سورة النساء — الجزء 9
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال الله ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ (النساء: 135) قوله ( إن يكن غنياً ) يعني : إن يكن المشهود له المحكوم له ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾. وهذا معناه : أننا في باب الشهادات نتقي الله ونقول العدل والإنصاف لا نقول هذا فقير فلنمل إليه وهذا غني فلنمل إليه لأنه أقوى وسيعطينا. فلا يجوز الجور من أجل غنى غني أو من أجل فقر فقير، وفي قوله ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ (النساء: 135) فيه إثبات أن الناس متفاوتون لذلك ادعاء الاشتراكية والذين يريدون أن يكون الناس كلهم على مرتبة سواء هذا مخالف لما قررته الشريعة ومن عجب أن يقال : اشتراكية الإسلام وأن يُرمى أن الإسلام هو الذي يدعو إلى ذلك. الإسلام دعا إلى الصدقة ودعا إلى الزكاة وإلى مراعاة حقوق الضعفاء لكن أيضًا جعل للناس ما يملكون فالإنسان الذي كسب يملك وقد يكون أغنى من غيره. لذلك قال ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ (النساء: 135) ولذلك ما يجري في بعض الجلسات التي يقال لها : جلسات عرفية. ينبغي لأصحابها أن يتقوا الله سبحانه وتعالى فبعض الناس يظلم بعض الأطراف بدعوى أن هذا غني وأنه قوي فحينئذ يتحمل فيجورون عليه أو في بعض الأحيان يحكمون له لأنه قوي وله وأما الآخر فإنّه مسكين لا يتكلم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ الواجب عليهم أن يبينوا الحق وبعد ذلك من أراد أن يسامح الآخر أو أن يتنازل له فهذا شيء آخر. كأن يقولون : لهذا الغني عندك ما يكفيك بفضل الله فماذا لو تصدقت على أخيك الفقير؟ وماذا لو أحسنت إليه فيكون هذا على سبيل الشفاعة أو الطلب وليس على سبيل بيان الحق؛ فبيان الحق شيء وبيان الدعوة إلى ما يحسُن به أن يصنعه إذا كان مستغنياً هذا شيء آخر.
كل هذا ينبغي أن يُراعى في الحكم بين الناس، وفي باب الشهادات.
قال ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟﴾ (النساء: 135) قالوا هنا يعني ( لئلا تميلوا عن الحق فيها ) فمعنى ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟﴾ يحتمل :
1 - أن المعنى : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لِتعدلوا. فيكون هناك لام تعليل المقدرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لماذا؟ لتعدلوا والمعنى أنكم إذا تركتم الهوى فإنّكم تعدلون والذي يمنع الإنسان من العدل هو اتباع الهوى ولذلك قال الله ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (ص: 26) [ ص : 26 ]
2 - أو أن المعنى : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عن أن تعدلوا. يعني : لأنكم إذا اتبعتم الهوى أعرضتم عن العدل، فاتباع الهوى يكون سببًا في الإعراض عن العدل.
قال ﴿وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135) قالوا هنا في المختصر ( وإن حرفتم الشهادة بأدائها على غير وجهها أو أعرضتم عن أدائها ) ففسروا تلووا : بتحريف الشهادة كما تقدّم معنا ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 78) [ آل عمران : 78 ] فاللي : يأتي بمعنى التحريف والتُبديل، فيكون المعنى : وإن تلووا تغيروا تحرفون الشهادة وتؤدونها على غير وجهها هذا معنى ﴿وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟﴾ (النساء: 135) وأصل مادة : لوى : تكون بالإعراض عن الشيء أو الإقبال عليه ولذلك قال ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ﴾ (آل عمران: 153) فتقول : لوى له وعلى الشيء : أقبل عليه، لوى عنه : أعرض عنه. فجاء هنا ﴿وَإِن تَلْوُۥٓا۟﴾ ليشمل الأمرين لأن هذا المحرف أو هذا المغير يفعل هذا إقبالاً منه على شخص وإعراضا منه عن شخص، فهو يريد أن ينفع شخصاً وأن يضر أخاه فنهى الله عن هذا أو ذاك؛ وإنما هو القسط والعدل ﴿وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟﴾ (النساء: 135) والقراءة الأخرى ( وإن تَلُوا ) فبعضهم جعلها من الولاية يعني إن وُلِّيتم في هذا الباب فأقسطوا أو أنها تخفيف لقوله ﴿وَإِن تَلْوُۥٓا۟﴾ فيكون المعنى واحدًا. فيرجع المعنى إلى هذه القراءة ﴿وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135).
وقوله ﴿أَوْ تُعْرِضُوا۟﴾ (النساء: 135) يعني : إن تُعرِضوا عن الحكم مع الاحتياج إلى حكمكم أو تعرضوا عن الشهادة مع أنّ حكم الشهادة لا يتبين إلا بكم ويلزمكم أن تبينوا وألا تكتموا والله قال ﴿وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ﴾ قال ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135)
ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (النساء: 136) وهنا أمر للمؤمنين بالإيمان وهذا كما قال ابن كثير وهذه عبارته قال : ( ليس هذا من باب تحصيل الحاصل بل هو من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه ) كما يقول المؤمن في كل صلاة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) ليس هذا من باب تحصيل الحاصل ﴿أَنَّمَا﴾ هذا من باب تكميل الكامل وتقريره كما تقدم معنا في ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) لذلك ما معنى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟﴾ (النساء: 136) يعني : يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اثبتوا على الإيمان داوموا على الإيمان، ازدادوا إيماناً فالمؤمن مأمور بزيادة إيمانه مأمور بالثبات على إيمانه. كل هذا داخل في معنى ( ءامنوا ) فلذلك ليس من عجب أن يُؤمَر المؤمنون بأن يؤمنوا ولا حاجة حينئذ أن يقال : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟﴾ (النساء: 136) خطاب للمنافقين وأنّ المعنى : يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا يعني يا من أظهرتم الإيمان آمنوا لأن عادة القرآن في التعبير بـ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النساء: 144) عن المؤمنين حقاً المؤمنين الصادقين وليس عن المنافقين. قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ (النساء: 136) القرآن الكريم ﴿وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ (النساء: 136) ما المراد بالكتاب ﴿ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾؟ الكتب السابقة فالكتاب الذي نزّل على رسوله المراد بالكتاب : القرآن ﴿وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ (النساء: 136) الكتب السابقة فالكتاب بمعنى جنس الكتب وتقدم معنى أنه في باب الوجوه والنظائر تأتي الكلمة وترد على عدة أوجه منها : هذه الكلمة في الآية نفسها جاء بمعنى القرآن، وجاء بمعنى الكتب السابقة وقريب من ذلك في آية واحدة ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: 48) فقوله ( ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ) : القرآن، ثم قال ( ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٱلْكِتَٰبِ ) : الكتب السابقة وتلحظون في التعبير القرآني أن الله لما ذكر القرآن قال ﴿وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ (النساء: 136) ولما ذكر الكتب السابقة قال ﴿وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ (النساء: 136)ففرق بين ( نزّل وأنزل ) ولذا جعل بعض المفسرين يقولون سبب أن القرآن نزل مفرقا منجَّماً فناسب معه أن يقول ( نزّل ) وأمّا الكتب السابقة فإنها نزلت جملة واحدة لكن هذا القول اعترض عليه بعضهم بما تقدّم بيانه في بعض المناسبات.
