سورة الحج — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
والتسليم لأمره.
هذه السورة الجليلة سورة الحج سورة مباركة، وكما قال بعضهم هي من أعاجيب السور؛ ولذلك هي من السور التي اختلف فيها اختلافًا كبيرًا من حيث: مكيتها أو مدنيتها.
وبعض العلماء يميل إلى أنها مدنية.
وبعضهم قال: بل فيها مكي، ومدني.
ولذلك مال بعضهم إلى أنها سورة مختلطة؛ ومعنى قولهم مختلطة يعني أن فيها آيات مكية، وأن فيها آيات مدنية، بل رجح ذلك عددٌ من المفسرين كابن عطية والقرطبي ونسباهُ للجمهور.
ولكن الأقرب و-العلم عند الله تعالى- أن هذه السورة الكريمة سورة الحج سورة مدنية؛ فهناك آيات -بالإجماع- أو إن شئت فقل: دلت النصوص على أنها مدنية، ولذلك من نقل أنها مكية استثنى آيات؛ لأنه لا يستطيع أن يدفع ما قيل من مدنية بعض آياتها، كقوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39) [الحج: 39]، ومن المعلوم أن الجهاد ﴿أَنَّمَا﴾ شُرع بالمدينة، فهذه آيات من قال إن السورة مكية استثناها، وقال الآيات التي تحدثت عن الجهاد في سبيل الله آيات مدنية.
تحليل مقارن وربط بين السور
كذلك في السورة الكريمة: ﴿۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ (الحج: 19) [الحج: 19]، وهذه نزلت كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة عند الشيخين نزلت في حق علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث -رضي الله تبارك وتعالى عنهم- في مقابلة عتبة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وهذا كان في غزوة بدر وغزوة بدر كانت بعد الهجرة كما هو معلوم إذ كانت في السنة الثانية من هجرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فهناك آيات واضحة وجلية في أنها آيات مدنية كالآيات المتحدثة عن الخصومة التي وقعت بين أهل بدر وكذلك الآيات المتحدثة عن الجهاد؛ لذلك الأقرب و-العلم عند الله- أن يقال إن السورة مدنية، وربما علقنا على بعض الآيات التي قيل بمكيتها في موضعها -بإذن الله- - تبارك وتعالى- لكن كما قلت من العلماء من قال إن السورة من أعاجيب السور حتى ذكر الغزنوي وغيره مثل هذا الكلام، وقالوا: فالسورة فيها المكي وفيها المدني وفيها الحضري، وفيها السفري، وفيها الليلي، وفيها النهاري إلى غير ذلك مما ذكر في سورة الحج.
والحق والعلم عند الله أن سورة الحج عجيبة جدًا في ذكر الأصول التي وردت فيها، فهي سورة حينما تقرأها تجد فيها بوضوح وجلاء الأصول المتقررة في السور المكية ولعل هذا هو الذي دفع كثيرًا من المفسرين إلى القول بمكية السورة المباركة؛ لأنَّها قررت البعث، وبدأت وافتتحت بقوله:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] وهذا يُناسب السورة المكية في الغالب وليس بلازم؛ لأننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن القاعدة التي يُقال فيها إن "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس" تدل على أن السورة مكية، ليست هكذا وإنما الصحيح إذا قيل: "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس" في السورة وليس فيها "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا"، أما سورة الحج ففيها "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس"، وفيها "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا"، ووجود "يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا" في سورة يدل على مدنية السورة، وهذا من دلائل مدنيتها من حيث المميزات، والخصائص.
ثم وردت آثار تدل على مدنية السورة المباركة، فسورة الحج فيها تقرير، الأصول المكية التي تقرر في مكة، وفيها تشريعات وأحكام، ففيها تشريع الحج، والحج كان بالمدينة والسورة تسمى بسورة الحج، ومعروف أن وجوب الحج ﴿أَنَّمَا﴾ كان في المدينة، وأعني في المدينة يعني كان بعد الهجرة، صحيح أن الحج يكون في مكة لكنني أقصد بذلك أن تشريع الحج أو أن وجوب الحج ﴿أَنَّمَا﴾ شُرع بعد الهجرة سواء أقلنا إن الحج فُرض في السنة السادسة أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه فرض في السنة التاسعة إلى غير ذلك مما قاله العلماء، لكنه بإجماع كان بعد هجرة النبي -صلوات الله وتسليماته عليه-.
سورة الحج إذًا قولهم مدنية هذا هو الأرجح فيما أرى والعلم عند الله- تبارك وتعالى- لكن الخلاف موجود بين العلماء؛ لذلك إذا وجدنا في بعض النسخ، أو في بعض الكتب حينما يقولون مكية، إذًا هذا على رأي بعضهم، وقُلت إن ما يوجد في بعض المصاحف من كلمة مكية أو مدنية هذا اجتهادي، هذا أمر اجتهادي؛ بمعنى أنه ليس من فعل الصحابة- رضي الله عنهم- وردت آثار عن الصحابة وعن التابعين في بيان أن هذه السورة مكية أو أن هذه سورة مدنية لكنهم لم يكتبوا ذلك في المصاحف، ﴿أَنَّمَا﴾ هذا اجتهاد جاء بعدهم والعلم عند الله- تبارك وتعالى-.
بعد ذلك نقول: إن هذه السورة تسمى بسورة "الحج" وهي في ذلك أيضًا عجيبة، أو وهي في ذلك تتميز عن غيرها من السور حيث إنها سميت باسم ركن من أركان الإسلام ولم نجد سورة اسمها "الصلاة"، ولا سورة اسمها "الزكاة"، ولا سورة اسمها "الصوم"، لكننا وجدنا هذه السورة تسمى بسورة الحج؛ فهذا مما اختصت به هذه السورة الكريمة، ومن خصائص السورة الكريمة أن بها سجدتين ولا يوجد هذا في سورة أخرى، فالسورة الوحيدة التي فيها سجدتان هي سورة الحج:
الأولى: في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ (الحج: 18) [الحج: 18].
والثانية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77) [الحج: 77] في آخر السورة المباركة.
