سورة النساء — الجزء 8
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
هذا فيه تهديد شديد ووعيد أكيد لمن يعاند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصرف عن طريق الإيمان والمؤمنين وينسلخ عن اتباع الشريعة قد ذكر بعضهم أن هذه الآية أيضًا مرتبطة بسبب النزول لأنَّه جاء في بعض الروايات : أن هذا الشخص فرَّ هارباً وأنه تخلى عن دينه وإسلامه، وأنه في الأصل كان منافقاً فلذلك قالوا : هو المراد بقوله ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ﴾ (النساء: 115) وأياً ما كان الأمر؛ فالآية على عمومها فيها تحذير من مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما بعد تبين الهدى وقد وضحت المحجة، واستبانت الحقيقة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 115) قالوا ( ويتبع طريقاً غير طريق المؤمنين ) ﴿نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ﴾ (النساء: 115) أي : نتركه وما اختار لنفسه ﴿نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115) وعيد له بأنه يصلى جهنم وتقدّم أنّ : ( صَلْيّ جهنم ) معناه : الاحتراق بها ليس مجرد الدخول ﴿أَنَّمَا﴾ في معنى ( يصلاها ) : أنه يحترق بها ويُعانِي حرها أو يُقاسِي حرَّها ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ وقد استدل جماعة من أهل العلم وكثيرٌ من أهل الأصول بهذه الآية الكريمة على حُجِّيَّة الإجماع، وأنّ الإجماع حُجَّة لازمة لا تجوز مخالفته استدل به الإمام الشافعي رحمة الله تعالى كدليل على حجية الإجماع، ووجه الدلالة عنده : أن الله قال ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 115) فألزمه باتباع سبيل المؤمنين، وتوعد من ترك سبيل المؤمنين، والمؤمنون يتحقق بهم الإجماع؛ فإذا أجمع المؤمنون على شيء فمن خالف سبيلهم فهو واقع في هذا الوعيد. فدل على وجوب اتباع الإجماع وحرمة مخالفته، وإن كان هناك نزاع في الاستدلال بذلك وأخذٌ وردٌّ بين علماء التفسير والأصول لكنّ الإجماع له أدلة أخرى أيضًا غير هذا الدليل يستدل بها أهل العلم. قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ (النساء: 116)
بعيداً أيضًا فيه دعوة إلى الاستغفار والتوبة وبيان أنّ من مات على الشرك فإنّه خارج عن هذا المعنى فلا يغفر الله عز وجل له لأنه مات على الشرك وقد تقدَّم نظير هذه الآية في هذه السورة المباركة فهذه الآية من الآيات التي تكررت في هذه السورة أعني صدر الآية ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (النساء: 116)وتقدَّم أن هذه الآية تُحمَل على غير التائبين أي : إِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لِمَن يَشَآءُ هذا في حق غير التائبين؛ لأن التائبين يتوب الله عز وجل عليهم ولو كان من الشرك، ولذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين قوله سبحانه ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) [ الزمر : 53 ] فهو يغفر الذنوب جميعا يغفر للتائبين سواء أكانت توبتهم من الشرك أم كانت من غير ذلك، أو مما هو دون ذلك؛ أمّا من لم يتب ومات بدون توبة فيُنظَر في حاله فإن كان مُشرِكًا فلا يغفر الله له وإن كان غير مشرك فإنّ أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، قال ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ (النساء: 116).
﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا﴾ (النساء: 117)
﴿إِن يَدْعُونَ﴾ (النساء: 117) ما معنى ( إن ) هُنا؟ إن نافية بمعنى ( ما )، وتقدّم معنا أنّ ( إن ) إذا جاء معها ( إلا ) فإنها النافية التي بمعنى ( ما ) أي : ﴿مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي : هؤلاء من أهل الشرك ﴿إِلَّآ إِنَـٰثًا﴾ (النساء: 117) ما المراد بالإناث؟ قالوا في المختصر ( أوثاناً مسمّاة بأسماء الإناث كاللات والعزى ) يعني هؤلاء تركوا عبادة الله وأشركوا بالله وصرفوا العبادة لآلهة سموها بالإناث وهذا يدل على نقصها فكيف يتخذونها أنداداً لله؟
فمعنى قوله ﴿إِلَّآ إِنَـٰثًا﴾ (النساء: 117) 1 - يعني آلهة سموها بـ : الإناث كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ﴾ (النجم: 21) [ النجم : 21 - 22 ] بعد أن قال ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ (النجم: 19) [ النجم : 19 - 20 ] فقالوا : هذا هو المراد.
3 - وقال آخرون : بل المراد بـــ ( إناثًا ) يعني : أمواتاً. فهي أقوال ثلاثة مشهورة إلا أنّ ما ذكروه لعله الأقوى أن المراد بالإناث :الإناث الآلهة التي سموها إناث.
﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا﴾ (النساء: 117) يعني : في حقيقة الأمر هم لا ﴿يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا﴾ مطروداً من رحمة الله وخارجاً عن طاعة الله؛ لأنّ الذي يأمرهم بعبادة الأصنام هو الشيطان. ولذلك حذَّر الله عز وجل من عبادة الشيطان ﴿۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يس: 60) [ يس : 60 - 61 ].
