مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الحج — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 352 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28) [الحج: 28] وهذا أيضًا داخل في المنافع، لكن خُص بالذكر لأهمية الذكر في هذه الأيام، " وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ ﴿مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ "" وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ " ما المراد بالأيام المعلومات؟ قالوا: ويذكر اسم الله، على ما يذبحونه من الهدايا في أيام المعلومات هي عاشر ذي الحجة، وثلاثة أيام بعده شكرًا لله على ما رزقه من الإبل والبقر والغنم، فكلوا من هذه الهدايا وأطعموا منها من كان شديد الفقر، قوله: " وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ " اختلفوا في الأيام المعلومات، فبعضهم يقول الأيام المعلومات هي الأيام العشر من شهر ذي الحجة ونقل غير واحد من المفسرين أن هذا القول هو قول الجمهور فقالوا إن المراد بالأيام المعلومات الأيام العشر، وبعضهم قال بل الأيام المعلومات أيام موسم الذبح؛ ذبح الأضاحي وهو ما مالوا إليه هنا وهذا قول بعض المفسرين، قالوا لأنّّ الله قال: " عَلَىٰ ﴿مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ " قالوا وهذا النحر ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون؟ نحر الهدايا حينما يُهدي حجاج بيت الله الحرام ممن عليه دم كالمتمتع والقارن من عليه دم بسبب ارتكاب محظور إلى غير ذلك فقالوا هذا يكون يوم العيد ويكون في الأيام التي تتبع ذلك الأيام الثلاثة، فلذلك قالوا هنا عاشر ذي الحجة وثلاثة، أيام بعد، ما الذي حملهم على هذا القول؟ قوله سبحانه: " وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ ﴿مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ ".

وأما الآخرون قالوا بل المراد بالأيام المعلومات عشر من شهر ذي الحجة، ومما يشهد لذلك الأحاديث التي وردت في فضل هذه، الأيام وأنها أفضل الأيام عند الله سبحانه وتعالى، "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله -عز وجل- من هذه العشر"؛ ولذلك استحب بعضهم أيضًا النحر والذبح في هذه الأيام تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى-، وعلى القول الذي ذكروه هنا أن المراد بالأيام المعلومات يوم العيد وثلاثة أيام بعده، هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل هو يوم العيد ويومان بعده، وبناءً عليه وقع الاختلاف أيضًا في الأضاحي، فمن قائل يقول الأضاحي تجوز في يوم العيد، ومنهم يقول في يوم العيد وفي يومين بعده، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ في يوم العيد وفي ثلاثة أيام بعده، فورد الخلاف في ذلك وبناءً عليه وقع ما وقع أيضًا من اختلاف في تفسير الآية الكريمة.

لكن هنا أمر لعلكم تذكرونه في سورة البقرة، تقدم معنا في قوله: ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203) [البقرة: 203] فهناك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن هناك فرقا بين الأيام المعدودات والأيام المعلومات، فعلى هذا القول وهو أن المراد بالأيام المعلومات العيد وثلاثة أيام بعده فإنه، يختلف عن الأيام المعدودات؛ لأن الأيام المعدودات لا يدخل فيها يوم العيد؛ لأن المراد بقوله: ﴿۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ هذا في رمي الجمرات فهذا يكون في الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ولا يدخل فيه يوم العيد؛ لذلك على هذا القول يُقال يوم العيد معلوم لا معدود نقصد من حيث قوله سبحانه: " مَعْلُومَاتٍ " وأما الثلاثة الأيام، التي بعده فحينئذٍ يجري فيها أنها داخلة في قوله: ﴿۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ومن قصر معلومات على يومين بعد العيد أخرجها من المعلومات وأدخلها في المعدودات والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.

قال الله -عز وجل-: " عَلَىٰ ﴿مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ " منهم من يقدر يعني على نحر وذبح ﴿مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾، " فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ " فسروا هنا " بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ " بالإبل والبقر والغنم كما هو معلوم " فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ "، " الْبَائِسَ الْفَقِيرَ " قالوا: شديد الفقر، وفي قوله: " الْبَائِسَ الْفَقِيرَ " فيه ترقيق قلوب الناس عليهم؛ لأنه بائس فقير فلا تتوانوا ولا تتكاسلوا عن إطعامهم وإلا بعض العلماء فسر " الْبَائِسَ " بحال، و " الْفَقِيرَ " بحال، فجعل البائس المسكين كمرتبة، وجعل الفقير في مرتبة أخرى، لكن ظاهر الأمر أنه هو هو، والأصل أنه إذا أُطلق الفقير دخل فيه المسكين والعكس، قوله: " فَكُلُوا مِنْهَا " الجمهور على أن هذا على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، وخالف بعضهم وهم قلة فقالوا بوجوب ذلك، فالأكل من الهدي مستحب وليس بواجب، والأكل من الأضاحي مستحب وليس بواجب، واختلفوا فيما كان عن طريقه الوجوب كان بسبب ارتكاب محظور فمنه من يمنع الأكل، لكن نتكلم في الهدي المتقرب به كهدي التمتع والقران فإنه يُستحب للإنسان أن ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ منه كما فعل النبي -صلوات الله وتسليماته عليه-.

قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ (الحج: 29) [الحج: 29] " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ " قالوا هنا: ليقضوا ما بقي عليهم من مناسك حجهم ويتحللوا بحلق رؤوسهم وقص أظفارهم وإزالة الوسخ المتراكم عليهم بسبب الإحرام، هذا معنى " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ " فسروا " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ " أي ليقضوا ما بقي عليهم من مناسك الحج مع التحلل؛ ولذلك الأصل في

قوله سبحانه وتعالى " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ " قالوا أي ليزيل الأوساخ والزوائد فيكون، هناك ما يجري من قص الأظفار وما إلى ذلك، ولذلك قال النيسابوري أجمع أهل التفسير على أن المراد ها هنا إزالة الأوساخ والزوائد، كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم لأنه من المعلوم أن هذه الأشياء كانوا ممنوعين منها في أثناء الإحرام؛ لأنه معروف أن هذه من محظورات الإحرام فقوله: " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ " والمعنى يجيء وقت الإحلال ووقت التحلل وقت التحلل من الإحرام حينئذٍ يقضون تفثهم ومن هنا قالوا هنا في التفسير: ليقضوا ما بقي عليهم من مناسك الحج حتى يكون هناك التحلل فهو مرتبط بقضاء مناسك الحج التي يأتي معها التحلل وما بعده لا ينافي ذلك؛ لأن هناك أعمالًا للحج بعد قص الشعر وما إلى ذلك، أو بعد الحلق كما هو معلوم للإنسان بعدها أعمال كما هو معلوم كما يجري من المبيت، بمنى ورمي الجمار وما إلى ذلك.

قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ ما معنى " وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ "؟ قالوا: وليوفوا بما أوجبوا على أنفسهم من حج أو عمرة أو هدي، إذًا فسروا النذر بما أوجبه الإنسان على نفسه وهذا أحد قولين، والقول الثاني أن النذر ما أوجبه الله -سبحانه وتعالى- يقال، له نذر أيضًا؛ لأن النذر معناه المأمور به ولذلك يقال لمن نفذ الأمر أوفى بنذرة، وهذا أحد القولين مشهورين في سورة الإنسان، ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾ (الإنسان: 7) [الإنسان: 7] بعضهم قال يمتثلون الأوامر، إذًا النذر يحتمل أنهم يوفون بالنذور التي نذرةا أو يوفون بما امتثلوه وبما التزموا به من امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله -عز وجل- عنه، ويكون هذا أعم؛ لأنه لا يكون خاصًا بفئة معينة؛ لأن قوله: " وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ " على القول الأول يعني فيمن نذر، وإلا من لم ينذر فليس مخاطبًا بذلك، أما قوله:" وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ " إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ النذور عامة يدخل فيها عموم الواجبات فيكون هذا عامًا لكل حاج من الحجاج والعلم عند الله تعالى.

قال: " وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " قالوا: وليطوفوا طواف الإفاضة بالبيت الذي أعتقه الله من تسلط الجبابرة عليه، وليطوفوا بالبيت العتيق قال وليطوفوا طواف، الإفاضة قالوا لأن هذا يكون معه التحلل لما ذكر الله التحلل هنا قال: " وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " فهذا يكون مع طواف الإفاضة؛ لأن الإنسان يرمي جمرة العقبة كما هو معروف، ثم بعد ذلك يذهب إلى طواف الإفاضة في يوم النحر وإلى هذا ذهب جماهير المفسرين بل نقله بعضهم كابن جزي وغيره عن جميع المفسرين، قالوا: والمراد بالطواف هنا طواف الإفاضة ولذلك الإنسان يتحلل ويكون منه الطواف، ويتبع الطواف السعي إذا كان عليه سعي ممن لم يكن سعى قبل ذلك، وأما المتمتع فعليه سعيان كما هو معروف، الشاهد من ذلك قالوا: إن المراد بقوله " وَلْيَطَّوَّفُوا " طواف الإفاضة، إلا أن هناك قلة من العلماء، قالوا: بأن المراد بالطواف هنا طواف الوداع، قالوا: لأنه المناسب لذكر آخر أعمال الحج؛ لأن الله لما قال: " لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ " ثم ختامًا " وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ " والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.

قال: " وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ " ما معنى العتيق؟، قالوا هنا: الذي أعتقه الله من تسلط الجبابرة عليه، عتيق أُعتق من تسلط الجبابرة عليه وهذا أحد ثلاثة أقوال مشهورة في معنى العتيق، فالعتيق فيه معنى القديم قالوا البيت العتيق، يعني البيت القديم، أو الأول المتقدم، والمعنى الثاني الذي ذكروه هنا الذي أعتقه الله من تسلط الجبابرة، والمعنى الثالث أنه الكريم، شيء عتيق أي شيء كريم وهذه الأقوال الثلاثة موجودة في المسجد الحرام متحققة في بيت الله الحرام، لكن أقربها من حيث دلالة الآيات القرآنية عليه أن المراد بالعتيق القديم؛ لأن هذا الذي جاء التصريح به في قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 96) [آل عمران: 96] لكن يمكن حمل العتيق على هذه المعاني أيضًا والعلم عند الله -تبارك وتعالى-، فلو قالوا: وليطوفوا طواف الإفاضة بالبيت الأول أو بالبيت القديم لكان أقرب لكن على كل هم اختار أحد الأقوال التي قيلت في الآية الكريمة.

قال الله: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ (الحج: 30) [الحج: 30] " ذَلِكَ " قالوا: أي ذلك الذي أُمرتم به من التحلل بحلق الرأس وقص الأظفار وإزالة الأوساخ والوفاء بالنذر والطواف بالبيت هو ما أوجبه الله عليكم ذلك الواجب ذلك، المتعين، ذلك اللازم لكم، " وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ " والمعنى فعظموه عظموا هذه الأوامر، ولذلك قال: " وَمَنْ يُعَظِّمْ " فهذا يدل على أن المراد التعظيم، " وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ " قال: ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيمًا منه لحدود الله، واختلف في معنى الحرمات، فبعضهم قال: "الحرمات" يعني المنهيات يعظمها بعدم الوقوع فيها باجتنابها، أو "الحرمات" الحدود فيفعل الواجب ويترك المحرم فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ.

{وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَٰنِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " قالوا: مما لا يُحرم عليكم كما ذكروا فقالوا: فلم يحرم عليكم منها حاميًا ولا بحيرة ولا وصيلة كما تقدم معنا في سورة المائدة ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة: 103) [المائدة: 103] إلى غير ذلك مما بينه الله -سبحانه وتعالى-، لكن بعض العلماء فسر " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " بآية الأنعام ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 145) [الأنعام: 145] باعتبار أن سورة، الأنعام سورة الأنعام سورة مكية، وأما قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 3) [المائدة: 3] وكذلك ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة: 103) [المائدة: 103] قالوا هذا في المائدة، والمائدة متأخرة في النزول عن سورة الحج، إلا أن يقال إن الله قال: " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " فالمجال مفتوح يتلى عليكم بعد ذلك، منها ما ذُكر سابقًا كما في سورة الأنعام، ومنها ما سيُذكر بعد ذلك في سورة المائدة.