مقاصد السورة:
أما بالنسبة لمقاصد السورة فقالوا هنا: "تعظيم الله سبحانه، وشعائره" أي وتعظيم شعائره، "والتسليم لأمره"، فذكروا أن مقصود السورة التعظيم تعظيم رب العزة، وتعظيم شعائره، "والتسليم لأمره" وهذا من جميل ما ذكروا وفقهم الله وسددهم، والحقيقة أن مقصود سورة الحج حينما نتلمسه، نجد فيها مقاصد كثيرة وبالفعل لو تتبعنا كما قلت المقاصد العامة أو الأصول العامة التي تُعنى بها السور المكية فإننا نجدها مبثوثة في هذه السورة المباركة، لكن فيكون أن لكل سورةٍ مقصدا خاصًا، ومحورًا رئيسًا اعتنت به.
وفي الحقيقة أن ما ذكروه جيد جدًا؛ وهو أن مقصود السورة: تعظيم الله سبحانه، وشعائره والتسليم لأمره، أولًا هذا ظاهر في الاسم فاسم الحج يدل على هذا المعنى؛ لأننا حينما ننظر إلى شعيرة الحج، على ما تقوم شعيرة الحج؟ تقوم على تعظيم الله، وتعظيم شعائر الله- سبحانه وتعالى-، فهذا واضح جدًا، فالذي يذهب إلى الحج، ويفارق أهله، يفارق وطنه، ويبذل ماله، وكذلك يذهب ويجاهد بنفسه وماله هذا كله تعظيمًا لأمر الله - سبحانه وتعالى- ولشعائر الله.
كذلك فإنَّ الحاج وهو يلبس لباسًا خاصًا، ويتحرك حركات خاصة، ويقول أقوالًا خاصة، ويُقيم في أماكن خاصة، كل هذا من استسلامه لأمر الله- سبحانه وتعالى-، والحج كله قائم على هذا، والتلبية هي إهلالٌ بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"؛ إذًا هذا المقصد الذي ذكروه واضح من اسم السورة.
ثم انظر إلى السورة نفسها تجد أن مادة التعظيم متكررة في السورة ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ (الحج: 30) [الحج: 30]، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32) [الحج: 32]، قضية التعظيم واضحة وجلية في السورة المباركة.
ثم كذلك التسليم لأمره ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج: 34) [الحج: 34] الاستسلام لله، الاستسلام في باب الحج، الاستسلام في باب الأضاحي؛ ولأن التسليم يقابله الشرك، ويقابله الاعتراض والتولي عن آيات الله، وعن دين الله؛ لذلك جاء في السورة ﴿وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحج: 68) [الحج: 68] ذكر المجادلة، والإعراض عن آيات الله- سبحانه وتعالى-، ذكر أيضًا قضية الشرك {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ﴾ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 30-31].
فقضية الاستسلام ظاهره جدًا في السورة المباركة، تعظيم الله وشعائره، والتسليم لأمره، ولك أن تقول: إن بداية التعظيم، وبداية التسليم من أين تأتي؟ تأتي من تقوى الله- عز وجل- في القلب، فتقوى الله في القلب ينتج عنها التعظيم، وينتج عنها التسليم؛ ولذلك لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن السورة مدارها على الحث على تقوى الله- سبحانه وتعالى- بذكر ما يدفع الإنسان إلى التقوى، وما تثمره التقوى لكان ذاك، ودليل ذلك صدر السورة وقد اتفقنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أننا نتعرف على مقصد السورة من افتتاحها كما قرر ذلك عدد من العلماء كالسيوطي والبقاعي- رحمهم الله-، فأول السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] وقد قرر بعضهم أن قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] جملة تعليلية "اتقوا ربكم" لأن ﴿زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾؛ إذا مما يحرك قلبك ويدفعك إلى تقوى الله زلزلة الساعة معرفتك بالآخرة.
فإذًا تقوى الله ولذلك تأمل تجد قضية القلب واضحة جدًا في السورة المباركة، والآيات التي تقدمت معنا ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32) [الحج: 32] فيذكر تقوى القلوب، وكذلك ذكر التقوى تكرر في الآيات الكريمة، ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الحج: 37) [الحج: 37] قضية التقوى، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ (الحج: 46) [الحج: 46] فقول قلوب ذكر القلوب، وقال الله- سبحانه وتعالى- أيضًا في السورة الكريمة ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: 54) [الحج: 54].
وقضية الاخبات وهي مبنية على اخبات القلب ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج: 34) [الحج: 34]؛ لذا ذكر أبو حيان أن السورة خُص فيها هذا الذكر لقوله" "المخبتين"، ومذكور في هذه السورة وهذا مناسب لاخبات القلب ولمضمون السورة المباركة على أن الحج كله قائم على التقوى، ولعلكم تتذكرون ما مضى معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة "البقرة" أن الله- عز وجل- في آيات الحج في سورة "البقرة"، كان الحديث المستفيض أو الواضح الجلي فيها عن التقوى من أول آيات الحج إلى آخر آيات الحج، وآخر آية في الحديث عن الحج في سورة البقرة ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203) [البقرة: 203]، وهنا قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] هذا يدل على أن سورة الحج تدل على هذا.
فلما ذكرت أو لما سُميت بالحج؟ لأن الحج مظهر من مظاهر تقوى الله- سبحانه وتعالى-؛ لأن العبد في الحج يتلمس الطريق إلى قبول حجه، فيجتنب كل محظور، ويبتعد عن كل ممنوع، ويحاول جاهدًا أن يتقبل الله- عز وجل- منه حجه، وأيضًا فالحج فيه الدوافع التي تدفع إلى التقوى، فإذا كانت السورة الكريمة بينت أن تقوى الله قد أمرنا بها وعلينا أن نتذكر الآخرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] أي اتقوا ربكم وخافوه لأن يوم القيامة يوم شديد، وعذاب يوم القيامة عذاب شديد فالحج خير شاهدٍ على ذلك؛ لأن الحج يذكرنا بالآخرة.
وما اجتماع الناس في الحج إلا مشهد يذكرنا بالمشهد الأكبر في يوم القيامة، وانظر إلي حال الناس حينما يقفون بعرفات، ثم يدفعون إلى مزدلفة فيبيتون بمزدلفة وينامون، فيؤذن بهم فإذا بهم يستيقظون، انظر إلي منظرهم حين قيامهم في مزدلفة بعد أن وقفوا بعرفات وهم يقومون كأنهم يقومون إلى يوم القيامة إلى يوم المحشر بهذا الذي يلبسونه من أُزرٍ وأبدية، فهذا كله يشهد لهذا المعنى والعلم عند الله- تبارك وتعالى-.