قال ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 118)
﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 118) هذا الشيطان لعنه الله ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 118) لعنه الله هذا إخبار عن أنّ الله قد لعن هذا الشيطان، ﴿وَقَالَ﴾ من الذي قال؟ الذي قال هو : الشيطان. فلذلك هذه جملة أخرى ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 118) ﴿وَقَالَ﴾ أي : الشيطان ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 118) ما المراد بالنصيب المفروض؟ القسم المعلوم ولذلك كما قال الله ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ: 20) [ سبأ : 20 ] حينما قال ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ [ ص : 82 - 83 ] فهذا هو القسم المفروض المعلوم الذي أغواه إبليس.
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي : لأصدنهم عن صراطك المستقيم، ولأمنِّينهم بالوعود الكاذبة، يقول لهم بعد فترة ستتوبون فيُسَوِّف لهم في التوبة أو يُمَنِّيهم : بأنهم بهذه المعصية سينالون خلداً أو ينالون مُلكاً أو ينالون سؤدداً أو أنّ ما يفعلونه : لا يضر وأنه سائغ وما إلى ذلك فكل هذا من الأماني الكاذبة، أو أنهم أيضًا سيدخلون الجنة وأن الله سيغفر لهم وسيرضى عنهم، وأن الله يرضى بهذا الكفر وبهذا الشرك وما إلى ذلك.
﴿وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ أي : فليقطعنّ آذان الأنعام لتحريم ما أحل الله سبحانه وتعالى كما هو في شأن البحيرة والسائبة وما إلى ذلك مما يصنعه أولئك من أهل الشرك ﴿وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ فهذا أيضًا من عمل الشيطان إذا عُلِمَ أنّ تغيير خلق الله سبحانه وتعالى من عمل الشيطان، وتزيينه لمن يتبعه من بني آدم ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 119) قالوا هنا : ( خلق الله وفطرته ) قالوا ( ولأمرنهم بتغيير خلق وفطرته ) فخلق الله المراد به : الفطرة، وبعضهم قال : الدين، وبعضهم فسر ذلك بأنه أمرهم بتغيير خلق الله جل وعلا كإخصاء ما لا ينبغي إخصاؤه مثلاً أو أن يفعل بمخلوقات الله ما لا ينبغي فعله، وإن كان بعض الأئمة رخص في اخصاء الحيوان للحاجة وللمنفعة وما إلى ذلك ويدخل في ذلك ما جاء.
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120)
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120) أماني باطلة وقوله ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120) قالوا في المختصر ( باطلاً لا حقيقة له ) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ (النساء: 121)أي : لا يجدون عنها مهرباً وملجأً يلجأون إليه.
قال الشيخ حفظه الله ( من فوائد الآيات )
أكثر تناجي الناس لا خير فيه بل ربما كان فيه وزر وقليل من كلامهم فيما بينهم يتضمن خيرا ومعروفا : وهذا واضح في قول ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ (النساء: 114) الآية ولذلك ربنا حذرنا فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَـٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾ (المجادلة: 9) [ المجادلة : 9 ] لأن كثيراً من الناس يقع في الإثم والعدوان.
معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة سبيل المؤمنين نهايتها البعد عن الله ودخول النار : نسأل الله السلامة قال الله ﴿نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115).
كل الذنوب تحت مشيئة الله فقد يغفر لصاحبها إلا الشرك فلا يغفره الله أبداً إذا لم يتب صاحبه ومات عليه : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (النساء: 116) وقد نبهنا على أن هذا في غير التائب لأن التائب يتوب الله عز وجل عليه كما قال ﴿۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).
غاية الشيطان صرف الناس عن عبادة الله تعالى ومن أعظم وسائله تزيين الباطل بالأماني الغرارة والوعود الكاذبة : فهو يغريهم كما قال ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120) نعم.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله تعالى ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ (النساء: 122)
واضح المناسبة بين هذه الآية والآيات السابقة؛ فالآيات السابقة كان فيها الوعيد لهؤلاء الكافرين المشركين بالنار، هؤلاء الذين اتبعوا الشيطان وغرهم الشيطان، جاء بعد ذلك : المدح والثناء على المؤمنين الذين يعملون الصالحات ولا يغترون بوساوس الشيطان، فقال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ (النساء: 122) وهذا الجزء من الآية تكرر أيضًا في هذه السورة المباركة قال ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا﴾ (النساء: 122) وعدهم سبحانه وتعالى بذلك وعداً، ووعده حق ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ (النساء: 122) والجواب : لا أحد، ولذلك ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ (النساء: 122) لا أحد ﴿أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ فهو سبحانه وتعالى أصدق قيلا؛ فإذا قال فقوله الحق سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: 123) قالوا هنا ( ليس أمر النجاة والفوز تابعاً لما تتمنون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون أو لما يتمناه أهل الكتاب ) بيّن الله في هذه الآية الحُكْمَ الفصل : أن القضية ليست بالتمني وإنما القضية بالإيمان والعمل الصالح فإذا كان أهل الكتاب يدعون أنهم أحق بالجنة من غيرهم أو يقولون : ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ فليقولوا ما يشاؤون! فإنّ العبرة ليست بقولهم ولا بأمانيهم، وإنما بمن آمن وعمل صالحاً، وكذلك أنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون أعلم وأنه ينبغي لكم أن تحافظوا على إيمانكم، وأن تخلصوا فيه حتى يتقبل الله عز وجل منكم هذا فقال ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 123) والأماني : أحاديث النفس المجردة عن العمل فهو يحدِّث نفسه بأنه من أهل الجنة، وبأنه ناج من النار دون أن يعمل فهذا لا ينبغي له؛ وإنما ينبغي له أن يعمل وأن يتقي الله ربه؛ لكنّ بعض المفسرين يرى أن الخطاب في قوله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ (النساء: 123) خطاب للمشركين وليس للمسلمين وذلك أن الحديث جاء بعد ذكر المشركين والأماني : التي غرهم بها الشيطان كأنّ المعنى : ليس بأمانيكم يا أهل الشرك حينما أغراكم إبليس وبيّن لكم أن ما تصنعونه من تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، وأن تغيير خلق الله أن ذلك سبب في نجاتكم وأنكم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والهدى هذا ليس بنافعكم، فيكون الكلام رد على صنيع المشركين، وعلى صنيع أهل الكتاب ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ (النساء: 123)