قال الله: ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ " فَاجْتَنِبُوا " ابتعدوا عن القذر الذي هو الأوثان هذا معنى " الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ " القذر، " وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ " والنجاسة هنا نجاسة معنوية فهذا الصنم قد يكون منحوتًا من خشب أو من نحوه، لكن النجاسة هنا نجاسة معنوية؛ لأنه يُتخذ ندًا لله -سبحانه وتعالى-، " وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ " كل قول باطل كاذب على الله أو على خلقه، منهم من قال: " قَوْلَ الزُّورِ " الشرك، أو شهادة الزور، أو كل قول زور والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.

فوائد الآيات:

حرمة البيت الحرام تقتضي الاحتياط من المعاصي فيه أكثر من غيره: قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25) [الحج: 25]

بيت الله الحرام مهوى أفئدة المؤمنين في كل زمان ومكان: تلبيةً لهذا النداء ﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27) [الحج: 27].

منافع الحج عائدة إلى الناس سواء الدنيوية، أو الأخروية: قال الله: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28) [الحج: 28].

شكر النعم يقتضي العطف على الضعفاء: قال الله سبحانه: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28) [الحج: 28] ومن هذا الذكر الشكر ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28) [الحج: 28].

قال الله سبحانه:﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: 31) [الحج: 31] قال: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: 30-31) [الحج: 30-31] أي وأنتم مع اجتنابكم للشرك كذلك أقبلوا على التوحيد، فقوله: " حُنَفَاءَ " حال أي ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ حال كونكم ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ﴾، قالوا: مائلين عن كل دين سوى دينه المرتضى عنده.

"الحنيف" يقول بعضهم هو المقبل على الشيء فهذا حنيف يعني هذا مقبل وبعضهم قال معناه مائل وبعضهم جعله من الأضداد، ومنهم من قال بل الأصل فيه أنه بمعنى المقبل، فالمعنى حنفاء لله يعني مقبلين على الله قاصدين له -سبحانه وتعالى- لكن يطلق أحيانًا على المائل حنيف من باب التفاؤل، فيقال: فلان في يده أو في رجله حنف تفاؤلًا، والأصل أنه الميل وإنما المراد به ما يقابله وهذا مشهور عند العرب كقولهم مثلًا للرجل الذي يكون في صحراء يقال هو في مفازة؛ ولأن الصحراء مظنة الأخطار، وكقوله -صلى الله عليه وسلم- أو كما جاء في الحديث الذي في الرقية في الرجل السليم والمراد به اللديغ من باب التفاؤل، فكذلك في قوله: " حُنَفَاءَ " لأنك تجد بعض المفسرين يقولون مقبلين وهذا هو المعنى الأشهر، وبعضهم يقول مائلين، فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ مائلين لا بد من التقييد، فنقول مائلين عن الشرك إلى التوحيد؛ لذلك جاء بيانها في الآية هنا {﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾}.

" ومن يشرك باللّه " ما تشبيهه؟ قال: " فكأنّما خرّ من السّماء " سقط من السماء " فتخطفه الطّير " أي فكأنَّما سقط من السماء فإما أن تخطف الطير لحمه وعظامه، قالوا: يأتي نسر من النسور فيخطف لحمه وعظامه ويقضي عليه نسأل الله السلامة، " أو تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ " بعيد، والمعنى أنه هالك، لكن لم يقل "ومن يشرك بالله فهو هالك" التشبيه يصور، الشيء المعقول في شيء محسوس يجعله في صور، المحسوسات فيكون هذا أقرب في تلقيه بالقبول والانقياد له وتصوره تصورًا كاملًا؛ فلذلك يشبه الشيء المعقول أو الأمر المعنوي بأمر محسوس فقال: " فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أو تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ " وهذا فيه أن الإنسان يعلو بالإيمان ويسقط بالكفران.

قال: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32) [الحج: 32] ذلك ما أمر الله به من توحيده والإخلاص له واجتناب الأوثان وقول الزور إذًا ذلك أي ذلك الذي أمر الله به، ويمكن أن تقدر فعلًا، فتقول: اتبعوا ذلك إذًا "ذلك" يمكن أن يقال مبتدأ وخبره مقدر، أو خبر ومبتدأه مقدر، أو يقال اتبعوا مفعول لفعل، أي اتبعوا ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ " ما معنى شعائر الله في قوله: " ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ "؟ قالوا: ومن يعظم شعائر الله معالم الدين فقال بعضهم المراد به مناسك الحج عمومًا ومن يعظم شعائر الله معالم الحج، ومنهم أن يقول معالم الدين فعم ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي دليل على تقوى قلبه، وفي هذا دلالة على أن التقوى في القلب، ويشهد لهذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: " ﴿إِلَّا﴾ أن التقوى ها هنا وأشار إلى صدره- صلى الله عليه وعلى آله وسلم".

قال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ وفي ذلك دليل على وجوب تعظيم شعائر الله-سبحانه وتعالى- وأن من عظم شعائر الله فله نصيب من تقوى الله -سبحانه وتعالى-، لكن بعض، المفسرين حملوا " شعائر اللّه " على الهدي، قالوا: بدليل السياق؛ لأنّّ الله قال بعده ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ (الحج: 33) [الحج: 33]، ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ إلى وقت معين ووقت الذبح أو النحر، " ثمّ محلّها " الهدي يصار به إلى أي مكان " إلى البيت العتيق " فقالوا: المراد "بشعائر الله" الهدي وهذا قول فريق من أهل العلم، ويشهد لهم السياق، وأما الآخرون يقولون: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ لأن كل شعائر الحج فيها منافع إلى أن ينصرف الإنسان عنها، وقوله: " ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " باعتبار أن الإنسان يحل حينما يطوف طواف الإفاضة ثم ينتهي من الحج بطواف الوداع كذا قالوا، لكن القول بأنها المراد بها الهدي قول وجيه ويشهد له أن الآية سياقها يدل على هذا، ثم ما جاء بعد ذلك ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: 36) [الحج: 36].

وأما الآخرون، فيقولون: إن الله عمم ثم خصص فقال بعد ذلك، ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: 36) [الحج: 36] وما سبق فهو كل شعائر الله ولا مانع بأن يقال: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ كل بحسبه، ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ قالوا هنا: لكم في الهدايا، تأمل بعد أن قالوا ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ معالم الدين، قالوا لكم فيها أي في الهدايا يعني في شيء من هذه الشعائر، لكم في الهدايا التي تنحرونها بالبيت منافع، مثل: الركوب والصوف والنسل واللبن، " إلى أجلٍ مسمًّى " قالوا إلى أجل محدد بوقت ذبحها عند القرب من بيت الله الذي أعتقه من تسلط الجبابرة، أما كلمة "العتيق" فتقدم بيانها فيما سبق ففيها ما سبق.