بل إن الحج أيضًا إذا تأملته وجدت فيه الأصول التي تقررها السور المكية، من قضية التوحيد، والرسول قال في حديث جابر، قال: "فأهل بإهلال التوحيد" يقول جابر "فأهل بإهلال التوحيد" والمراد بإهلال التوحيد التلبية "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" فهذه هي التلبية، هذا هو شعار التوحيد، وسورة الحج قائمة على توحيد الله أيضًا، وكذلك الحج قائم على التوحيد، التذكير بالآخرة وهذا موجود كذلك في الحج، الحث على تقوى الله وهذا موجود أيضًا في الحج إلى غير ذلك.
بعضهم يقول: إن مقصود السورة الكريمة بيان الأمة الإسلامية، بيان كيف تبنى الأمة وأن الأمة تُبنى بهذه الأسس، فتبنى على تقوى الله، وعلى توحيد الله، وهذا يتمثل في الحج، أولًا لأن الحج آخر أركان الإسلام، فالإنسان الذي وصل إلى مرحلة الحج وحد الله وصلى وزكى وصام فوصل إلى البناء فاكتمال يتأتى بهذا الحج؛ فلذلك له سورة الحج، وناسب هذا، -والله أعلم- أن تُذكر معها بعض التشريعات، للدلالة على أن المسلم يتم إيمانه أو يكمل إيمانه حينما يجمع بين العقيدة والأعمال، فيكون هناك عقيدة إيمان بالله وباليوم الآخر وهناك عمل؛ ولذا ذكر الجهاد أيضًا لمناسبته للحج، فالحج والجهاد قرينان؛ ولذلك خفف عن المرأة، فجهاد المرأة كما قال، الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لعائشة: "جهادكن الحج" فلذلك ناسب هذا أن يأتي في السورة ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39) [الحج: 39] فهذا مناسب لذكر الجهاد في سورة الحج والعلم عند الله - تبارك وتعالى-.
المتأمل أيضًا في سورة الحج، يجد أنها أعني سورة الحج يقاربها في البداية صدر سورة النساء ففي أول النساء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1] فهاتان السورتان افتتحهما الله- عز وجل-، بالنداء العام للناس وبالأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾.
وسورة النساء هي السورة الرابعة في النصف الأول من القرآن، وسورة الحج هي الرابعة في النصف الثاني من القرآن، فهذا من التشابه، ثم إن سورة النساء حديثٌ عن بداية الخلق، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) [النساء: 1]، وسورة الحج صدرها حديثٌ عن المعاد فاجتمع في السورتين الحديث عن المبدأ وعن المعاد وهذا من التناسب أيضًا والعلم عند الله تعالى.
في آخر سورة الأنبياء حديثٌ عن الآخرة ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 97) [الأنبياء: 97]، وأيضًا تقدم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ﴾ (الأنبياء: 101-102) [الأنبياء:101-102] إلى آخر الآيات، ثم جاءت سورة الحج ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1]، هذا بعض ما يُقال في مقصود هذه السورة المباركة، ونسأل الله السداد، والتوفيق، وأن يعيننا على فهم كتابه وندخل بإذن الله- تبارك وتعالى- إلى تفسير السورة.
قال الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1] بدأ الله السورة المباركة بهذا النداء العام " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " وتقدم معنا أن " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " يكثر ذكرها في السور المكية، لكن لا يلزم أن كل آية وردت " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " أن تكون في سورة مكية، فإنها قد وردت أيضًا في بعض السور المدنية، ولكن من دلائل ذلك أن يوجد في السورة أيضًا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا "، وسورة الحج جمعت بين النداءين، ففيها " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " كهذه الآية، وفيها " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " كقوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77) [الحج: 77].
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 1-2) [الحج: 1-2]، " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ " أمرٌ بتقوى الله سبحانه، قالوا هنا: اتقوا ربكم بامتثال ما أمركم به، والكف عما نهاكم عنه، فمن معاني التقوى؛ فعل المأمور وترك المحظور، فتقوى الله تتحقق بأن تمتثل ما أمرك الله به، وأن تجتنب ما نهاك الله- عز وجل- عنه، " اتَّقُوا رَبَّكُمْ " وفي قوله: "ربكم" دلالة على وجوب التقوى سبب وجوب التقوى، فالتقوى واجبة؛ لأن الله هو الخالق، هو الرازق، ومن كان كذلك ينبغي أن يُتقى، ينبغي أن يُخاف منه، وأن يُحذر من بطشه، وأن يتوجه إليه بالطاعة، وأن يستسلم لأمره.
ثم قال: " إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ " قالوا: إنها جملة تعليلية؛ أي لأن ﴿زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾، والمعنى لا تجترئوا على محارم الله، ولا تتركوا أوامر الله؛ فإنَّ هناك يومًا تجتمعون فيه ويحاسبكم الله فيه، فانتبهوا لهذا اليوم، واعملوا له، قال" " إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ " وتأمل قوله: " شَيْءٌ عَظِيمٌ " وهذا فيه تهويل هذا الموقف شيء عظيم كأنه لا يُقادر وصفه، لا تستطيعون أن تبلغوا وصفه ولا تستطيعون أن تدركوا كنهه وإنما يكفيكم أن تعلموا أنه شيء عظيم، وإذا قال ذلك العظيم فلا شك أنه شيء عظيم.
قال: " إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ " وقد اختلفوا في معنى قوله: " إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ " هذه الزلزلة أهي قبل القيامة أم هي يوم في يوم القيامة؟ بمعنى إن زلزلة الساعة هل الزلزلة هذه هي الزلزلة التي تسبق يوم القيامة فتكون من علامات الساعة وتكون سابقة للآخرة؟ أم أن زلزلة الساعة هذا يكون يوم القيامة؟ فمنهم من قال بل هي قبل يوم القيامة بدليل قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 2) [الحج: 2] قالوا: هذا يكون من مشاهد سابقة على يوم القيامة، ومنهم من رجح أنها تكون يوم القيامة، ورجحوا ذلك بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- المتفق عليه وفيه "أن الله تعالى يقول لآدم- عليه السلام-: يا آدم قم فاخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار فيقول من، كل ألفٍ تسعمائة وتسعةً وتسعين، قال فذلك حين يشيب الصغير ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 2) [الحج: 2]" ثم هون عليهم -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد".
الشاهد من ذلك: أن هذا وهو قول: "اخرج بعث النار" هذا يكون يوم القيامة وهذا ورد في قوله: " وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا " فقالوا: هذا يدل على أنها زلزلة الآخرة كقول ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة: 1-4) [الزلزلة: 1-4].
قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 2) [الحج: 2] قالوا: يوم تشاهدونها تغفل كل مرضعةٍ عن رضيعها، وتسقط كل صاحبة حملٍ حملها من شدة الخوف، قوله سبحانه: " تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ " ما معنى "تذهل" قالوا هنا: تغفل فالذهول معناه الغفلة والنسيان، لكن الذهول أخص من مجرد النسيان؛ لأن الذهول معناه نسيان ما لا ينبغي نسيانه لوجود ما يقتضي تذكره، شيءٌ لا ينبغي أن ينسى وشيء هناك ما يقتضي أن تتذكره، ومع ذلك من شده الهول تنساه مع أنَّ مثله لا ينسى وقد وجد ما يجعلك تتذكره، فالمرأة حينما كما قال الله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ هذا شيء لا تنساه المرأة، أن تذهل هذه المرأة عما أرضعت هذا لا يتأتى لها؛ لذلك قوله سبحانه: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} دون أن يقول تنسى فتذهل معناه أنها تنسى ما من شأنه أن لا ينسى لوجود ما يقتضي تذكره.
قال: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ وقال هنا :" كُلُّ مُرْضِعَةٍ " ولم يقل "كل مرضعٍ" قالوا الشيء الخاص بالمرأة لا يحتاج إلى ذكر تاء التأنيث، فيقال: "مرضع" لا تحتاج أن تقول "مرضعة" لأنه لا يتحقق هذا في الرجال فإذا جاءت تاء التأنيث أفادت معنى آخر وهو أنها تباشر هذا العمل؛ لأن كل مرأة يمكن أن يُقال إنها امرأة مرضع أي من شأنها أن ترضع حتى وإن لم تكن في هذا الوقت ترضع لكنها من شأنها أن ترضع سابقًا أو لاحقًا، لكن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ "مرضعة "معنى ذلك أنها تُباشر الإرضاع في هذا الوقت وهذا أبلغ.
فقال: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ وتأمل لم يقل عن ولدها ﴿أَنَّمَا﴾ عما أرضعت فيذكر الباب وهو باب الرضاع فهذا الباب باب متعلقة هي به ومع ذلك تذهل عنه، قال: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أي تسقط ﴿كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾، ولم يقل "وتضع كل حامل حملها" ﴿أَنَّمَا﴾ " كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ " لأن الحمل قد يكون في بدايته لا يُشعر به، لكن حينما يقال " وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ " وهذا معناه أن الحمل قد ظهر ووضح فصار جليًا وواضحًا، ومع ذلك فإنها تسقطه من شدة الهول.
﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ﴾ " ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ "اثبت أنهم سكارى، " وَمَا هُمْ بِسُكَارَى " نفى أنهم سكارى، ولا تناقض ولا تعارض وتقدم معنا أنه من طرق الجمع بين، الآيات التي يتوهم الناس من ظاهرها وجود تعارض أن الجهات تختلف، والأصل أن التناقض ﴿أَنَّمَا﴾ يتأتى في المتعارضات من كل وجه، أما إذا كان هذا في باب وهذا في باب فيمكن الجمع ولا يقال إن هناك تناقضًا ومن ذلك هذا المثال في هذه الآية ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ﴾ لذلك قالوا هنا: وترى الناس من غياب عقولهم مثل السكارى من شدة هول الموقف وليسوا سكارى من شرب الخمر؛ لذلك نقول: إن المتعلق مختلف فكأن المعنى وترى الناس سكارى أي من شدة الخوف، وما هم بسكار من الشرب.
إذًا " ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ " أي من شدة الخوف، " وَمَا هُمْ بِسُكَارَى " أي من السكر هذا معنى، أو أن يُقال "وترى الناس سكارى" هذا تشبيه بليغ فالمعنى وترى الناس كأنهم ﴿سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ﴾ في الحقيقة إذًا ترى الناس كأنهم سكارى ليسوا بسكارى حقيقة والقراءة الأخرى "سكرى" ليسوا بسكارى على وجه الحقيقة؛ ولذلك قال: " وَمَا هُمْ بِسُكَارَى " أي على وجه الحقيقة ولكنهم كأنهم سكارى من شدة الهول، وتأمل كما أن السكر يتلذذون به، فكذلك الخوف والذُعر يصيبهم أيضًا فالسكر يكون له جهتان جهة من جهة التلذذ كما كانوا يصنعون، والآن من القلق والهلع والفزع، {﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} فعذاب الله جعلهم في سكرة، وجعلهم في هول، وفي فزع، ولذلك يوم تشخص فيه الأبصار قال الله سبحانه: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} نسأل الله السلامة.
ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (الحج: 3-4) [الحج: 3-4]، " وَمِنَ النَّاسِ " قالوا هنا: ولما ذكر الله ما يصاحب قيام الساعة من أهوال رد على الذين يُنكرون القيامة والبعث، إذًا بعد أن حدثنا الله عن الساعة وعن الآخرة وعن البعث في أول السورة بدأ يعدد لنا حال المنكرين للبعث ويرد عليهم، فقال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ﴾ ومن جدالهم إنكارهم البعث، وقالوا: ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 49) [الإسراء: 49] فهذا من الجدال، وهو جدال بغير علم.
" وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ " قال ويتبع في اعتقاده وقوله كل متمرد على ربه من الشياطين ومن أئمة الضلال، جمع هنا في قوله: " شَيْطَانٍ " بين شيطان الأنس، وشيطان الجن؛ لأن بعض العلماء يخصه بأحدهما، وهنا عمم وهو قول في هذا الباب، إذًا " وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ " بعضهم قال شيطان الجن بدليل قوله: " مَرِيدٍ " وهذا مناسب لشيطان الجن، فقالوا: متمرد عاد، أو أنه يشمل هذا وذاك، " وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ " وبعضهم رجح أنه شيطان الجن أيضًا بما جاء بعدها ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (الحج: 4) [الحج: 4].
ومما قال هذا أيضًا يتأتى من شيطان الأنس، قال: " وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ " وهذا هو الإنسان الكافر المقلد الذي يقلد أهل الضلال ويتبعهم لأنه سيأتينا –بإذن الله- بعد ذلك ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (الحج: 8-9) [الحج: 8-9] فبعضهم قال هناك: هو الإنسان الكافر المتبوع المضل فذكر الله الصنفين على قول فريق من أهل التفسير.
