سورة الحج — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الله ناصر نبيه ودينه ولو كره الكافرون: وهذا على قول جمهور المفسرين في تفسير قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: 15) [الحج: 15].
قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ﴾ (الحج: 16) [الحج: 16] قالوا هنا في التفسير: وكما بينا لكم الحجج الواضحة على البعث أنزلنا على محمد -صلى الله عليه وسلم- القرآن آيات واضحة، فبعد أن حدثنا الله -سبحانه وتعالى- عن البعث وذكر لنا بعض أدلته وبراهينه اتبع ذلك بالحديث عن القرآن الكريم، وقد تقدم معنا أن قوله سبحانه: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: 15) [الحج: 15] يراد به النبي -صلى الله عليه وسلم- على قول جمهور المفسرين، فبعد الحديث H0.
" وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ " فالضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم ذكره وهذا متكرر في كتاب الله، بل إننا نجد في صدر سورة القدر، قوله سبحانه: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ القرآن الكريم؛ فلذلك قال: " وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ " أي أنزلنا هذا الكتاب وهو القرآن، " آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ " آيات واضحة، " وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ " قالوا هنا: وأن الله يوفق بفضله ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ لسبيل الهداية والرشاد، فيكون المراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ولذلك بعضهم يقول المعنى " وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ " أي أنزلناه آيات وأنزلناه هدى.
فقوله: " وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ " أي وجعلنا القرآن الكريم كتاب هداية كما جاء التصريح، بذلك في مواضع كثيرة تدل على أن القرآن الكريم كتاب هداية، ومن ذلك قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9) [الإسراء: 9]، وقوله -عز وجل-: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) [فصلت: 44]، قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44).
ثم قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17) [الحج: 17] يُبين الله -سبحانه وتعالى- أن هذا الاختلاف الواقع بين الناس يفصل فيه رب الناس يوم القيامة؛ ولذلك سُمي يوم القيامة بيوم الفصل؛ فالناس في هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ على مذاهب شتى، وعلى اتجاهات مختلفة يقضي بينهم ربي -سبحانه وتعالى- يوم القيامة وهو خير الفاصلين، فقال: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا " قالوا هنا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ آمنوا بالله من هذه الأمة، فالمراد بالذين آمنوا هنا المؤمنون أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقدم معنا نظير هذه الآية في سورتي البقرة والمائدة، وتقدم أن بعض العلماء يرى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا " يقول: آمنوا بالخليل إبراهيم -عليه السلام-، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والذين قالوا إن المراد بهم آمنوا بإبراهيم أرادوا أن يراعوا الزمان قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا جاؤوا بعد ذلك جاؤوا بعد الخليل إبراهيم -عليه السلام- وكذلك " وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى "، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل المراد بهم أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتبار أن "الذين آمنوا" غلب استعماله في المؤمنين بالنبي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ويكون تقدمهم في الذكر تنويهًا بشرفهم وشأنهم، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ اليهود، " وَالصَّابِئِينَ " تقدم أيضًا الاختلاف في معنى الصابئين، هنا قالوا: طائفة من اتباع بعض الأنبياء، تقدم أن بعضهم يقول: هم عبدة الكواكب، ﴿وَقِيلَ﴾ عبدة الملائكة، وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: طائفة من اتباع بعض الأنبياء، " وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ " والمجوس ذكروا هنا ولم يذكرون في سورة البقرة ولا في سورة المائدة، قالوا هنا: عبدة النار فالمجوس عبدة النار، " وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا " أيضًا زاد هنا في الذكر ذكر " وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا " عبدة الأوثان.
قال: " ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ " إن الله يفصل بينهم بين هؤلاء جميعًا يوم القيامة، " ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ " وتأمل هذه التأكيدات في هذه الجملة أو في هذه الآية " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا " ثم جاء في الخبر " ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ " ثم بعد ذلك " ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ " فهذا كله لتأكيد وقوع يوم القيامة، وأنه واقع لا محالة وأن الله يفصل فيه بين، الخلائق، " ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ " فلا مجال للكذب، ولا مجال للتُبديل والتغيير فالله -سبحانه وتعالى- شهيد على عقائد الناس وعلى أعمالهم.
ثم قال الله سبحانه:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) [الحج: 18] ومنهم من يختار الوقف على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) ثم يستأنف ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) بعد أن بين الله -سبحانه وتعالى- أن طوائف الناس تجتمع عند الله يوم القيامة وأن الله يفصل بينها، بيّن لنا أن الكائنات المخلوقة خاضعة لله في هذه الحياة ومع ذلك فمن الناس من يخضع ومن الناس من لا يخضع، وبناءً عليه فكان حقيقًا بالإنسان وهو الذي كُرم بالعقل أن يكون مسارعًا بالخضوع والاستسلام والسجود لله -سبحانه وتعالى-.
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ " وهذا الاستفهام كما تقدم معنا مرارًا يُقال له استفهام تقريري، فالهمزة حينما تدخل على اللام النافية يُقال عن ذلك الاستفهام استفهام تقريري، وفيه دعوة إلى النظر والاعتبار والتأمل، "أَلَمْ تَر" ألم تر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناظر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان " أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ " وهنا قال: "ألم تر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول" باعتبار أنه المخاطَب بالقرآن الكريم ابتداءً ثم يدخل في ذلك جميع الناس وجميع من يتسنى له أن يرى، " أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ " ولنا أن نفسر الرؤيا هنا أيضًا بالعلم باعتبار أن هناك ما لا نراه، فمن في السماوات؟ هذا لا نطلع عليه، وكذلك في باطن الأرض، لكن بعض ما ذكره الله هنا نراه كقوله: " وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ " فكثير من هذه نراها، إذًا يصح أن تكون الرؤية رؤية علمية، وأن تكون بصرية بحسب هذا المذكور في هذه الآية الكريمة.