قولهم هنا " ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " قالوا: إلى أجل مسمى إلى أجل محدد بوقت ذبحها، أذكركم بما تقدم معنا في أول السورة المباركة في قوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] وقلت هناك إن قوله " أجلٍ مسمًّى " تكرر في القرآن وله عدة معان ولذلك أحيانًا يحتاج طالب العلم إلى أن يتعرف على المفردة التي فيها عدة أوجه وعلى مركب سواء أكان إضافيا أم كان وصفيًا كهذا " أجلٍ مسمًّى " متكررة لكنها بمعانٍ مختلفة، منها ما ورد في سورة واحدة فالأجل المسمى هنا المراد به وقت الذبح " إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " قوله: " ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " قالوا والمراد بالبيت العتيق هنا الحرم؛ لأن الهدي لا يذبح داخل البيت العتيق، وإنما يذبح في حدود الحرم، فمعنى قوله: " ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ " يعني إلى الحرم وهذا من الأدلة على استعمال البيت العتيق والمراد به الحرم كله والعلم عند الله تعالى، وهذا كقوله: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: 25) [الفتح: 25]، ومحله هو الحرم.

قال:﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج: 34) [الحج: 34] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ منهم من قال: "المنسك" المراد به العيد وهذا مناسب لما ذكر في الحج؛ لأن معه عيد الأضحى، ومنهم من قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ أي نحرًا وذبحًا، أي لكل أمةٍ جعل الله ذبحا ونحرا، لكنه لله لا لغيره، وفي هذا ردٌ على المشركين يا أهل الشرك إن الله جعل لكل أمةٍ ذبائح تتقرب بها إلى الله لكنها ليست كالذبائح التي تذبحونها تتقربون بها إلى الأصنام، ﴿أَنَّمَا﴾ الذبائح المشروعة لكل أمة كانت لله وحده -سبحانه وتعالى-.

فقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج: 34) [الحج: 34] الذين فسروا "المنسك" بالعيد قالوا هذا يدل على أنه يدخل في باب التشريع؛ لذلك قالوا: الأعياد تدخل في باب التشريعات فالأصل أنه إذا قيل هذا عيد فيكون قد دل الدليل عليه، إذا قصد التعبد به على ما هو معلوم، قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج: 34) [الحج: 34] رجاء أن يذكروا ﴿ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا﴾ يذبحونه من تلك القرابين عند الذبح شكرًا لله عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ الإبل والبقر والغنم وهي المراد بقوله " مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ " الذبح له وحده كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-163) [الأنعام: 162-163].

قال: " فله أسلموا " وتقدم معنا يا أيها الإخوة الكرام أن سورة الحج تقوم على مبدأ الاستسلام، والخضوع، والتعظيم، وهذا مناسب منذ أن مضى معنا أيضًا من آيات كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) [الحج: 18] وكذلك هنا " ليذكروا اسم اللّه " وكذلك هنا في قوله سبحانه: " فإلهكم إلهٌ واحدٌ وبشّر المخبتين " وتخصيص هذه السورة بذكر " وبشّر المخبتين " وذكر أوصاف المخبتين نعم مضى معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة هود ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (هود: 23) [هود: 23] لكن تفصيل أمر المخبتين ﴿أَنَّمَا﴾ ورد في هذه، السورة المباركة التي يناسبها تعظيم الله -سبحانه وتعالى- وهذا مناسب لشريعة الحج؛ لأنَّها، قائمة على الخضوع والتعظيم والاستسلام لله -سبحانه وتعالى-.

قال: " وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ " قالوا: الخاشعين المخلصين ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الحج: 35) [الحج: 35] إذا ذكر الله خافوا من عقابه، فابتعدوا عن مخالفة أمره ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الحج: 35) فإذا أراد العبد أن يكون من عباد الله المخبتين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، فلينظر إلى هذه الأوصاف المباركة ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الحج: 35) [الحج: 35] وقد كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إذا رأى الربيع بن خثيم قال له: كلما رأيتك ذكرت المخبتين وكان يقول له والله لو رآك رسول الله لأحبك.

وحينما تقرأ في ترجمة الربيع بن خثيم وأوصي بقراءة سيرته -رحمه الله- تجد فيه هذه الأوصاف، فمن ذلك أنه أصيب بمرض الفالج بالشلل في آخر حياته وكان يُحمل حتى يقام به في الصف أو حتى يقوم في الصف أو حتى يجلس في الصف حتى يشهد صلاة الجماعة، فيقال له: أنت معذور، فيقول لهم إنني أسمع حي على الصلاة، لا أقدر على عدم الإجابة، وكذلك كان معروفًا بالصبر على هذا البلاء الذي ابتلي به، وأما في باب الصدقة فكان معروفًا بها حتى أنه -رحمه الله تعالى- لما وضع له طعام كان يرغب فيه وهو الخبيص ثم أتاه فقير من الفقراء، فقال لهم أعطوه إياه، فقالوا له نعطيه شيئًا آخر أنت ترغب في هذا فقال لهم أعطوه إياه، قالوا له إنه لا يدري وكان معروفًا بالجنون، يعني هذا الفقير كان مجنونًا لا يدرك ولا يعقل، فقال إن كان لا يعلم فالله يعلم، وقال إن كان لا يدري فالله يدري، وهذا كله من فقه -رحمه الله تعالى-.

قال: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: 36] " وَالْبُدْنَ " قالوا هنا في التفسير: والإبل والبقر، إذًا فسروا " وَالْبُدْنَ " بالإبل والبقر، وكثير من أهل التفسير يقولون إن البدن المراد بها الإبل خاصة وهذا تستطيع أن تقول إنه قول كثير من العلماء أو قول الأكثرين، لكن بعض العلماء قال المراد " وَالْبُدْنَ " الإبل والبقر قالوا لأن البقر تلحق بالإبل شرعًا في الأحكام الشرعية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل في الأضحية الإبل البدنة عن سبعة وجعل كذلك البقرة تجزئ عن سبعة فألحق البقرة بالإبل في الحكم الشرعي، ويمكن أن نقول و -الله أعلم- إن البقر يلحق بالبدن أي بالإبل شرعًا لكن من حيث اللغة فالأكثر على أن البدن المراد بها الإبل وليس البقر، ويشهد للتفريق أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال في حديث، التبكير لصلاة الجمعة "من راح في الساعة الأولى قرب فكأنَّما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرب بقرة" ففرق بين البقرة والبدنة فهذا يلتفت إليه في قول: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: 36) [الحج: 36] فهو معتد بالحكم الشرعي.

قال: " جَعَلْنَٰهَا لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ " من شعائر الدين وأعلامه، " لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ " فسروا الخير بالمنافع كما في قوله: " لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ " تفسير كلمة بكلمة، قال الله سبحانه: " فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ " قالوا لكم فيها منافع دينية ودنيوية، فقولوا بسم الله وهذا معنى " فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ " وتقدم معنا أن كلمة اسم معناها أن تقول بسم الله؛ لذلك الآيات التي سبقت معنا، " وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ " أي قولوا بسم الله، ففرق بين تقول ذكر الله، وبين أن تقول ذكر اسم الله، ذكر اسم الله بأن قال بسم الله.

قال: " فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ " قال: فقولوا بسم الله عند نحرها بعد أن تُصف قوائمها وهي قائمة قد ربطت إحدى يديها حتى لا تشرد، إذًا هذا معنى صواف بأن تصف قوائمها ثم بعد ذلك تُنحر وهي وقد ربطت إحدى يديها، ويشهد لذلك ما أخرجه الشيخان، حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- حينما أتى على رجلٍ وهو ينحر بدانته وهي باركة فقال له "ابعثها قيامًا مقيدة سنة نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم" فالأصل فيها أن يقيد إحدى اليدين منها ثم وهي قائمة فإذا وجبت جنوبها يعني فإذا سقطت؛ ولذلك قالوا هنا في قوله فإذا وجبت جنوبها، قالوا: فإذا سقطت بعد النحر على جنبها " فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ " فكلوا منها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المهدون يأكل الإنسان من هديه على سبيل الاستحباب على قول الجمهور، قوله: " وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ " ما معنى القانع؟ وما معنى المعتر؟ قالوا هنا الفقير الذي يتعفف عن السؤال، إذًا قالوا "القانع" الفقير الذي يتعفف عن السؤال فيقال له قانع وكأنه يدل على معنى القناعة والرضا، قالوا "والمعتر" الفقير الذي يتعرض ليعطى منها، فذكر القانع وذكر المعتر، ومن أهل العلم من عكس، ومن أهل العلم من قال إن المراد بقوله: "القانع": السائل يتذلل، وأما قوله: "المعتر": الذي لا يطلب، إذًا هذا ورد وهذا ورد عند أهل العلم في ذلك.

قال: " فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ " لكن استفاد بعض العلماء من ذلك مسألة تقسيم الأضاحي إلى ثلاثة أقسام، قالوا: لأن الله قسم فقال: " فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ " لذلك قالوا تقسم أثلاثًا كما استحب ذلك بعض العلماء لكن ليس عندنا نصٌ صريح في أنها تقسم أثلاثًا إلا ما يُستفاد من هذه الأدلة والعلم عند الله -تبارك وتعالى- ولذلك زيادة قسم على قسم، الأمر في ذلك واسع ويسير.

قال الله سبحانه: " كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ " ذللناها لكم، " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " قالوا هنا: لتحملوا عليها وتركبوها، ذللناها لكم فانقادت إلى حيث تنحرونها وهذا من نعمة الله، فالطفل الصغير ربما قاد إبلًا، قاد جملًا كبيرًا، فمن الذي ذلله؟ ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾ الله -سبحانه وتعالى- " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ".

﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الحج: 37) [الحج: 37]، " لَنْ يَنَالَ اللَّهَ " يعني لن يصل رب العزة لا يصل له اللحوم والدماء هذا ليس هو المقصود ﴿أَنَّمَا﴾ المقصد " وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ " لن يصل إلى الله لحوم ما تقدمونه من هدايا ولا دماؤها، ولن ترفع إليه لكن يرفع إليه اتقاءكم الله فيه، وهذا فيه أن المقصود هو التقوى وهذا مناسب لمقاصد السورة الكريمة كما تقدم، ففي صدر السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] وهنا قال: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32) [الحج: 32].

وهنا قال: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج:37] هذا فيه أنه لا بد للمرء أن يستحضر معنى الإخلاص في العمل الذي يعمله، فلابد أن يستحضر معنى الإخلاص، ومعنى تحقيق تقوى القلب.

قال الله: ﴿وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ قالوا: وأخبر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، المحسنين في عبادتهم لربهم، وفي تعاملهم مع خلقه بما يسرهم، تأمل أول كلامهم أخبرهم، وفي آخره بما يسرهم، أخبر بما يسر تساوي بشر، فهم يفسرون ﴿وَبَشِّرِ﴾ أخبر بما يسر.

ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:38] لما ذكر الله سبحانه ما ذكر من أمر الحج، وكان مما ذكره الله في بداية الأمر الصد عن المسجد الحرام، إذا سألنا وقلنا: ما سبب الحديث عن الحج هنا في المناسبة ذكر المسجد الحرام الذي صد عنه أهل الإيمان؟ فذكر الله حرمة المسجد الحرام، ثم عاد للرد على الصادين، يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الصادون، أما تعرفون من أنتم؟ ومن الذي سيدافع عن أهل الإيمان؟ فناسب هذا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ وكان هذا توطئةً، والعلم عند الله للحديث عن الجهاد في سبيل الله؛ لأن الحج جهاد، فكانت هناك مناسبة بين ذكر الحج، والجهاد.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾ قالوا هنا إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟، هناك قراءة (إن الله يدفع عن الذين آمنوا) لكن من قال: يدافع، فيدافع أيضًا بمعنى يدفع، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ قالوا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ لأمانته، ﴿كَفُورٍ﴾ لنعم الله سبحانه وتعالى، فإنْ قال قائل: إن الله قال: خوان وهي فعال، وكفور وهو فعول، وهما من صيغ المبالغة، فهل معنى ذلك أن الله يحب الخائن، والكافر؟ الجواب: لا، فهو لا يحب الكافر، ولا يحب الخائن، وأيضًا لا يحب الخوان، ولا الكفور، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال:58] فعبر هناك بالخائن، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [آل عمران:32].