قال الله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ وهذا يدل على وجوب الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر. إذاً هذه الآية شاهد لذلك فعندنا في سورة البقرة ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾ (البقرة: 285) [ البقرة : 285 ] الآية وهنا ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ فهذا في ذكر كثير من أركان الإيمان أو أكثر أركان الإيمان.
ثم قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا﴾ (النساء: 137)
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا﴾ (النساء: 137) في دلالة أنهم ارتدوا وأصروا على الكفر واستمروا على ذلك، وماتوا على الكفر ﴿لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا﴾ (النساء: 137)
وقوله ﴿لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا﴾ (النساء: 137) أي لم يكن يوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصِّل إليه لأنهم مصرون على الكفر نسأل الله السلامة.
﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 138) وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ البشارة في الأصل تستعمل فيما يسر فيكون في هذا التهكم بهم ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ (النساء: 138) بما يسوؤهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 138)
﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 139)
تحذير من المنافقين ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ما الذي يجعلهم يصنعون ذلك؟ أيبتغون عندهم العزة؟ يريدون منهم القوة فلماذا لا يطلبون القوة من الله؟ فإنهم يوالون الكفار ينتفعون بهم أو يتقوون بهم، وهذا خطأ وهذا باطل ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ﴾ (النساء: 139) أي : يطلبون عندهم القوة والمنعة ليرتفعوا بها ﴿فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 139) كما قال الله ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: 10) ولا تعارض بين هذه الآيات وبين قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) [ المنافقون : 8 ] لأنّ عزة الرسول والمؤمنين مستمدة من عزة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: 140)
أي : في القرآن ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ﴾ (النساء: 140) قوله ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 140) هذا معناه : أن هناك آيات أخرى نزلها الله فيها هذا المعنى وهذا ما يسميه العلماء بالإحالة يعني أن القرآن في بعض المواضع يحيل على موضع آخر كقوله سبحانه ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ (النحل: 118) [ النحل : 118 ] فأحال على موضع آخر، كذلك هنا قال ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 140) يعني نزل آيات في الكتاب في القرآن ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ﴾ (النساء: 140) قال بعض العلماء : المراد به آية سورة الأنعام لأنَّها مكية وهي أسبق من سورة النساء في النزول ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ﴾ (الأنعام: 68) [ الأنعام : 68 ] ثم جاء التفصيل أكثر في هذه الآية فقال ﴿فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ﴾ (النساء: 140) والمعنى أيضًا : عليكم أن تأمروهم بالمعروف وعليكم أن تنهوهم عن المنكر وإلا فلا تجلسوا معهم إذاً : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الإعراض عنه.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ (النساء: 140) أي : إنكم إذا جالستموهم حال الكفر بآيات الله بها بعد سماعكم ذلك مثلهم في مخالفة أمر الله، وهذا فيه التحذير من الجلوس مع المستهزئين بآيات الله، ويلحق بذلك كما نص عدد من العلماء التحذير من مجالسة أهل البدع والضلالات، ومن يستهزأ بآيات الله فمِثلُ هؤلاء يحذَر منهم لأنّ أمثال هؤلاء : تتنزل عندهم اللعنات لا الرحمات فنسأل الله السلامة. قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: 140) كما أنهم في الدنيا اجتمعوا على الباطل فإنّ الله يجمعهم في الآخرة في جهنم نسأل الله السلامة. نعم
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات
وجوب العدل في القضاء بين الناس وعند أداء الشهادة حتى لو كان الحق على النفس أو على أحد من القرابة : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135) فهذا يدل على وجوب العدل في القضاء وعند أداء الشهادة.
على المؤمن أن يجتهد في فعل ما يزيد إيمانه من أعمال القلوب والجوارح ويثبته في قلبه : وهذا واضح في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟﴾ (النساء: 136) زيدوا من الإيمان واثبتوا على الإيمان، وقولهم هنا ( مما يزيد إيمانه من أعمال القلوب والجوارح ) هي أنّ زيادة الإيمان تتعلق بالقلب وبالأعمال كما هو المحرّر وهو الصحيح وتدل عليه الدلائل.
عظم خطر المنافقين على الإسلام ولهذا فقد توعدهم الله بأشد العقوبة في الآخرة : ولذلك سيأتينا بعد ذلك أيضًا ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (النساء: 145) وهنا قال ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 138)
إذا لم يستطع المؤمن الإنكار على من يتطاول على آيات الله وشرعه فلا يجوز له الجلوس معه على هذه الحال : إذا لم يستطع المؤمن الإنكار على من يتطاول على آيات الله وشرعه فلا يجوز ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ﴾ (النساء: 140)
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً
تعليق الشيخ حفظه الله :
قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵔﵑﵜ
قوله سبحانه الذين يتربصون بكم هذا بدل من قوله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 139) ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵓﵑﵜ فالآية الكريمة ظاهرة الاتصال بالآيات السابقة فالآيات السابقة حذرنا الله عز وجل فيها من صنيع المنافقين ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 138) ﵝالنِّسَاء الآية ﵘﵓﵑﵜ ثم ذكر بعض أوصافهم فقال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 139) وهنا قال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ (النساء: 141) ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵔﵑﵜ فالكلام لا يزال عن المنافقين إما أن نقول أنه بدل من قوله الذين يتخذون أو من المنافقين أنفسهم الذين يتربصون بكم
والتربص الأنتظار مع ترقب وتلهف ولذلك استعمل في عدة المرأة لأن المرأة قد تنتظر انقضاء العدة بشيء من التلهف ولذلك قال ﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ (البقرة: 228) ﵝالبَقَرَة الآية ﵘﵒﵒﵜ وهنا قال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ (النساء: 141) أي أهل النفاق يتربصون بالمؤمنين وينتظر بتلهف ما الذي سيقع لهم؟ فإنَّ وقع خير فإنَّ لهم مع الخير شأنا وإن وقع شر فإنَّ لهم مع الشر شأنا كذلك قال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ (النساء: 141) قالوا هنا الذين ينتظرون ما يحصل لكم من خير أو شر فهو انتظار من الجانبين ولذلك بعض المفسرين حينما قال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ (النساء: 141) أي الدوائر قالوا إن هذا التفسير فيه شيء من القصور لأنهم ينتظرون الجانبين بدليل ما جاء بعد ذلك ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾ (النساء: 141) وقال ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ﴾ (النساء: 141) فهم يترقبون ماذا سيقع للمؤمنين؟ في الحالين قالوا هنا فأن كان لكم نصر من الله وغنمتم؟ قالوا لكم ألم نكن معكم شهدنا ما شهدتم لينالوا من الغنيمة هذا معنى قوله ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ (النساء: 141) حينئذ يقولون نحن كنا معكم ونحن نناصركم فلنقتسم معكم الغنائم وليكن لنا نصيب منها ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ﴾ (النساء: 141) فهم يتعاملون مع الفريقين وهذا معنى تذبذبهم وعدم ثباتهم ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 141) حينئذ توجهوا إلى الكافرين فقالوا ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 141) أي ألم نتولى شؤونكم ونحطكم إحاطة العناية والنصرة ونحميكم من المؤمنين ونحميكم هذا في معنى ونمنعكم وأما قول ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 141) الاستحواذ تولي الشؤون والاحاطة والعناية بهم ومن ذلك أنهم كانوا يخذلون المؤمنين فيقولون للمؤمنين لا تتقدموا للقتال ما لكم ولهم؟ إتركوهم وشأنهم لا تقاتلوهم ويضعفون شوكة المسلمين يدعون أنهم سيخرجون معهم ثم بعد ذلك يتركونهم ويتخلفون ويفرون ومن جهة أخرى يشجعون الكفار وربما يتتبعون عورات المسلمين ويدلون هؤلاء الكفار على الجوانب التي يمكنهم أن يدخلوا منها إلى قتال أهل الإيمان فيتوجهون إلى المؤمنين بهذا فيتوجهون إلى الكافرين بهذا بقولهم ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 141) وهذا من نفاقهم
وأنت إذا تأملت الآية الكريمة وجدت أن التعبير قد اختلف في المقامين فحينما حدثوا المؤمنين أو حين كان الحديث مع المؤمنين جاء التعبير ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 141)
وإما حين حدثنا الله عما يكون للكافرين من ظفر فقال ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ﴾ (النساء: 141) لم يقل وإن كان للكافرين فتح لأن الفتح المستمر الحقيقي يكون لأهل الإيمان وأما أهل الكفر فهم وإن إنتصروا في مقام فإنَّ هذا الانتصار لا يدوم ولذلك لم يسمه الله عز وجل هنا فتحا وإنما سماه نصيبا فقال ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ﴾ (النساء: 141) وفيه تعظيم لشأن المسلمين وتحقير وحط لما يكون للكافرين فهو في الحقيقة ليس تمكينا لهم وليس فتحا لهم وإنما هو من تقدير الله سبحانه وتعالى لحكمة يعلمها الله عز وجل
قال ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) قالوا هنا فيجازي المؤمنين بدخول الجنة ويجازي المنافقين بدخول ﴿ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ يعني أنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المنافقون تصنعون ذلك والله سيجازيكم يوم القيامة على تخذيركم وعلى قولكم وعلى زعمكم وعلى نفاقكم وقوله هنا ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) ما معنى هذه الآية الكريمة أو هذا الجزء من الآية قالوا هنا في التفسير ولن يجعل الله بفضله للكافرين حجة على المؤمنين يوم القيامة بل سيجعل العاقبة للمؤمنين ما داموا عاملين بالشرع صادقى الإيمان فجعلوا هذا ﴿يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ يوم القيامة فالكافرون يوم القيامة لا حجة لهم وإنما الحجة لأهل الإيمان فيوم القيامة تظهر الحقائق ويعلم الناس أن الحق كان مع المؤمنين فيكون الحجة ويكون السبيل ويكون السلطان لأهل الإيمان ويشهد لهذا التأويل أو لهذا التفسير أن الله قال قبلها ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) في هذا اليوم لن يكون هناك سبيل ولا حجة للكافرين يوم القيامة على أهل الإيمان وبهذا يزول الإشكال لأنه قد يقول قائل إن الله قال ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) وها نحن نرى في بعض الأحوال أن الدولة وأن القوة تكون لبعض الكافر على بعض المؤمنين فتكون الغلبة لهم على المؤمنين وقد يستذل بعض المسلمين في بعض البلاد وفي بعض المواقع وفي بعض الأماكن فيقولون كيف هذا؟ والله قال ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) فكيف وقد جعل السبيل للكافرين على المؤمنين فيجاب عن ذلك بعدة اجوبة منها هذا الجواب أن الآية الكريمة تتحدث عن أمر الآخرة فالغلبة والحجة والقوة والحق يكون لأهل الإيمان على الكافرين.
الوجه الثاني أن المراد بالسبيل الحجة فالكفار حتى وإن كانت لهم النصرة أو كان لهم التمكن أو كانت لهم القوة أو الغلبة في الظاهر لكنهم ليسوا أصحاب حجة فإنهم حينما يراجعون أنفسهم فضلا عن غيرهم يعرفون أنهم على الباطل وهم يستمرون على باطلهم ولا يردعون عن غيهم إذا ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) أي في الحجة والبرهان قد يكون لهم أي للكفار قوة وغلبة بالسيف والسنان لكن بالحجة والبرهان لا تكون إلا لأهل الإيمان هذا وجه ثاني ووجه ثالث أن معنى قولي ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) بحيث أن المؤمنين لا يستأصلون عن أخرهم بمعنى قد يحدث هناك قوة وغلبة من الكافرين على المؤمنين لا يؤدي هذا إلى استئصال المسلمين والأنقضاض عليهم جميعا وإنما يحدث شيء من نقص الأطراف من بعض الابتلاءات والمحن والقتل وما إلى ذلك لكن فيكون في الأرض بقية مؤمنة توحد الله سبحانه وتعالى وتنصر دينه إلى أن يأذن الله عز وجل بنصرة هذه الطائفة القليلة ويؤيدها ويجعلها هي الغالبة التي لها التمكن والسؤدد بفضله سبحانه وتعالى إذا يمكن أن نقول أن هناك ثلاثة أوجه في فهم هذه الآية حتى لا فيكون إشكال في فهمها ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) في الآخرة ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) في مقام الحجة والبرهان ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141) بألا يستأصلوا بألا يقع استئصال لأهل الإيمان.
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 142) ﵝالنِّسَاء الآية ﵒﵔﵑﵜ
ثم قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ (النساء: 142) تلاحظ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أن الآيات الكريمة تتحدث عن بعض أوصاف المنافقين تحذيرا منهم فهم عدو داخلي والسورة كما تقدم تبين لنا الأعداء الداخليين والأعداء الخارجيين تقوي أواصر الرحمة والمحبة والإنصاف والعدل بين المسلمين فقال ﴿ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ (النساء: 142) يعني يعاملون الله معاملة المخادع ﴿وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ فهذا هو الجزاء والجزاء من جنس العمل وقد تقدم قريب من ذلك في أول سورة البقرة في قول الله ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9) فهذا هو جزاؤهم وتقدم في تفسير التعليق على تفسير الجلالين ما يتعلق بخداع الله عز وجل لهم وأنه في مقام المدح هنا لأنه في مقابلة فعلهم فحينئذ هذه الصفة يقال لها مقيدة ولها مدلولها ومعناها.
قال ﴿وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ﴾ (النساء: 142) إذا هم جمعوا بين العقيدة الخبيثة وبين الفعل الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى لأن صاحب العقيدة الصحيحة يقوى على العمل الصالح وأما صاحب العقيدة الفاسدة فإنه لا يرجو الله ولا اليوم الآخر فلذلك يكون كسلان يكون في كسل وفي ابتعاد عن النشاط والقوة ﴿وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 142) فهم قاموا كسالى لأنهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ على حقيقة الأمر وهم يراءون الناس لا يطلبون إلا ثناء الناس عليهم ورغبة في أن يعظمهم الناس إلى ذلك أو خوفا من أن يقال عنهم أنهم منافقون لأن الرياء له أسباب فالرياء قد يكون بسبب حب الجاه أو بسبب الرغبة في المدح أو الخوف من الذنب يعني قد يرائي الإنسان ليس طلبا في المدح وإنما يرائي خوفا من الذنب وهؤلاء بين هذا وذاك إما أنهم يطلبون المدح بأن يقال أنهم مؤمنون ثابتوا الإيمان وأنهم أخلص الناس وأتقى الناس أو أنهم يخافون من المذمة بأن يقال عنهم أنهم منافقون وحينئذ تستباح دماؤهم وأموالهم وما إلى ذلك.
قال الله ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 142) قالوا هنا في التفسير إذا رأوا المؤمنين يعني هم لا يعملون في الخفاء ﴿أَنَّمَا﴾ يعملون في الظاهر على سبيل الرياء فذكرهم ﴿أَنَّمَا﴾ هو في حالة وجود المؤمنين ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر).
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ (النساء: 143) ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵑﵜ
قال الله ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ (النساء: 143) أي هؤلاء المنافقون مترددون مذبذبين يعني حال كونهم مذبذبين بين ذلك لكن هم تأولوه على سبيل المعنى فهؤلاء المنافقون عندهم تذبذب شك تردد ما عندهم ثبات مترددون في حيرة فلا هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا ولا مع الكافرين بل ظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكافرين وهذا من معاني النفاق أن الظاهر يخالف الباطل فهم في الظاهر مع أهل الإيمان وفي الباطن مع أهل الكفر والطغيأن.
قال الله ﴿لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ﴾ (النساء: 143) لا إلى هؤلاء المؤمنين ولا إلى هؤلاء الكافرين ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ (النساء: 143) فالمهتدي من هداه الله سبحانه وتعالى
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 144) ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵔﵑﵜ
ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 144) هذه الآية ما علاقتها وما صلتها بما سبق؟ هذه الآية تحذير للمؤمنين من أن يشابهوا المنافقين فإذا كان الله قد وصف المنافقين فقال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 139) ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵓﵑﵜ إذا وصفهم بهذا وأنهم يتخذون الكافرين أولياء فهنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 144) يعني كان المعنى لا تتشبهوا بهم ولا تكونوا مثلهم لا تتصفوا بأوصافهم ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ؟ أي حجة يؤاخذكم الله بها يعني لماذا تضعون أنفسكم في موضع استحقاق العذاب والعقاب؟ وهذا من كمال عدل الله سبحانه يعني يقول ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 144) أي أتريدون أن تقعوا فيما نهاكم الله عز وجل مع بيانه لكم؟ فتكون الحجة قد وقعت عليكم والعذر قد انقطع عنكم وحينئذ تستحقون الوعيد والعقاب فهو سبحانه وتعالى لا يؤاخذ العباد إلا بما يقع منهم وقد يتجاوز عما يقع منهم أيضًا سبحانه فهذا فيه دليل على كمال عدله ولذلك سمى هنا إقامة الحجة أو سمى انقطاع العذر عنهم بالسلطان المبين
فقال ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 144) فالمراد به قيام الحجة عليهم وأنهم لا عذر لهم لأن الله قد بين لهم ومع ذلك فإنهم لا يزالون على المخالفة
ثم قال ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (النساء: 145) ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵔﵑﵜ
هذا وعيد شديد وتهديد كبير لأولئك المنافقين ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (النساء: 145) قالوا هنا في المكان الأسفل من النار يوم القيامة يعني هذا موضعهم وهذا جزاؤهم بعضهم قال الدرك دلالة على أن النار دركات وأن هؤلاء في أسفل طبقة من طبقات نار جهنم نسأل الله السلامة
ويقال الدرك والدرج وفيه القراءتان والدرج والدرك بمعنى الدرج فالدرج كالدرك إلا أنه غلب استعمال الدرج في الصعود واستعمل وغلب استعمال الدرك أو الدرك في النزول لذلك قالوا الجنة درجات والنار دركات من أجل هذا قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (النساء: 145) وإن كان قد يأتي اللفظ بالمعنى العام كقوله ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟﴾ (الأحقاف: 19) ﵝالأَنۡعَام الآية ﵒﵓﵑﵜ فيشمل هذا وذاك
قال ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (النساء: 145) قالوا وذلك لأن المنافقين جمعوا بين الكفر وبين الاستهزاء والمكر والخداع فهم أصلا كفار لأن المراد بالنفاق هنا النفاق العقدي ولذلك فالنفاق كما تقدم نفاقان نفاق إعتقادي ونفاق عملي فالنفاق العملي هو الذي جاء الحديث فيه قوله ﷺ : آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان في رواية أبي هريرة وجاء في حديث عبد الله بن عمرو أربعة من كن فيه كان منافقا خالصا الحديث فهذه الصفات أو هذه الخصال صفات للمنافقين نفاقا عمليا هذا المنافق لا يكون خالدا في النار ولا يكون خارجا من الملة فهذا ليس كافرا وإنما المراد بهذا النفاق أنه نفاق مخالف لحقيقة الأمر وأن على تقصير وتفريط وأنه عاص من العصاة فالنفاق قالوا عنه نفاق دون النفاق لكن هناك نفاق العقدي وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وهذا الذي جاء وعيده في هذه الآيات الكريمة.
﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 146) ﵝالنِّسَاء الآية ﵖﵔﵑﵜ
أيضاً فتح لهم باب التوبة كما هو المعهود من الرب الكريم سبحانه وتعالى أنه يفتح لعباده باب التوبة حتى وإن كثرت ذنوبهم قال الله ﴿ٱلَّذِينَ تَابُوا۟﴾ (النساء: 146) ﵝالنِّسَاء الآية ﵖﵔﵑﵜ لكن هذه التوبة ينبغي أن يصحبها إصلاح تابوا وأصلحوا لأنه قد يقع منهم إفساد وهذا كثير فحينئذ يقومون بالإصلاح.
ثم قال ﴿وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (النساء: 146) لقالوا هنا وأصلحوا باطنهم هذا أيضًا معنى آخر في الإصلاح إذا أصلحوا ما أفسدوا ويدخل في الإصلاح إصلاح الباطل لأنهم وإن عمروا الظاهر في الظاهر إلا أن باطنهم فاسد فيكون من معاني الإصلاح إصلاح النفس أو إصلاح الباطن
قال﴿وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ قالوا تمسكوا بعهد الله أخلصوا عملهم لله لأن مشكلته مشكلة رياء فحينئذ يتراجعون عن الرياء وهم إذا أخلصوا خرجوا من النفاق ولذلك مما يعالج المرء من النفاق أن يستحضر معنى الإخلاص فإذا أخلص لله أنجاه الله من النفاق وقوله ﴿وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (النساء: 146) تستطيع أن تقول إنه من عطف الخاص على العام لأن هذا داخل في معنى الإصلاح وهو داخل في معنى التوبة أيضاً
لكن هنا قال ﴿وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (النساء: 146) إذا هم معتصمون بالله متمسكون بعهد الله وهذا من طرق الإصلاح وأيضاً من طرق الإصلاح أو مما ما يلزمهم في الإصلاح أن يخلصوا دينهم لله ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 146) أي مع المؤمنين الخُلَّص الذين ظاهرهم كباطنهم وباطنهم كظاهرهم صاروا معهم
وقوله ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ﴾ باسم الإشارة أي هؤلاء الذين تحققت لهم هذه الصفات تنويها بشأنهم إذا تابوا فلهم شأن وصاروا مع المؤمنين ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 146) ولم يأتي التعبير وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما وإنما جاء ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 146) وهذا من وضع الظاهر في موضع مضمر فجاء التصريح به مع كونه قد سبق ذكره للتعميم ليس فقط هؤلاء وإنما كل مؤمن فالله يؤتيه أجرا عظيماً للمؤمنين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 146) وللدلالة على أن هذا الأجر سببه هو الإيمان فقال ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 146).
ثم قال ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 147) ﵝالنِّسَاء الآية ﵗﵔﵑﵜ
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾؟ قالوا هنا لا حاجة لله في تعذيبكم إذا ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾؟ يعني ربنا لا يريد تعذيبكم إن شكرتم وآمنتم ما الذي يريده الله من تعذيبكم إذا؟ لا يريد أن يعذبكم إن شكرتم وآمنتم فقوله ما يفعل تكون ما نافية وبعضهم يجعلها إستفهامية وهي بنفس المعنى على هذا المعنى
إذا ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ (النساء: 147) يعني لا يعذبكم الله إن شكرتم وآمنتم فالله عز وجل يريد التخفيف عن عباده وهو سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر وهو سبحانه ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وهو سبحانه وتعالى ﴿يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ كما دلت على ذلك الآيات الكثيرة قال ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ (النساء: 147) قالوا هنا فهو تعالى البر الرحيم فهو سبحانه بر رحيم كريم لطيف إن شكرتم وآمنتم وقدم الشكر على الإيمان لأن الشكر مفض إليه فالإنسان حين يستحضر الله سبحانه وتعالى يلزمه الشكر وهذا الشكر يعرفه بربه سبحانه وتعالى وتاريخ لعبادة الله ﴿وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
قال ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 147) فالله سبحانه من أسمائه الشاكر والشكور أيضًا فهو سبحانه وتعالى شاكر يُعطى الثواب الكبير على العمل القليل وهذا من فضله وكرمه سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات
بيان صفات المنافقين ومنها حرصهم على حظ أنفسهم سواء كان مع المؤمنين أم مع الكافرين فالآيات تتحدث عن صفات المنافقين منها الذين يتربصون بكم التربص بأهل الإيمان ومنها ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الخداع الموجود عندهم والكسل في الصلاة والرياء وذكر الله ذكرا قليلا والتذبذب وغير ذلك من هذه الصفات المعروفة عنده نسأل الله السلامة أعظم صفات المنافقين تذبذبهم وحيرتهم وإضطرابهم فلا هم مع المؤمنين حقًا ولا مع الكافرين ولذلك من نعمة الله على العبد أن يرزقه الثبات واليقين.
النهي الشديد عن اتخاذ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وهذا في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 144) وأما التذبذب ففي قول ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ﴾ (النساء: 143)
أعظم ما يتقي به المرء عذاب الله في الآخرة هو الإيمان والعمل الصالح ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ (النساء: 147) فإذا أردت أن تنجو من عذاب الله فعليك بالإيمان وشكر الله سبحانه وتعالى.
نعم قال الله سبحانه ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 148) ﵝالنِّسَاء الآية ﵘﵔﵑﵜ
إذا كان أهل النفاق يؤذون أهل الإيمان فإنَّ المؤمن له أن يرد هذا الإيذاء لكنه لا يعتدي فيه ﴿أَنَّمَا﴾ يرده بالقدر الذي ظلم ولا يزيد فيه هذا من جهة وأيضاً إذا كان أهل النفاق من دأبهم السوء في الأقوال فإنَّ أهل الإيمان ليسوا كذلك
﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (النساء: 148) أي ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ﴾ من أحد ﴿بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ لأن الإستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (النساء: 148) يعود على الأشخاص ذا ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ﴾ من أحد بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ أو إلا جهر من ظلم فهذا معفو عنه فإذا ظلم إنسان جاز له أن يجهر ببيان الظلم الذي وقع عليه والرسول صلى الله عليه وسلم قال ( المستبَّانِ ما قالا! فعلى البادي منهما ما لم يعتدِ المظلومُ ) الممنوعة الزيادة بأن يزيد فيقول بل كيت وكيت مما لم يفعله هذا الذي ظلمه ﴿أَنَّمَا﴾ يكون جهره بقدر هذه المظلمة لا يزيد فيها. بعض الناس يفجر في مظلمته فيعتدي على من ظلمه ويعتدي على أبيه ويسبه ويسب أباه ويدعو عليه بدعاء أشد من تلك المظلمة التي وقعت عليه فقد يكون وقع بينه وبين شخص شيء فإذا به يدعو عليه باللعنة والطرد من رحمة الله وإحراق بيته وداره وماله وما إلى ذلك فهذا يدخل في جنس الاعتداء.
قال ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (النساء: 148) وبمفهوم المخالفة يحب الله سبحانه وتعالى الحسن من القول أو الجهر بالحسن من القول يعني أنت حينما تجهر بالقول الحسن فهذا محبوب إلى الله سبحانه وتعالى بمفهوم الآية قال ﴿إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (النساء: 148) وفيه أن الإسلام أيضًا فيه دين الرحمة لأن الإنسان المظلوم يكون عندما يتعبه أمر يشد عليه أو يجعله في حاجة إلى إخراج بعض الألفاظ التي وقعت عليه فحينئذ رخص له فيها ولكن بالقدر الذي وقع عليه لا بقدر زائد عنه ولذلك ذكر العلماء في الأبواب والاسباب التي ترخص فيها الغيبة ذكروا أسبابا أو أمورا جمعها بعضهم في ستة كان منها التظلم إنه في مقام التظلم يحتاج أن يقول فلان فعل في كذا وكذا فحينئذ يكون هذا من باب الفائدة والمصلحة فيرخص فيه
قال ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 148) فهو سميع سبحانه وتعالى لمن أساء ولمن أحسن ولمن قال القول الحسن ولمن قال القول السيء وهنا قال ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ﴾ (النساء: 148) وأيضاً السوء حتى ولو لم يكن جهرا فالإنسان الذي يسر إلى آخر بالسوء هذا أيضًا مكروه لكن صرح بالجهر لأن أمره أشد وأظهر والمضرة الناتجة عنه أكبر والله أعلم وبعضهم قال أن هذا تعلق بسبب نزول وروي في هذه الآية الكريمة ولا نعلمه ثابتة فجعلوا هذا لبيان الواقع لا أنه قيد للاحتراز.
قال الله سبحانه ﴿إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵔﵑﵜ
هذه طريقة القرآن أنه يبين العدل ثم بعد ذلك يفتح بابه باب الإحسان باب الترغيب أنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المظلوم إذا قلت بقدر مظلمتك لا حرج عليك ومع ذلك لو عفوت كان أفضل فالدعوة إلى الإحسان الدعوة إلى العفو هذه الطريقة القرآن الكريم فقال ﴿أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149)
وقوله ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) مناسب لقوله ﴿أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ﴾ (النساء: 149)
إذا ﴿إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) وكان المعنى أو تعفو عن سوء فهو خير لكم ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ فهذا يترتب على هذا الجواب ﴿أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ﴾ (النساء: 149) أولى لكم ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) وفيه أن من عفا فهو يرجى له أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنه إن من عفا يرجى أن يعفو الله سبحانه عنه
قال ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 148) ﵝالنِّسَاء الآية ﵘﵔﵑﵜ وفي قوله ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵔﵑﵜ فيه أيضًا إشارة إلى أن أسماء الله الحسني تتضمن معاني خلافا لمن زعم أنها أعلام جامدة لأن الله ذكر ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) في مقابلة ذكر العفو وهذا كثير في القرآن الكريم وأيضاً منه ﴿وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (المزمل: 20) ﵝالمُزَّمِّل الآية ﵐﵒﵜ فلو لم يكن قوله غفور يدل على أنه يغفر لماذا أمر بقوله واستغفروه ثم علل فقال ﴿ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (المزمل: 20) ﵝالمُزَّمِّل الآية ﵐﵒﵜ وهكذا
قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 150) ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵕﵑﵜ
بين الله سبحانه وتعالى حال فريق من هؤلاء ﴿يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ﴾ يقولون نؤمن بالله لكن لا نؤمن بالرسل أو نؤمن بالله وببعض الرسل وهذا تحذير من هذا فهناك طائفة معروفة وهي المؤمنين أمرها واضح وهناك طائفة الكافرين وأمرها واضح هناك طائفة أخرى تقول نؤمن ببعض الرسل ولا نؤمن ببعض وهذا وقع من اليهود والنصارى فاليهود آمنت بموسى وكفرت ﴿بِعِيسَى﴾ ومحمد والنصارى آمنت ﴿بِعِيسَى﴾ وكفر بمحمد على أن ايمانهم ﴿بِعِيسَى﴾ أيمان غير صحيح إذ زعموا أنه إله أو ابن الله كما هو معلوم.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 150) أي طريقا بين الكفر والإيمان يتوهمون أنه ينجيهم يقولون نحن أفضل من غيرنا لسنا كالكفار بل نحن نؤمن بالله ونؤمن ببعض الرسل فبين الله أن هذا ليس بنافعهم وأن هذا ليس بمغنٍ عنهم شيئًا
فقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 151) ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵕﵑﵜ
هذا كفر لا مرية فيه لأنه يلزم المؤمن أن يؤمن بجميع الرسل كما علمنا الله سبحانه وتعالى ﴿كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾ (البقرة: 285) ﵝالبَقَرَة الآية ﵕﵘﵒﵜ قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 151) ولم يقل أيضًا وأعتدنا لهم وإنما قال وأعتدنا للكافرين فهذا من وضع الظاهر في موضع مضمر للدلالة على أن هذا العذاب المهين سببه ماذا؟ سببه كفرهم.
ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 152)
أما المؤمنون حقًا وصدقا الذين ﴿امَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ فهؤلاء سوف يؤتيهم الله أجورهم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (النساء: 152) واضاف الاجور إليهم لأنهم متفاوتون أيضًا فالناس متفاوتون في الإيمان والعمل الصالح فكل له أجره بحسب عمله ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ قال فأولئك ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 152) ومع ذلك فباب الرحمة والمغفرة موجود فالله يعطيهم مطلوبهم ويزيل عنهم همومهم.
﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 153) ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵕﵑﵜ
ثم قال الله ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 153) وتجدون أن الحديث انتقل من الحديث عن المنافقين إلى الحديث عن أهل الكتاب وما يقع منه من خلل في الاعتقاد ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 153) أي يسألونك على سبيل ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (النساء: 153) قالوا هنا أي ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ كِتَٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ جملة واحدة كما وقع لموسى يقولون نحن لا نريد منك أن تنزل علينا آيات مفرقة وتقول هذا كتاب من عند الله نريد كتابا ينزل عليك مرة واحدة جملة واحدة وهذا معنى كما قولهم كما وقع لموسى هذا على قول الجمهور باعتبار أن جمهور العلماء يرون أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة وإلا فبعض العلماء يرى أن الكتب السابقة أيضًا نزلت مفرقة وهذا مال إليه البقاع والأول عليه الجمهور
فقالوا ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ (النساء: 153) وهذا ليس بحق ليس لهم أن يطلبوا ذلك إن القضية ليست في أن ينزل الكتاب جملة أو أن ينزل مفرقا المهم أن ما نزل حق وأن هذا النبي مؤيد فلذلك هذه شبهة داحضة ليس لهم أن يتكلموا فيها ليس لهم أن يقولوا هات لنا كتابا كاملا المهم ولو نزلت آية من عند الله تدل على صدق هذا النبي فهو نبي مرسل من عند الله سبحانه وتعالى كمن يزعم ويقول ربنا كلم موسى عليه السلام فهل معنى ذلك لا يصدق رسول إلا إذا كلمة الله كما كلم موسى؟ هذا ليس بلازم ولذلك سيأتينا بعد ذلك بعد ذكر الوحي ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164) هذه فضيلة لموسى عليه السلام لكن الرسل الآخرون أيضًا مصدقون بما آتاهم الله عز وجل من آيات ومعجزات
قال ﴿سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ (النساء: 153) قال كثيرون ﴿فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ متعلق بمقدر كان المعنى فلا تبالي يا رسول الله فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ لا تهتم ولا تغتم لا تجد في صدرك حين طلبوا منك وقالوا لك هات لنا كتابا كاملا مرة واحدة لا تبالي بهم أو كان التقدير إن استكبرت ذلك وإستعظمت هذا الذي طلبوه فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فيكون قوله ﴿فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ﴾ دلالة على هذا المقدس إن استكبرت إن استعظمت ذلك فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ ماذا صنعوا؟ ﴿فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ (النساء: 153) هذا تفسير له ﴿فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ وطلبهم أرنا الله جهرا عيانا أيضًا على سبيل التعنت وأنه لو لم يفعل ذلك ما آمنوا
ولذلك لا وجه للمقارنة بين صنيعهم وبين طلب موسى عليه السلام ﴿رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: 143) ﵝالأَعۡرَاف الآية ﵓﵔﵑﵜ لأن موسى طلب رؤية الله شوقا إلى الله مع حبه لله وإيمانه به سبحانه وتعالى أما هؤلاء علقوا هذا على الإيمان بموسى وكان طلبا فيه شيء من التعنت بل كان عين التعنت
فقال ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (النساء: 153) كما تقدم معنا في سورة البقرة ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 55) ﵝالبَقَرَة الآية ﵕﵕﵜ قالوا بظلمهم فكانوا ظالمين بهذا
﴿ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ (النساء: 153) اتخذوا العجل أيضًا من بعد ما جاءتهم البينات القصة معروفة كما تقدم.
قال ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 153) قالوا هنا فعبدوا العجل ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة الدالة على وحدانية الله وتفرده بالربوبية والالوهية ثم تجاوزنا عنهم وأعطينا موسى حجة واضحة على قومه إذا معنى ﴿سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 153) حجة واضحة، وهذا واضح.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 154) ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵕﵑﵜ
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ﴾ (النساء: 154) جبل الطور رفعناه بسبب أخذ العهد المؤكد عليهم تخويفا ليعملوا بما فيه كما قال ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ﴾ (الأعراف: 171) ﵝالأَعۡرَاف الآية ﵑﵗﵑﵜ فحينما وقع منهم ما وقع. رفع الله عز وجل عليهم هذا الجبل وقال لهم ﴿خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 171) ﵝالأَعۡرَاف الآية ﵑﵗﵑﵜ
قال ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا﴾ (النساء: 154) أيضًا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لهم ادخلوا الباب باب بيت المقدس وأنتم ساجدون خاضعون لله سبحانه فما كان منهم إلا أن دخلوا زاحفين على أدبارهم وقالوا حبة في شعيرة أو حنطة بدلا من أن يقولوا حطة كما هو معروف فبدلوا قال ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ﴾ (النساء: 154) لا تقدموا على الصيد في يوم السبت فما كان منهم إلا أن فعلوا ذلك فاعتدوا واصطادوا ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 154) أي عهدا موثقا شديدا بذلك فنقضوا العهد المأخوذ عليهم هذا كله تعديد للمنكرات التي وقعت منهم وفيه تسرية وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
ما وجه ذكر هذا هنا؟ ربنا يسلي الرسول يقول يا رسول الله لا تبالي بهم هم طلبوا منك طلبا واحداً ﴿إِلَّا﴾ تعرفهم كما لو آتى شخص وأراد أن يسيء إلى شخص ويأتي له بشبهة فتقول له لا تبالي به أما تعرفه فلان يقول ويقول ويفعل وهو سفيه وهو كذا فأنت تقصد بذلك تهوين أمره وأن هذا ليس بغريب عليه فالمراد هذا ليس بغريب عنهم بل هم معروفون بهذا التعنت وبهذه وبهذا النكوس على الأعقاب وبهذا الترك لطاعة رسل الله وأنبيائه نعم
من فوائد الآيات
يجوز للمظلوم أن يتحدث عن ظلم وظالم لمن يرجى منه أن يأخذ له حقه وإن قال ما لا يسر الظالم وهذا ضابط جيد منهم حينما قالوا لمن يرجى منه أن يأخذ له حقه يعني أنت حينما تذكره بالسوء يكون هناك مصلحة تقتضي ذلك ولذلك قلت إن هذا أحد الأبواب التي يرخص فيها الغيبة بمعنى أنك تتظلم إلى وليه تتظلم إلى مَن بيده أن يرد عنك هذا الظلم فتقول فلان فعل بي كذا وكذا حتى يأخذ لك حقك فهذا جائز وهنا قال ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (النساء: 148) حتى وإن كان يكره ذلك فأنت تقول فلان أخذ مالي وسرقني وهو يكره أن يقال عنه لكن هذا للمصلحة فلا حرج فيه
حض المظلوم على العفو حتى وإن قدر كما يعفو الرب سبحانه مع قدرته على عقاب عباده ﴿أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: 149) بل إن العفو يكمل ويتم ويكون أجمل وأحسن عند المقدرة.
لا يجوز التفريق بين الرسل بالإيمان ببعضهم دون بعض بل يجب الإيمان بهم جميعا ولذلك قال الله سبحانه في شأن من فرق ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 151) وقد قال الله سبحانه معلما عباده ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾ (البقرة: 285) ﵝالبَقَرَة الآية ﵕﵘﵒﵜ
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 155) ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵕﵑﵜ
بين الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء استحقوا العقوبة واستوجبوا الطبع على قلوبهم بسبب تلك المخالفة ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ﴾ (النساء: 155) وجاءت ما هنا لم يقل فبنقضهم ﴿أَنَّمَا﴾ قال فبما نقضهم فبعض العلماء يقولون هذا لتأكيد هذا النقد أي فبنقضهم الشديد للميثاق أو أن هذا يفيد الحصر أي ليس هذا الذي وقع بهم إلا بسبب نقضهم كما تقدم في قوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: 159) ﵝآل عِمۡرَان الآية ﵙﵕﵑﵜ فقالوا أن ما أفادت هذا المعنى فالمعنى ما وقع منهم أو لهم من عقوبة فبسبب نقضهم وكفرهم إلى غير ذلك ليس بسبب آخر
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (النساء: 155) وتقدم أن قوله ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (النساء: 155) هنا وصف كاشف وليس قيد للاحتراس إذ لا يمكن أن يقتل نبي بحق. فالأنبياء محفوظون بحفظ الله سبحانه ومن قتلهم لا شك أنه على الضلال
قال الله ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ﴾ (النساء: 155) أي قول هؤلاء من أهل الكتاب من هؤلاء اليهود قلوبنا غلف قالوا هنا أي في غطاء لا تعي ما تقول كما قال ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ﴾ (فصلت: 5) ﵝفُصِّلَت الآية ﵕﵜ فهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن وتقدم أيضًا أن هناك قولا آخر في قولهم ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ﴾ (النساء: 155) إنها بمعنى أوعية للعلم أي قلوبنا غلف مليئة بالعلم فلسنا في حاجة إلى ما تقول وعلى كلا الأمرين فإنهم أعرضوا عن العلم المنزل وعن الوحي المعصوم
قال ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ (النساء: 155) يعني هذا رد على قولهم قلوبنا غلف حقيقة الأمر أنهم لم يقبلوا الحق لأن الله قد طبع عليها بسبب كفرهم ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 155) قالوا إلا إيمانا قليلا لا ينفعهم هذا الإيمان وهو إيمان ليس عن صدق وعن حق وليس بكاف فلا ينفع
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 156) ﵝالنِّسَاء الآية ﵖﵕﵑﵜ
قال الله ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أيضًا طردناهم من رحمتنا فبسبب الكفر وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًا إذ زعموا أن مريم عليها السلام قد وقعت منها الفاحشة وهي بريئة مبرأة فقال ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 156)
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا﴾ (النساء: 157) ﵝالنِّسَاء الآية ﵗﵕﵑﵜ
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 157) يعني زعموا ذلك وإلا فهم ما قتلوه فتأمل لما ذكر الجرائم التي وقعت منهم قال ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم﴾ (النساء: 155) لكن هنا قال وقولهم ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا﴾ (النساء: 157) ما قال وقتلهم ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا﴾ (النساء: 157) فالجريمة هنا زعم أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وإلا فما قتل عليه الصلاة والسلام وقوله هنا في الآية ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 157) هل هم قالوا رسول الله؟ هم لا يعترفون بأنه رسول الله