لكن ورد في الأحاديث ما يدل على الفهم العام، وهذا هو الأصل أنه حتى وإن ورد الخطاب لجماعة من الجماعات من المشركين وأهل الكتاب فإنّ المؤمن يستفيد من هذه الآيات، وربنا سبحانه وتعالى قد بيّن هذا في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وقد تقدّم معنا في سورة البقرة أنّ الله سبحانه وتعالى رد على الزاعمين أنّه ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ قال ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ﴾ (البقرة: 112) إلى آخر الآية الكريمة، قال هنا ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ (النساء: 123) وذلك أنه قد ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنّه لما نزلت الآية شق عليه هذا جداً، وشقَّ على جماعة من الصحابة حتى أنه رضي الله عنه قال ( كيف الصلاح بعد هذه الآية يا رسول الله؟ ربنا يقول ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ (النساء: 123) ( ومَنْ منّا يسلم من عمل السوء؟ ) فهل معنى ذلك أنّه لا بد من العقاب؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أولست تحزن؟ أولست تمرض؟ أولست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به ) فخفف عنه وعن المسلمين بهذا بأنّ قوله ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ (النساء: 123)أنّ الإنسان يُجازَى على الخطأ الذي يقع منه أو السوء لكن قد يأتي هذا العقاب في صورة ماذا؟ في صورة : مرض في صورة حَزَن ونحو ذلك، وقد يعفو الله أيضًا ويغفر، وهذا الحديث جاء من عدة طرق وله عدة ألفاظ يحسَّن بها أيضًا والعلم عند الله على أنه قد ثبت في المتفق عليه عنه صلى الله عليه وسلم ( ما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ المسلم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حَزَن أو ولا حُزْن إلا كفر الله بها عنه من خطاياه حتى الشوكة يشاكها ) فهذا فيه أن الإنسان قد يُبتلَى تكفيراً لسيئاته، ويكون هذا داخلاً في قوله ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ (النساء: 123)وقد يعفو الله عن المؤمن، قال ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: 123) وهذا جعل بعض العلماء كما قلت يقولون : إنّ هذا في الأصل خطاب للمشركين ولأهل الكتاب، وبدليل أيضًا ما قال بعد ذلك ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (النساء: 124) فهذا في الثناء على المؤمنين ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (النساء: 124) ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ لا بد من هذا القيد وهو مؤمن فالعمل الصالح ﴿أَنَّمَا﴾ يُقبل من صاحبه إذا كان مؤمنًا بالله سبحانه وتعالى ولذا تكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (غافر: 40) [ غافر : 40 ] ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97) [ النحل : 97 ] إلى غير ذلك من آيات كريمة.
قال ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ (النساء: 124) هنا قالوا في التفسير ( ومن يعمل من الأعمال الصالحات ) ففسروا الصالحات بالأعمال الصالحات، فالصالحات في الأصل صفة للأعمال لكنّه يُستغنى عن الموصوف لاشتهارها فيه،فيقال عملوا الصالحات أي : الأعمال الصالحات، قال ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: 124)يعني : أي نقير، فالنقير جاء نكرة في سياق النفي، وهنا فسروا النقير قالوا ( قدر النهرة التي تكون في ظهر نواة التمر ) فكما قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40) [ النساء : 40 ] إذاً النقير : النهرة التي تكون في ظهر نواة التمر، وقد تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ النقير وتقدم أيضًا ( القطمير ) فهناك القطمير : وهي اللفافة التي تكون على نواة التمر، والفتيل كما تقدم هو : الخيط الذي يكون في هذه التمرة أو في هذه النواة، والنقير : النهرة التي تكون في ظهر نواة التمر، والمعنى أن الله لا يظلم أحداً قليلاً كان أو كثيراً.
قال ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: 125)
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ يعني : لا أحد أحسن فهذا الاستفهام في معنى النفي، ( ومن أحسن ديناً ) لا أحد أحسن ديناً ﴿أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (النساء: 125) وتأمل هنا جمع بين الضابطين : بين الإسلام والاتباع فالإنسان يكون من الفائزين ويكون على منهج قويم : إذا كان مخلصًا متبعاً فقوله ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ﴾ (النساء: 125) فيه شرط الإخلاص والإسلام كما قال أيضًا ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112) قال هنا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ قالوا ( محسن ) يعني : متَّبِع، ولذلك قالوا هنا ( وأحسن في عمله باتباع ما شرع ) ويدخل في الإحسان، الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى خلق الله، لكن من معاني الإحسان : الإحسان بالاتباع فهو جامع بين الإخلاص والمتابعة ﴿وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: 125) لأن ملة إبراهيم عليه السلام هي ملة التوحيد يعني : كان على الإسلام قال ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: 125)مائلاً عن الشرك إلى التوحيد والإيمان ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: 125) قالوا ( واصطفى الله نبيه إبراهيم عليه السلام بالمحبة التامة من بين سائر خلقه ) لذلك قالوا الخُلَّة : أخص من المحبة، ولذلك المعروف أو الثابت له في هذا الباب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولذلك H0.