قال:﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ قالوا كتب على ذلك المتمرد من شياطين الإنس والجن أن من اتبعه وصدق به فإنه يضله عن طريق الحق ويسوقه إلى عذاب النار بما يقوده إليه من الكفر والمعاصي، " كُتِبَ عَلَيْهِ " الكتابة كتابتان:
وكتابه شرعية.
فمثلا في قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) [البقرة: 183]الكتاب هنا كتابة شرعية، لكن هنا ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ يعني قضى الله- عز وجل- بذلك فالمراد بالكتابة هنا القضاء، ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ من تولى هذا الشيطان وسار على طريقه واتبع سبيله ﴿فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ﴾، إلى عذاب السعير؛ ولذلك استدل بعضهم بهذه الآية على أن من أعان ظالمًا سُلط عليه، فقال بعضهم يستفاد من هذه الآية الكريمة؛ لأن هذا قد وإلى الشيطان ورغب في مرضاة الشيطان سواء أكان إنسيًا أم كان جنيًا، فيُسلط على فيغويه زيادة على غوايته، وتأمل، قوله: " فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ " والضلال واضح أنه انصراف عن حق، فلما قال: " وَيَهْدِيهِ " قال وهذا فيه تهكم به،كيف يهديه؟ فقال: " إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ " فهو يضله في المقابلة يهديه لكن ليس يهديه إلى الحق ﴿أَنَّمَا﴾ يهديه إلى عذاب السعير.
ثم بين، الله- سبحانه وتعالى- أنه لا وجه لمن ينكر البعث أو يتشكك فيه فرد على منكر البعث والمتشككين فيه، فقال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] وهذا نداء ثان في السورة الكريمة، نداء ثان بقوله:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] وتأمل قوله: " إِنْ كُنْتُمْ " كأنه لا ينبغي أن يقع منكم ريب هذا -خلاف الأصل- " إِنْ كُنْتُمْ " مع أنهم شككوا بل وأنكروا لكن " إِنْ كُنْتُمْ " وكأنه أقصى ما يمكن أن يقع أن يقع على قلةٍ وندرة، وأن يكون تشككًا لا أن يكون إنكارًا، فمن أنكر لا يعتد بفكره ولا بعقله فعقله ذاهب، وهو ممانع للحق ومكابر لا يقبل الحقيقة.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] فكيف الرد عليهم؟ ﴿يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ﴾ (الأنبياء: 104) وتقدم معنا في الأنبياء ﴿يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ﴾ (الأنبياء: 104) [الأنبياء: 104] على أحد القولين في تفسيرها، قال: " فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ تُرَابٍ " يعني خلقنا أباكم خلقنا أباكم آدم - عليه السلام- من تراب، " ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ " قالوا: ثم خلقنا ذريته من مني وتقدم معنا أن الضمائر يعرف المراد بها من خلال السياق فعرفنا في الأول " فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ تُرَابٍ " يعني خلقنا أباكم، ثم قال: " ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ " أي خلقناكم أنتم الذرية، قالوا: من مني يقذفه الرجل في رحم المرأة، قال: " ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ " يتحول المني دمًا جامدًا وهذا معنى العلقة.
قال: " ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ " قالوا: ثم يتحول الدم الجامد إلى قطعة لحم تشبه قطعة اللحم الممضوغة وهذا كما تعرفون قد ثبت في العلم الحديث ما يؤكد هذا، وكان هذا من دلائل أن الله أخبرنا بأمورٍ لم يعلمها الخلق إلا بعد ذلك بما ذكروه فيما يسمونه بالإعجاز العلمي على أن هذا التعبير فيه كلام معروف في موضعه من دراسة علوم القرآن الكريم قال: " ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ " قال: مصورة وغير مصورة، وهنا قالوا: تتحول قطعة اللحم إما إلى خلقٍ سوي هذا معنى مخلقة وغير مخلقة، فيكون في الرحم حتى يخرج مولودًا حيا، وإما إلى خلق غير سوي يسقطه الرحم، إذًا هذا معنى " مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ " يكون سويًا ويبقى إلى أن يخرج سليمًا، أو أن يسقط، قال: " لِنُبَيِّنَ لَكُمْ " أي لنبين لكم قدرتنا بخلقكم أطوارًا.
" وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى "، " وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ " أي نثبت ﴿فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ من الأجنة حتى يولد في أجل محدود، لذلك قوله: " إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " يعني إلى وقت الولادة، فكلمة " أَجَلٍ مُسَمًّى " لها عدة معانٍ في القرآن بحسب موقعها، فهنا المراد " إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " أي إلى وقت خروجه إلى وقت خروجه من بطن أمه أو من فرجها عند الولادة فهذا معنى إلى أجل مسمى.
قال- سبحانه وتعالى-: " ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا " وما معنى طفلًا؟ أطفالًا فالمراد به الجنس، كما قال أيضًا أو الطفل الذين، فالمراد بالطفل الأطفال، قال: " ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ " أي لتصلوا إلى كمال القوة والعقل، " وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى " قال ومنكم من يموت قبل ذلك، وكلمة قبل ذلك جاء مصرحًا فيها في مواضع، ﴿وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ﴾ فعرفنا المعنى، ولأنه في مقابلة " وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ وقبلها "لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ أَشُدَّكُمْ " وقبلها " ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ "، " وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ " أي حتى يبلغ سن الهرم، وحيث تضعف القوة ويضعف العقل حتى يصير أسوأ حالًا من الصبي لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه " ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ شَيْئًا " هذا دليل وبرهان من براهين البعث وهو أن الله خلقنا من تراب، وخلقنا من نطفه فالذي خلقنا قادر على إعادتنا.
ثم ذكر الله برهانًا ثانيًا في الآية ففي آيةً واحدة ذكر الله برهانين، البرهان الثاني: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5]، " وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً " قالوا: يابسة لا نبات فيها، وهذا يذكر بالإنسان إذا مات؛ لذلك جاء التعبير هنا بقوله: " هَامِدَةً " وهذا حال الإنسان الميت، " وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ " قالوا: " اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ " أي إذا أنزلنا عليها ماء المطر تفتحت عن النبات، وارتفعت وهذا معنى وربت قالوا ارتفعت، والقراءة الأخرى "وربأت" وقال بعضهم زادت ونمت.
قال: " وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ "، قال: " اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ " قالوا: وارتفعت بسبب نمو نباته، وأخرجت من كل صنف من النبات جميل المنظر، وهذا فه أن، الله- سبحانه وتعالى- يبرهن أو يدلل على البعث بإحياء الأرض بعد موتها، وهذا جاءت فيه آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) [فصلت: 39].