قال: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ " فسروا هنا: من " وَمَنْ فِي السَّمَأوَاتِ " قالوا من الملائكة، " وَمَنْ فِي الْأَرْضِ " من مؤمن الإنس والجن، إذًا ﴿يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾ من الملائكة، ومن في الأرض من مؤمن الإنس والجن، ومنهم من يختار ما هو أعم من ذلك، لكن ما ذكروه هو مما يدخل بالدرجة الأولى في الساجدين لله ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ﴾، " أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ " وإنما اختاروا ذلك؛ لأن "من" في الأصل تُستعمل مع العاقل، فقول: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ " هنا جاء التعبير "بمن" دون "ما"، "ومن" في الأصل تستعمل مع العاقل، فقالوا إذًا في السماوات من الذي نعلمه من عالم السماوات ممن هو موصوف بهذا قالوا الملائكة، وفي الأرض مؤمن الإنس والجن، وهذا السجود يقال له سجود طاعة؛ لذلك قالوا يسجد له سجود طاعة من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من مؤمن الإنس والجن؛ إذًا المراد بالسجود هنا سجود الطاعة، ومنهم من قال: هو السجود المعروف من الانحناء، وبعضهم يقول بل هو بمعنى الخضوع سواء أكان وصفه بهذا الوصف الذي نعرفه من وضع الجبهة على الأرض أم كان بصفة أخرى مما تندرج تحت معنى السجود والخضوع.
ثم قال: " وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ " فكما ذكر الله العاقل ذكر غيره، لكنهم قالوا في سجود غير العاقل قالوا إنه سجود انقياد، وسجود خضوع، فبعض العلماء الذين يمنعون استعمال اللفظ في معنيين أو استعمال المشترك في معنيين يقولون نُفسر السجود هنا بالخضوع، لماذا؟ قالوا لأنه إن صلح أن نفسر السجود بوضع الجبهة على الأرض في حق الأنس فإننا لا نستطيع أن نعمم ذلك في كل ما ذكر الله -سبحانه وتعالى- كما في الشمس ﴿وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ﴾ فهذا، كيف نقول فيه هذا الكلام؟ لكن ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا مانع من استعمال المشترك في معنيين يقول السجود في حق العقلاء أو في حق من يتأتى منه السجود على الجبهة يكون هذا هو المراد به ومن، لا يتأتى في حقه ذلك فيكون السجود بمعنى الخضوع، وهم هنا اختاروا أن سجود الإنس والجن من المؤمنين منهم وكذا من الملائكة المراد به سجود الطاعة، وأما من بقية المخلوقات، فالمراد به سجود الخضوع.
قال: " وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ " وقدم الشجر على الدواب من باب تقديم السبب على المسبب؛ لأن الشجر مرعي الدواب فالدواب تقوم على الشجر، الدواب تقوم على الشجر بمعنى أنها تأكل أوراق الشجر وتستفيد منها، قال: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " إذًا عاد هنا إلى ذكر الناس، وبناءً عليه فيكون هذا مما ذكر في قوله: " وَمَنْ فِي الْأَرْضِ " ثم جاء بعد ذلك " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " فيكون هذا من باب عطف الخاص بعد العام، وقال: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " دون أن يقول وكل الناس أو وجميع الناس، للدلالة على أن من الناس من يطيع الله ويخضع له ويسجد، ومن الناس من يعصي ربه ولا يسجد لله -عز وجل-، وفهم من قوله: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " أن ما ذُكر قبل أريد به الجميع فمعنى قوله: " وَالنُّجُومُ " وكل النجوم، " مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ " كل النجوم، وكل الجبال، وكل الأشجار، وكل الدواب؛ لأنه قال: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " فهذا ليس المراد به الجميع ﴿أَنَّمَا﴾ بعض الناس، فقال: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " وهذا فيه أن المؤمنين أيضًا كثر بفضل الله وأن الساجدين كثر فإنْ قال قائل: كيف وقد وصف الله -عز وجل- الكافرين بالأكثرية، كقوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 116) [الأنعام: 116]، وكقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103) [يوسف: 103]؟ فيقال إن الكفار وتارك الشكر والطاعة هم الأكثر لكن لا يمنع ذلك أن يكون أهل الإيمان أيضًا كثيرين في أنفسهم، فالشيء يكون كثيرًا في نفسه ولكنه يكون قليلا إذا ما قرن بغيره، ومن ذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: 26) [البقرة: 26] فتأمل قوله: " وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا " أثبت أن المهتدين كثير لكنهم إذا قورنوا بالضالين كانوا أقل منهم.
قال الله -سبحانه وتعالى-: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد بسجود كثير من الناس هو السجود الاختياري وهو سجود الطاعة فإذًا نختار الوقف على قوله: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " لأن هؤلاء هم الذين يخضعون برغبة واختيار، ثم بعد ذلك قال: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " والمعنى فلم يسجد لله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قالوا هنا في التفسير: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة، ثم قالوا: وكثيرٌ يمتنع عن السجود له طاعة فحق عليهم عذاب الله لكفرهم؛ فلذلك قوله " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " استغني بقوله: " حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " استغني بذلك عن أن يقول: "وكثير لم يسجد فحق عليه العذاب"؛ لأنه لما قال: " حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " وربي لا يظلم أحدًا، إذًا لما حق عليه العذاب؟ لأنهم ليس لهم نصيب من هذا السجود، والمراد بالسجود هنا سجود الاختيار وسجود الطاعة، قال: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " وأما من يعطف قوله: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " على ما سبق، ويجعل هؤلاء أيضًا من الساجدين فيجعل هذا من السجود بمعنى الخضوع فقوله: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " خصهم بالذكر تشريفًا لهم، ثم قال: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " فسجودهم سجود خضوع، واستسلام، وانقياد لأمر الله سبحانه كما مضى معنا في سورة الرعد ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩﴾ (الرعد: 15) [الرعد: 15]، قال ولله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩﴾ (الرعد: 15) [الرعد: 15] فيكون هذا ممن يسجد لله كرهًا بالاستسلام فهو يخضع لأوامر الله الكونية، لكن القول الأول أقوى وأظهر لذلك يُختار الوقف على قوله: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " والعلم عند الله تعالى.
قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) [الحج: 18] وإذ نختار الوقف لا نعني بذلك عدم صحة الوصل؛ لأن من وصل جملة فحينئذٍ يزول الإشكال أيضًا فالذي يقرأ يقول: " وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ " سيجعل " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " من باب عطف الجمل وحينئذٍ يزول الإشكال أيضًا والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.
قال: " وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ " ثم ختم الله الآية بقوله: " وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ " من يقضي الله -عز وجل- عليه بالذل والمهانة لكفره " فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ " ليس له أحد يكرمه، " إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ " وقوله: " إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ " هذا تذييل مقرر لما قبله؛ لأنه لماذا " وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ "؟ لأن الله يفعل ما يشاء، وإذا كان ربي يفعل ما يشاء، فمن أهانه الله فهو المهان، ومن أكرمه الله فهو المكرم " وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ " وهذا فيه تعليمٌ للمرء أن يطلب الكرامة والعزة من الله سبحانه؛ لأن الله هو الذي يملكها وهو الذي يقدر عليها وهو الذي يعطيها؛ ولذلك قال الله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر: 10) [فاطر: 10]، " وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ " فالأصل أن الإنسان يطلب العزة والكرامة من الله -سبحانه وتعالى- وأن يعلم أن المعول عليه إكرام الله أو إهانة الله، فلا يرغب الإنسان في إكرام الناس له إذا كان عند الله مهانًا، ولا يضره أن يهينه أحد إذا كان عند الله من المكرمين.
قال: " وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ " وهنا، لفتة يعني جيدة في مسألة التأكيد؛ لأننا نلاحظ في هذه الآيات السابقة مضى معنا في الآية التي قبل هذه الآية "﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ آمنوا" بتأكيد "إن" ثم جاء في الخبر ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ ثم جاء بعده ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ وهنا جاء في ختام الآية ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ العلماء حينما يذكرون التأكيد، يقولون: إن للتأكيد أسبابًا فمن المعروف أنهم يقولون إن الكلام يؤكد لعده أسباب ومن أشهر الأسباب التي يذكرونها يقولون:
يكون التأكيد عند الخطاب مع المُنِكر: فإذا كان هناك شخص مُنِكر فإننا، نؤكد له الكلام.
وكذلك يكون هذا مع الشاك: لذلك يقسمون الناس من حيث الخطاب إلى خالي الذهن إنسان خالي الذهن لا يعرف شيئًا عن الموضوع المتحدث عنه فهذا لا يلزمك أن تؤكد له بل الأصل أن تقول الكلام مجردًا دون تأكيد؛ ولذلك لو أقسمت له أو أكدت يقول لك أنا ما كذبتك ولا أعرف شيئًا عن هذا الموضوع، لكن ﴿أَنَّمَا﴾ يؤكد للمنكر وللشاك.
وهناك موضع آخر يغفل عنه كثيرٌ من مواضع التأكيد وهو بيان أهمية الموضوع من حيث هو: فأنت قد تبدأ الكلام "بإن" لا من باب أنك تخاطب مُنكرًا، ولا من باب أنك تخاإذاً شاكًا، ولكن لجلال هذا الأمر ولتقريره وتأكيده في ذاته فتكون الأهمية نابعة من ذات الموضوع، لا باعتبار المخاطَب فحينئذ يزول الإشكال، في بعض المواضع التي لا يكون فيها خطاب لمنكر ولا لشاك والعلم عند الله تعالى.
قال الله بعدها: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي ﴿رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ (19) يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَٰمِعُ ﴿وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (21) كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (22)} [الحج: 19-22]، قوله: ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ له مناسبة بما قبله لأن الله لما قال: " وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " أي ممن يسجد طواعية، وانقيادًا، ورضًا، وبرغبة لله -سبحانه وتعالى- وقال: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " أي لأنه لم يسجد، فهذا يجعلنا نقول وما الفرق بين الفريقين؟ وما جزاء هذين الفريقين؟ وإذا كنت يا ربنا قد توعدت الفريق الآخر وقلت ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾، فماذا للفريق الأول؟ وماذا عن عذاب هذا الفريق الذي لم يسجد لله -سبحانه وتعالى-؟ فقال الله مفصلًا لذلك يمكن أن يقال إن قوله: " هَذَانِ خَصْمَانِ " وما بعده من هذه الآيات من باب التفصيل بعد الإجمال.
﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ لذلك قالوا هنا في المختصر: ولما بين الله -سبحانه وتعالى- من يسجد له طاعة ومن يمتنع، عقب ذلك بمصير كل منهما، إذًا هذا لبيان، المصير أو للتفصيل بعد الإجمال؛ لأن المصير ذُكر أيضًا في قوله: " وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " فقال: " هَذَانِ خَصْمَانِ " قالوا هذان فريقان، متخاصمان في ربهم أي من أجل الله، فمعنى " خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ " يعني من أجل الله -سبحانه وتعالى- وهذا فيه أنه من الأصول الكبيرة الموالاة في الله والمعاداة في، الله الموالاة في الله والمعاداة في الله -سبحانه وتعالى-، وهذا فيه أيضًا أن الإنسان إذا كان موحدا لربه -سبحانه وتعالى- فإنه يلقى خصومات وهذا لا يضره؛ لأنه لا يمكن أن يرضي جميع الخلق؛ لأن الخلق منهم من يطعن في ربه -سبحانه وتعالى-، ويطعن في الرسل، والمؤمنين ومن أجل ذلك فلا بد أن يجد الإنسان خصومات في تلك الحياة فلا عليه، المهم أن يكون ممن يرضي الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذا قال الله: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: 120) [البقرة: 120] ولذلك H0.
قال: ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن المقصود بذلك الخصمان خصم المؤمنين مع خصم المشركين، فيما وقع في غزوة بدر وقد ورد هذا عن أبي ذر -رضي الله عنه-، إنه أقسم بالله في أن هذا نزلت في علي بن أبي طالب وصاحبيه -رضي الله عنهم- وكذلك ثبت عن علي "أنا أول من يجثو ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ للخصومة، يوم القيامة هو علي وحمزة وعبيدة بن الحارث" هؤلاء الثلاثة، فالمراد بقوله: " هَذَانِ خَصْمَانِ " خصم أهل الإيمان من المراد بهم علي، وحمزة، وعبيدة، وما المراد بخصم أهل الشرك؟ عتبة، وشيبه، ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة بن ربيعة فهؤلاء الثلاثة كانوا في معارضة الثلاثة من أهل الإيمان، وهذا نستطيع أن ندخله في علوم القرآن في مبحث من المباحث، ومبحث المبهمات؛ ولذلك ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ معنا في مبحثين:
المبحث الأول: مبحث أسباب النزول: لأنه ثبت عن علي بن أبي طالب يقول: "أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة" وذكر الآية الكريمة: " هَذَانِ خَصْمَانِ " وأقسم أبو ذر -رضي الله عنه- على أن المراد بذلك علي بن أبي طالب وكذا معه صاحباه إذًا هذا سبب النزول.
وأيضا يدخل في بيان المبهم: لذلك هناك علم من علوم القرآن اسمه: "علم مبهمات القرآن" بمعنى تذكر كلمة مبهمة، ثم يأتي من الدليل ما يفسر لنا هذا الإبهام أو يكشف لنا هذا الإبهام، ومن أمثلته الشهيرة التي تقدمت معنا قريبا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ (الكهف: 60) [الكهف: 60] وقلنا إنه يوشع بن نون، بدلالة حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأيضًا ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65) [الكهف: 65] وقلنا إن المراد به الخضر -عليه السلام- أيضًا بدلالة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال: ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ ذكر الله جزاء الكافرين، " فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ " قالوا ففريق الكفر تحيط بهم النار مثل إحاطة الثياب بلابسها، هذه النار تحيط بهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (التوبة: 49) [التوبة: 49] كما تحيط الثياب بمن يلبسها نسأل الله السلامة، " ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ " والتعبير بقول: " ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ " معنى جليل ومعنًا خطير؛ وهو أن هذه الثياب تلاصقهم؛ لأن الأصل في الثياب حينما تقطع أن تكون مفصلة على قدر الأعضاء والمعنى أن النار لا تحيط بهم وهم في وسطها يصيبهم من لهبها بل إن المعنى أنهم مغمورون بها فهي تمسهم وتلحقهم وكذلك كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 56) [النساء: 56].
قال الله: " يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ " يصب من فوق رؤوسهم الماء المتناهي في الحرارة وهذا معنى الحميم، ﴿يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ﴾ (الحج: 20) [الحج: 20] نسأل الله السلامة، يذاب ﴿بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ﴾ من الأحشاء من شدة حره ويصل إلى جلودهم فيذيبها كما تقدم ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) وكما قال الله:﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) [محمد: 15] وهنا قال: ﴿يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ﴾، فهذا في معنى ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) [محمد: 15].
قال:﴿وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (الحج: 21) [الحج: 21] "المقامع": السياط، أو قالوا هنا المطارق، فالمقامع يقال: السياط أو المطارق، ولهم في النار مطارق من حديد تضرب الملائكة بها رؤوسهم فهم ما بين ضرب وإهانة ونار وشرب من حميم إلى غير ذلك من ألوان العذاب.
قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (الحج: 22) [الحج: 22] يتمنون ويرغبون في الخروج؛ لينجو كل واحد منهم من هذا العذاب وهيهات، قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ قالوا هنا: من الكر أي بسبب الغم فقوله: " مِنْ غَمٍّ " بسبب الغم؛ لأن الإنسان إذا كان في مكان طيب فإنه لا يحب تركه ولذلك تقدم أيضًا في آخر سورة الكهف ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (الكهف: 107-108) [الكهف: 107-108] لا يريدون التحول عنها إلى مكان آخر؛ لأنهم في نعيم مقيم، أما هؤلاء كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا، لِمَ؟ " مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ " وهذا من الأدلة على بقاء النار، وعدم فنائها، فهناك أدله كثيرة في الكتاب والسنة تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الجنة والنار لا تفنيان ومن أدله عدم فناء النار هذه الآية؛ لأنّّ الله قال: " أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ " العذاب المحرق.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج: 23) [الحج: 23] هذا في المقابل، يذكر الله أهل الإيمان ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج: 23) وصدر الآية تقدم قريبًا، قال هنا: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ " "الأساور" جمع أسورة، و "الأسورة" جمع سوار، فقوله: " أَسَاوِرَ " جمع وهو يدل على التكثير، فإذا أريد التكثير وكان للجمع جمع يؤتى بجمع الجمع فالمعنى، يحلون من أساور كثيرة " مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا " قال بعضهم: يعني ويحلون لؤلؤًا أيضًا لذلك قال: " وَلُؤْلُؤًا " فجاء وقوله: " وَلُؤْلُؤًا " منصوب " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا " يعني ويحلون لؤلؤًا والقراءة الأخرى " وَلُؤْلُؤٍ " فهي معطوفة على الذهب على قول بعضهم، إذًا عندنا "من ذهبٍ ولؤلؤٍ" فالأساور من الذهب ومن الؤلؤ، أو المعنى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أو أن قوله: " وَلُؤْلُؤًا " على النصب أيضًا معطوف على المحل كما قال بعضهم، على كل حال قالوا هذا فيه أن الأساور متنوعة فهما بين حُلي بذهب وما بين حلي بلؤلؤ وما بين ما هو نسيج من هذا وذاك أو مخلوط من هذا وذاك مرصع باللؤلؤ كما يقولون وهذا من أتم النعيم وأكمله.
قال: " وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ " يلبسون أيضًا في الجنة ثيابًا من الحرير، وتأمل قوله: " وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ " في مقابل " فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ " فنسأل الله السلامة والعافية، والآخرون " وَلَهُم مَّقَٰمِعُ ﴿وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ " وهم الكفار في مقابلة من يُنعم ويُحلى بالأساور من ذهب، وهذا من كماله النعيم فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من أهل الإيمان.
فوائد الآيات:
الهداية بيد الله يمنحها ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من عباده: قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ﴾ (الحج: 16) [الحج: 16].
رقابة الله على كل شيء من أعمال عباده وأحوالهم: قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17) [الحج: 17]، فمن معاني شهادة الله على خلقه رقابته لهم، وأنه لا يغيب عنه شيء -سبحانه وتعالى-.
خضوع جميع المخلوقات لله قدرًا، وخضوع المؤمنين له طاعة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) [الحج: 18] إلى آخر الآية.
العذاب نازلٌ بأهل الكفر والعصيان، والرحمة، ثابتة لأهل الإيمان والطاعة: قال الله سبحانه ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ (الحج: 19) [الحج: 19] إلى آخر الآيات، وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج: 23) [الحج: 23] إلى آخر الآية الكريمة.
قال الله سبحانه: ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (الحج: 24) [الحج: 24] يصف الله -سبحانه وتعالى- ﴿عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾، فذكر من أوصافهم ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ ما المراد بالطيب من القول؟ قالوا هنا: وأرشدهم الله في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ إلى طيب الأقوال كشهادة أن لا إله إلا الله والتكبير، والتحميد، فالمراد بقوله: ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ أي في الدنيا، بدليل قوله: " وَهُدُوا " بالفعل الماضي أي وهدوا في الدنيا إلى الطيب من الأقوال، فكأن الله لما ذكر جزاءهم اتبع ذلك بذكر بعض أعمالهم، فقال: ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ أي في الدنيا، وأعظم الطيب في القول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر الله وتسبيحه وحمده وتمجيده وما إلى ذلك.
ومن أهل العلم من قال: ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ أي في الجنة؛ لأن هذا من توابع الجزاء فالله قال قبلها " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ " قالوا ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ لما رأوا النعيم الذي هم فيه في جنات النعيم هدوا أيضًا ﴿إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾، وقالوا من ذلك الثناء على الله وحمد الله على ما أنعم عليه، وقالوا كقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ﴾ (إبراهيم: 23) [إبراهيم: 23] وقالوا كقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 43) [الأعراف: 43] وقال: ﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ (الزمر: 74) [الزمر: 74] وكقوله: ﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 34) [فاطر: 34] ولا مانع من حمل الآية على القولين فهم هدوا ﴿إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ في الدنيا، وترتب على ذلك أن الله هداهم للقول الطيب في الآخرة حينما يلقون هذا الجزاء العظيم من الرب العظيم سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (الحج: 24) [الحج: 24] ما معنى " وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ " قالوا هنا وأرشدهم إلى طريق الإسلام المحمود " وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ " المراد "بالصراط الحميد" الصراط المحمود، والمحمود هو الإسلام إذًا " وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ " أي وهدوا إلى طريق الإسلام المحمود، ومن العلماء ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن الحميد المراد به الله، فيكون المعنى وهدوا إلى صراط الله فالمراد بالحميد هنا الله على أحد القولين، إذًا " وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ " أي إلى الصراط المحمود فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد وهدوا إلى الصراط المحمود فالصراط هنا أُضيف إلى الحميد مع أنها في الأصل صفه لهذا الموصوف، فقوله: " وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ " أصل الكلام فيه على القول الأول أي وهدوا إلى الصراط المحمود، فالحميد هنا بمعنى المحمود، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وأما على القول الثاني وهدوا إلى صراط الله، ففيه وصف الله -عز وجل- بأنه الحميد لأنه المحمود -سبحانه وتعالى- محمودٌ في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله -عز وجل-، ويمكن أيضًا حمل الآية على الوجهين.
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25) [الحج: 25]، انتقلت بنا الآيات إلى ذكر بعض صنيع الكفار حين يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام وناسب هذا -والله أعلم- أن الآيات قبل ذكر الله فيها السجود ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) [الحج: 18] ومن أعظم الأماكن التي يُسجد فيها لله المسجد الحرام، فجاء ذكر المسجد الحرام، وليبين الله سبحانه أيضًا إذا كان أهل الإيمان قد هدوا ﴿إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ فهناك الكافر الذي لم يهتدِ في القول ولم يهتد في الفعل، بل هو معتد وآثم، ويعتدي على غيره ويصد عن سبيل الله، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ يعني والحال أنهم يصدون عن سبيل الله وجاء، التعبير بالفعل المضارع " وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " للدلالة على تكرره يعني أن هذا الصد صدٌ متكرر، وقد ذهب كثيرٌ إلى أن هذا أُريد به ما وقع في الحديبية حينما منع المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من الاعتمار، وهذا إن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ به فهو مما يؤكد ما تقرر سابقًا من أن سورة الحج سورة مدنية على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأنه لا يعلم صد لهم عن المسجد الحرام قبل ذلك وإنما قصدوها وقت إذًا من أجل أداء العمرة، ويشهد لذلك ما سيأتي بعد ذلك بإذن الله، -تبارك وتعالى- أيضًا من الحديث عن الجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.
قال الله -عز وجل-: " إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " يصدون الناس عن سبيل الله أي عن الدخول في الإسلام، ففسر هنا " سَبِيلِ اللَّهِ " بالدخول في الإسلام، وهو معنى جليل، فمعنى " وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " عن طريق الله وطريق الله هو طريق الله هو الإسلام وهو المراد بقوله: ﴿وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ﴾ على أحد القولين، وحتى لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد إلى صراط الله وصراط الله صراط محمود فبينهما تلازم، قال: " وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ " أي ويصدون الناس أيضًا عن المسجد ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ من العلماء من فسر المسجد هنا بالحرم؛ لأنهم منعوا الناس منعوا المؤمنين من دخول الحرم؛ لذلك مكثوا في الحديبية، وهذا كما تقدم بيانه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يشهد لمن قال إن الحرم له حرمة المسجد الحرام، ومن ثم ذكر بعض العلماء أن له الفضائل الموجودة في المسجد الحرام وهذا يدل عليه هذا الدليل وغيره من الأدلة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: 25) [الفتح: 25] والمراد بالصد عن المسجد الحرام أيضًا الصد عن الحرم.
قال الله -سبحانه وتعالى-: " وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ " قال: " جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ " ما معنى " جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ "؟ جعلناه قبلة للناس في صلاتهم ومنسكًا من مناسك الحج والعمرة يستوي فيه المكي المقيم فيه، والطارئ فيه من غير أهل مكة، فمعنى " الْعَاكِفُ " يعني المقيم فيه من أهل مكة، " وَالْبَادِ " الذي يأتيه مسافرًا ولا يقيم فيه، والمعنى أن الناس لهم في هذا المسجد الحرام وفي الحرم حق يتساوى الجميع فيه فلا يجوز لأحد أن يمنعهم منه، فمن قصد الحرم مصليًا، أو قصد الحرم حاجًا أو معتمرًا لا يجوز لأحد أن يصده عن المسجد الحرام، لا يقول نحن أهل مكة فنحن نمنع من شئنا ليس لهم ذلك؛ لأنّّ الله قال: " سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ " لهم هذا الحق، فلا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم في ذلك، وكأن في هذا رد على نعرة هؤلاء من أننا نحن سدنة البيت وأهل البيت ونحن أحق من غيرنا، فليس لهم في ذلك شيء؛ لأن هذا مما جعله الله -عز وجل- لعموم الناس، قال: " سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ " وفيه تشنيعٌ عليهم بأن هذا المسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء وأن ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يأتيان إليه ولا يمنعان ثم أنتم تصدون الناس عنه فهذا يدل على عظيم جرمكم.
قال: " سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ " و " الْعَاكِفُ " منه جاء الاعتكاف، ومنه جاء كلمة العكوف وأصل المادة يدل على الإقبال على الشيء وملازمته، لكن على سبيل التعظيم؛ لذلك في معنى العكوف والاعتكاف معنى التعظيم أن الإنسان العاكف يعظم الله -سبحانه وتعالى-.
قال: " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " هنا بقي شيء لم يُذكر في الآية وهو خبر "إن" ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25) [الحج: 25] ماذا؟ أين الخبر؟ " إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " بعض العلماء يقولون: إن "الواو" في قوله: " وَيَصُدُّونَ " زائدة وأصل الكلام "﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا يصدون" وهذا قول ضعيف؛ لأن الأصل عدم القول بالزيادة، لكن يُقال: الجواب مقدر أو خبر "إن" مقدر دل عليه ما جاء بعده، وهو قوله: " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " إذًا معنى الآية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى﴾ جَعَلْنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ فسوف نذيقهم العذاب الأليم".
ولذلك تأمل هنا في المختصر حينما قالوا فسوف نذيقهم العذاب الأليم ما قالوا ذلك إلا لإدراكهم أن هناك خبرًا مقدرًا فُهم هذا من السياق، وأفضل التقديرات ما دل عليه السياق؛ لذلك بعض العلماء يقولون: " إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " خسروا، هلكوا، هذه كلها تصح أخبارًا، بيد أن أفضل من هذا وذاك ما جاء مصرحًا به بعد ذلك، وتقدم نظير ذلك في التقدير مع "إذ" ﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (البقرة: 51) [البقرة: 51] ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ يقدرون "واذكروا" بدليل أن الله صرح بقوله "واذكروا" مع "إذ" في مواضع متعددة، من كتابه -سبحانه وتعالى.
قال: " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ " قالوا هنا: ومن يرد فيه ميلًا عن الحق بالوقوع بشيء من المعاصي عامدًا، تأمل قولهم: ميلًا عن الحق، ما معنى ميلًا عن الحق؟ هذا تفسير لكلمة إلحاد، إذًا " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ " ما المراد بالإلحاد؟ الميل عن الحق، إذًا أصل مادة "الإلحاد" الميل عن الحق والصواب والرشاد فهذا معنى قولهم ميلا عن الحق بالوقوع بشيء من المعاصي؛ لأن الذي يميل عن الحق وقع في المعصية إما لأنه ترك واجبًا أو ارتكب محرمًا، قولهم: عامدًا، ما معنى كلمة عامدًا؟ من أين أتت؟ من قوله: " بِظُلْمٍ " تأمل إذا سئل أحدنا فقيل له ما معنى الإلحاد؟ يقال بميلٍ عن الحق، مال عن الحق فيدخل فيه عموم المعاصي.
