قوله ﴿يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ (النساء: 107) بمعنى ( يخون ويبالغ في إخفاء خيانته ) وبعضهم يقول ﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء: 107) يعني : تقع منهم الخيانة أو المعصية بصفة عامة، وأيضاً إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنه خان غيره فعبر عن خيانة الغير بخيانة النفس لأنه في الحقيقة إذا خان غيره فقد خان نفسه لأنه وضعها في موضع لا يليق بها. قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء: 107) استفيد من ذلك أنه لا يجوز الدفاع عن خصم - لا يجوز الدفاع عن شخص - يُعلَم منه أنه خائن فلذلك يُستَفاد من ذلك أن من يعمل بعمل المحاماة مثلاً : إذا أتاه شخص ليترافع عنه، وعلم أنه خائن ومعتد وظالم فإنّه لا يجوز له أن يترافع عنه فالله يقول ﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ (النساء: 107) وكذلك من لا يعمل في هذا العمل لكن يتوسط له إذا علم أنّ هذا من الخائنين والظالمين فإنّه لا يقوم مقام الدفاع عنه؛ وإنما ينتصر للحق، ومن لطف الله سبحانه وتعالى ورحمته بعبادة أنه قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء: 107) فجاء بصيغة مبالغة خوّان فعّال ( أثيم ) كذلك فعيل لذلك قال بعضهم فيه : أن الله سبحانه وتعالى يعفو عمن يقع منه شيء من الإثم أو الخيانة إذا كان عن غفلة أو عدم قصد؛ أمّا هذا الوصف الذي ذكره الله في الآية الكريمة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء: 107) فالله لا يحبه يعني : يبغضه نسأل الله السلامة؛ أمّا من وقع منه شيء من ذلك بلا قصد أو عن غفلة فيُرجى له العفو وألا يقع في هذا الذي توعد الله به صاحبه كما نبه على ذلك بعض المفسرين كابن عطية رحمة الله.

قال ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (النساء: 108)

قال ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 108) يعني : وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب هذا بسبب ضعف إيمانهم، وبسبب قلة مراقبتهم لربهم سبحانه وتعالى فهو أخفى هذا الشيء، ولم يكتفِ بالسرقة أو بالخيانة بل رمى بها الغير! ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 108) هذا ذم لهم ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ (النساء: 108) يعني : لا يستخفون من الله مع أنه ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ﴾ شيء لذلك قال بعضهم : هذا من باب التتميم وفيه زيادة توبيخ لهم، قال ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ (النساء: 108) قالوا هنا : ( حين يدبرون في خفاء ) يعني معنى ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ يدبرون في خفاء خفية ﴿مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ (النساء: 108) إذاً ما معنى يبيتون؟ يدبرون في الخفاء بالليل ومنهم من فسر ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ بمعنى : يبدلون ويحرفون إذاً التبييت فيه قولان منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ أي : يدبرون ليلاً، ومنهم من قال : يبدلون القول والحقيقة.

﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ (النساء: 108) كالدفاع عن المذنب واتهام البريء فهذا لا يرضاه الله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (النساء: 108) أي : وسيجازيهم على أعمالهم كما تقدم مراراً أن هذا من آثار العلم بأسماء الله وصفاته؛ فإذا علمنا ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ محيط فإنّ هذا يقتضي منّا أن نعلم أنه سبحانه يحاسب عباده.

ولذلك بعضهم يقول المحيط : المُحصِي للأعمال والعالم بها والقادر على مؤاخذة أصحابها، والإحاطة تأتي بمعنى : الإهلاك أيضًا : قادر على إهلاكهم كما قال ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ﴾ [ الكهف : 42 ].

قال ﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء: 109) لأن هذا السارق أو الخائن أهله جاءوا مدافعين عنه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : قريبنا بريء، وقالوا : إنّ غيره هو المتهم، وفي بعض الروايات أنه أخبرهم بأنه وضع هذا عند الشخص الآخر سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : إنه زيد بن السمين أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه غيره كلبيد بن سهل؛ فالشاهد من ذلك : ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن﴾ يناصروه وإن كان قريبا لهم إذا كان على باطل وخيانة.

﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ (النساء: 109) يا من يهمكم أمر هؤلاء أو أمر هذا الخائن ﴿جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (النساء: 109) من يجادل عنهم أمام الله سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية لأن الإنسان في الدنيا - الحاكم في الدنيا - قد ينطلي عليه الأمر ولذلك استدلوا على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( أنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته وإنما أقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ) أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، فالشاهد من ذلك أنه يجتهد في الحكم لكن الرب سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، ومطلع على كل شيء سبحانه وتعالى.

﴿فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء: 109) ﴿مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ في ذلك اليوم؟ لا شك أن أحداً لا يستطيع ذلك.

﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 110)على طريقة القرآن المعهودة وكما هو معلوم من الرب الكريم اللطيف العظيم الحليم سبحانه أنه مع التقريع والتوبيخ للمذنبين وللآثمين أو لمرتكبي الذنوب المعاصي إلا أنه يفتح لهم باب الرجاء وباب التوبة ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ﴾ (النساء: 110) والعاصي ظلم نفسه لأنه أنتقصها حقها، ومن حق نفسه عليه ﴿إِلَّا﴾ يوردها الموارد والمهالك ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 110) هذا فيه فتح باب التوبة، والمغفرة والتعبير القرآني ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 110) فصدر بقوله ﴿يَجِدِ ٱللَّهَ﴾ (النساء: 110) لم يقل : ( يجد مغفرة الله ) ما أجمل أن تجد ربك سبحانه وتعالى يقابلك بهذه المغفرة ويتقبلها عنك قال الله سبحانه ﴿يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 110)

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 111)

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ (النساء: 111) قالوا في المختصر ( يرتكب إثماً صغيراً أو كبيراً فإنما عقوبته عليه وحده لا تتجاوزه إلى غيره ) ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ﴾ (النساء: 111) أي : يعود إثمه على نفسه كقوله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر: 18) [ الأنعام : 164 ] ولا يعارض هذا ما ورد من أن بعض الناس يصيبهم شيء من العذاب بسبب إضلالهم غيرهم، فهذا الذي ضل ينال عقاب ضلاله، والمضل ينال عقاب إضلاله كقوله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) [ النحل : 88 ]، وقال ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (العنكبوت: 13) [ العنكبوت : 13 ] فلا تعارض؛ فالأصل ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ﴾ (النساء: 111)وقد يكون كسبه بسبب أنه سكت عن الباطل أو دعا إلى الباطل؛ وبإمكانه أن يُغيَّره فيكون مشاركاً حينئذٍ في الإثم ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 170)

﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 112)

﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا﴾ (النساء: 112) ذكر الخطيئة وذكر الإثم؛ فمن أهل العلم من فرّق بينهما، وقال : الخطيئة بغير عمد والإثم بعمد. وهذا ما مالوا إليه هنا أصحاب المختصر في التفسير فقالوا ( ومن يرتكب خطأ على غير عمد أو إثما بعمد ) ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : الخطيئة أعم وقد تكون بعمد أو بغير عمد؛ أمّا الإثم : فإنه يكون بعمد لأنّ الإثم في الأصل العقاب، وهذا يكون للعامد ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 112) فجمع بين مفسدتين عظيمتين، ارتكب خطيئة أو إثماً، ورمى بها البريء كما صنع هذا السارق أو الخائن إذ رمى بها البريء، والبريء هنا كما تقدم هذا مُبهَم في الروايات فُسِّر في بعضها أنه اليهودي : كزيد السمين أو أنه رجل من أهل الإسلام كلبيد بن سهل على ما ورد في بعض الروايات ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 112) أي كذباً شديداً وإثماً بيِّناً فالبهتان : الكذب الشديد.

ثم قال ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 113)

أي لعزم جماعة من هؤلاء الذين يخونون أنفسهم أن يضلوك عن الحق فالمراد بالإضلال هنا : أن يحكم بغير الحق حتى وإن كان بجهل بغير علم؛ لأن الضلال يكون ناشئاً عن جهل بالحق ( عدم معرفة به ) ويكون ناشئاً عن عدم العمل بالحق مع العلم به فيقال : فلان ضل : لأنه لا يعرف الحق أو يعرفه لكنه حاد عنه؛ ولذلك تقدم معنا في قوله سبحانه ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ (الضحى: 7) [ الضحى : 7 ] أنّ الضلال هنا : معناه لم يكن يعرف الوحي كقوله ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ (الشورى: 52) [ الشورى : 52 ].

قال الله سبحانه ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ (النساء: 113) في حقيقة الأمر لا يضلون إلا أنفسهم. قال ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ (النساء: 113) يعني : ما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك، فالله حافظك ولذلك فإنّ الله بيّن لرسوله صلى الله عليه وسلم الحق في ذلك يسدده وذلك كما تقدم. فالعلماء يقولون : ما اجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّه الوحي وحينئذٍ يكون وحياً لأنه أُقِرَّ فيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ (النساء: 113)هذا من فضل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والحكمة : قال بعضهم أنها السنة كما فسروها هنا قالوا ( القرآن والسنة ) فالكتاب القرآن والحكمة : السنة، وبعضهم يقول : الكتاب والحكمة القضاء بالقرآن أو فهم تعاليم الشريعة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ (النساء: 113) أي : قبل ذلك ﴿وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 113) قالوا : بالنبوة والعصمة صلوات الله وتسليماته عليه. نعم.