قال الله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ (النساء: 126)
فالله له وحده ملك السماوات وملك الأرض، وهو محيط بكل شيء سبحانه علماً وقدرة وتدبيراً، ثم عادت السورة الكريمة للحديث عن بعض أحكام النساء وتقدم أيُّها الإخوة الكرام أن سورة النساء تحدثنا عن هذا فهي تحدثنا عن العلاقات الداخلية والعلاقات الخارجية، وعن العدو الداخلي حدثتنا عن المنافقين والتعامل مع أهل النفاق كما تقدم في الآيات السابقة، وكذلك مسائل الجهاد، وحدثتنا كذلك كيف يكون الإنصاف وحسن التعامل مع الضعيف كالمرأة واليتيم، وغير ذلك فعاد الحديث إلى هذا فقال :
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًا﴾ (النساء: 127)
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 127) يسألونك يا رسول الله في أمر النساء وما يجب لهن وعليهن ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (النساء: 127) وهذا يدل على خطر أمر الفتوى لذلك قالوا : المفتي مُوَقِّعٌ عن الله، ومن هنا سمَّى ابن القيم رحمه الله كتابه بإعلام أو بأعلام الموقعين عن رب العالمين، فقالوا : إنّ هذا المفتي يوقع عن رب العزة يقول : إنّ الله قال كذا وربنا سبحانه قال ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (النساء: 127) أي : في شأنهن ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 127) قالوا هنا أي ( ويبين لكم ما يتلى عليكم في القرآن ) فجعلوا ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 127) أي : ويبيِّن لكم أيضًا ﴿مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (الحج: 30) وبعضهم يقول : الله يفتيكم والقرآن أيضًا فيه هذا ـ يعني : ما يتلى عليكم يعني والقرآن أو الآيات المتلوة في القرآن في يتامى النساء؛ وكأنه إشارة إلى الآيات السابقة التي سبق ذكرها في شأن اليتامى وفي شأن النساء في صدر سورة النساء كالحديث عن قضايا الميراث وحقوقهن في المهر وما إلى ذلك.
قال ﴿فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًا﴾ (النساء: 127) ( اللاتي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ) ما معنى ما كتب لهن؟ قالوا ( ما فرض الله لهن من المهر أو الميراث ) من المهر في قوله ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4) وكذلك في الميراث : لأنهم كانوا لا يورثون البنات، والله عز وجل قال ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11) وبعض العلماء : رجَّح أنّ المراد بذلك هنا ( الميراث ) وقالوا إنّ المهر يتعلق بالنكاح والكلام عن يتامى النساء من حيث اليتم؛ وأمّا النكاح فجاء بعد ذلك لاحقاً. أياً ما كان : فالمراد أن تُعطَى المرأة حقها في الميراث وهذا هو الأصل؛ ثم إذا كان هناك زواج فلتأخذ حقها أيضًا في المهر.
قال ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ (النساء: 127) وترغبون أن تنكحوهن : الفعل رغِبَ قد يتعدى ب ( في ) وقد يتعدى ب ( عن ) فإذا تعدي بـ في يكون المعنى : أحب الشيء، ( رغبت في الشيء ) : يعني أحببته - طلبته - أردته، وتقول : ( رغبت عن الشيء ) : يعني : كرهته نفرت منه، لا أريده.، والأصل أنّ الحرف لا يحذف الفعل الذي يحتمل المعنى وضده فإنّ هذا مما لا يؤمن معه اللبس، ولذلك شرط الحذف أن يؤمن معه اللبس فإذا وُجِد لبس فلا يكون هناك حذف. لكنَّ القرآن الكريم هنا حذف الحرف فكان المعنى أبلغ وأمن معه اللبس؛ لأن المعنى زاد فكان في الإيجاز زيادة في المعاني - لأن الآية الكريمة عن حكمين عن الحكم ما إذا رغب الرجل أو ولي المرأة اليتيم في النكاح منها، وتتحدث أيضًا فيما إذا رغب عنها ولم يرد الزواج منها.
وذلك أن اليتيمة على حالين : -
إمّا أن تكون اليتيمة جميلة : - يرغب فيها وليها - يريد أن يتزوجها - فماذا كان يصنع؟ كان كما جاء في رواية عند ابن أبي حاتم والطبري وغيرهما : أنه كان يضع ثوبه عليها يعني إذا مات ولي أو والد هذه الفتاة اليتيمة وجاء وليها يلقي الثوب عليها، والمعنى : لا يلتفت أحد إلى هذه اليتيمة صارت له ثم هو ينظر إليها فإنَّ كانت تعجبه ويرغب فيها فإنّه يتزوجها، ولا يعطيها المهر أو يبخسها في المهر فيظلمها ويظلمها في ميراثها.
وإن كانت غير مرغوب فيها لديه : ورغب عنها فإنّه لا يرضى بتزويجها يجعلها هكذا بلا زواج لماذا؟ لئلا يأخذ أحد ميراثها أو إذا زوجها فإنّه يتزوجها ليأخذ المهر لنفسه فنُهوا عن هذا جميعه وقد جاء بشيء من ذلك رواية عائشة رضي الله عنه عنها : في أن اليتيمة كانت تكون في حجر وليها فيرغب فيها فحينئذٍ نُهوا عن ذلك وأن يقسطوا لهن وليتزوجوا غيرهن إذا أرادوا هذا. يشهد له ما تقدم معنا في ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ (النساء: 3)وإن خفتم ﴿إِلَّا﴾ تقسطوا اليتامى فلا حرج عليكم ﴿إِلَّا﴾ تتزوجوا منهن؛ ولكن اتقوا الله وأعطوهن حقوقهن إذاً قوله ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ (النساء: 127) يسأل سائل : هل المعنى ترغبون في أن تنكحوهن؟ أم أن المراد أو ترغبون عن أن تنكحوهن؟ نقول : يحتمل المعنيين فمن جمال التعبير القرآني أنّه حذف الحرف فلما حذف الحرف شملت المعنيين، وهذا من الأمثلة الواضحة في أن حذوف القرآن أبلغ من المذكور في غير القرآن الكريم بمعنى أنّ القرآن لما حذف كان أبلغ وكان أكثر معنى مع أنه المتوقع أنه في حالة الذكر يكون المعنى أوفر.
قال الله ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ (النساء: 127) قالوا هنا في التفسير ( ولا ترغبون في نكاحهن وتمنعوهن من النكاح طمعاً في أموالهنّ ) فواضح أنهم هنا في المختصر اقتصروا على هذا المعنى ) ولا ترغبون في نكاحهن وتمنعوهن من النكاح طمعا في أموالهن ) يدخل أيضًا في قوله آية؟ : وترغبون في نكاحهن ولكنكم لا تعطونهن مهورهن أو لا تمكنونهن من ميراثهن وما إلى ذلك.
قال ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني : يبين لكم أيضًا ما في المستضعفين. إذا : في يتامى النساء وفي أيضًا المستضعفين، فهذا معطوف على قوله ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 127) وفي المستضعفين من الولدان، وذلك : أنّ المستضعفين لهم أيضًا حقوق ولهم ميراث فلا ينبغي أخذه، ولذلك تقدّم معنا آيات ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10)
﴿وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ﴾ (النساء: 127) ويدخل في المستضعفين من الولدان عموم الصغار لأن المواريث تكون للمستحقين صغاراً كانوا أو كباراً ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11) فلا يؤكل حق الضعيف واليتيم ولدك الحق الصغير قال ﴿وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ﴾ (النساء: 127) هذا قد يبين لكم وجوب القيام على اليتامى بالعدل بما يصلح شأنهم في الدنيا والآخرة، فالقسط هنا يشمل إصلاح حالهم في الدنيا والآخرة بأن تقوموا على شؤونهم ومراعاة أحوالهم وفي الوقت ذاته أيضًا فيما يتعلق بالحقوق، وأيضاً في العدل فيما يجعلهم يستقيمون على طاعة الله سبحانه فولي اليتيم يوجهه في أمر دينه، وفي أمر دنياه ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًا﴾ (النساء: 127) فيه ترغيب في أن يفعل الإنسان الخير وأن يحتسب عند الله، وأن يعلم أن ما يفعله من خير لا يضيع عليه فإنّ الله به عليم.
وتأملوا! وقد نبهت على هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنه في كثير من الآيات في السورة الكريمة يأتي وصف الله عز وجل بالتعبير بقوله كان للدلالة على أن هذا من الصفات لله سبحانه وتعالى التي هي ثابتة له وهي التي نقول عنها من الصفات الذاتية لذلك قال ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًا﴾ (النساء: 127) وجاء معنا ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ (النساء: 126) ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ هذا كثير في السورة ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (النساء: 108) وهكذا نعم.
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات
ما عند الله من الثواب لا ينال بمجرد الأماني بل لا بد من الإيمان والعمل الصالح : ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 123) الآية.
الجزاء من جنس العمل فمن ﴿يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ ومن يعمل خيراً يُجزى بأحسن منه : ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ﴾ (النساء: 123) وبعدها قال : ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: 124) وهذا من فضل الله سبحانه ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: 160)
الإخلاص والاتباع هما مقياس قبول العمل عند الله تعالى : ولذلك قال ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ﴾ (النساء: 125) وهذا في معنى الإخلاص ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وهذا في معنى الاتباع، وتقدّم أنه لا بد من الإيمان بالله سبحانه وتعالى ولذلك بدون إيمان بالله هذا مثله كما ضربوا : كمثل بيت بُنِيَ على البحر فهذه الأمواج تلتهمه هنا وهناك ويسقط ولا يثبت لأنّه ليس مبنياً على أساس وكأغصان شجرة قُطِعَ أصلها! فما فائدتها؟ وقد قُطِعَ أصلها؟ فكذلك العمل بدون إيمان بالله سبحانه وتعالى.
عظّم الإسلام حقوق الفئات الضعيفة من النساء والصغار فحرم الاعتداء عليهم وأوجب رعاية مصالحهم في ضوء ما شرع : وهذا واضح في قوله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (النساء: 127) إلى آخر الآية الكريمة. نعم
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 128)
تقدّم الحديث عن اليتامى، وعن الرغبة في نكاحهن أو الرغبة عن نكاحهن فناسب هذا أن يُذكَر بعض ما يتعلق بالنكاح فجاء هنا الحديث عن بعض أحكام النكاح، وذلك أن الرجل مع المرأة قد يصل بهما الحال إلى حالة من النفور، وهذا النفور قد يترتب عليه بعد ذلك صلح ووفاق، وقد يؤدي إلى فراق فجاءت الآيات لتبيّن هذه الأحوال فتحدثت عن النفور وتحدثت عن حالة الصلح والوفاق، وتحدثت أيضًا عن حالة الفراق فقال ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا﴾ (النساء: 128) أي : زوجها ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (النساء: 128) نشوزاً أي : ترفُّعَاً عنها، وعدم رغبة فيها. إذاً : هناك نشوز من المرأة، وهناك نشوز من الرجل، فنشوز المرأة : ترفعها على زوجها وعدم طاعتها له؛ وأمّا ترفع الرجل : فهو كراهته لامرأته وترفعه عنها فحينئذ تخشى المرأة من أن يطلقها، فالرجل لم يعد راغباً فيها ويُقبِل على طلاقها والمرأة لا تريد أن تُطَلَّق فحينئذ بإمكانها أن تتنازل عن بعض حقوقها لإبقائها؛ ولئلا يطلقها زوجها فقال الله عز وجل : ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ (النساء: 128) ترفعاً عنها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (النساء: 128) يعني : عدم رغبة فيها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (النساء: 128) كيف يكون هذا الصلح؟ قالوا هنا ( بأن تتنازل عن بعض الحقوق الواجبة لها كحق النفقة والمبيت ) فهي تقول له : أنا أريد أن أبقى لا أريد أن أكون مُطَلَّقة، وأنا أُرِيد البقاء حتى وإن لم أكن مرغوباً فيَّ لديك، وأنت لديك غيري من النسوة فأبقني عندك، وأنا أتنازل لك عن المبيت فبِتْ عند زوجتك الأخرى وما إلى ذلك.
وقد وقع هذا في شأن سودة بنت زمعة رضي الله عنها إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين حيث أنها خافت من أنْ يُطلِّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت ليلتها لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على ﴿إِلَّا﴾ يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة منها في أن تكون زوجاً من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تبقى على هذا الشرف العظيم فرضي الرسول صلى الله عليه وسلم منها بذلك الذي حكمت به على نفسها غير ظالم لها صلوات الله وتسليماته عليه وليكون هذا تشريعاً للأمّة تتعلم الأُمَّة منه كيف يتعاملون في مثل هذه الأحوال.
فقال ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (النساء: 128) وإذا كانت الآية قد وردت في موضع الخوف ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ (النساء: 128)فكيف إذا وجدت وعلمت؟ وبعضهم يفسر الخوف : بالعلم فإذا وقع هذا بالفعل ووجدت منه النشوز والعزم على الطلاق فتقول له : لا تطلقني ولكن كذا وكذا، وهذا فيه أنه من طرق الصلح أن يتنازل الإنسان عن بعض حقوقه؛ فإذا تنازل برضا منه ولم يكن في ذلك تحليل لما حرم الله أو تحريم لما أحل الله وإنما كان هذا من الحقوق الراجعة للأفراد وللشخص أن يتنازل عن حقه فإنّ الصلح حينئذ سائغ وجائز ولا حرج فيه قال ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي : والصلح هنا خير لهما من الطلاق وفي بعض الأحيان الطلاق هو الأفضل فهذا قوله ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالوا أل هنا عهدية يعني الصلح في هذا الباب، وبهذه الطريقة وعلى هذا المذكور ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ﴾ (النساء: 128) قالوا : أي ( وقد جُبِلتْ النفوس على الحرص والبخل ) يعني : احذروا من هذا!، يعني : ما الذي يمنع من وقوع الصلح في مثل هذه الأحوال هو : الشح؟ المرأة تضن تريد أن تستوفي كل حقوقها وتقول : بل أبقى ولي كل شيء، وتفعل كل شيء، وهو غير راغب فيها بالمرة فتشدد على نفسها وعليه فحينئذ وهو أيضًا عنده يقول : وأنا لن أنفق عليها وأنا لا أريدها وأنا لا أرغب فيها فحينئذ يكون الفراق. أمّا أن تتساهل بعض الشيء وتساهلت بعض الشيء حينئذ يتحقق الوفاق وهذه ثمرة من ثمرات الصلاح أو الإصلاح والصلح الذي يكون الإنسان فيه موفقاً وقادراً على أن يتجاوز شح نفسه. ولذلك قال الله ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 16) [ الحشر : 9 ].
قال ﴿وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾ (النساء: 128)دعاهم إلى الإحسان والتقوى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135) وأيضاً جاء هنا ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135) ولا يزال سبحانه وتعالى.
﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 129)
أيضاً هنا حديث عن العدل بين الزوجات ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء: 129) هذا خطاب للأزواج : لن تستطيعوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأزواج العدل التام بين الزوجات، وذلك أنّ العدل على أقسام أو في صور وأبواب.
فهناك العدل الذي يتعلق بالنفقة والمبيت وهذا ممكن ويتأتى للإنسان أن يعدل فيه فيُعطِي لهذه يومها ولهذه يومها ويعطي لهذه نفقتها ويعطي لتلك نفقتها؛ وأمّا ما يتعلق بجانب المحبة القلبية وما يترتب على ذلك من الجماع كثرة وقلة فإنّ هذا مما يخرج عن طوق الإنسان؛ فمحبة الإنسان قد تتفاوت بما يجده عند هذه وليس عند تلك وما إلى ذلك. فجاء التخفيف في هذا فهناك عدل واجب لا يسوغ للمرء أن يتجاوزه وأن يفرط فيه وهناك عدل فوق طاقة الإنسان خُفِّفَ فيه فقال هنا ﴿فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء: 129) وتأملوا! لم يقل : فلا تميلوا وفقط وسكت أو قال ( فلا تميلوا ميلاً ﴿أَنَّمَا﴾ قال فلا تميلوا كل الميل ) إذاً معناه : أنّه يوجد ميل لكن هذا الميل القلبي معفو عنه أمّا الميل الذي يترتب عليه الظلم في المبيت، والظلم في النفقة والحقوق المادية وما إلى ذلك فإنّ هذا لا يجوز.
قال ﴿فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ﴾ يهجر امرأته ويظلمها فتصير كالمعلقة : لا هي بالمطلقة التي تنظر في أمرها لعلها تُرزَق بزوج آخر أفضل منه، ولا هي بالزوجة التي تستوفي حقوقها من زوجها، وواضح أن الآية الكريمة ليس فيها منع التعدد وإنما فيها أن تعدد الزوجات سائغ وجائز ولكن بضوابطه وأن الإنسان عليه أن يعدل فيما يمكنه أن يعدل فيه من قسم ونفقة ونحو ذلك؛ وأن ما كان من قبيل الميل القلبي فإنّه نهي عنه فيه ولذلك لا تعارض بين هذه الآية الكريمة وبين قوله سبحانه وتعالى في صدر السورة ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ (النساء: 3) فإذا علم الإنسان من نفسه أنه لن يستطيع العدل في القسم ولن يستطيع العدل في النفقة فإنّه لا ينبغي له أن يقْدُم على هذا التعدد؛ وأمّا إذا علم من نفسه أنه يقدر على ذلك ورغب في التعدد فإنّ له ذلك كما هو معلوم والله تعالى أعلم.
ثم قال ﴿وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 129)فهو يغفر ويرحم سبحانه وتعالى لكن على الإنسان أن يتقي ويقصد الإصلاح ويسعى إليه.
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 130)
هذه هي الحالة الثالثة : إذا كان هناك نفور فالنفور قد نلجأ معه إلى الوفاق والصلح وقد لا يصل أو لا يتحقق هذا الصلح فحينئذ يكون الفراق، والفراق حينئذ ليس محرماً فإذا استحالت العشرة ولم يتمكن الطرفان من الحياة التي يتمكنان فيها من السكن المعيشة والله عز وجل قال ﴿لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) فلم يكن شيء من ذلك وحينئذ اتجه إلى الطلاق فحينئذٍ لا حرج في ذلك، وهذا له أحكام كما هو معلوم ولذلك قالوا : إنّ الطلاق تدور حوله الأحكام التكليفية الخمسة فقد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً أو مكروهاً أو محرما بحسب ما تقتضيه الحال. قال ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا﴾ (النساء: 130) يغني الله كل من فضله الواسع فقد يعوض الزوجة أو المطلقة برجل آخر يكون أفضل من الأول أو تسعد به أو يوافقها وتوافقه ويلائمها وتلائمه، وأيضاً وهي وإن طلقها زوجها فإنَّ الله سيعوضها والله يغنيها من فضله؛ فالله سبحانه وتعالى لا يترك أحداً وهو الرزاق سبحانه وتعالى، وكذلك هذا الزوج الذي طلق قد يعوضه الله عز وجل بامرأة أخرى إذا وصل الأمر إلى ذلك، وإن كان قبل ذلك يتقدمه أمور سبق بيانها فيما سبق من آيات ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ (النساء: 35) وترون يا أيها الإخوة الكرام : أنّ هذه السورة الكريمة كما تقدم من مقاصدها العظيمة الدعوة إلى الصلح، والدعوة إلى العدل والدعوة إلى الإنصاف كل هذا نراه في هذه الآيات الكريمة.
ثم قال الله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (النساء: 131)
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (النساء: 132) وهذا المعنى تكرر في الآيات كثيراً ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (النساء: 132) يتكرر هذا للدلالة على أن الملك ملكه، وأنّ الخلق خلقه ومن ثم فينبغي أن الحكم حكمه سبحانه وتعالى فالحكم له فهو الذي يأمر وينهى، وعلى العبد أن يسمع ويطيع لله سبحانه ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ (النساء: 131) لذلك ﴿وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾ (النساء: 128) ﴿وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾ (النساء: 129) في بيان أهمية التقوى، ولذلك في صدر السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) قال ﴿وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (النساء: 131) مَنْ تخلى عن التقوى وكفر بآيات الله، وكفر بالله فإنّ الله غني عنه ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (النساء: 131) ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (النساء: 132) تأملوا أيضًا مرة أخرى ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (النساء: 132) وتقدم مراراً أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر لذلك يقولون في التفسير هنا ( ولله وحده ) لأن أصل الكلام : مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ لله فلما تقدّم قوله ( لله ) أي : لله وحده سبحانه وتعالى ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171) فاكتفوا بالله فهو الوكيل سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133)
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ (النساء: 133) فهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك ويأتي بآخرين كما قال ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ (محمد: 38) [ محمد : 38 ] فهذا فيه ذم الكفر وبيان أنّ ﴿ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سبحانه وتعالى فنسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين الموحدين به﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ﴾ (النساء: 133) ولذلك قال أيضًا ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (فاطر: 16) [ إبراهيم : 19 - 20 ].