فوائد الآيات:
وجوب الاستعداد ليوم القيامة بزاد التقوى: قال سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1) [الحج: 1].
شد أهوال القيامة حيث تنسى المرضعة طفلها وتسقط الحامل حملها، وتذهب عقول الناس: قال الله سبحانه:﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 2) [الحج: 2].
التدرج في الخلق سنة إلهية: قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] إلى آخر الآية الكريمة وهذا فيه تدرج.
دلالة الخلق الأول على إمكان البعث: قال الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] فالذي خلقكم من تراب قادر على إعادتكم.
ظاهرة المطر وما يتبعها من إنبات الأرض دليل ملموس على بعث الأموات: قال الله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [الحج: 5] ثم جاءت الآيات التي بعدها تدل على هذا كما سنرى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ (الحج: 6-7) [الحج: 6-7].
قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ (الحج: 6-7) [الحج: 6-7] قالوا: ذلك الذي ذكرنا لكم من بدء خلقكم وأطواره، وأحوال من يولد منكم لأجل أن تؤمنوا إذًا " ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقُّ " أي ذلك الذي أخبرنا الله به لأجل أن تؤمنوا بأن الله هو الحق، وإنه يحيي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، فهو الحق سبحانه الذي لا شك فيه بخلاف ما تعبدون من أصنامكم، ولتؤمنوا أيضًا بأنه يحيي ٱلْمَوْتَىٰ ﴿وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا ولتؤمنوا أيضًا بأن ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا، وهذا التقدير الذي قدروه مهم وجيد؛ لأن الإنسان قد يُشكل عليه الأمر، إذا قال إن المعنى " ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقُّ " ذلك بسبب أن الله هو الحق، فالله جعل ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقُّ هذا واضح، لكن ماذا سنقول فيما بعد؟ ذلك بسبب أنه يحيي الموت، بسبب أن الساعة آتية هل فعل ذلك بسبب أن الساعة آتية يحتاج إلى تقدير؛ فلذلك قدروا هنا ولتؤمنوا بأن الساعة آتية وكذلك قبل لأجل أن تؤمنوا؛ ولذلك يمكننا أن نقدر كلمة في هذا الباب من البداية فنقول ذلك أي ذلك الذي ذكره الله - سبحانه وتعالى- شاهد بأن الله هو الحق، وشاهد بأنه يحيي الموتى، وشاهد بأن ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا كما قدرها بعضهم وهو جيد، قال: ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ - سبحانه وتعالى- أي ليجازيهم على أعمالهم.
ثم ذكر الله صنفًا، فقال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ﴾ (الحج: 8) [الحج: 8].
قال بعضهم هذا تأكيد لما سبق ذكره في الآيات السابقة ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ﴾ (الحج: 3) [الحج: 3].
وبعضهم، قال: ذكر الله هنا أوصافًا لم يذكرها هناك، وذكر هناك أوصافًا لم يذكرها هنا، فأعاد ليذكر أوصافًا تختلف عن هذا، فيستفاد من الآيتين الأوصاف التي يوصف بها هذا الصنف من الناس.
ومنهم من قال: الصنف الأول هو الصنف المقلد الكفار المقلدون الاتباع لأهل الضلال، وأما هذا الصنف فهم المضلون وهم المتبوعون؛ لأنّّ الله قال: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (الحج: 9) [الحج: 9] فهو يضل غيره عن سبيل الله، وفيها قراءتان " لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ "" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ " فهو ضال ومضل.
قال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ﴾ يجادل في التوحيد، يجادل في البعث، يجادل في الرسالة، " بِغَيْرِ عِلْمٍ " ليس لديه علم، وهنا معنًا عام، قال: " بِغَيْرِ عِلْمٍ " ثم خصص، قال: " وَلَا هُدًى " ثم قال: " وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ " قالوا هنا: ولا هدى ولا اتباع هادٍ يدلهم عليه، ولا كتابٍ مضيء منزل من عند الله،قال بعضهم والمراد أيضًا "بالهدى" وحي، لكن الفرق بينه وبين الكتاب المنير، أن النبي قد يوحى إليه بكتاب، وقد يقول قولًا فيه هداية وإن لم يكن من الكتاب كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ينطق بالكتاب العزيز وينطق بالسنة النبوية، فيقول القرآن ويقول السنة؛ والسنة هدى كما أن القرآن هدى، فقول: " وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ " هذا هو الكتاب، ثم أيضًا هناك هدى مع الأنبياء والمرسلين.
قال الله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (الحج: 8-9) [الحج: 8-9] هذا حاله، " ثاني عطفه " أي لاويًا عنقه تكبرًا ليصرف الناس عن الإيمان، فقلبه قد حوى كبرًا وكذلك ظاهر جسده، فهو يلوي عنقه تكبرًا ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، " له في الدّنيا خزيٌ " ذلٌ في الدنيا، " وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ " أي عذاب النار المحرقة نسأل الله سبحانه النجاة من النار، " ذلك " أي يقال له ذلك العذاب " بما قدّمت يداك " أي بسبب ما قدمت يداك، بسبب ذنبك، بسبب كفرك، بسبب ما جنيته، بسبب ضلالك وإضلالك، " وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ " وتقدم معنا أن من معاني " ليس بظلّامٍ للعبيد " أي ليس بذي ظلم، فلذلك لا إشكال في أن ظلام على وزن فعال، فهل معنى ذلك أنه ظالم وليس بظلام؟ يقال: الله ليس بظالم وليس بظلام، كما قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40) [النساء: 40]، وللعلماء في ذلك أجوبة كثيرة ذكرنا بعضها فيما سبق، ومما يذكر هنا أن قوله: " بظلّامٍ " المراد به النسبة أي بذي ظلم ليس بذي ظلم للعبيد.
قال:﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الحج: 11) [الحج: 11] ذكر الله لنا صنفًا آخر من الناس وهو صنفٌ متشكك الذي لم يدخل الإيمان حقًا وصدقًا، فيدخل في ذلك أهل النفاق؛ ولذلك هذا يناسب السورة المدنية أو يناسب الآيات، المدنية، وقد ورد ما يدل على ذلك ففي رواية ابن عباس في البخاري "كان الرجل يقدم المدينة فإنَّ ولدت امرأته غلامًا، وأنتجت خيله، قال: هذا دينٌ ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وإن لم تلد امرأته غلامًا، ولم تنتج خيله، قال: هذا دينٌ سوء فيترك الدين"، ولذلك جاءت الرواية الأخرى في حديث جابر "أن الرجل قال أقلني بيعتك" يريد أن يقيله الرسول للبيعة، ويريد أن يترك الإسلام فهذا منافق ما دخل الإسلام حقًا وصدقًا، وإلا إذا خالط بشاشة الإيمان قلب الإنسان فإنه لا يخرج من دين الله ولا يرتد على عقبيه -بفضل الله سبحانه وتعالى- كما جاء في حديث هرقل.
قال الله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ قالوا: يعني على شكٍ وتردد و "الحرف" أيضًا يطلق على طرف الشيء فهو ليس متمكنًا؛ لأن الذي يكون في طرف الشيء هو أقرب ما يكون إلى الانصراف والوقوع والسقوط، وأما الذي يكون متمكنًا فإنه ثابت، قال: " فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ " نسأل الله أن يثبتنا على دينه، " فإنَّ أصابه خيرٌ " قالوا فإنَّ أصابه خير من صحه وغنى استمر على إيمانه، رزق بالغلام وأنتج الخيل وأعطى عطاءً قال هذا دين ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فاستمر على الدين، " وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ " قالوا، هنا وإن أصابه ابتلاء بمرض وفقر وتشاؤم بدينه فارتد عنه، نسأل الله السلامة، وتأمل قوله: " وإن أصابته فتنةٌ " مع أنَّ العطاء فتنة أيضًا وتقدم معنا في سورة الأنبياء ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35) [الأنبياء: 35]، لكن باعتبار ما يعتقدون، فهم لا يرون الخير فتنة بل يرون الخير منحه يرون العطاء منحه، فقال الله: " وإن أصابته فتنةٌ " مع أنَّ العطاء أيضًا فتنة ابتلاء.
قال الله سبحانه: " وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ذَٰلِكَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ "، " انقلب على وجهه " وقد يقول قائل، قوله: " انقلب على وجهه " قد يفهم منه أنه لم يكن منقلبًا على وجهة مع أنه بداية الأمر ليس بثابت فكيف؟ وهنا قال: " انقلب على وجهه " يقال: انقلب على وجهة ازداد انقلابه، وازداد تغيره وارتد عن دين الله -سبحانه وتعالى-، أو المعنى هو كان منقلبًا في قلبه بمعنى أن التشكك كان في القلب ظهر على الجوارح؛ لذلك قال القول السوء، وقال هذا دين سوء، وطعن في دين الإسلام، " ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ذَٰلِكَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ " الخسران الواضح، " خسر الدّنيا " قالوا، فلن يزيده كفره حظًا من الدنيا لم يكتب له، وخسر آخرته؛ لأن هذا الكفر لن يزيده شيئًا مما قدره الله -عز وجل- له، ثم كذلك فإنه في الآخرة من الخاسرين، نسأل الله أن يجعلنا من الفائزين.
قال: ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (الحج: 12) [الحج: 12] هذا يعبد صنمًا لا يعبد إلهًا واحدًا فردًا صمدًا؛ لذلك فهو متردد وشاك ما دخل في دين الله حقًا وصدقًا، ولا عرف الله ولا وحد الله -سبحانه وتعالى-، ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ ما المراد بقوله " مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ "؟ الأصنام؛ ولذلك ناسب هذا أن يقول: " ما لا " " مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ "، " ما لا يضرّه " يعني أن عصاه، " وما لا ينفعه " إن أطاعه، إذا أطاع هذا العابد الصنم لم ينفعه، الصنم، وإذا عصا لم يضره، فقال: ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ قالوا: لا تضره إن عصاها ولا تنفعه إن أطاعها، " ذلك هو الضّلال البعيد " أي ذلك الدعاء للأصنام لا تضر ولا تنفع هو الضلال البعيد عن الحق، تأملوا السورة تتحدث عن التوحيد، وتندد بالشرك.
قال الله سبحانه: ﴿يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾ (الحج: 13) [الحج: 13] " يدعو " أي يدعو هذا الكافر أيضًا الذي يعبد الأصنام، " لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ " أي الذي ضرره أقرب من نفعه، وهنا قد يأتي إشكال الآية التي سبقت، تقول: {يدعو من دون اللّه ما لا يضرّه وما لا ينفعه} إذًا هو لا يضر ولا ينفع، وهنا تقول: {يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه} هذا فيه إثبات أنه يضر، فكيف يضر وكيف لا يضر؟ كيف الجمع؟ فيقال: لا تعارض ولا إشكال فالمعنى هو في نفسه لا يضر ولا ينفع في نفسه، لكنه قد يكون سببًا في لحوق الضرر؛ لأن من عبده، وصرف العبادة له كانت هذه العبادة سببًا في إهلاك الله -عز وجل- له، أو تعذيب الله -عز وجل- إياه؛ إذًا هو في نفسه عن الصنم لا يضر ولا ينفع، لكن قد يكون سببًا في هذا الضرر، كما قال الله ذاكرًا قول الخليل إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (إبراهيم: 36) [إبراهيم: 36] فنسب الإضلال إلى تلك الأصنام مع أنَّ الأصنام في نفسها لا تنفع ولا تضر، ولا تدعو الناس إلى عبادتها لكنها كانت سببًا في ذلك، فهذا معنى " يدعو لمن ضرّه " أي إذا اتبع،فإنها تضره أي تكون سببًا في إضراره بالعذاب الذي يلحقه؛ ولذلك تأمل قال: ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ هو نفسه لا يضر، ثم قال: " يدعو لمن ضرّه " يعني الضرر الحاصل عن طريقه وإن كان هو نفسه لا يضر.
ثم تأمل قوله: ﴿يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾ ولا نفع له، فقول " ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ " هل معناه أن هناك نفع وهناك ضرر لكن الضرر أكثر؟ المراد هنا أن الضرر قريب وأن النفع بعيد، وإذا كان بعيدًا فهو غير موجود؛ ولذلك قال الواحدي: العرب تقول لما لا يكون هو بعيد، والمعنى في هذا أنه يضر ولا ينفع، إذًا معنى ﴿يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾ يدعو لمن ضرره ثابت، ونفعه غير موجود ولا متحقق، فإنَّ قيل: وكيف يضر؟ يُقال هو سبب في لحوق الضر به وإن كان الصنم لا يضر بنفسه وإنما يكون سببًا في أن يكون هذا الذي قد اتبعه ممن يلحق به الضرر لأنه قد أوجب لنفسه مقت الله وغضبه -سبحانه وتعالى-، قال هنا: يدعو هذا الكافر الذي يعبد الأصنام من ضرره المحقق أقرب من نفعه المفقود، فهو نفع مفقود؛ لأن بعده يدل على عدم وجوده، وقولهم هنا "من ضرره" دون أن يقولوا "لمن ضرره"؛ لأن بعض العلماء اختلفوا في هذه اللام لأن "من" في الأصل موقعها موقع مفعول به، فأصل الكلام يدعو من ضره أقرب من نفعه، فبعضهم قال "اللام" هذه زحلقت، وأصل الكلام، يدعو من لضره أقرب من نفعه، وهناك أقوال أخرى قيلت في هذا والعلم عند الله -تبارك وتعالى-، قال: " لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ " لساء المعبود الذي ضره أقرب من نفعه ساء ناصرًا لمن يستنصره وصاحبًا لمن يصحبه، فمعنى " الْمَوْلَى " يعني النصير، ومعنى " الْعَشِيرُ " المصاحب.
قال الله سبحانه بعدها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: 14) [الحج: 14] ذكر الله الفريق الآخر فريق أهل الإيمان، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: 14) [الحج: 14] نسأل الله سبحانه أن نكون من هؤلاء بمنه وفضله، وهذا الأسلوب تكرر في، السورة قال الله سبحانه :﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج: 23) [الحج: 23]، وقال أيضًا بعد ذلك ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (الحج: 59) [الحج: 59] فهذا أيضًا تكرر في السورة الكريمة، قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: 14) [الحج: 14] فلا يستطيع أحد أن يُكره الله -سبحانه تعالى- على شيء.
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: 15) [الحج: 15]، " مَنْ كَانَ يَظُنُّ " أي من كان من هؤلاء الكفار " يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ " ﴿إِلَّا﴾ ينصر من؟ على من يعود الضمير؟ ذهب كثير من أهل التفسير إلى أنه يعود إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام-، أي من كان يظن من هؤلاء الكفار أن الله لن ينصر رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فليمت غيظًا وكمدًا فإنَّ الله ناصر نبيه رغم أنوفهم، ورغم محاولاتهم، ورغم ما يريدون وما يشتهون، فيكون المعنى من كان يظن أن لا ينصر الله نبيه " فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " فالله سينصر نبيه في الدنيا بالتمكين والنصرة، وفي الآخرة بجنات النعيم.
" فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ " ما معنى " فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ "؟ قالوا السبب الحبل، فليمدد بحبلٍ من السماء، بعضهم قال من السماء يعني من سقف بيته، لذلك قالوا إلى سقف بيته، وبعضهم قال نترك السماء على بابها فيكون هذا لأمر لا يقع ولا يتحقق بأن يستطيع الإنسان أن يمد حبلا إلى آخر إلى أن يصل إلى السماء، لكن هذا أبلغ في الدلالة، فبعضهم حمله على سقف البيت، وبعضهم قال إلى السماء، " ثُمَّ لْيَقْطَعْ " لأن هذا تصوير يدل على أنه مهما صنع فإنَّ الله سينصر نبيه -صلى الله عليه وسلم- ويصور الحالة التي عليها هؤلاء الكفار في كراهيتهم لنصر الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، " فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ " ولذلك هذا الأمر لأن قوله: " فَلْيَمْدُدْ " فعل مضارع دخلت عليه لام الأمر، المراد به التعجيز.
" فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ " فلينظر هذا على سبيل التحسير يُحسرهم ويندمهم " فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ " وهذا الاستفهام المراد به الإنكار والتوبيخ والتسفيه، " هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ " والمعنى قالوا ثم ليختنق به، بمعنى يقضي على نفسه ويخنق نفسه حتى ينحسر وينقطع نفسه ويموت فالله سينصر نبيه -صلى الله عليه وسلم- ثم لينظر هل يذهبن ذلك ما يجده في نفسه من الغيظ، فالله ناصر نبيه -صلى الله عليه وسلم- شاء المعاند أم أبى، وتقدم معنا في سورة القمر في قوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 48-49) [القمر: 48-49] على أحد الأقوال في تفسير الآية الكريمة، كما نقول نحن في أمثالتنا الشائعة، اضرب رأسك في أكبر حائط فإنه سيقع، فالمراد افعل ما تفعل فالله سينصر نبيه -صلى الله عليه وسلم-، لكن قد يقول قائل: لم يتقدم ذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الآيات الكريمة؟ لذلك مال فريق من العلماء إلى أن المراد بالآية ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ﴾ أي أن لن يرزقه الله في الدنيا، والآخرة وأن الآيات تتعلق بقول: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الحج: 11) [الحج: 11] فالمعنى من كان يظن من هؤلاء الكافرين المتشككين المرتابين غير الثابتين على الإيمان أن الله لن يرزقه في الدنيا والآخرة، وليست عنده ثقة في الله -سبحانه وتعالى- فليخنق نفسه وليعلم أنه بكفره لن يزداد رزقه فالرزق مكتوب كما أن الأجل مكتوب، فيكون الكلام عن هذا الصنف، السابق الذي سبق ذكره العلم عند الله، ومال إلى ذلك ابن جزي الكلبي في تفسيره التسهيل، قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: 15).
فوائد الآيات:
أسباب الهداية إما علمٌ يوصل به إلى الحق أو هادٍ يدلهم إليه أو كتاب يوثق به يهديهم إليه: قال الله:﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ﴾ (الحج: 8) [الحج: 8] ومن الفوائد في هذه الآية أنها تدل على جواز الجدال لمن لديه علم وهدى وكتاب منير إذا كان هذا الجدال لفائدة، كقوله: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125) [النحل: 125] فإنَّ الله ذم مجادلة هؤلاء لأنَّها تقوم على غير علم، وعلى غير هدى، وعلى غير كتاب منير.
الكبر خلقٌ يمنع من التوفيق للحق: قال الله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ (الحج: 9) [الحج: 9]، وقد تقدم معنا في قول الله في سورة الأعراف ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ (الأعراف: 146) [الأعراف: 146]، وتقدم أن بعضهم قال: سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم، أو سأمنعهم فهم القرآن فالمتكبر يُمنع من اتباع الحق ومن معرفة الحق والانقياد له.
من عدل الله أنه لا يعاقب إلا على ذنب: قال الله:﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (الحج: 10) [الحج: 10]، فالله لم يظلمهم -سبحانه وتعالى-.