[من فوائد الآيات]:

ضرب المثل لتقريب الصور المعنوية بجعلها في ثوب حسي مقصد تربوي عظيم، وهذا جاء في قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:31] هذا من فوائد ضرب الأمثال ومن فوائد التشبيهات في القرآن الكريم.

فضل التواضع، من أين استفيد هذا؟ قالوا: من الإخبات؛ لأن الإخبات من معانيه التواضع، والتطامن، والتذلل، والخضوع، والخشوع لله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:34].

الإحسان سبب للسعادة، قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:37].

الإيمان سبب لدفاع الله عن العبد ورعايته له، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:38]

قال الله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:39] قالوا هنا: ولما بين الله سبحانه وتعالى أنه يدافع عن المؤمنين؛ فاطمأنت نفوسهم، أذن لهم في قتال الكفار، إذًا ما وجه المناسبة بين قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾ وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾ [الحج:38] لما ذكر الله: إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ اطمأنت نفوس المؤمنين؛ فأذن الله عز وجل لهم بالقتال.

أو قد يقال: وكيف يا ربنا تدفع عنا؟ فيقال: شرع لكم الجهاد، كما قال: ﴿قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:14] إذًا من طرق دفاع الله عن المؤمنين أن يجعل أهل الإيمان يجاهدون في سبيله سبحانه وتعالى؛ ولذلك تأمل قوله بعده: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:39] قال بعضهم: أي: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ دون قتال، دون أن يكون هناك قتال؛ لكنه قدر القتال؛ لأن هذا يشفي صدور المؤمنين، وأيضًا كما قال الله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران:140] فهذا أيضًا من فوائد الجهاد في سبيل الله سبحانه.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾[الحج:39] نقل كثيرٌ من أهل العلم الاتفاق على أن هذه الآية هي أول آيات في بيان مشروعية الجهاد في سبيل الله؛ ولذلك قالوا: إن الجهاد في سبيل الله ﴿أَنَّمَا﴾ كان في المدينة النبوية، ولم يكن في مكة المكرمة؛ وإنما في مكة أمر المسلمون بالكف عن القتال، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ﴾[النساء:77] ثم جاءت هذه الآية لبيان الإذن في القتال؛ لذلك إذا قال قائل: كيف الجمع بين قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾[الحج:39] وقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:216] فإنَّ قوله: ﴿أُذِنَ﴾ يدل على الإذن والإباحة، وقوله: ﴿كُتِبَ﴾ يدل على الوجوب؛ فيقال: لا تعارض؛ لأن هذه الآية تدل مرحلة الأولى، والجهاد شرع على سبيل التدرج، فإذًا هذه دلت على مرحلةٍ من المراحل، ثم دلت الآية الأخرى على مرحلةٍ أخرى، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾ ذهب عددٌ من أهل التفسير إلى أن هذه الآية الكريمة نسخت جملةً من الآيات التي أمر الله فيها بالصبر، والعفو، والصفح، والأقرب في هذا أنها ليست منسوخة؛ لذلك تقدم معنا مرارًا أن دعوى أن هناك آياتٍ نسخت بآية السيف، أو بهذه الآية دعوى مردودة؛ وإنما يقال هذا من قبيل النسأ، وليس من قبيل النسخ، وفرقٌ بين الأمرين. فالآيات التي أمر فيها المسلمون بالعفو، والصفح، كما هي في الآيات المكية، أو التي جاءت في مكة المكرمة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقال إنها نسخت بالأمر بالقتال؛ ولكن هذا من باب النَّسْء؛ بمعنى أنه أخر بمعنى هذا الحكم جاء حكمٌ أخر؛ لكن إذا احتيج إلى الحكم الأول يعاد إلى الحكم الأول، من الفروق بين النسخ والنسأ: أن المنسوخ لا يعمل به، توقف العمل به؛ أما في باب النسأ فإذا احتجنا إلى الرجوع إلى الآيات المتقدمة رجعنا إليها؛ لذلك إذا احتاج المسلمون إلى الصبر، إلى العفو، إلى الصفح، فلا حرج عليهم في الأخذ بالآيات التي دعت إلى ذلك، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

أما القول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ﴾ فهي كما تقدم أول آية في بيان مشروعية الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وهي آية مدنية؛ ولذلك قالوا: من ضوابط المدني أن تذكر الآيات التي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:39] ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ [الحج:40] يمكن أن نفهم من هذا والعلم عند الله أن هناك أسبابًا لمشروعية هذا الجهاد:

أولًا: لأنهم يقاتلون، فهو يريد أن يدفع عن نفسه هذا الضر الذي لحقه، إذ هو يقاتل، ويريد أن يدفع عن نفسه ذلك، هذا واحد.

الأمر الثاني: بأنهم ظلموا وهو من دلائل قوله: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ فوقع الظلم عليهم. الأمر الثالث: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ وما من شك أنه من أعظم ما يكون شديدًا على النفس أن يخرج الإنسان من داره بغير حق.

قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:39] القراءة الأخرى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وهنا قد يرد إشكال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ﴾ إذًا هم يقاتلون، فكيف بقاتلون وهذه أول آية في مشروعية الجهاد؟ فقالوا: كأن المعنى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ﴾ الذين بدأوهم بالقتال، فإذًا يقاتلون باعتبار ما سيؤول إليه أمرهم، أو أن يكون المعنى وفيه معنىً دقيق وهو أن قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ﴾ أي: الذين يستطيعون القتال، وأن هذا الإذن ﴿أَنَّمَا﴾ هو للمقاتلة، وأما من هو معفوٌ عنه من الضعفاء فالخطاب ليس موجهًا إليه، وهو معذورٌ فيه، فهذا أيضًا من معانيه والعلم عند الله.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾، وفيه أيضًا إشارة إلى أن هؤلاء سيستجيبون فصاروا مقاتلين مع أنَّ الآية تقول لهم: قد أذن لكم في القتال، وهذا يأتي في القرآن باعتبار ما سيؤول إليه حال الإنسان استبشارًا به، أو للدلالة على أنه سينفذ الأمر ويمتثل، ولا يتردد في تطبيقه.