قال الله سبحانه وتعالى :
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا﴾ (النساء: 134) قالوا ( من كان منكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس يريد ثواب الدنيا فقط فليعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة فليطلب ثوابهما منه وكان الله سميعًا لأقوالكم بصيراً بأفعالكم وسيجازيكم عليها ) ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا﴾ (النساء: 134) هذا فيه توجيه لماذا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان؟ أنت تقبل على الدنيا وحدها، وترغب في الدنيا وحدها؟ أولست تعلم أن الله يملك الدنيا والآخرة؟ فكما تطلب الدنيا اطلب الآخرة، والله مالكهما، فكن فطناً وكن ذكياً سل الله الدنيا والآخرة وأخلص في عملك لله فقال ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ وكأنّ المعنى : مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فلا يقتصر عليها أو مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فليطلبها من الله فإنّ الله عنده ثواب الدنيا والآخرة. إذاً هذا هو الجواب : مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فليطلبها من الله سبحانه وتعالى ولا يقتصر عليها، والله عنده ثواب الدنيا وثواب الآخرة، ولذلك ربنا قال ﴿فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [ البقرة : 200 - 201 ] فالإنسان يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة والإمام الطبري رحمة الله له وجه في قوله سبحانه ﴿فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ إذ جعل الآية في حق المنافقين فهو يقول مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ. أي : جهنم ثواب الآخرة المراد به : جهنم يعني هو ينال من الدنيا ما يريد ما يكتب الله له من نصيب؛ وأمّا في الآخرة فثوابه جهنم. وكأنّ هذا من باب التهكم به وجعل الآية كقوله سبحانه ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) [ الإسراء : 18 ] لكنّ الأقرب كما ذكر الحافظ ابن كثير أنّ هذا الكلام فيه نظر في هذه الآية : وإن كان المعنى الذي قاله من حيث هو موجود في بعض الآيات الأخرى وإلا فالآية تتحدث عن الثواب ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ أي : فليطلب الدنيا والآخرة من الله وليتجه إلى الله سبحانه ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (النساء: 134). نعم
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات
استحباب المصالحة بين الزوجين عند المنازعة وهذا في ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (النساء: 128)وحملوا ذلك على معنى الاستحباب، وتغليب المصلحة بالتنازل عن بعض الحقوق إدامة لعقد الزوجية لأن إدامة عقد الزوجية هو الأصل وهو المطلوب.
أوجب الله تعالى العدل بين الزوجات خاصة الأمور المادية التي هي في مقدور الأزواج وتسامح الشرع حين يتعذر العدل في الأمور المعنوية كالحب والميل القلبي : فإذن هناك عدل واجب كالعدل في القسم والنفقة وهناك ما يُعفى عنه وهو ما يكون من الميل القلبي الذي لا يملكه الإنسان، ولذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم ويقول ( هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك ) وإن كان بعض العلماء قد أعلّ هذا الحديث لكن معناه مقبول من حيث الأصل ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الهدى.
لا حرج على الزوجين في الفراق إذا تعذرت العشرة بينهما : لذلك قال ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ﴾ (النساء: 130)
الوصية الجامعة للخلق جميعاً أولهم وآخرهم هي الأمر بتقوى الله تعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي ولذلك قال سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ (النساء: 131)
قال الشيخ حفظه الله
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135) بعد أن بين الله سبحانه وتعالى بعض أبواب العدل التي على الناس أن يراعوها كالعدل في حقوق النساء والزوجات وحقوق اليتامى والولدان جاء الأمر بالعدل العام وهذا كما تقدم من مقاصد هذه السورة الجليلة فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: 135) أي في كل شيء كما أنّ الإنسان مأمور بالعدل فيما يتعلق بأمر النساء وأمر اليتامى فهو مأمور بالعدل والقسط في كل الأحوال وجاء التعبير هنا ﴿كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ﴾ (النساء: 135) وهذا بصيغة المبالغة وفي أنه يكون قوام فهو مبالغة في قيامه على ذلك وتأديته للعدل على أكمل وجه ﴿شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: 135) مؤدين الشهادة بالحق مع كل أحد ﴿وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء: 135) وكيف يشهد الإنسان على نفسه بأن يقر على نفسه بأنّ لفلان عليه حق كذا وكذا؛ بأن يقول : إنّ لفلان عليّ كذا وكذا فهذا من الشهادة على النفس وهذا يدل على تمام الإنصاف فالإنسان عدل ولو كان العدل سيعود عليه بأخذ شيء مما معه ﴿وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135) مع أقرب الناس : مع الوالدين أيضًا تقولون الحق والصدق والعدل وهذا يدل على عظمة هذا الدين فهو دين يدعو إلى القسط والعدل، وقد تجلَّى هذا في المواقف النبيلة التي وقعت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين.
إذ تعلموا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبداية : حينما جاء أسامة بن زيد رضي الله عنهما يستشفع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المرأة المخزومية التي سرقت وقالوا : ( لا يجترئ على رسول الله إلا أنت يا أسامة لأنك حبه وابن حبه فH0
عبدالله بن رواحة رضي الله عنه حينما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليخرص عند أهل خيبر ما لديهم من ثمر ونخيل ليقسم الحقوق وليأخذ منهم ما يتعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم وساوموه وأرادوا أن يعطوه شيئًا من الرشوة ليميزهم بشيء فقال : ( والله ما أحد أبغض إليّ منكم وما أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فإنّه لا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه أن أجور عليكم أو أن أظلمكم ) فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض ) فهو من تمام العدل فمع بغضه لهم إلا أنه لا يظلمهم في شيء من ذلك رضي الله عنه.