قال الشيخ حفظه الله ( من فوائد الآيات )

النهي عن المدافعة والمخاصمة عن المبطلين لأن ذلك من التعاون على الاثم والعدوان : جاء هذا صريحا في قوله ﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ (النساء: 107) وقد أحسنوا حينما قالوا ( لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ) يعني : لو لم يرد هذا لكان معنا الآية العامة ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ (المائدة: 2) [ المائدة : 2 ] فهي في معنى هذه الآية الخاصة ولذلك قلت : لا ينبغي لأحد أن يدافع عن مُبطِل أو ظالم أو خائن إذا علم بذلك.

ينبغي للمؤمن الحق أن يكون خوفه من الله وتعظيمة والحياء منه فوق كل أحد من الناس : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (النساء: 108) سبحانه وتعالى مُطَّلع عليهم يرى مكانهم ويسمع كلامهم ولا يخفى عليه شيء من أحوالهم.

سعة رحمة الله ومغفرته لمن ظلم نفسه مهما كان ظلمه إذا صدق في توبته ورجع عن ذنبه : ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 110) وهذه من الآيات العظيمة في باب الرجاء.

التحذير من اتهام البريء وقذفه بما لم يكن منه بما لم يكن منه وأن فاعل ذلك قد وقع في أشد الكذب والاثم : ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 112)

وأيضاً يستفاد من هذه الآيات : أنه يجوز النيابة والمخاصمة عمن لم يُعلَم منه الخيانة والظلم يعني : إذا كان لا يجوز أن تجادل عن الخائنين؛ فإنه يجوز لك أن تدافع عن غيرهم ولذلك إذا عاون إنسان آخر وانتصر له لأنه غير ظالم وغير خائن ولأنه صاحب حق فهذا من باب التعاون على البر والتقوى ومن باب الإحسان إلى الغير فلا مانع منه بل يكون بحسب حاله والله أعلم. نعم

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114)

ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن هؤلاء كانوا يستخفون ويدبرون بالليل، فكانت تحدث بينهم نجوى لكنها نجوى في الشر ونجوى في التخطيط لظلم الآخرين، واتهام البريء فبيّن الله النجوى المقبولة والتي يحسن بالناس أن يلتفتوا إليها لا أن يحيدوا عنها فقال ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 114) ( لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّجْوَىٰهُمْ ) قالوا هنا في المختصر ( من الكلام الذي يُسِرُه الناس ) إذاً ما معنى من نجواهم؟ أي : لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ ( من الكلام الذي يسره الناس ) هذه هي النجوى ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ (النساء: 114)قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ (النساء: 114) هذا كلام عن الأشخاص فلذلك قال بعضهم هنا تقدير أي : ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا﴾ في نجوى ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 114) فالله عز وجل حذر كثيراً من النجوى إلا تلك النجوى التي تكون في هذه الأبواب التي ذكرها الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى : إلا في نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو المعنى : : إلا نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، أو أن نفسر ( النجوى ) : بالمتناجين؛ لأن النجوى تطلق على المتناجين أنفسهم كما قال الله ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ﴾ (الإسراء: 47) [ الإسراء : 47 ] ما معنى وإذ هم نجوى؟ يعني يتناجون معناها : أنهم أنفسهم يقع منهم النجوى، فالنجوى تطلق على حديث السرِيِّ الذي يقع في السر، وعلى المتناجي نفسه وحينئذٍ يكون الأمر واضحاً في الاستثناء.

﴿فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 114)

﴿أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ (النساء: 114) وهذا واضح ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ (النساء: 114) أمر بالمعروف أي : الذي جاء به الشرع، ودل عليه العقل وقد قال بعض العلماء : إذا أُطلِق المعروف دخل فيه النهي عن المنكر فمن أمر بالمعروف معناه أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ولذلك إذا ورد الأمر بالمعروف منفرداً دخل فيه النهي عن المنكر؛ لأنه مما يقتضي الأمر بالمعروف أن تنهى عن المعاصي وأن تنهى عن المنكرات، قال ﴿أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 114) والإصلاح بين الناس فضله عظيم، وقد ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على فضله؛ بل ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ﴿إِلَّا﴾ أخبركم بما هو أفضل درجة من الصيام والصلاة والصدقة ) والمراد به التطوع على قول كثير من الشراح أي : صيام التطوع وصدقة التطوع وصلاة التطوع ( قال : إصلاح ذات البين إصلاح ذات البين، وقال أيضًا فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة )

فقال ﴿أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 114) ولذلك قال الأوزاعي : ما خطوة أحب إلى الله من إصلاح ذات البين، هذه خطوة يحبها الله سبحانه وتعالى، ثم قال ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114) فالذي يأمر بصدقة أو بالمعروف أو الإصلاح بين الناس يقال : فعله خير لكن الأجر العظيم يترتب على إخلاصه ففعله من حيث هو خير - يترتب عليه : الأجر العظيم بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النساء: 30) أي : هذا الخير ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 114) فله شأن آخر ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114)

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة