مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة طه — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 349 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

على كل حال فإذا سألنا وقلنا: على من يعود الضمير في قوله: اهبطا؛ فيقال: يعود إلى آدم وإبليس؛ لكن القول لآدم ومعه حواء، ولعلهم أرادوا ذلك فحينئذٍ لا إشكال فيما اختاروه، فهو المرجح عند عامة أو عند كثير من العلماء أن القول في (اهبطا) لآدم وإبليس، وإذا كان لآدم فمعه حواء.

قال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: 123).

قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ (طه: 123) وهو الوحي، الهداية الوحي، ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: 123)، فذكر هذا مع صدر السورة ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ [طه: 2] إذن هذا مقصود السورة، بيان أن اتباع الوحي سبب السعادة.

قوله: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: 123)؛ قوله: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: 123):

بعضهم قال: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

وبعضهم عمَّم: لا يضل ﴿فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾، ولا يشقى في الدنيا ولا يشقى في الآخرة

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾ (طه: 124) فالهدى هو الذكر والمراد به القرآن الكريم أو الوحي عمومًا، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾؛ ما المراد بالمعيشة الضنك؟ قالوا: معيشة ضيقة في الدنيا وفي البرزخ.

إذن المعيشة الضنك قالوا: في الدنيا وفي البرزخ.

ورد في بعض الروايات وفي بعض الآثار تفسير المعيشة الضنك بعذاب القبر، وورد رواية مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وصححها بعضهم وأعلها آخرون، وأيّما كان فعلى فرض ثبوتها فإننا نقول: إنها من قبيل المثال، وأن المعيشة الضنك يدخل فيها عذاب القبر، ولا يمنع من أن تكون المعيشة الضنك أعم من ذلك.

وإن كانت هنا قد جاءت نكرة في سياق الإثبات فالأصل ﴿إِلَّا﴾ تفيد العموم من حيث اللفظ، لكنها عامة من حيث المعنى كما ذكر ابن القيم، فالمعنى معيشة ضنك في الدنيا وفي عذاب القبر ثم في الآخرة أيضًا، لكنه لم يذكره هنا في الآخرة باعتبار أن هذا جاء في قول: ﴿وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾.

فإنْ قال قائل: إننا نرى بعض الكفار المعرضين عن الوحي لا يعيشون معيشة ضنكا، ونرى بعض الموحدين يعيشون معيشة ضنكا؟

فيقال له: إنك لم تفهم المعيشة الضنك على وجهها فإنَّ الضنك حقيقة تتمثل في القلب راحة وبعدًا وتعبًا.

فالإنسان قد يكون معدمًا فقيرًا، بيد أنه قرير العين، مستريح الضمير، مطمئن البال؛ لأنه عرف هدفه وغايته ومقصده وأوله وآخرته، وبينما آخر جمع الدنيا بأسرها وهو لا يدري الهدف من حياته، فلا يدري من أين أتى ولا إلى أين يذهب، فالمعيشة الضنك تكون بتشتت الفكر والفهم والعقل وكذلك ما يكون في القلب من أمور منكرة نسأل الله السلامة.

قال: ﴿وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾؛ ما معنى العمى هنا؟

قالوا: فاقد البصر والحجة، إذن أعمى البصر والحجة يعني البصر والبصيرة، بهذا قال فريق من المفسرين، ومنهم من منع أن يُفسر أعمى هنا بقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾؛ بمعنى البصيرة، قالوا: ﴿أَنَّمَا﴾ المراد به عمى البصر.

قالوا: بدليل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه: 125)؛ فهو ليس بصير الحجة في الدنيا، فقوله: ﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه: 125) المراد بقوله: ﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه: 125) أي بصيرًا بعيني وليس بصير الحجة، فلما كان هذا في مقام المقابلة عُلم أن المراد بأعمى هو عمى البصر، والله قال: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: 22) [ق: 22].

وأما عماهم يوم القيامة فيكون في وقت من الأوقات كما قال الله: عميا وبكما وصما قال: ربي لما خلقتني ﴿أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾.

الأدب في تلقي العلم، وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض.

وهذا حسن قال الله: (‌﴿وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾) [طه:114].

نسي آدم –عليه السلام- فنسيت ذريته ولم يثبت على العزم المؤكد وهم كذلك، فبادر بالتوبة فغفر الله له، ومن يشابه أباه فما ظلم.

قال الله: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ (طه: 115).

فضيلة التوبة؛ لأن آدم -عليه السلام- بعد التوبة أحسن منه قبلها.

ولذلك ذكر العلماء حِكَمًا كثيرة لما وقع فيه آدم -عليه السلام- ثم من توبة الله –عز وجل-، ولذلك قالوا: إن الإنسان ربما كان حاله بعد التوبة أفضل من حاله قبل التوبة، ولذلك ذكروا أن الذنب قد يقع فيه الإنسان لفوائد جمّة، لا يقال للإنسان: كن عاصيًا، ولا يقال للعبد: مارس المعصية، وإنما هو سيقع في المعصية ولا بد، فكل ابن آدم خطَّاء، فإذا وقع في الذنب فإنه يستفيد من هذا الذنب فوائد كثيرة؛ منها أنه يُذهب عنه العُجب والكبر، فالإنسان ربما أُعجب بنفسه فيبتلى بالذنب حتى يتواضع وينكسر، ومن أنفس من تكلم في ذلك في أن للذنب أو ارتكاب الذنب ثمرات يستفيدها الإنسان إذا جنى على نفسه بالذنب ما ذكره ابن القيم في كتابه [طريق الهجرتين].

قال: المعيشة الضنك في دار الدنيا، وفي دار البَرْزَخ، وفي الدار الآخرة لأهل الكفر والضلال.

هنا عمموا، وفي التفسير قالوا: معيشة ضنكا في الدنيا وفي البرزخ وهو أشمل من ذلك؛ ويشمل الدنيا ودار البرزخ والدار الآخرة، (فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ (124)).

قال الله سبحانه: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 126]؛ هذا جواب عن سؤال هذا الرجل الذي يقول يوم القيامة: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه: 125) فيجيبه الرب -سبحانه وتعالى- أن الجزاء من جنس العمل.

قال: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾؛ قالوا هنا: قال الله تعالى ردًّا عليه: مثل ذلك فعلتَ في الدنيا فقد جاءتك آياتنا فأعرضت عنها وتركتها وكذلك فإنك تترك اليوم في العذاب.

كذلك أتتك آياتنا فنسيتها؛ أعرضت عنها واليوم نعرض عنك ولا نعطيك البصر بل نمنعك إياه؛ لأنك في الدنيا لم تشكر الله -سبحانه وتعالى- على نعمة البصر، ولم تشكر الله –عز وجل- على ما أنزل من القرآن الكريم.

﴿وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه: 126)؛ وقوله: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ يعني تُترك في العذاب، ولذلك تقدم معنا مرارًا أن النسيان يرد بمعنيين؛

فالمعنى الأول: النسيان بمعنى الذهول.

وهذا المعنى مستحيل على الله -سبحانه وتعالى-، ولهذا ورد معنا في سورة طه نفسها (﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾) [طه: 52]، وقال الله في سورة مريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: 64) [مريم: 64].

وأما المعنى الثاني للنسيان: فمعناه الترك عن عمد.

وقد تقدّم معنا أن هناك اختلاف بين المفسرين في قول الله: (﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ ‌‌(115))؛ وهذا المعنى الثاني وهو أن النسيان بمعنى الترك هو المراد في مثل هذه الآية في قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه: 126) [طه: 126]؛ فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- إذا نسي هذا العبد فهو ينساه عن قصدٍ كقوله: فاليوم ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾ [الأعراف: 51]، وكقوله تعالى: ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة: 67) [التوبة: 67] يعني تركهم أو عاملهم معاملة الناسي لهم.

قال: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ﴾ ومثل هذا الجزاء نجزي من أسرف، انهمك في الشهوات المحرمة ولم يؤمن بآيات ربه ﴿وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ﴾؛ فعذاب الآخرة أبقى وأشد وأدوم مما دونه من عذاب.

فهناك عذاب قد يقع في الدنيا بإهلاك الله للأمم المكذبة.

وهناك عذاب في القبر لكن عذاب الآخرة ﴿وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ﴾.

ثم قال الله -سبحانه وتعالى-: (﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) [طه: 128]؛ أفلم يهد لهم ﴿إِلَّا﴾ يتعظون، ﴿إِلَّا﴾ يعتبرون، أفلم يتبين ﴿لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى﴾ مَسَٰكِنِهِمْ هذا الأسلوب وهو قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ (طه: 128) وكذلك جاء في سورة السجدة ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ (السجدة: 26) [السجدة: 26] ما معنى ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ (طه: 128)؟ قالوا: أفلم يتبين؛ إذن يهد هنا فُسرت بأفلم يتبين، أفلم يتبين.

وبعضهم يقول –وهذا أوجه-: أن المراد بالبيان هنا البيان الذي يُهتدى به، فكأن المعنى أفلم يتبين لهم بيانًا يهتدون به، ولذلك لم يُعبر بـ«يتبين» أو «يُبين» وإنما عبّر بمعنى أن هذا البيان القرآني هو كافٍ في الهداية، لكنهم لا يهتدون به، وكذلك أن هذا الذي ذكره الله -سبحانه وتعالى- من أن الناظر في شأن الأمم السابقة وإهلاك الله لها بسبب تكذيبها هو في حقيقة الأمر كافٍ لمن رام البصيرة، ولمن رام الهداية، فلذلك جاء التعبير القرآني ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ (طه: 128) يعني أن هذا كافٍ في الهداية، وليس فقط فيه البيان، وإنما بيانٌ يهدي صاحبه إذا وفقه الله وسدده.

ومنهم من فسّر يهد لهم بمعنى يصل لهم؛ فالهداية هنا بمعنى الوصول، أفلم يصل -: (﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى)؛ بعض العلماء يرى أن فاعل يهدي هو الله يعني أفلم يهدِ الله وبعضهم يقول: الرسول، ومنهم من أوّل قوله: كم أهلكنا قبلهم يعني أفلم يهدِ لهم كثرةُ ﴿أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾ فجعلوها مؤولة بهذا المصدر.

-: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾ (طه: 128)؛ أي من الأمم السابقة (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ)؛ (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) تتعلق بماذا؟ هل بهؤلاء المهلكين أم بهؤلاء الذين قال الله لهم: أفلم يهد لهم؟ الظاهر الثاني؛ وهو أن المراد بقوله: (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) هم المخاطبون بهذا الاستفهام.

﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ﴾؛ والمعنى أنتم لستم في ابتعاد عنهم أو لستم بمنأى عن أماكنهم بل أنتم تمشون في أماكنهم وتمشون في المساكن فلماذا لا تتعظون؟ ولماذا لا تعتبرون؟

فقال: (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ)؛ ولذلك قال الله أيضًا: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ ‌عَلَيْهِمْ ‌مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الصافات: 137-138] والمعنى هي أماكن قريبة منكم وأنتم تشاهدونها وتعرفون أخبارها فلم لا تتعظون بمثلها.

﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ وهذا فيه أن رب العزة -سبحانه وتعالى- يُذكرنا كثيرًا بالنظر في أحوال الأمم السابقة، ولذلك من الأبواب المهمة جدًا والتي ينبغي لطالب العلم أن يدرسها أن يعرف الوقائع والأحداث وتاريخ الأمم ولذلك فإنَّ المؤمن وطالب العلم لا ينظرون إلى التاريخ على أنه سرد تاريخي يعرف أنه وقع كذا في سنة كذا وقام بالمهمة فلان وفلان.

وإنما الذي يعنيه من ذلك ما علمنا الله إياه في طريقة القرآن من أخذ العبرة والعظة، وذلك لأن التاريخ يُعيد نفسه، وتتكرر الأحداث، فمن استفاد من ذلك فقد استفاد خيرًا عظيمًا.

قال: ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لأولي العقول، ﴿وَقِيلَ﴾ للعقل نهي؛ لأن العقل من شأنه أن ينهر صاحبه عن الشهوات المضلة أو عن الباطل.

﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ وأنت إذا تأملت طريقة القرآن الكريم في ذكر كلمة أولي؛ فأولي بمعنى أصحاب، لكن في غالب ما تأتي فيه هذه اللفظة أو هذه الكلمة أولي تجد أنها حين تضاف ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ وكذلك في قوله سبحانه: (‌لِأُولِي ‌الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 190] فحين يُضيف كلمة أولي إلى الألباب إلى النهى ونحو ذلك فإنها إضافة إلى ما هو جزء من المضاف؛ لأن النهى عقول، والعقول جزء من أصحابها، وكذلك الألباب جزء من أصحابها.

بخلاف كلمة الأصحاب؛ ﴿أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾، فالنار تختلف عن الأصحاب والجنة تختلف عن الأصحاب، فهذا من الفروق بين بعض الكلمات التي فرق القرآن بينها في الاستعمال.

قال الله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى)، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه: 129) [طه: 129].

لأن قائلًا يقول: إن رب العزة -سبحانه وتعالى- لماذا يؤخر هؤلاء؟ لماذا لا يُعجل لهم العقوبة، وهم قد كذبوا، وهم قد كفروا، ولم يُصدقوا الرسول أو لم يُصدقوا دعوته

فالجواب: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه: 129)؛ قالوا: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ (طه: 129) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول أنه لا يُعذب أحد قبل إقامة الحجة عليه، يعني لا يُعذبهم الله قبل إقامة الحجة عليه.

هم فسروا قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ (طه: 129) أي بأن الله لا يُعذب قبل إقامة الحجة على الناس.

ولعلهم استفادوا ذلك مما ذكره الله بعد ذلك في الآيات؛ (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ (133) وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَٰهُم ﴿بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ﴾ ﴿ايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾) [طه: 133-134]؛ والمعنى لا نُعذبهم حتى نرسل إليهم رسولًا.

لكن المعنى المشهور الذي قاله كثير من المفسرين ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ (طه: 129) بعدم تعجيل العذاب لهم لكان لزامًا.

فالمراد بقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ (طه: 129)؛ ما المراد بهذه الكلمة؟ وهو تأخير العذاب وعدم تعجيله بعجلتهم، والمعنى أنهم وإن تعجلوا وإن طلبوا العذاب فإنَّ الله لا يعجل لعجلة أحد، ولكن جعل لكل شيء أجلًا، فهو منتهي إليه.

إذن قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ (طه: 129)؛ الكلمة هي تأخير العذاب عنهم إلى أن يأتي الأجل، لكان لزامًا يعني كان هذا العذاب لزامًا لهم؛ لأنهم استحقوا العذاب، فهم استحقوا العذاب لكن وجد مانع، ما المانع؟ أن وقت هلاكهم لم يأتِ بعد.

فالله –عز وجل- لا يُعذب إلا إذا جاء الوقت الذي يريده -سبحانه وتعالى- لتعذيب هؤلاء أو إهلاكهم، فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه: 129)؛ قالوا: والأجل المسمى هو يوم القيامة يعني أيضًا لهم يوم القيامة ففي يوم القيامة يجمعون.

وأصل الكلام: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ (طه: 129)؛ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ (طه: 129)؛ ما معنى ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ (طه: 129)؟ يعني لكان العذاب لزامًا، ولذلك قد يقول قائل: قد يوجد السبب أو يوجد الشيء ولا توجد نتيجته، يقال: لوجود مانع من الموانع، فالأمة التي كفرت وكذبت تستحق العذاب، فلم يؤخرها الله؟ لأن وقت هلاكها لم يأتِ.

وكذلك في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ من كذّب بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنَّ الله لم يُعجل له العقوبة، أين المانع؟ وجود الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأن الله قضى بأن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يحدث فيها استئصال فهذا كله من الموانع التي قدرها الله -سبحانه وتعالى-.

قال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه: 129)؛ ثم قال: (﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ﴾ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130)) [طه: 130].

﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ (طه: 130)؛ أمر الله النبي بالصبر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما يرى تكذيب هؤلاء وإعراضهم عن الإيمان فإنه يعلم أنهم يستحقون العذاب، فيبين الله –عز وجل- أن لهم وقتًا والذي يلزمك في هذا المقام أن تستعين على ما يؤذونك به بالصبر والصلاة، فإذا صبرت وصليت قوى الله –عز وجل- قلبك، وشرح صدرك من الضيق الذي تصاب به أحيانًا بسبب قولهم.

قال هنا: (﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ﴾ اللّيل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130))؛ ولعلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم لو قارنت بين هذه الآيات وبين الآيات التي مرت معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة هود ترى تقاربًا كبيرًا، فهناك أيضًا ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ (طه: 129)، ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ قال: ‌﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (فصلت: 45) [هود: 110].

ثم مضت الآيات وبعدها قال: (‌وأقم ‌الصّلاة ‌طرفي النّهار وزلفاً مّن اللّيل إنّ الحسنات يذهبن السّيّئات) [هود:114]؛ وقلنا هناك: إن قوله: (‌وأقم ‌الصّلاة ‌طرفي النّهار وزلفاً مّن اللّيل) يشمل الصلوات الخمس على قول كثيرين.

وكذلك قوله هنا: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ﴾ اللّيل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130)) يشمل الصلوات الخمس على قول كثير من المفسرين، وهناك قال: ﴿وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: 115) [هود: 115]، وهنا قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ (طه: 130) فهو من جنس هذا أن الله يذكر أنه لا يعجل لعجلة أحد، وأن لهؤلاء وقتًا محدودًا ثم يأمر نبيه والمؤمنين بالصبر والصلاة، فقال هنا سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (طه: 130) كثير من المفسرين يميلون إلى أن المراد بالتسبيح في الآية الكريمة: الصلاة؛ فمعنى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (طه: 130) يعني صلّ لربك، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾.

قالوا هنا في التفسير: في صلاة الفجر ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾، إذن ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ المراد به صلاة الفجر على هذا القول.

وقبل غروبها؛ قالوا: وفي صلاة العصر قبل غروبها، إذن قوله سبحانه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ (طه: 130)

دخلت فيه صلاة الفجر، وقوله: (وقبل غروبها) دخلت فيه صلاة العصر.

(ومن آناء اللّيل) قالوا: ومن آناء الليل وفي صلاة المغرب والعشاء من ساعات الليل، فقوله: ومن أناء الليل دخل فيه المغرب والعشاء.

إذن بقيت لنا صلاة واحدة وهي صلاة الظهر، فقال الله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ (طه: 130)؛ فقالوا هنا في التفسير: وفي صلاة الظهر عند الزوال بعد نهاية الطرف الأول من النهار، وفي صلاة المغرب بعد نهاية الطرف الثاني منه.

قالوا: قوله: (وأطراف النّهار) فإنَّ طرف النهار الأول في انقضاء النهار وسط النهار وهو عند الزوال تكون صلاة الظهر، ثم قالوا أيضًا في نهاية النهار تكون صلاة المغرب، وكأن صلاة المغرب تكررت مرتين.

مرة في قوله: (ومن آناء اللّيل)، ومرة في قوله: (وأطراف النّهار).

وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل (وأطراف النّهار) هي خاصة بصلاة الظهر، وأما المغرب فقد مضت في قوله: (ومن آناء اللّيل).

ولذلك قال الواحدي وسمي الواحد باسم الجمع؛ فهم يرون أن كلمة وأطراف بمعنى طرف، وأن المراد به صلاة الظهر، أو أن يقال إن قوله: (ومن آناء اللّيل) المراد به العشاء.

أيما كان الأمر فهذه إحدى الآيات التي استدل بها جماعة من أهل التفسير على أن الله -سبحانه وتعالى- ذكر الصلوات الخمس في بعض الآيات القر آنية من هذه الآية ومنها ما تقدم في قوله: (‌وأقم ‌الصّلاة ‌طرفي النّهار وزلفًا من اللّيل) [هود: 114]، وقوله تعالى أيضًا: (‌﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ﴾ اللّيل إلى غسق اللّيل ﴿وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾) [الإسراء: 78]، وأيضًا قوله: (‌﴿فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾)) [الروم: 17].

لكن أيضًا يقال: هذه اجتهادات تلتمس من الآثار التي وردت في هذا الباب، ومن الاستنباط من الآية الكريمة بيد أن الصلوات الخمس كبيان لها على سبيل القطع والبيان والإيضاح والنص جاء في سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

قال: (ومن آناء اللّيل ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلَا﴾ مانع أن يحمل التسبيح على بابه أيضًا، فأيضًا الرسول مأمور بأن يكون من الذين يسبحون الله –عز وجل- كثيرًا، ولذلك جاء: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: 42) [الأحزاب: 42].

فإذن الآية لا تمنع من دخول التسبيح والحمد، وأيضًا الصلاة باعتبار أن الصلاة تشتمل على التسبيح والحمد.

قال: (ومن آناء اللّيل ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾)؛ هذا فيه أن الصبر والصلاة والتسبيح هذه العبادات تؤدي إلى تحصيل رضا الله -سبحانه وتعالى- من جهة، وترضي العبد من جهة، ولذلك بعض الناس الذي يشكو حاله ويقول: أريد أن أصل إلى مرتبة الرضا، وأن أكون راضيًا وقانعًا بما أتاني الله -سبحانه وتعالى-، ومكتفيًا به، راضيًا بما قسم الله –عز وجل- لي، فيقال له: عليك بطريق الصبر والصلاة والذكر، فإنَّ هذا يرضيك.

ولذلك جاء في الحديث H0.

وهناك القراءة الأخرى وهي رواية شعبة أيضًا عن عاصم: لعلك ترضى؛ أي يرضيك الله -سبحانه وتعالى-، إذن أنت ترضى ويرضيك الله –عز وجل- وهذا معنى جميل وجليل، فأنت بهذه العبادات تحقق رضا الله وأيضًا يرضيك الله -سبحانه وتعالى-.

ثم قال الله –عز وجل-: (﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا﴾ به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خيرٌ وأبقى) [طه: 131].

أيضًا من الطرق العظيمة التي يحصل بها العبد رضا الله -سبحانه وتعالى- ﴿إِلَّا﴾ تمتد عيناه إلى ما متع الله –عز وجل- به الناس من زخارف الدنيا، وهذا معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: H1؛ فهذا يدخل في تفسير قوله: (﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا﴾ به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه)؛ يعني هذه الزهرة زهرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ يعطاه الإنسان فتنة، ابتلاء له، فهذا معنى لنفتنهم فيه.

فإذا سلمك الله من الابتلاء فاحمد الله -سبحانه وتعالى-، إذا سلمك الله من الابتلاء بزهرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ فاحمد الله –عز وجل- على ذلك.

وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (طه: 131) لم يقل: ولا تنظر، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: (ولا تمدّنّ) فالمنهي عنه هو امتداد العينين، أما النظر الذي يأتي عرضًا فهذا لا إشكال فيه، لكن أن تمتد عين الإنسان بأن يديم النظر ويدمن النظر ويكرر النظر؛ فهذا هو الذي ينبغي تنزه الإنسان عنه، قال: (﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا﴾ به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خيرٌ وأبقى) [طه: 131]؛ ما رزقك الله به خير وأبقى؛ لأنه دائم ومستمر لا ينقطع بفضل الله -س-.

ثم وجه الله –عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- إلى أمر آخر هو من قبيل الإصلاح، فالرسول ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ومصلح، فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ يعني لا يكتفي الإنسان بإصلاح نفسه، وإنما يصلح غيره، وأولى الناس أهله فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ قال: واصطبر أنت على أدائها، لا نطلب منك رزقًا لنفسك ولا لغيرك، وهذا معنى قوله –سبحانه-: (لا نسئلك ﴿رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾)؛ ففيه أن الإنسان يأمر أهله بالصلاة، وأن يصطبر عليها، فيصطبر على هذه الصلاة ويحافظ عليها ويداوم عليها وكذلك على أمره أهله بتلك الصلاة، وقد تقدّم معنا في قول الله –عز وجل- في شأن إسماعيل –عليه السلام - في سورة مريم وهذا من المناسبات بين السورتين: (﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ ‌‌(55) ) [مريم: 55].

قال: (واصطبر) قالوا هنا: واصطبر أنت على أدائها، إذن الضمير في قوله: واصطبر عليها يعود على الصلاة في أقرب مذكور، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾؛ ثم إن الضمير مؤنث، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾؛ وهذا فيه أن الصلاة تحتاج إلى اصطبار، ولذلك كثير من الناس لا ينالون ما يريدون من الصلاة؛ لأنه لا يصطبر عليها، والصلاة يراد من الإنسان ﴿إِلَّا﴾ يؤديها فحسب، وإنما أن يقيمها وإقامة الصلاة تستدعي اصطبارًا عليها.

ولذلك يرد هنا كلام أهل العلم حينما يقول أحدهم: كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت بقيام الليل عشرين أخرى، فهو في بداية أمر يكابد نفسه ويصطبر حتى ينال ما يريده، وحتى ينال من الصلاة ما يريد من أن تكون الصلاة قرة عين له، ولذلك من يريد أن تكون الصلاة قرة عين له فعليه أن يصطبر على الصلاة.

ومن الاصطبار عليها المجاهدة؛ بأن يجاهد الشيطان في أثناء صلاته، فلا يجعل للشيطان عليه سبيلًا قدر استطاعته، فهذا من الاصطبار على الصلاة، والمحافظة على أوقاتها وخشوعها وما إلى ذلك.

قال: (لا نسئلك ﴿رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾)؛ ربط الرزق بأمر الصلاة وأمر الأهل بالصلاة دليل على أن الصلاة وأمر الأهل بها من أسباب جلب الأرزاق، ولذلك استفاد كثير من العلماء أن هذه الآية تدل على أنه من أبواب البركة في الأرزاق وجلب الأرزاق الصلاة وكذا أمر الأهل بالصلاة.

ولذلك كان بكر بن عبد الله المزني –رحمه الله- إذا أصيب أهله بخصاصة بفقرٍ قال لهم: قوموا فصلوا؛ إذا وجد فقر قال: قوموا فصلوا؛ يعني يستجلب الرزق بالصلاة.

قال: (والعاقبة للتّقوى)؛ وليس معنى هذا أن الإنسان لا يأخذ بالأسباب، ولكن يقال: من الأسباب الصلاة؛ يعني من الأسباب أن تجتهد وأن تعمل وأن تصلي وأن تسأل الله أن يرزقك.

قال الله بعدها: (والعاقبة للتّقوى)؛ فالعاقبة للتقوى قالوا هنا: والعاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة لأصحاب التقوى؛ لأنَّها إذا كانت للتقوى فهي لأهل التقوى، وهذا معنى قولهم: لأصحاب التقوى الذين يخافون الله فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه.

ثم قال: (وقالوا لولا يأتينا بآيةٍ من ربّه أولم تأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى) [طه:133]؛ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا﴾ (طه: 133) لولا بمعنى هلا، ولذلك قالوا هنا في التفسير قالوا: هلا، (وقالوا لولا يأتينا بآيةٍ من ربّه أولم تأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى) قالوا: هلا يأتينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بعلامة من ربه تدل على صدقه، وأنه رسول، (وقالوا لولا يأتينا بآيةٍ من ربّه) ومن المعلوم أن الرسول -عليه السلام- جاء بآيات، جاء بآيات كثيرة جدًا، وبمعجزات حسية ومعنوية، وأعظمها القرآن الكريم، لكن هؤلاء يجحدون آيات الله -سبحانه وتعالى-.

فيقولون:، (وقالوا لولا يأتينا بآيةٍ من ربّه) وهم يريدون بالآية كما تقدم مرارًا أن الآية التي يذكرها هؤلاء هي تلك المقترحات المبنية على التعنت، وهذه الآيات لا يستجيب الله –عز وجل- لهم فيها؛ لأنهم لو استجاب لهم فيها لأهلكهم إذا لم يؤمنوا حينها كما تقدم معنا في سورة الإسراء (‌﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾) [الإسراء: 59]؛ وسيأتينا أيضًا قول الله: (﴿مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾) [الأنبياء: 6] في سورة الأنبياء.

(وقالوا لولا يأتينا بآيةٍ من ربّه أولم تأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى)؛ أولم تأتهم هذا أسلوب فيه تقرير وإلزام، فالمراد بهذا الأسلوب التقرير وإلزامهم ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ﴾ (طه: 133)؛ عندهم القرآن يقرأون، ويرون فيه أخبار الأمم السابقة ويرون فيه تصديق الكتب السابقة، وقد بشرت به الكتب السابقة أما يكفيهم هذا كما قال الله: (‌أو ‌لم ‌يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) [العنكبوت: 51]، ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ﴾ (طه: 133)؛ قالوا هنا: أولم يأتي هؤلاء المكذبين القرآن، إذن ﴿أَنَّمَا﴾ المراد بقوله: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ﴾ (طه: 133)؟ القرآن الكريم والمعنى ما أخبرت به الكتب السابقة.

فالصحف الأولى والكتب السابقة أخبرت به وهي بينة عليها ودالة على صدقها، وبعضهم يقول: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ﴾، المراد بها: بشارات الأمم السابقة، لأنهم قد جاءتهم البشارات، وهذه البشارات جاء مصداقها في القرآن الكريم، أو المراد هلاك الأمم السابقة.

قال: (وقالوا لولا يأتينا بآيةٍ من ربّه أولم تأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى (133) وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَٰهُم بِعَذَابٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَبْلِهِۦ لقالوا ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نذلّ ونخزى (134)) [طه:133-134]، تأملوا يا أيها الإخوة الكرام الآيات الكريمة في آخر السورة تبين لنا الأعذار الكاذبة؛ كيف أن هؤلاء يعرضون عن الحق بلا دليل، وبلا حجة، وإنما هي اعتراضات وافتراضات ليست قائمة على حجة أو على صواب، وإنما يريدون بذلك أن يلقوا بالتهمة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بريء بفضل الله -سبحانه وتعالى- ومؤيد من الله.

(﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ﴾)؛ أي قبل قالوا هنا: ولو أن أهلكنا هؤلاء المكذبين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بإنزال عذاب عليهم لكفرهم وعنادهم قبل ﴿لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (طه: 134)؛ هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (فنتّبع آياتك من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نذلّ ونخزى (134))؛ والمعنى لو أن الرسول لم يأتكم قلتم: هلا أتانا الرسول، وحين أتاكم الرسول قلتم: هلا أتانا بالآية، وحين أتاكم بالآية قلتم: نزيد آية أخرى، فمتى يكون الإيمان؟

قلتم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يأتينا الرسول؟ جاءكم الرسول، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تأتنا الآية؟ أتتكم الآيات، إذن فلا عذر لكم في ذلك.

قال الله: (لقالوا ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نذلّ ونخزى (134) ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ كلٌّ متربّصٌ فتربّصوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَٰبُ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (135)) [طه:134-135]؛ ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ﴾ (طه: 135)؛ كل واحد منا ومنكم منتظر ما يجريه الله كما تقدم معنا مرارًا في قوله سبحانه: (اعملوا على مكانتكم ‌إنّا ‌عاملون (121) وانتظروا إنّا منتظرون) [هود:121- 122]؛ فكان بعضهم ينتظر بعضًا، هل ستكون الغلبة لمحمد؟ هل ستكون الغلبة لكذا؟ ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ﴾ (طه: 135)؛ وهذا فيه تحدٍّ وفيه كذلك... وتوبيخ لهم وفيه تعريض وتهذيب.

(فستعلمون مَنْ أَصْحَٰبُ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (135))؛ أي من غيرهم؛ لأن أَصْحَٰبُ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ فريق واحد، تأمل (فستعلمون مَنْ أَصْحَٰبُ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (135))؛ ومن اهتدى هم ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾، وإنما هذا زيادة في الوصف.

لذلك قوله: (ومن اهتدى (135)) من باب عطف وصف على وصف، وليس من باب عطف فريقٍ على فريق، فمن اهتدى هم أيضًا ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾، ولذلك هنا ترد مسألة وهي: من في قوله: (من أصحاب الصّراط السّويّ ومن اهتدى (135)) ما نوعها؟ (فستعلمون مَنْ أَصْحَٰبُ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (135))؛ هنا في المختصر جعلوها استفهامية لذلك قدروا الكلام تأمل: فستعلمون لا محالة من أصحاب الطريق المستقيم ومن المهتدون نحن أم أنتم؟ كأن هذا سؤال (فستعلمون مَنْ أَصْحَٰبُ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (135)) نحن أم أنتم؟ فهذا يحتاج إلى تقدير، فيكون الكلام فيه تقدير.

وبعضهم يقول: من أصحاب هذا استفهام، وأما ومن اهتدى هي الموصولة، والأقرب أن من في كلتا الكلمتين أو في الموضعين موصولة، فالمعنى فستعلمون الذين هم ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ والذين هم مهتدون.

وكأن المعنى فستعلمون ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾؛ فستعلمون الذين هم ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ المهتدون، فقوله: (ومن اهتدى) تساوي المهتدون، فهو وصفٌ لأصحاب الصراط السوي والعلم عند الله –تبارك وتعالى-.

والمعنى: ستعلمون هؤلاء، وأعرض عن الآخرين استبشارًا بأنه -صلى الله عليه وسلم- ومن معه هم ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ (ومن اهتدى) ويكون ختام السورة مناسبًا لبداية السورة (ما أنزلنا عليك القرآن ‌لتشقى) [طه: 2]؛ فأنت لست شقيًا ومن معك ليس بشقي، بل أنت في سعادة، وأنت في هداية، وكذلك من معك ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾.

[فوائد الآيات].

• من الأسباب المعينة على تحمل إيذاء المعرضين استثمار الأوقات الفاضلة في التسبيح بحمد الله؛ لذلك قال الله: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (طه: 130) [طه:130] الآية وهذه قريبة من قوله سبحانه في سورة الحجر في ختامها أيضًا: (﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (97) فسبّح بحمد ربّك وكن من السّاجدين (98) واعبد ربّك ‌حتّى ‌يأتيك ‌اليقين (99)) [الحجر: 97-99].

• ينبغي على العبد إذا رأى من نفسه طموحًا إلى زينة الدنيا وإقبالًا عليها أن يوازن بين زينتها الزائلة ونعيم الآخرة الدائم؛ ولذلك قال الله سبحانه: (﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا﴾ به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خيرٌ وأبقى) تأمل هذا الختام: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 131) والمعنى التفت إلى رزق ربك وعطاءه الدائم، فحينئذٍ تهون الدنيا وتصغر في عينيك.

• على العبد أن يقيم الصلاة حق الإقامة، وإذا حزبه أمر صلى وأمر أهله بالصلاة، وصبر عليهم تأسيًّا بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ قال الله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾؛ وهذا من فعله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر صلى، وهذا يشمل قوله أيضًا: (‌واستعينوا ‌بالصّبر والصّلاة) [البقرة: 45].

• العاقبة الجميلة المحمودة هي الجنة لأهل التقوى والعاقبة للتقوى كما قال: ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

وبهذا نكون بفضل الله ومنته قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة طه، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

دروس مشابهة