العلماء لهم في تفسير "الإلحاد" أقوال كثيرة، فبعضهم يقول: الإلحاد منع الناس من إتيان المسجد الحرام، فعل المعاصي، وبعضهم ذكر بعض المعاصي، وبعضهم ذكر الاحتكار فسر "الإلحاد" بالاحتكار كنوع من الأنواع، والأصل في ذلك حمل اللفظ على العموم " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " لأنَّه جاء في سياق الشرط، وقوله: " بِإِلْحَادٍ " نكرة فهي تفيد العموم، قال: " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ " ما معنى " بِظُلْمٍ " يعني عامدًا هو ظالم معتد عامد، لم يفعل ذلك دون قصد بل هو عامد، " نُّذِقْهُ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " هذا هو جزاءه، لكن تأمل قوله سبحانه: " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ " حينما جاؤوا ليفسروها، قالوا: ومن يرد فيه ميلًا، لم يقولوا: ومن يرد فيه بميل؛ لأن الأصل في أراد أن تتعدى بنفسها تقول أردت كذا يريد فلان كذا فتذكر المفعول أراد محمدٌ الكتابة، أراد محمدٌ كذا، إذًا المفعول يُذكر مع أراد ولا يحتاج إلى الباء، لكن هنا لم يقل ربي "ومن يرد فيه إلحادًا "،كما فسروا هنا قال ومن يرد فيه ميلًا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ " فأدخل الباء فحينئذ قال بعض المفسرين هذا فيه أسلوب التضمين وأن المراد بالإرادة هنا من يهم أو يتلبس فالمعنى ومن يهم ﴿فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولذا استدل بهذه الآية كثير من العلماء على أن الهم بالمعصية في الحرم أو في المسجد الحرام يستوجب العقوبة والعذاب، فمع أن الأصل أن الإنسان لو هم بالمعصية لكنه لم يعملها لن تكتب عليه سيئة قالوا لكن الهم بالمعصية في الحرم، في المسجد الحرام، ممنوع وسببٌ في أن يستحق صاحبها العذاب من الله -سبحانه وتعالى- بما استدلوا؟ استدلوا، بالآية الكريمة " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " واستثنوا هذا من الآيات الأخرى التي فيها أن الأصل في ذلك أن الإنسان لا يحاسب إلا على ما فعل، ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 160) [الأنعام: 160] فقال: " مَنْ جَاءَ " جان أتى بها وقد فعلها.
فقالوا هنا " وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " فقالوا معناه يهم بهذه المعصية ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ ولذلك استدل بعضهم على ذلك بأن السيئة تُضاعف في الحرم، كما أن الحسنة تُضاعف في الحرم، ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا يلزم؛ لأن هنا قد يرد إشكال، كيف وقد قال الله: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذه الآية جاءت في سور مكية، فالله سبحانه ذكر هذا الأصل في سورة النمل، وذكره في سورة القصص فقالوا كيف هذا؟ ورب العزة -سبحانه وتعالى- قال: " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ " وهذا كان في مكة؛ لأن السورة مكية، فكيف وقد بين الله أن الحسنة بعشر أمثالها، فكيف تقولون إن الحسنة في مكة تُضاعف أكثر من ذلك؟ فأجاب بعضهم قالوا: لا يُشترط أن تكون المضاعفة بمضاعفة الكثرة، وإنما المضاعفة بمضاعفة الكيفية بمضاعفه الشيء،كما يقال في العذاب لا يشترط فيه كثرة العذاب ولكن تغليظ العذاب، كذلك في الإكرام تجميل الإكرام تحسين الإكرام، فإنسان مُكرم وآخر مُكرم، لكن هذا في نعيم أكثر أو في نعيم أعظم فيكون المراد بالمضاعفة من حيث الكيفية إلا ما ورد فيه التنصيص على أجر خاص كالصلاة في المسجد الحرام، كالصلاة بأنها بمائة ألف صلاة فهذا ورد فيه نص خاص؛ لذلك الجمع عن طريقين:
أو أن يُقال إن هذا مما استثني، فيكون هناك عام وهناك خاص والعلم عند الله تبارك، وتعالى.
قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (الحج: 25-26) [الحج: 25-26] قالوا: "واذكر" إذًا قدروا اذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول " وَإِذْ بَوَّأْنَا " قالوا بينا لإبراهيم مكان البيت، إذًا ما معنى " بَوَّأْنَا "؟ قالوا بينا، وأيضًا نقول هيأنا وعرفنا، إذًا " بَوَّأْنَا " هيأنا وعرفنا وبينا " لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ " قالوا مكان البيت وحدوده بعد أن كان مجهولًا، ورفع، إبراهيم -عليه السلام- القواعد، وقال: فإنَّ ها هنا بيتًا ابني كما أمرني ربي سبحانه، وتعالى.
قال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (الحج: 26) [الحج: 26] هذا هو المراد، إذًا هذا البيت قام على التوحيد أي وأوحينا إليه ﴿إِلَّا﴾ تشرك بي شيئًا " ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ " لما ذكر الله المسجد الحرام وصد الناس عنه ناسب هذا أن يذكرنا بنشأته، وبدايته، ورفع القواعد منه، فكانت هذه مناسبة لذكر بعض ما يتعلق بهذا المسجد الحرام وتشريفه وبيان قدره، قال: " أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا " وقول: " أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا " لأن الموحد طاهر القلب، ولأن الشرك نجاسة القلب، فناسب بعدها أن يقول: " ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ " فليس المراد تطهير البيت وفقط، ﴿أَنَّمَا﴾ تطهير البيت وتطهير القلوب، وتطهير القلوب بتوحيد الملك الخبير، علام الغيوب -سبحانه وتعالى-.
قال: " ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ " قالوا: وطهر بيتي من الأنجاس الحسية والمعنوية للطائفين به، والمصلين فيه، فيُطهر من الأوثان، أو يُطهر من النجاسات الحسية، والنجاسات المعنوية، " وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ " بدأ بالطائفين؛ لأنه أخص بهذا المسجد، فالمساجد كلها فيها الركع وفيها السجود، وأما المسجد الحرام فيختص بالطواف؛ فلذلك يُقدم الطواف لأنه مختص بهذا هذا البيت، قال: " لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " واستفيد من ذلك أنه يطهره حتى يكون حتى يكون مؤهلًا لدخول الناس فيه وللعبادة فيه، استفادوا من ذلك عدة فوائد منها:
مشروعية تطهير المساجد: هذا من جهة لأنه أُمر بذلك.
وأيضًا فضل تطهير المساجد ونظافة المساجد: لأن الخليل إبراهيم -عليه السلام- كُلف بهذا وأُمر بهذا، وهذا يدل على شرف هذا العمل.
ومن جهة أخرى استفاد من ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يُعد المكان إذا زاره زائر أو أتاه ضيف: فهذا مما يستدل به على ذلك، هؤلاء الناس زوار بيت الله الحرام، عليكم أن تستعدوا لذلك بتطهير البيت استعدادًا لقدومهم.
قال الله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 26-27) [الحج: 26-27]، " وَأَذِّنْ " ونادِ " فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا " انتقلت الآيات إلى الحديث عن الحج والذي سميت به السورة المباركة، حديث عن هذا الركن الخامس من أركان الإسلام وكما، تقدم معنا فهذه السورة هي التي اختصت بأن سميت باسم أحد أركان الإسلام، وليس عندنا سورة اسمها الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، لكن هنا الحج؛ لأن الحج يجمع هذه الأبواب كلها بفضل الله -سبحانه وتعالى-، فقال: ﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ وذكر الحج مناسب لذكر البيت؛ لأنه مما يتميز به هذا البيت أن الناس يحجون ويعتمرون إليه، يزورونه ويقصدونه بالحج والعمرة، قال: " يَأْتُوكَ رِجَالًا " ما معنى رجالًا؟ قال: يأتوك مُشاةً، إذا معنى رجالًا مشاةً، ودليل ذلك قوله: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} لذلك كلمة رجال تأتي في القرآن بمعنى المترجل الماشي، وتأتي الرجال بمعنى جمع "رجل" ويُفهم هذا من السياق، فهنا قال: " يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " فمن مقابلة الراكب الراجل، كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 239) [البقرة: 239]، في قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: 108) [التوبة: 108]، أو في قول الله: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ (النور: 37) [النور: 37] فمعروف أن الرجال هنا هم الرجال جمع "رجل"؛ إذًا هذا بحسب السياق.
قال: " يَأْتُوكَ رِجَالًا " مترجلين، " وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " ما معنى " وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ "؟ قالوا على كل بعير مهزول مما عانى من السير وهذا جميل منه؛ لأنه قد يقول قائل " وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ " المراد "بالضامر" يقولون المهزول البعير المهزول دابة هزيلة أو مهزولة، فقائل يقول: أوليس الأفضل أن يأخذ الإنسان معه البعير القوي، لماذا يأخذ معه الهزيل أو المهزول؟ يُقال إن التعبير في قوله: " وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ " باعتبار ما انتهى إليه أمره، لا باعتبار البداية يعني أنه سيسافر سفرًا طويلًا، فماذا سيجري له؟ يصير هزيلا؛ إذًا هذا للدلالة على بعد المسافة؛ لأن قوله: " يَأْتُوكَ رِجَالًا " دلالة على القرب وعلى كل ضامر، لماذا صار البعير هزيلًا؟ لأنه أُتعب وأُضن من شدة السفر أو بعد المشقة أو الشقة، قال: " وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " فهذا هو السر في التعبير بقوله ضامر، على أن ضامر فيها معنًا آخر وهو أن الضامر هو خفيف اللحم، وهذا يكون أجمل في السير أيضًا، فيكون المقصود على كل ضامر، ليس ثقيلًا بل إنه يتحرك بسرعة والعلم عند الله، وفيه أنه كلما كانت الوسيلة جيدة وحسنة وتوصل إلى الغرض فلا بأس بها فاليوم ركوب الطائرات لا حرج فيه البتة.
ولذلك أورد بعض العلماء هنا مسألة:
فبعضهم يقول المشي إلى الحج أفضل من الركوب: لأن الله قدمه في الذكر.
وقال بعضهم ليس هذا مرادًا فإنَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- ركب في الحج صلوات الله وتسليماته عليه: وH0.
قال: " وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " ولم يقل يأتون، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: " يَأْتِينَ " فذكر الرواحل نفسها للدلالة على مكانة هذه الرواحل وهي تأتي من كل فج عميق، فكيف براكبيها؟ قال: " يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " قالوا هنا: من كل طريق بعيد، فقوله: " مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " أي من كل طريق بعيد، والأصل أن "الفج" هو الشق بين الجبلين ويقال للطريق الواسع، وفي قوله: " يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " والعلم عند الله إشارة إلى الفتوحات الإسلامية وإلى أن ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا لأنهم حينما يأتون من كل فج عميق هذا يدل على أن الراغبين في الحج سيأتون من كل مكان وهذا يدل على اتساع رقعة الإسلام بفضل الله -سبحانه وتعالى-، ففيه إشارة أو إلماحة إلى ذلك والعلم عند الله.
قال: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28) [الحج: 28] هذا من حكم الحج، من حكم الحج ليشهدوا منافع لهم قالوا، هنا ليحضروا ما يعود لهم بالنفع من مغفرة الذنوب والحصول على الثواب وتوحيد الكلمة، وغير ذلك، وأحسنوا في هذا، فهم ذكروا بعض منافع الحج لأن قوله: " لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ " هذه المنافع لم يقيدها الله فيدخل في قول " لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ " منافع دنيوية، ويدخل فيه منافع أُخروية، فمن المنافع الدنيوية ما يتعلق بأنه موسم للتجارة للتعارف، للمؤاخاة، لاجتماع الناس على البر والتقوى، توحيد صفوف المسلمين، قضاء حوائجهم إلى غير ذلك، وأيضًا فيه ما فيه من الخيرات والبركات، "والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة" "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة التي بينها الرسول الأكرم صلوات ربي وتسليماته عليه.