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ كما تقدم إن ﴿ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ بدون قتال؛ لكن قدر أن يُقاتل هؤلاء أولئك المشركين المعتدين؛ ليصطفي الله منهم الشهداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران:140] وأيضًا ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:14].

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ [الحج:40] ليس لهم ذنبٌ ﴿إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ فكأن هذا من باب المدح بما يشبه الذم، وهذا ليس طريقا للذم؛ لأن الموحد لله والذي يقول: ربنا الله؛ شأنه ﴿إِلَّا﴾ يؤذى، وألا يقاتل، وألا يتعرض لما تعرض له أهل الإيمان.

﴿إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ والأخرى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ هذا يبين أيضًا بعض حكم الجهاد، لم شرع الله الجهاد؟ ليدفع الله بالجهاد شر المفسدين؛ ولذلك في الآية الأخرى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ [البقرة:251] وهذا الذي ذكره الله في الآية من تفسير لفسدت الأرض، ومن فساد الأرض تهديم أماكن العبادة، فتهديم دور العبادة هذا من الإفساد في الأرض، بل من أعظم ألوان الإفساد في الأرض فقال: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ وهذا فيه أن الحفاظ على المقدسات من المطلوب من أهل الإيمان، فيطلب منهم الحفاظ على بيوت الله، على مساجد الله، على أماكن العبادة وألا يفرطوا فيها.

قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ فكأن الجهاد يشرع لأسباب منها الاعتداء على النفس ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ﴾ والاعتداء على الأديار، ويدخل فيه الاعتداء على الوطن أو البلد، ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ الاعتداء على دور العبادة، على أماكن العبادة، ومن ذلك الاعتداء على الدين؛ لأنهم ﴿أَنَّمَا﴾ يُقاتَلون من أجل الاعتداء على بيوت الله؛ لأن البيوت مقر لنشر الدين، فكذلك من اعتدى على دين الله سبحانه استحق الحرب بسبب ذلك.

قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ﴾ قالوا: هنا صوامع لاعتدوا على مواطن العبادة فهدموا صوامع الرهبان، إذًا المراد بالصوامع: صوامع الرهبان، أو منازل الرهبان، وهي صغيرة؛ لكن قالوا: بدأ بها لأنَّها كانت منتشرة في جزيرة العرب فقال: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ﴾ خاصة بهم، فبدأ بالخاص ثم عمم، وهذا سبب البدء بالصوامع؛ لأن صومعة هذا الرجل الراهب خاصةٌ به.

ثم عمم فقال: ﴿وَبِيَعٌ﴾ قالوا: وكنائس النصارى، ومعابد اليهود، ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ﴾ لكن كثير يقول: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ﴾ فقالوا: هنا المراد وكنائس النصارى، جمع بيعة، وكذلك المعابد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ وبعضهم يقول: وصلوات: كنائس اليهود، فيقولون: معابد اليهود، أو كنائس اليهود، إذًا المراد بالصلوات هنا: أماكن الصلاة؛ ولذلك أحيانًا تأتي كلمة الصلاة ويراد بها مكان الصلاة، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43] فكثيرٌ قال: المراد بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ لا تقربوا مواضع الصلاة، فكذلك هنا ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ يعني أماكنها، والمراد بها: كنائس اليهود، وقالوا: هنا معابد اليهود، قال: ﴿وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ قال بعضهم: ﴿أَنَّمَا﴾ ذكرها الله على سبيل الترقي، فختم بالأفضل، والأكرم وهو المساجد، ثم أيضًا لأن الله أراد بذكر المساجد أن يذكر وصفًا مشهورًا فيها وهو: قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ لذلك ذهب كثيرون إلى أن الضمير في قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ يعود على المساجد، ومنهم من قال: بل يعود على هذه الأماكن كلها، قال بعض العلماء المراد ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ﴾ في عهود الأنبياء السابقين، إذًا ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ﴾ أي: في عهد موسى وعيسى، في عهد الأنبياء السابقين تهدم هذا ثم قال: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يقال أيضًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، والمؤمنين؛ لأن هؤلاء يكونون في حمى أهل الإيمان، ومن كان في حمى أهل الإيمان فلا يجوز الاعتداء عليه بحالٍ من الأحوال؛ لأن أهل الكتاب إذا كانوا مع المسلمين، وهم أهل ذمة فإنَّ على المسلمين أن يدفعوا الضر عنهم، ومن دفع الضر عنهم دفع الضر عن أماكن عبادتهم، ودور عبادتهم.

قال: ﴿وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40] والآية الكريمة من الأدلة الواضحة على أن الإسلام راعى لأصحاب كل دينٍ عبادته؛ ومع ذلك لا يعني هذا أنه يقر الخطأ، أو يقر الباطل؛ وإنما يُدعى هذا إلى الدين، فإنَّ أصر على ما هو عليه، وكانت هناك المعاهدة، وتأدية الحقوق فهذا أمرٌ أخر.

فقال: ﴿وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ وقد نبهنا مرارًا على أنه ثمة فرق بين إدراك أن لأصحاب الشرائع الأخرى حقوقًا إذا كانت هناك عهود ومواثيق، وبين أن يكون هناك خلطٌ في الدين، أو خلطٌ فيما ينبغي اتباعه كما يدعى اليوم إلى ما يقال له بالدين الإبراهيمي، وقد بينا بطلانه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفسير سورة آل عمران وغيرها.

قال: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ بين الله أسباب النصر في قوله: ﴿مَنْ يَنصُرُهُ﴾ ولينصرن الله، ما أسباب النصر؟ من ينصره، يعني ينصر دينه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ فمن أسمائه القوي العزيز.

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ [الحج:41] هؤلاء الموعودون بالنصر هم ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ بالنصر على أعدائهم أدوا الصلاة، لم يقع منهم كبرٌ ولا غرور؛ وإنما عودة إلى طاعة الله، وزيادة في طاعة الله، هذا فيه أن الصلاة كما أنها سببٌ في النصر فهي من نتائج النصر، فقبل النصر صلاة، وبعد النصر صلاة، وكذلك بقية العبادات المذكورة.

قال: ﴿أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ وتقدم أن الفرق بين قوله: ﴿وَآتَوُا﴾ وقوله ﴿وَآتُوا﴾ أن ﴿وَآتُوا﴾ فعل أمر؛ أما ﴿وَآتَوُا﴾ فعل ماضي، فقوله: ﴿وَآتَوُا﴾ معطوف على قوله: ﴿أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾.

قال: ﴿وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ لله وحده مرجع الأمور في الثواب عليها، والعقاب.

ثم قال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾ [الحج:42] ﴿وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج:43] لما قال الله ولله عاقبة الأمور فيا ربنا قد كذب رسولك محمد صلى الله عليه سلم، فماذا أنت صانعٌ بالمكذبين، ولك عاقبة كل أمر؟ يا رسول الله لا تقلق، واصبر ولا تجزع، أما لك في السابقين آية؟ انظر إلى عواقب هؤلاء، إلى ما وقع لهم فقال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾ قوله: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ﴾ أين جواب الشرط؟ قالوا: وإن يكذبك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول قومك فاصبر، فلست أول من كذب، فهذا أصل وإن يكذبوك فاصبر، لم؟ ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ وأصحاب مدين، ﴿وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:44] تأمل في قول موسى، عاد مرة أخرى فقال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ قال بعضهم: ليترتب عليه ما بعده وهو قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ مع هذا التكذيب، لم يقل وقوم موسى؛ لأن المكذبين لموسى عليه السلام كانوا من القبطِ، وكانوا من فرعون، والملأ، وما إلى ذلك، فناسب أن يقول: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ فيكون هذا أشمل وأبين في الدلالة على تكذيب موسى من قومه، أو ممن أرسل إليهم موسى عليه الصلاة والسلام.

قال: ﴿وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ما معنى ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾؟ قالوا: فأخَّرتُ عن أقوامهم العقوبة استدراجًا لهم، وتقدم أن إملاء الله للكافرين سنة من سنن الله في خلقه، أنه يُملي لهم؛ ولكن ليس معنى أنه يملي لهم أنه يتركهم حتى يفلتوا؛ وإنما يملي لهم، ويستدرجهم، ثم يأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، قال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ وكلمة ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ تقدم معنا في سورة غافر أن لها دلالة شديدة، وقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ كيف كان إنكاره؟

قال الله سبحانه: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج:45] قالوا: فما أكثر القرى، اذًا ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ ما معنى فكأين؟ يعني: فما أكثر القرى!، كثير هذه القرى التي أهلكها الله بسبب ظلمها، ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ قالوا: ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ قالوا: فديارها مهدمة خالية من سكانها، فإذًا قوله: ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ قالوا: معنى ﴿خَأوِيَةٌ﴾ يعني: خالية من سكأنها، ومن أهل العلم من قال: بل نبقي اللفظ على ظاهره، فمعنى ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ المراد بالعروش: السقوف، والمعنى أن السقف نزل أولًا، ثم بعد ذلك وقعت الأعمدة فتهدمت من كل جانب، فوقع السقف، أو سقط السقف، ثم بعد ذلك سقطت الأعمدة.

قال: ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ وبئرٍ معطلة قالوا: وما أكثر الآبار!؛ لأن قوله: ﴿وَبِئْرٍ﴾ على ما عطف على قوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ فالمعنى: فكأين من قريةٍ وبئرٍ معطلة، يعني أيضًا كثير، يوجد من هذه الآبار الكثير، ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ قالوا: الخالية من وُرَّادها.

﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف:19] فالذي يستقي الماء يقال له وارد، الوراد هؤلاء لا يأتون ولا يستقون من البئر، بئرٌ معطلة، لأنه لا يوجد أهل حتى يستقوا ماءً، ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ قالوا: وما أكثر القصور! فهي معطوفة أيضًا على قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ وما أكثر القصور! تأملوا قولهم: وما أكثر! هذا مستفاد من قوله: ﴿فَكَأَيِّن﴾ فالمراد به: التكثير،

قال: وما أكثر القصور العالية المزخرفة التي لم تحصن ساكنيها من العذاب، وهذا معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ يعني: قصر عالٍ مزخرف، ومع ذلك لم يحصن صاحبه، ولم يستفد منه شيئًا، فقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ إما باعتبار ما كان عليه؛ يعني أنه كان مشيدَ، والأصل فيه أنه محصن؛ لكنه لم يحصنه، كما قال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78] أو أن يكون المعنى: أن الله أهلك بعض الظالمين من الأمم، وأبقى بعض الآثار؛ لتبقى العبرة والعظة، ويشهد لهذا المعنى الثاني قوله سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾[هود:100] فهناك القائم الذي لم يثنه الله سبحانه وتعالى، ولم يقضِ عليه؛ حتى يكون عبرةً للمعتبر، وعظةً للناظر إليه، ومنها الحصيد المحصود الذي تهدم، والله تعالى أعلم.

قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج:46]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟﴾ هذا الاستفهام يراد به الإنكار، والتوبيخ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾ وهذا فيه أن القلب يعقل به الإنسان؛ ولذلك استظهر بعض العلماء أن العقل في القرآن الكريم حين نتتبعه نجده وصفًا من الأوصاف، لا نجد أنه يذكر على أنه جارحة من الجوارح؛ وإنما نجد أنه يذكر على أنه وصف من الأوصاف، وأنه يوصف به القلب كثيرًا، فهو من صفات القلوب، العقل من صفات القلوب، صفة يتصف بها الإنسان يتميز بها عن الجاحد لآيات الله، وعن الغبي، والمنكر لآيات الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ [الحج:46]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ يعني العمى الحقيقي ليس عمى الأبصار، عمى الأبصار يقال له عمى؛ لكن ليس هو العمى الحقيقي الذي يفسد حال الإنسان، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ يقول ﴿فَإِنَّهَا﴾ ضمير القصة ﴿فَإِنَّهَا﴾ ثم قال: ﴿لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ فتفسيرها يجيء بعدها؛ ولذلك تقدم معنا أن ضمير الشأن، ومثله ضمير القصة يختلف عن غيره من الضمائر؛ أن الضمير يعود على ما سبق؛ وأما هنا فيعود على، أو سيأتي تفسيره بعد، يأتي مفسره بعد، فقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ﴾ ولكن تعمى القلوب، ثم زاد إيضاحًا فقال: ﴿ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ ﴿وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ فهو عمى البصيرة نسأل الله السلامة والعافية.

[من فوائد الآيات]:

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة