سورة الضحى
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة الضحى - مَكيّة -
مقاصد السورة
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان عناية الله بنبيه في أول أمره وآخره (صلى الله عليه وسلم).
تعليق الشيخ حفظه الله
سورة الضحى هذه السورة الجليلة المباركة وتسمى بسورة الضحى وأول آياتها ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ وذكر الضحى مناسب للسورة التي سبقتها وهي سورة الليل، فكما حدثنا الله عن الليل حدثنا هنا عن الضحى فهذا وقت وهذا وقت، ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ هنا وقت نعرفه وفيه تذكير لنا بشمس النبوة وأننا كما ننتفع بشمس الدنيا فهناك شمس أعظم وأجل وهي شمس النبوة ولذلك السورة تتكلم عن نور النبوة وعن قدر النبي ﷺ عند الرب العلي سبحانه وتعالى وإن شئت فقل إن هذه السورة الكريمة سورة فيها حديث للنبي ص وإكرام له ببيان بعض فضائله وقدره عند ربه عز وجل، والسورة مكية نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في سبب نزولها روايات منها أن النبي ﷺ لم يقم الليل بعض الليالي فقالوا له لم يعد يقربك شيطانك فأنزل الله الآيات وبين له ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ﴾ فلك قدر عند ربك عز وجل نعم.
تعليق الشيخ حفظه الله:
نعم هذه السورة الجليلة فيها بيان عناية الله بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره وآخره، وهذا ظاهر من قوله ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ﴾ افتتح الله السورة بالقسم فهي تشترك مع السور السابقة في البدء بالقسم ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ وفيه بيان أن مجيء النبوة نور، نور أرسله الله عز وجل إلى البشرية نعم، ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ يعني إذا أظلم وسكن سكن الناس فيه عن الحركة فمعناه إذا أظلم ودخل ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ ما تركك، ما تركك ربك كما يدعي هؤلاء، ويقولون لم يعد يأتيك الوحي إذا لم يعد يأتيك شيطانك، ما تركك ربك ﴿وَمَا قَلَىٰ﴾ يعني وما أبغض ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ أي وما أبغضك وهنا لم يواجه رب العزة رسوله محمد ص بالقلى حتى وإن كان منفياً فلم يقل مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلاك وإنما قال وما قلى ) وكثير من المفسرين يوجهون هذا بمراعاة الفواصل فيقولون قال والضحى، سجى، قلى، الأولى،فلذلك لم يقل قلاك من أجل مراعاة الفاصلة والجواب عن ذلك أن يقال إن مراعاة الفاصلة ملحظ بلاغي ينظر إليه ولا شك من أهميته بيد أنه لا يكون
بيد أنه لا يكون المعول عليه وحده وإنما تكون معه لطيفة أخرى معنوية علمها من علمها وجهلها من جهلها ومن الدلائل على هذه السورة نفسها فإنَّ الله قال في الختام ( ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.....فحدث )لم يقل وأما بنعمة ربك فخبر وتكون راءات وإنما قال فحدث، وهذه الكلمة في ختامها وبفاصلتها تختلف عن جميع نظائر السورة إذاً القضية ليست مراعاة الفاصلة فقط وإنما وراء ذلك سر :: منه ألّا يخاطب اللهُ الرسولَ بالقِلَى حتى وإن كان منفياً فيقول وما أبغضك)
إذاً يقول وما أبغض ﴿وَمَا قَلَىٰ﴾ وأيضاً فيه لفتة وفيه أن مثل الرسول لا ينبغي أن يُبغَض من أحد لو كان شخص يعقل فمن كان يعقل لا يمكن أن يبغض رسول الله ص، ثم قال ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ﴾ مع هذا العطاء العظيم الذي أعطاه الله للرسول عليه الصلاة والسلام إلا أنه يخبره أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يدل على أن عطاءات الله له تتزايد، وتتنامى وتكثر ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ﴾ ولذلك قال الله سبحانه لجبريل في الحديث «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» حينها بكى النبي وهو يقرأ بعض الآيات القرآنية ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى، فقال الله لجبريل: «اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك»، فسأله جبريل، ثم قال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ ) والله سوف يعطيك ربك فترضى)
تحليل مقارن وربط بين السور
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾ تذكير بسابق المنة وعظيم الإنعام، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ أيضًا تأمل لم يقل ووجدك يتيماً فآواك ووجدك ضالاً فهداك ووجدك عائلاً فأغناك وإنما قال فآوى فأغنى وهذا أوسع دائرة وأعم فمن معانيه ::: ألم يجدك يتيماً فأواك وأوى بك، وهداك وهدى بك، وأغناك وأغنى بك فهذا أشمل، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ ما معنى ضالاً قالوا هنا في التفسير وأحسنوا :: ووجدك لا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ إذن الضلال هنا معناه عدم العلم، إذن الضلال يأتي على معان فقد يأتي الضلال معناه الانحراف عن الحق وقد يأتي الضلال ومعناه عدم العلم بالحق والمراد هنا عدم العلم ويكون هذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا﴾ الآية في آخر سورة الشورى فيفسر بها قوله هنا ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ من المفسرين من قال (ضالاً في بعض الطرق) تائها ثم دلك على أهلك وهذا يحتاج إلى إثبات وإلى حجة وتفسيره بأنَّ الضلال هنا معناه عدم العلم أولى وأجل بلا شك ((وجدك عائلاً فأغنى)فقيراً فأغناك، ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ أنعم الله عز وجل عليك بهذه النعم والجزاء من جنس العمل فكما أنعم الله عليك بالهداية وبالعطاء وبالإيواء والغنى فكذلك قدِّم الإحسان إلى الخلق ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ وهذا في مقابلة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾ فكما آواك الله فلا تقهر اليتيم، ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ هذه الثلاثة في مقابلة الثلاثة السابقة وأما السائل ففيها معنيان قالوا هنا :: ولا تزجر السائل المحتاج، ما المراد بالسائل أيضًا فيه احتمالان :: أن السائل يسأل المال يسأل العطاء يسأل النوال، وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ فيكون هذا في مقابلة ووجدك عائلاً فأغنى ويحتمل أن المراد بالسائل السائل عن العلم عن الهدى فيكون في مقابل قوله ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ كما هداك الله كن دالاً للخلق هادياً لهم ويكون قوله ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في مقابلة ووجدك عائلاً فأغنى وعلى الأول ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في مقابلة ووجدك ضالاً فهدى أو في مقابلة قوله ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ بحسب المعنى لأن نعمة الله تشمل النعم المادية كالمال وتشمل أيضًا نعمة العلم فتكون في مقابلة هذا وذاك ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أخبر الناس وتحدث بهذه النعم ولذلك الله عز وجل يحب من عبده أن يرى أثر نعمته عليه كما جاء في حديث النبي ﷺ لكن قد يستر الإنسان النعمة عند الحاجة إلى ذلك مثل خشية الحسد ونحوه كما دلت على ذلك بعض النصوص الشرعية ﴿يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا﴾ وكذلك إذا رأى الإنسان رؤيا يحبها فلا يخبر بها إلا من يحب كما جاء
من فوائد الآيات :
1-منزلة النبي ﷺ عند ربه لا تدانيها منزلة : هذا واضح جلي وهذه السورة كلها إنعام من الله على النبي صلى الله عليه وسلم وستأتينا سورة الشرح وسيأتينا فيها ذلك أيضاً
2-شكر النعم حق الله عز وجل على عبده : ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ والتحدث بنعمة الله نوع من أنواع الشكر
3-وجوب الرحمة مع المستضعفين واللين لهم وذلك في قوله سبحانه ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على سورة الضحى لننتقل إلى سورة الشرح.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)