مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 10

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 280 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

وهنا قال في الآية ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 157) فهذا يحتمل احتمالين الاحتمال الأول أنه على سبيل التهكم يعني هذا الذي تزعمون أنه رسول الله نحن قد قتلناه كما في قوله ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر: 6) ﵝالحِجۡر الآية ﵖﵜ سورة الحجر وهم لا يعترفون بهذا الذكر أو أن يكون هذا من كلام الله على سبيل الثناء على عيسى عليه السلام في وسط الكلام ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 157) لقبه الله فH0.

قال ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ (النساء: 157) استفدنا من قوله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أنهم ماذا قالوا؟ يعني هنا تقدير في الكلام كان أصل الكلام ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ وصلبناه هذا بقية الكلام المقدر بدليل ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ لأن الله نفى شيئين وما قتلوه وما صلبوا إذا هم زعموا شيئين فهذا ما يسمى بأسلوب الاكتفاء وأسلوب الاكتفاء يعني اكتفي عنه بذكره في موضع آخر ولا نقول أنه من الاحتباك لأن الاحتباك شيء آخر كما تقدم التنبيه عليه لأنه ليس هناك حذفا وليس هناك حذف مقابلي هنا قال الله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157) إذا ما وقع في أمر عيسى ما هو إلا تشبيه عليهم اشتباه وقد جاءت الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره في أن هؤلاء شبه عليهم أمر عيسى عليه السلام حين أرادوا قتله وذلك حسدا منهم على عيسى مع أنَّ عيسى كان يسيح في الأرض ولا يؤذي أحداً عليه الصلاة والسلام وكان يدعو ﴿إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ لكنهم أرادوا قتله فحينئذ قال عيسى عليه السلام من منكم؟ من منكم؟ يفدي نفسه ويقدم نفسه بدلا عني ويجعله الله معي أو رفيقي في الجنة فقال بعض الشباب أنا يا نبي الله أو يا رسول الله فكرر فطلب ذلك وأعاد فوقع الشبه عليه وهذا جاءت به رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وكذا عن غيره لكن على كل حال الذي وقع من شبه على هذا الرجل ﴿أَنَّمَا﴾ وقع من باب الابتلاء وليس أنهم قتلوا عيسى عليه الصلاة والسلام على وجه الحقيقة أو المعنى ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157) أي اشتبه عليهم الأمر فكان لديهم شيء من التردد ماذا يصنعون مع عيسى عليه الصلاة والسلام؟ فلذلك بعضهم جعل ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157) يعني شبه عليهم أمره ماذا وقع له. وهل هو الذي قتل أم غيره؟ فوقع اشتباه في حقيقة الأمر فيكون هذا توجيها ثانيًا في معنى الآية الكريمة

قال﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ﴾ (النساء: 157) وهذا فيه أنه وقع منهم شك فإنَّ قيل كيف وقد قال الله في أولها ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ (النساء: 157) فهم في ذلك فقال بعض العلماء المراد بالشك هنا ما يقابل العلم لأن ما فعلوه ليس قائما على علم فهو شك لمنافاته للعلم ولذلك هم وإن صنعوا وإن جزموا به فهو في حقيقة الأمر شك باعتبار عدم مطابقته للعلم الصحيح على أن هناك اختلافًا بينهم في مذاهبهم ولذلك قالوا هنا في التفسير والذين ادعوا قتله من اليهود والذين أسلموه إليه من النصارى كلاهما في حيرة من أمره وشك فوقع لديهم شك ما الذي وقع لعيسى هل هو هل غيره ونحو ذلك؟

﴿مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ (النساء: 157) والجمهور يقولون إن الاستثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من العلم في شيء وإن زعم بعضهم أو مال بعضهم إلى أن الظن أيضًا فيه شيء من الإدراك فيكون موافقا للعلم في أصل الإدراك لكن كثير

قال ﴿مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ﴾ (النساء: 157) لكن الذي صنعوه ما هو إلا اتباع الظن

﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا﴾ (النساء: 157) وإذا ما قتلوه وأيضاً ما صلبوا قالوا يقينا قالوا قطعًا. إذا ما معنى وما قتلوه يقينا؟ يعني وما قتلوه قطعًا وبعضهم يقول يقينا، إذا يقينا تأكيد للجملة كلها وما قتلوه وتأكيد لها يقينا أو أنها وما قتلوه قتلا يقينا فيكون وصفا لمقدر يعني وما قتلوه قتلا متيقنين فيه أو وما قتلوه متيقنين فيكون حالا من الواو في قوله وما قتلوه يعني ما وقع منهم ليس عن يقين الشاهد في ذلك إن ما وقع منهم ﴿أَنَّمَا﴾ كان فيه شك وفيه حيرة وفيه اضطراب وليسوا جازمين بما صنعوا ومن زعم من النصارى أن عيسى ابن الله أو أنه الله فإنَّ الرد عليه واضح وجلي كيف تزعم أنه الإله وأنه ابن الله؟ ثم بعد ذلك تزعم أنه قتل وصلب فلماذا لا يدفع عن نفسه الضر؟ وهل يرضى بما صنعوه به؟ فهذا لا يمكن بحال من الأحوال ولذلك قال القائل كما تعرفون عباد المسيح لنا سؤالا نريد جوابه ممن وعاه إلى آخر الأبيات المشهورة

قال هنا ﴿مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ إذا هذه عقيدتنا عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ﴿أَنَّمَا﴾ رفعه الله سبحانه وتعالى إليه رفعا حقيقيًّا بل رفعه الله ليس المراد رفع المكانة ﴿أَنَّمَا﴾ رفع جسده وروحه ﴿رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 158) وقد التقاه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج كما هو معروف.

﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: 159) ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵕﵑﵜ

قال ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (النساء: 159) " وإن" هنا نافية ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ﴾ (النساء: 159) على من يعود الضمير في قوله ﲖ الأكثرون قالوا عيسى عليه السلام وبعضهم قال محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿قَبْلَ مَوْتِهِۦ﴾ (النساء: 159) قبل موت من؟ قالوا هنا في التفسير وما من أحد إذا فسروها بما من أحد من كتاب إلا سيؤمن ﴿بِعِيسَى﴾ إذا " به" ﴿بِعِيسَى﴾ عليه السلام بعد نزوله آخر الزمان وقبل موته إذا جعلوا الضمير يعود على عيسى في الضميرين إذا معنى الآية ما من أحد مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ﴿بِعِيسَى﴾ قبل موت عيسى عليه السلام في آخر الزمان حين ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان وهذا دل عليه ( حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتفق عليه ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حَكمًا عدلا ) وفيه أن ( النبي صلى الله عليه وسلم قال يقتل الخنزير ويضع الجزية ويكسر الصليب ويفيض الماء وحتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها ) فالشاهد من ذلك أنه يقتل الخنزير ويضع الجزية ويكسر الصليب فلا يقبل من أحد إلا الإسلام وحينئذ يعرف الجميع أن عيسى عليه السلام دينه دين الإسلام وأنه ليس داعيا إلى التثليث وليس إلها وليس ابنًا للإله فهذا معنى قوله ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ﴾ (النساء: 159) ﲙ أي قبل موت عيسى عليه السلام في آخر الزمن ولذلك لما ذكر أبو هريرة رضي الله عنه هذا الحديث H1

وهناك قول آخر ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ﴾ (النساء: 159) أي قبل موت الكتابي فالكتابي عند موته يعرف الحقيقة فحينئذ يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله وليس إلها وليس ابنًا لله ويؤمن برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا قبل موته يعني قبل موت الكتابي قالوا لأن هذا أعم وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ قبل موت عيسى فهذا سيكون خاص بمجموعة من أهل الكتاب وليس لجميع أهل الكتاب فلذلك رجحه بعضهم لكن يرجح هذا ما جاء في الحديث من جهة وسياق الآيات فإنَّ السياق يتعلق ﴿بِعِيسَى﴾ ورفع عيسى عليه السلام فيكون أقرب لقضية نزول عيسى في آخر الزمان ولذلك الحافظ ابن كثير مال إليه وقال والقول الآخر وإن كان صحيحا من حيث هو معنى كلامه حاصل كلامه وأن كان صحيحا من حيث هو لكن لا يلزم أن يكون معنى الآية. إذا الكتابي قبل وفاته يعرف الحق لكن قال لا يلزم أن هذا ينفعه لأن هناك من اعترض من المفسرين قال لو كان الكتابي يعرف عند موته أن عيسى عبدالله وليس إلها فحينئذ سيرجع إلى الصواب ويقبل منه فيقال لكن هذا بعد فوات الأوان فلا ينتفع بذلك كما أن التوبة وقت الغرغرة لا تنفع صاحبها فكذلك هذا

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: 159)

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵖﵑﵜ

هنا في المختصر ذكروا بعض هذا الذي حرمه الله عز وجل عليهم كما جاء في السورة الأخرى في قوله ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (الأنعام: 146) ﵝالأَنۡعَام الآية ﵖﵔﵑﵜ فذكروا هذا من هناك من باب تفسير القرآن بالقرآن قال ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160)

﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 161) ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵖﵑﵜ

وهذا فيه أن الربا محرم ومحرم في كل المال كما قال غير واحد من أهل العلم ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 161) وهؤلاء كفار فإذا قيل للكافرين منهم يعني من جنسهم عمومًا ليخرج أهل الإيمان أو إن قصد بذلك هؤلاء جميعا.

﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵒﵖﵑﵜ

قال الله ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ﴾ (النساء: 162) هذه طريقة القرآن عنده الإنصاف يعلمنا الإنصاف كما قال الله ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 66) ﵝالمَائـِدَة الآية ﵖﵖﵜ لذلك قالوا هنا في المختصر ولما ذكر مثالب أهل الكتاب ذكر المؤمنين منهم فقال ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ﴾ (النساء: 162) تأمل الراسخون في العلم وهناك قبل ذلك قال﴿لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ (النساء: 157) شتان بين من يتبع الظن وبين من هو راسخ في العلم

﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ﴾ (النساء: 157) ما عندهم علم لكن هم الراسخون في العلم ﴿مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ (النساء: 162) ﳍ هذه ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ (النساء: 162) هنا قال والمقيمين بالنصب ولم يقل والمقيمون بهذه القراءة والقراءة المتواترة كل القراء قرأوها والمقيمين الصلاة وإن جاءت قراءة شاذة بالرفع لكن هو قال ﳎ أي وأخص وأمدح المقيمين وهذا معروف في اللغة أن الكلمة يكون لها حكم إعرابي خاص في وسط المعطوفات للدلالة على أهميتها كما تقدم معنا ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177) ﵝالبَقَرَة الآية ﵗﵗﵑﵜ فهنا قال والمقيمين أي وأمدح المقيمين وأخص المقيمين وهذا يدل على أهمية الصلاة ومكانة الصلاة قال ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

من فوائد الآيات

عاقبة الكفر الختم على القلوب والختم عليها سبب لحرمانها من الفهم لذلك قال الله سبحانه ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ (النساء: 155) وهذا أيضًا فيه حرمان العلم ولذلك قالوا ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ﴾ (النساء: 155)

بيان عداوة اليهود لنبي الله عيسى عليه السلام حتى إنهم وصلوا لمرحلة محاولة قتله فهم كفروا ﴿بِعِيسَى﴾ وحاولوا قتله وزعموا أنهم قتلوه.

بيان جهل النصارى وحيرتهم في مسألة الصلب وتعاملهم فيها بالظنون الفاسدة وهذا واضح في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157) وأيضاً قال ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا﴾ (النساء: 157) إذا اتباع ظن وشك وتشبيه عليهم وكل هذا سببه الجهل ثم قال وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا.

بيان فضل العلم فإنَّ من أهل الكتاب من هو متمكن في العلم حتى أدى به تمكنه هذا للايمان بالنبي وهذا واضح في قوله ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ (النساء: 162)

قال الشيخ حفظه الله :

﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (النساء: 163) ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵖﵑﵜ

قال الله سبحانه ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ (النساء: 163) وهذه الآية يراد منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل لماذا يعرضون عن دعوتك؟ ولماذا يكفرون بك؟ أولست يا رسول الله مسبوقا برسل آخرين؟ فما جئت به ليس بدعا من الرسالات كما قال ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: 9) ﵝالأَحۡقَاف الآية ﵙﵜ

﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ (النساء: 163) فالوحي قد سبقك وقد سبق رسل وأنبياء بهذا الوحي ومن ثم فأنت صادق فيما بلغت ومعك الحجة والبرهان على ذلك

﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ (النساء: 163) أي مثل إيحائنا أو مثل الذي أوحينا فيمكن أن يكون قوله كما أن تكون ما هنا مصدرية أو أن تكون موصولة ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ﴾ والنبيين من بعده كما تقدم معنا

﴿كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الشورى: 3) ﵝالشُّورَى الآية ﵓﵜ والمراد في ذلك أصل الوحي وإلا فلكل نبي رسالته ولكل منهم كتابه قال ﴿وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ (النساء: 163) استدل بعض العلماء بهذه الآية وأمثالها أن نوحا عليه السلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقد جاء التصريح بذلك في حديث الشفاعة المعروف أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ولذلك يأتي ذكر نوح ثم بعد ذلك يأتي ذكر النبيين بعده كما قال الله سبحانه وتعالى﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ (الذاريات: 46) ﵝالذَّارِيَات الآية ﵖﵔﵜ

قال هنا ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ﴾ (النساء: 163) قالوا هنا في التفسير وإلى يعقوب ابن إسحاق وإلى الاسباط وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من أبناء يعقوب عليه السلام كما قال الله ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (الأعراف: 160) ﵝالأَعۡرَاف الآية ﵐﵖﵑﵜ ولذلك اختلفوا في الاسباط فمنهم من قال هم اولاد يعقوب عليه السلام سيرهم الله أنبياء بعد توبتهم إليه سبحانه وتعالى ومنهم من قال ليس المراد بهم أبناء يعقوب وإنما المراد به أحفاده فقد كان من أحفاده من هم من الأنبياء لذلك قوله والاسباط يعني في ذريته ولا يلزم أن يكونوا أبناؤه وقد نفى عدد من العلماء من المفسرين أن يكون هؤلاء أنبياء وإنما الذي ثبت من ذلك نبوة يوسف عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم

قال ﴿وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (النساء: 163) عليهم السلام قال كتابا هو الزبور فقد أوتي داود عليه السلام هذا الكتاب الذي هو الزبور وقد H0

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164) ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵖﵑﵜ

قال ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (النساء: 164) أي وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك وذكرنا لك أسماءهم وأخبارهم ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (النساء: 164) إذا الذي ذكر من في القرآن بعض الرسل وأما بقية الرسل فلم يرد لهم ذكر لكننا نؤمن بالرسل جميعا ولذلك هناك الإيمان المجمل والإيمان المفصل فنحن نؤمن على سبيل التفصيل ما من ورد ذكره في القرآن الكريم وبيان أنه رسول ونؤمن إجمالا أن لله سبحانه وتعالى رسلا ونؤمن بحقوقهم التي يلزمنا أن نؤمن بها من التصديق بهم وتفضيلهم على غيرهم وبيان مكانتهم عند الله سبحانه وتعالى

قال ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164) عليه السلام فموسى مكلم وكذا آدم عليه السلام كما جاء في الحديث في آدم نبي مكلم ونبينا صلى الله عليه وسلم كلمة ربه عز وجل في رحلة المعراج بدون واسطة

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165) ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵖﵑﵜ

قال ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ﴾ (النساء: 165) ومعنى الحجة هنا المعذرة وسماها الله حجة وإلا فالله غني عن عباده ومع ذلك يقول ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ﴾ (النساء: 165) يعني معذرة يقولون يا ربنا ما جاءنا من نذير فأقام الله عليهم الحجة وهذا فيه دليل على إثبات العذر بالجهل وأن الحجة ﴿أَنَّمَا﴾ يحاسب صاحبها إذا أقيمت عليه فإذا لم تقم عليه فإنه يعذر

فقال ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ﴾ (النساء: 165) ولم يقل أن العقل كاف بل علق الله الأمر على الرسالات قال ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165)

﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 166) ﵝالنِّسَاء الآية ﵖﵖﵑﵜ

قوله لكن الله يشهد هذا أسلوب استدراك وأسلوب الاستدراك ينبئ عن أن ما قبله مخالف لما بعده فأين هو؟ هذا مقدر لكنه يفهم يعني ربنا قال لكن الله يشهد إذا فهمنا أن هناك تقديرا كان المعنى هم لا يشهدون بذلك لا تشغل بالك بأن هؤلاء لا يشهدون بذلك ولا يقرون بأنك رسول الله لكن الله يشهد إذا قوله لكن دلنا على هذا وهنا قالوا في المختصر إن كان اليهود يكفرون بك فإنَّ الله يصدق بصحة ما أنزل إليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول من القرآن ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ﴾ (النساء: 166) قالوا هنا أنزل فيه علمه إذا جعلوا أنزله بعلمه يعني مشتملا على العلم أنزله أنزل فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه وليس المراد به جميع علمه

فالله قال ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ (البقرة: 255) ﵝالبَقَرَة الآية ﵕﵕﵒﵜ وإنما أنزل الله في القرآن ما شاء لعباده أن يعلموه عنه سبحانه وتعالى ومن تشريعاته أنزله بعلمه فلذلك بعضهم قال مشتملا على ما أراد الله سبحانه وتعالى من علمه أو أنه صادرا عن علمه فيكون معنى ﴿أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ﴾ (النساء: 166) يعني هذا القرآن نازل عن علم الله سبحانه وتعالى

﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 166) أي اكتفوا بشهادة الله سبحانه وتعالى

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ (النساء: 167) ﵝالنِّسَاء الآية ﵗﵖﵑﵜ

قالوا هنا قد بعدوا عن الحق بعدا شديدا وصدوا عن سبيل الله

﴿ضَلُّوا۟ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ (النساء: 167) بعدوا عن الحق بعدا شديدا بسبب هذا الضلال فهم صدوا في أنفسهم وصدوا غيرهم أيضاً

ثم قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ (النساء: 168) ﵝالنِّسَاء الآية ﵘﵖﵑﵜ

وكثير من العلماء يرون أن هذا في أهل الكتاب الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وسلم وقد أقيمت عليهم الحجة وعرفوا أنه رسول الله حقًا وصدقا قال ﴿لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ (النساء: 168) فليسوا أهلاً لذلك لكفرهم وظلمهم.

﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: 169) ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵖﵑﵜ

وهنا جاء التأبيد مع ذكر الخلود في حق أهل النار ولذلك استدل بعض العلماء طبعًا وهذا في حق الكفار استدل بعض العلماء بهذه الآية وبآيتين أيضًا فيها ذكر التأبيد على أن النار ليست تفنى أو على بقاء النار وقد ورد في القرآن الكريم ذكر التأبيد في حق أهل النار من أهل الكفر في مواضع هذه إحداها

والثانية قوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (الأحزاب: 64) ﵝالأَحۡزَاب من الآية ﵔﵖ إلى الآية ﵕﵖﵜ إِنّ في سورة الأحزاب

والثالثة في سورة الجن ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ (الجن: 23) ﵝالجِن الآية ﵓﵒﵜ

قال ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: 169) على أن مسألة أن النار لا تفنى ولا تبيد فإنَّ هذا يدل عليه نصوص كثيرة وليس هذا فقط

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 170) ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵗﵑﵜ

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ (النساء: 170) اقتربنا من ختام السورة الكريمة وهنا نداء عام كما أنه في أول السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵜ يَ وهنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ (النساء: 170) خطاب للجميع للمؤمن وللكافر لأهل الكتاب للمنافقين للجميع ﴿قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ فقد ومعه الحق من ربكم

﴿فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (النساء: 170) تأمل سيأتي بعد ذلك فآمنوا خيرا لكم أيضًا خطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص لكن هنا جاء التعميم ﴿وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (النساء: 170) ﳊ أي فالله غني عنكم

كما قال ﴿إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ﴾ (الزمر: 7) ﵝالزُّمَر الآية ﵗﵜ

قال هنا ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 170)

من فوائد الآيات

إثبات النبوة والرسالة في شأن نوح وإبراهيم وغيرهما عليهما السلام من ذرياتهما ممن ذكرهم الله وممن لم يذكر أخبارهم لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى قال الله ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (النساء: 163) إلى آخر الآية الكريمة.

إثبات صفة الكلام لله على وجه يليق بذاته وجلاله فقد كلم الله تعالى نبيه موسى عليه السلام ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ وقد ذكر أهل العلم أن التأكيد ينفي المجاز لذلك قول ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ فقوله تكليما بهذا التأكيد هذا المفعول المؤكد أو المصدر المؤكد أو المفعول المطلق يراد من أن الكلام كلام حقيقي وليس مجازيا فقالوا ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ لكن كلام على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)

تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن الله تعالى يشهد على صدق دعواه في كونه نبيا وكذلك تشهد الملائكة فيكفيه أن الله يشهد له إذا ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ (النساء: 166) لا تلتفت إليهم ولا يهمك أمرهم فإنَّ الله سبحانه وتعالى كافيك وشاهد لك وكفى بالله شهيد وكذلك تشهد لك الملائكة

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171) ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵗﵑﵜ

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ (النساء: 171) ﱛ هذا نداء خاص بعد النداء العام فالآية السابقة يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس وهنا يا أهل الكتاب فسورة النساء حدثتنا عن طرف مما وقع من اليهود ولعلكم تتذكرون حينما كنا نقرأ سورة آل عمران ونعلق عليها كان فيها حديث مستفيض عن النصارى والرد على شبهاتهم وهنا حديث كثير عن اليهود ثم جاء حديث عن النصارى كما في هذه الآية التي معنا لذلك فكل سورة من هذه السور تتحدث عن فريق ويأتي فيها حديث أيضًا عن الفريق الآخر ففي سورة النساء جاء حديث عن اليهود كما تقدم ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ (النساء: 153)

ثم بعد ذلك جاء حديث عن النصارى ومنه ما جاء في هذه الآية أن الغلو في عيسى عليه السلام ﴿أَنَّمَا﴾ وقع من النصارى كم هو معلوم ولذلك يا أهل الكتاب في القرآن تطلق على اليهود والنصارى ثم في بعض المواضع يغلب فيها أحد الجانبين بحسب قرينة ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ﴾ (النساء: 171) يعني تتجاوزوا الحد في دينكم وكثير من الضلال الذي يقع للناس مرده إلى الغلو ولذلك نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم إياكم الغلو في الدين وقال هلك المتنطعون إلى غير ذلك وH0

﴿وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ (النساء: 171) لا ﴿تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ في كل شيء ولاسيما ما يتعلق بشأن عيسى عليه السلام

﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (النساء: 171) هذه هي الحقيقة ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾

﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (النساء: 171) ما معنى وكلمته؟ يعني خلق بالكلمة ليس هو الكلمة هذا أمر الله وكلام الله غير مخلوق وإنما المراد خلق بالكلمة كقول الله سبحانه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59) ﵝآل عِمۡرَان الآية ﵙﵕﵜ وذكر أنه كلمته أي أنه خلق بالكلمة وليس بشيء آخر فبنو آدم خلقوا بكلمة الله سبحانه وتعالى لكن الفرق أننا خلقنا بكلمة الله فكل شيء وقع في الكون بقول كن فيكون لكن يكون هناك سبب ظاهر وهو التقاء رجل مع امرأة وأما عيسى عليه السلام فلم يكن فيه شيء من ذلك ولم يكن من شأنه ذلك وإنما قال الله فيه ﴿وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (النساء: 171)

وقوله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي وروح مخلوقة من عنده سبحانه وتعالى فقوله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ليس المراد أنه جزء منه وإنما وروح مخلوقة منه فهي من جهته سبحانه وتعالى وليس المراد للتبعيض فهذا خطأ ولذلك بعض الناس حينما شوش على هذه الآية الكريمة وقال عندكم في القرآن ما يدل على أن عيسى بن الله أو جزء من الله استدلا بالآية الكريمة فرد عليه بعض العلماء قال فما تقول في قول الله ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13) ﵝالجَاثِيَة الآية ﵓﵑﵜ فهل مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أجزاء من الله؟ هذا لا يمكن بحال. إذا ما معنى ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13) يعني كائنة من عنده مخلوقة من عنده فكذلك هنا ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي كائنة من عند الله لا أنها جزء من الله سبحانه وتعالى

وهنا أنبه على أمر وهو أن الاضافات إلى الله على أنواع فالمضاف إلى الله عز وجل على أنواع فقد تكون الاضافة إضافة صفة إلى موصوف حينما نقول علم الله - كلام الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ (التوبة: 6) ﵝالتَّوۡبَة الآية ﵖﵜ - قال ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ﴾ (النساء: 166) هذه الاضافة يقال لها إضافة صفة فنقول علم الله صفة من صفات الله سبحانه وتعالى

لكن قد تكون الاضافة إضافة مخلوق إلى الخالق وذلك إذا كان هذا المضاف عينا قائمة بنفسها أو جزء من عين قائمة بنفسها فهذه يقال لها إضافة مخلوق إلى الخالق كما نقول ﴿ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾ ﵝالشَّمۡس الآية ﵓﵑﵜ فالناقة مخلوق هذا المخلوق له عين قائمة بذاته فإضافته إلى الله إضافة مخلوق كذلك هم عباد الرحمن إضافتهم إلى الله إضافة مخلوقين إلى الله لكنها تكون إضافة تشريف كذلك عيسى حينما نقول روح الله - كلمة الله هذه إضافة مخلوق إلى الخالق سبحانه وتعالى

قال ﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ﴾ (النساء: 171) هذا هو الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله وبجميع رسله ومنهم عيسى ومنهم محمد عليهم الصلاة والسلام ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ﴾ (النساء: 171) أي ولا تقولوا الإلهة ثلاثة فهذا باطل من القول وزور فالله إله واحد فرد ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1) ﵝالإِخۡلَاص من الآية ﵑ إلى الآية ﵔﵜ سورة الإخلاص ولذلك هذا من الخلل البين في عقيدة هؤلاء حين يزعمون أن الآلهة ثلاثة ويقولون هناك الأب والابن والروح القدس

قال الله ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (النساء: 171) انتهوا خيرًا لكم، انتهوا عن هذه المقولة الكاذبة الفاسدة يكن إنتهاؤكم عنها خيرا لكم في الدنيا والآخرة

﴿إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ (النساء: 171) هذه عقيدتنا التي علمنا الله إياها

﴿إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ﴾ (النساء: 171) تنزيها له ﴿أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ﴾ سبحانه وتعالى

﴿لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171) وقوله ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ إشارة إلى أنه ليس بحاجة إلى ولد لأن الإنسان يحتاج إلى ولد تعززا بالولد والله قال ﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111) ﵝالإِسۡرَاء الآية ﵑﵑﵑﵜ. فهو غنى عن المخلوقين سبحانه ﴿قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ﴾ (يونس: 68) ﵝيُونُس الآية ﵘﵖﵜ فهو غني سبحانه وتعالى قال الله سبحانه ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171)

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 172) ﵝالنِّسَاء الآية ﵒﵗﵑﵜ

العجيب يا أيها الإخوة الكرام وهذا يدلنا على أهمية هذا الأمر أن هذه العقيدة العظيمة قررت في ختام هذه السورة الجليلة مع أنك لو سألت القاصي والداني عن سورة النساء قالوا سورة النساء إنها سورة الحديث عن الأحكام إن فيها أحكاما كثيرة فيها حديث عن المواريث حديث عن الفرائض حديث عن أحكام النساء عن أحكام اليتامى وغير ذلك أحكام صلاة الخوف أحكام الجهاد وما إلى ذلك أنظروا إلى تقرير العقيدة لا ينبغي للمسلم أن يغفل عن تقرير العقيدة وتصحيح العقيدة فإليها المرد ومنها المبدأ وإليها الغاية ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم: 42) ﵝالنَّجۡم الآية ﵒﵔﵜ

قال الله سبحانه وتعالى ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: 172) أي عيسى عليه السلام ﴿أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا﴾ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ لذلك فالمسلمون وسط بين طرفين بين هؤلاء اليهود الذين كذبوا ﴿بِعِيسَى﴾ ورموا أمه مريم عليها السلام بالزنا وبين هؤلاء النصارى الذين وقع منهم الغلو والتطرف في حق عيسى عليه السلام فزعموا أنه إله أو أنه ابن الإله قال الله ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: 172) فليس هناك أحد يستنكف عن العبودية إلى أن العبادة لله شرف فعيسى عليه السلام عبدٌ لله، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم عبد لله والملائكة عبادٌ لله - ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ﴾ ﵝالأَنبِيَاء من الآية ﵖﵒ إلى الآية ﵗﵒﵜ وذكر هنا الملائكة المقربين ولذلك بعض المفسرين يقول هذا من الاستطراد في هذا الأسلوب يعني ليس عن الملائكة لكن جاء ثم عاد بعد ذلك الحديث عن عيسى عليه السلام وبعضهم يفرق بين الاستطراد وحسن التخلص فيقولون في حسن التخلص لا يرجع مرة أخرى إلى الحديث عن الموضوع الأساسي بخلاف الاستطراد

فهنا جاء مرة أخرى ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 172)

قال ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: 172) فهذا شرف للجميع ﴿مَن يَسْتَنكِفْ﴾ يأنف عن عبادة الله ويستكبر يترفع عنها ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 172) إن عذبه بذلك ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 172) وبعض العلماء يفرق بين الاستنكاف وبين الاستكبار فيقول الاستنكاف يكون مع عدم الاستحقاق وأما الاستكبار فقد يكون مع وجود الاستحقاق ما معنى ذلك؟ يعني الإنسان يستنكف عن شيء لأنه يرى أن هذا غير مستحق أصلا والاستكبار يعلم أنه مستحق لكنه يترفع عليه والله سبحانه وتعالى هو الحقيق بالعبادة هو الحقيق بأن تصرف العبادة له وحده فلا ينبغي أن يستنكف عن عبادته ﴿وَلَآ أَن﴾ يستكبر على الله عز وجل فلذلك إنتفى الأمران

﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 172) قالوا أصل مادة النكف تنحية الدمع عن الخد ورفعه ودفعه فيستنكف كأنه يأنف ويبعد عن نفسه هذه العبادة ولا يرغب فيها.

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: 173) ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵗﵑﵜ

قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ (النساء: 173) قالوا هنا في التفسير ولما بين أن الجميع سيحشره الله إليه فصل جزاءهم يا ربنا بعد الحشر ماذا سيكون حال الناس؟ ذكر انقسام الناس

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 173) فجمع بينهم

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 173) نسأل الله السلامة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 174) ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵗﵑﵜ

ثم جاء النداء العام مرة أخرى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (النساء: 174) حجة جلية تقطع العذر وتزيل الشبهة وهو محمد صلى الله عليه وسلم فجعلوا البرهان هو من رسول الله قد جاءكم برهان حجة فالرسول حجة داله على أنه رسول الله صدقا وحقًا وبعضهم فسر البرهان بالقرآن وجعلوا القرآن من أوصافه أنه برهان وهذا صحيح ولا تعارض فالرسول برهان والقرآن برهان لكن جاء ذكر القرآن بعد ذلك صراحة ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 174) وهنا التفات

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 174) قال وأنزلنا إليكم إجلالا لهذا القرآن وبيانا لقدره

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء: 175) ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵗﵑﵜ

ثم جاء بعد ذلك ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ (النساء: 175) لم يقل فأما الذين آمنوا بي وهذا كله يجعل الإنسان يقبل على الآيات لأن الالتفات في الحديث التحول من الغيبة إلى التكلم ثم إلى الغيب ونحو ذلك كل هذا مما يثير الذهن ويجعل الإنسان يقبل على الكلام أعظم قبول ويتلقاه بخير تلق

قال ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء: 175) وأيضاً من الجليل والجميل في هذه الآيات أن الله لم يذكر القسم الآخر فالمناسب قال ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء: 175) وأين وأما الذين كفروا ولم يعتصموا به لم يذكرهم الله هنا في الآيات لأنه معروف بالمقابلة فذكر فريقا وترك الآخر وهذا من إيجاز القرآن الكريم في الحذف ومن لطيفة أيضًا والعلم عند الله كأن الله لم يذكره وهو لا يريد من أن يقع منا شيء من ذلك لا تكونوا الفريق الآخر فقد محا الله ذكره فليمحى من قلوبكم ولا يراد منكم إلا الإيمان والإعتصام وحينئذ تكون الجنات نسأل الله أن نكون من أهل الجنة ونسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم

من فوائد الآيات

بيان أن المسيح بشر وأن أمه كذلك وأن الضالين من النصارى غلوا فيهما حتى أخرجوهما من حد البشرية لذلك قال الله بأسلوب الحصر ﴿ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 171) فهو ليس فوق ذلك ليس إلها ولا ابنا للإله كما قال الله ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ﴾ (المائدة: 75) ﵝالمَائـِدَة الآية ﵕﵗﵜ

بيان بطلان شرك النصارى القائلين بالتثليث وتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شريك أو شبيه أو مقارن وبيان انفراده سبحانه بالوحدانية في الذات والأسماء والصفات فلذلك قال الله ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (النساء: 171)

إثبات أن عيسى عليه السلام والملائكة عباد مخلوقون لا يستكبرون عن الاعتراف بعبوديتهم لله تعالى والانقياد لأوامره فكيف يسوء إتخاذهم الهة مع كونهم عبيدا لله تعالى؟ لذلك قالوا إنهم عباد لله سبحانه وتعالى ولو كانوا ألهة ما جعلهم الله عبادا له ولذلك قالوا إن الأب لا يتخذ ابنه رقيقا عنده ولا يسترقه ولله المثل الأعلى فالله سبحانه وتعالى لو كان له أولاد ما جعلهم عبادة بل كانوا مثله وأما هم فهم عباد لله سبحانه وتعالى ومن الخبل والخلل ما زعمه أول إذ زعموا أنه ابن لله وأن الله أنزله من أجل أن يكفر عن أدم خطيئته فلو كان الأمر كذلك فما للاله وما لابن الإله وخطيئة بشر أين هذا من ذاك؟ ﴿أَنَّمَا﴾ هو الخلل وإنما هو الجهل نسأل الله السلام قالوا في الدين حجج وبراهين عقلية تدفع الشبهات ونور وهداية تدفع الحيرة والشهوات وهذا معنى جليل وجميل لذلك بعضهم قال في قوله ﴿قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (النساء: 174) يعني الأدلة العقلية التي تدل على صدق القرآن وعلى إلهية الله ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 174) الدليل النقلي فكأن القرآن جمع بين الاثنين ففي القرآن دلائل عقلية وفي القرآن دلائل نقلية ولذلك كثير من البراهين العقلية النافعة الجليلة تستمد من كتاب الله سبحانه وتعالى. فيه دليل على نفي الشرك على إثبات الله على إثبات توحيد الله رد على المشركين إلى غير ذلك مما هو مقرر في كتاب الله سبحانه وتعالى.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ (النساء: 176) ﵝالنِّسَاء الآية ﵖﵗﵑﵜ

ختم الله سبحانه وتعالى السورة الكريمة بالحديث عن الكلالة والحديث عن أحكام الميراث فعود على بدء والقرآن الكريم كما تقدم كله لحمة واحدة فكل سورة من القرآن الكريم تراها في غاية الاتساق والاتصال بين المبدأ والختام لذلك يقولون هذا من التناسب بين المطلع والمقطع وبين البدء والختام ففي أول السورة حديث عن الميراث وكذلك في آخر السورة وفي أول السورة الكريمة حديث عن الأموال﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ (النساء: 2)

وفي آخر السورة حديث عن التركة حديث عن المال أيضًا وفي أول السورة حديث عن خلق الله وقدرته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) فذكر أنه الخالق سبحانه وفي ختام السورة ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ (النساء: 176)

ولذلك من الأسماء الجوامع اسم الله الخالق والقدير والعليم ولذلك قال الله ﴿لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا﴾ (الطلاق: 12) ﵝالطَّلَاق الآية ﵒﵑﵜ وهنا قال ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ (النساء: 176) فهو العليم والخالق والقادر سبحانه وتعالى

وإذا كان الله الخالق وهو القدير وهو العليم فكيف يعبد غيره؟ كيف تصرف العبادة لغيره؟ وكيف لا يستجاب لدعوته؟

قال ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ (النساء: 176) قال بعضهم إذا هنا تقدير يستفتونك في الكلالة قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ فالسؤال متوجها إليها وفي بعض الروايات ما يدل على أن هذا السؤال وقع من جابر بن عبدالله رضي الله عنهما حين سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن مسألة الكلالة والكلالة تقدم الحديث عنها في أوائل السورة أيضًا ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء: 12)

والكلالة أن يموت شخص لا والد له ولا ولد مات الشخص ولم يكن موجودا والده وليس له أولاد أو كان له ثم ماتوا فإذا مات شخص وليس له والد ولا ولد ابن أو ولد أو ابن فحينئذ يكون الميراث كلالة فكيف توزع التركة؟ يكون له إخوة فحينئذ يكون هناك ميراث هؤلاء الإخوة على أنواع قد يكونون إخوة أشقاء أو إخوة لاب أو إخوة لأم وقد يجتمع هؤلاء جميعا في المسألة كما هو معلوم. فربنا حدثنا عن حكم الإخوة لأم فيما سبق ولذلك تقدم أنه بالاتفاق والإجماع قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء: 12) ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أي للأم

إذا مات شخص وله اخ لام أو أخت لأم ﴿لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ﴾ ﴿فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ﴾ (النساء: 12)

لكن ماذا لو كانوا إخوة أشقاء أو لاب؟ جاءت الآية الأخيرة لبيان هذا الحكم إذا لا تعارض بين هذه الآية والآية السابقة يقول قائل الآية السابقة تحدثت وذكرت السدس والثلث وهنا ذكرت النصف وذكرت جميع التركة فنقول لأن هذه تتحدث عن الإخوة الاشقاء والإخوة لاب وهم عصبة بخلاف الإخوة لام فليسوا عصبة.

قال هنا ﴿إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (النساء: 176) يعني مات هلك معناه مات ليس له ولد ولا والد لكن لم يذكر هنا ولا والد لكن استفيد هذا من ماذا؟ من ذكر الكلالة قبل ذلك وللإجماع على أن الأب لو كان موجودا لحجبهم فإذا قوله ﴿لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ﴾ (النساء: 176) أي ولا والد من أين عرفنا ولا والد؟ من ذكر الكلالة وللإجماع على أنه عند وجود الأب فإنه لا ميراث للاخوة ولذلك فإنَّ الأب يحجب الإخوة بالإجماع وما وقع من فهو في شأن الجد وليس في شأن الأب كما هو معلوم قال ﴿إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (النساء: 176) إذا ما ميراث الاخت؟ الشقيقة أو لاب؟ في مسألة الكلالة لها النصف ولذلك عندنا الاخت الشقيقة صاحبة فرض تأخذ النصف إذا كانت منفردة وتأخذ الثلثين إذا كن أكثر من واحدة اثنتان فأكثر بضوابط ذلك وبالشروط المعروفة.

قال ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ (النساء: 176) المسألة تنتقل إليه ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ ماتت إذا المسألة الأولى أن الاخت ترث اخاها ولها في ذلك النصف إذاً إذا كان هذا ذكرا ماذا يصنع ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ (النساء: 176) لأنه يرث بالتعصيب ما الفرق بين الاخت والاخ؟ أن الاخت ترث بالفرد لها النصف ثم بعد ذلك ينظر إلى أقرب فرع مذكر أو إلى أقرب عصبة من الذكور كما قال ( أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأَوْلَى رجل ذَكَرٍ ) لكن إذا وجد الأخ الشقيق فالاخ الشقيق يرث بالتعصيب ما معنى بالتعصيب؟ التعصيب معناه أن الشخص إذا كان وحده موجودا في التركة فإنه يأخذها جميعها وإذا لم فيكون له شيء ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ شيء وإذا تبقى شيء أخذ الباقي إذا صاحب الفرض يأخذ فرضه الذي قسمه الله أما صاحب التعصيب لا يأخذ إلا بعده أخذ أصحاب الفرائض فرائضه إلا بعد أخذ أصحاب الفرائض فرائضهم فإن أخذوا وبقي له أخذه وأن لم يبق له شيء فلا شيء له

هنا قال ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ يرث جميع التركة إذا لم يكن هناك إلا هو أقرب إلى هذه المتوفى من غيره

قال ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ (النساء: 176) لأن الولد يحجبه أيضًا ولا اب

قال ﴿فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (النساء: 176) طيب إذا كان أكثر من اخت فلهما الثلثان حتى وإن زادوا عن ذلك قال ﴿فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ (النساء: 176) استدل العلماء بهذا أن قوله في أول السورة في ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (النساء: 11) ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ نصيب البنتين وأكثر من البنتين الثلثان من أين اخذنا أن نصيب البنتين الثلثان؟ مع أنَّ الله قال ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ﴾ (النساء: 11) فتحدث عن أكثر من اثنتين أكثر من بنتين قالوا إذا كانت الاختان ترثان الثلثين فالبنتان من باب أولى هذا من الأدلة التي استدلوا بها قال ﴿كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (النساء: 176) إذا عندنا مسائل إذا كان هناك اخت شقيقة أو اخت لاب ما ميراث الواحدة منهما؟ النصف طبعًا إذا وجد الاخت الشقيقة والاخت لاب فالاخت الأب ﴿أَنَّمَا﴾ ترث بالتعصيب حينئذ مع الاخت الشقيقة تكملة الثلثين فترث تكملة للثلثين لكن إذا وجد الأخ الشقيق فهو يرث بالتعصيب وحده إذاً إذا وجد في المسألة اخ شقيق واخت شقيقة أو عدد من الإخوة الاشقاء والاخوات فحينئذ يكون الميراث بالتعصيب لذلك الاخت الشقيقة ترث بالفرض لكن إذا وجد اخوها فإنها ترث بالتعصيب وهذا أيضًا كما في الأبناء فالبنت لها النصف والبنتان فأكثر لهما الثلثان لكن لو كانوا أبناء يعني لو كان هناك في المسألة عدة أولاد رجل مات وترك أولادا ما نقول لهم نصف ولا كذا؟ نقول لهم الباقي تعصيبا كذلك هنا في المسألة مع الفرق بينهم في قضايا الحجب كما هو معروف لكن هنا قضية لفتة في مسألة التفسير في قوله وهو يرثها ﴿إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ (النساء: 176) وهو يرثها هي إذا ورثت النصف كيف يرثها؟ ستكون باقية حية يعني هو قال وهو يرثها فكيف ترث النصف وهو يرثها حينئذ؟ هذا على تقدير كما تقول عندي درهم ونصفه يعني عندي درهم ونصف درهم آخر فهذا معروف يعني الجنس كما في قوله وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ لا ينقص من عمر هذا المعمر ﴿أَنَّمَا﴾ ولا ينقص من عمر معمر آخر فكذلك فالمراد به الجنس قال ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: 176)

إذا مات شخص وترك خمسة اخوة واخوات اشقاء ماذا نقول؟ نقول توزع عليهم التركة للذكر مثل حظ الأنثيين لكن له اخت شقيقة لها النصف مات فلان أو ماتت فلانة ولها اخ شقيق يرث كل التركة وهكذا

قال الله سبحانه ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟﴾ (النساء: 176) قالوا أي يبين الله لكم لئلا تضلوا إذًا ما معنى يبين الله أن تضلوا يعني لئلا تضلوا لئلا تقعوا في الضلال وهذا فيه أن الله يبين لنا الأحكام يرشدنا إلى الهدى

ثم قال الله ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ (النساء: 176) سبحانه وتعالى فختمت السورة ببيان سعة علم الله جل وعلا كما افتتحت السورة ببيان قدرة الله سبحانه وتعالى فينبغي لنا أن نعيش بين معرفتنا بعلم الله وقدرته على كل شيء وحينئذ نقبل على أحكام الله ونرضى بأحكام الله سبحانه وتعالى وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة النساء وبقي لنا قراءة الفوائد

من فوائد الآية

عناية الله بجميع أحوال الورثة في تقسيم الميراث عليهم وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى فمن حكمة الله أنه بين الحدود ووضع الفرائض والأحكام وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض التفاصيل كما يتعلق ببعض العصبة كما في جعل الأخوات مع البنات عصبة فهذه أحكام خاصة وإلا فكثير من أحكام التشريع المتعلقة بالميراث جاءت في كتاب الله سبحانه وتعالى وهذا فيه أن الله يبين للعباد ما يصلح أمر دينهم وأمر دنياهم

وأن يجعله حجة لنا لا علينا آمين.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة