سورة طه — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
فالأصل أن يُقدم موسى ومعه قومه، لكن موسى -عليه السلام- سبقهم وهم سائرون، فهم يسيرون لكنه تقدم وتعجل ليصل إلى هذا اللقاء الشريف المبارك حيث تكليم الله عز وجل له، فقال: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى﴾[طه:83-84]، يعني ها هم ورائي وسيلحقونني، وهذا معنى على أثري، يعني خلفي وسيتابعونني ويقتفون أثري، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ [طه:84]، فتأمل اعتذاره ابتداءً، ويقول ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾، لم يقل ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ [طه:84] فقط، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى﴾ [طه:84]، لأن هذا السؤال مبني على أنت ملزوم بشيء وهو أنك القائد، والأصل أن القائد لا يترك الأتباع، فما أعجلك؟ قال: ﴿قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ [طه:84]، فيه الاستباق إلى الحصول على الخيرات والبركات.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه:85]، ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ يعني ابتلينا قومك من بعدك ﴿فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه:85]، فنسب الفتنة إليه سبحانه؛ لأنه مقدرها، ونسب الإضلال إلى السامري لأنه السبب فيه ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا﴾ [طه:85-86]، وموسى -عليه السلام- غضب غضبًا شديدًا من هذا الأمر، لأن الله قد أنجاهم من فرعون وبطشه وكيده وأراهم آيات عظيمة، وحججًا واضحة بهذه السهولة، وفي هذا الوقت اليسير وعلى هذه المدة اليسيرة التي تجاوزهم وسبقهم إليها يضلهم السامري ويتركون الإيمان، هذا أمر جد خطير، ولذلك فإنَّ الإنسان إذا رأى ثمرته تذهب فإنَّ هذا أشد ما يكون عليه، وذهاب الثمرة بعد تحقيقها أصعب على النفس من أن لا تقع أو لا تتحقق أو لا تكتمل من البداية.
﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا﴾ [طه:86]، وما معنى قوله أسفًا؟ قالوا حزينًا عليه، إذًا فسَّروه بالحزين، والآسف يأتي بمعنى الغاضب وبمعنى الحزين، فالأسف يأتي بمعنى الغضب وبمعنى الحزن، لكن هم فسَّروه هنا بالحزن لأنَّه جاء بعد كلمة غضبان، ومنهم من قال بل ذكر الأسف بعد غضبان معناه شديد الغضب، شديد الغضب، وبعضهم قال بينهما اقتران، فالغضب والحزن قرنا، ومنهم من قال إذا كان ممن هو أعلى على من دونه فيقال غضب، وإذا كان ممن دونه بالنسبة لمن هو أعلى فيقال إنه حزن؛ لأن غضبه لا يفعل به شيئًا وإنما هو من قبيل الحزن.
وأما في قوله: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾[الزخرف:55] فإنَّ العلماء قد نقلوا الاتفاق على أن المراد بذلك أغضبونا، فالمراد بالأسف هناك الغضب، إلا على قول ذكره بعضهم كأبي حيان في تحفة الأريب كما تقدم التعليق عليه هناك حينما فسره بالحزن فحمل ذلك على معنى أحزنوا أولياءنا وليس عائدًا على الله سبحانه، فعلى هذا القول فيه مجاز، لكن على قول الجماهير معنى أسفونا أغضبونا، أما هنا تحتمل الاحتمالين: أسفًا يعني حزينًا أو شديد الغضب.
قال: ﴿يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى﴾ [طه:86]، يا قومي ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾! قالوا هنا: أما وعدكم الله وعدًا حسنًا أن ينزل عليكم التوراة ويدخلكم الجنة.
إذًا ما المراد بالوعد الحسن؟ فسره بعضهم بدخول الجنة إن أقمتم على الإيمان، أو بإنزال التوراة، وأيضًا أن يجعلكم في حياة سعيدة وأن يعوضكم خيرًا عما فاتكم إلى غير ذلك، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾[الأعراف:137].
﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى﴾ [طه:86]، " أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ "يعني الزمان فنسيتم هذا الوعد وعدتكم به عن قريب، وأنا لست بمبعدٍ عنكم، ولم أترككم منذ فترة طويلة، أفطال عليكم العهد؟ وهذا المراد بهذا الاستفهام الإنكار والتوبيخ والتقريع لهم.
﴿أَمْ أَرَدتُّمْ﴾ [طه:86]، قال بعضهم: أي بل أردتم ففسروا "أم" بمعنى بل ﴿أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى﴾ فلم تثبتوا على الطاعة حتى أرجع إليكم أو حتى تدركوني وتلحقوا بي.
﴿قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه:87].
اعتذروا بهذا الاعتذار غير المقبول، ﴿قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾، أي باختيار منا، بل باضطرار، هذا شيء اضطررنا إليه، ولم يكن عن اختيار، لم نكن راغبين في ترك الإيمان، وكذلك قراءة من قرأ بملكنا قريبة، ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ بقدرتنا باختيارنا بسلطاننا، ولكننا حملنا، والقراءة الأخرى ﴿حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ فَقَذَفْنَٰهَا
المراد بالأوزار قالوا: أحمالًا وأثقالًا من حلي قوم فرعون، قال بعضهم إنهم استعاروا منهم هذا الحلي ثم بعد ذلك وقع لقوم فرعون ما وقع إذ أهلكهم الله فأخذوا هذا الحلي، فقالوا ماذا نصنع به؟ اختلفوا ماذا نصنع بهذا الحلي؟ فقالوا نجمعه ثم نجعله بعد صهره في النار قطعة واحدة، ونجعل الأمر لموسى يصنع به ما يشاء (قال بهذا عدد من أهل التفسير).
إذًا ﴿حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أحمالًا وأثقالًا، أو أنهم خلفوهم فأخذوا هذا الحلي، فماذا يصنعون وقد أهلك الله قوم فرعون؟ قال فقذفناها أي فرميناها في حفرة للتخلص منها، هذا على قول: بعضهم يقول تخلصنا منها وقلنا هذه ليست لنا وهي من آثار هؤلاء، أو أنهم قذفوها من أجل أن يجعلوها قطعة واحدة متماسكة أو قطعة واحدة كبيرة يفعل بها موسى ما يشاء.
﴿فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه:87]، أي فكما رميناها في الحفرة رمى السامري ما كان معه، هنا قول: ألقى السامري، ماذا ألقى السامري؟ قال بعضهم ألقى السامري ما معهم من حلي، وقال آخرون بل ألقى السامري ما معه من تراب من تربة حافر فرس جبريل عليه السلام، وهو الذي ذكره الله بعد في قوله: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه:96]، وكذلك سول في نفسه، ففسروا ﴿فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه:87]، بما ذكره في قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه:96]، يعني طرحتها في هذا الحلي، فحينئذ خرج لهم على هيئة عجل جسد له خوار كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى في الآيات المقبلة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
من سنة الله انتقامه من المشركين بما يشفي صدور المؤمنين، ويقر أعينهم ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه:77]، إلى أن قال: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:78]، فهذا من سنة الله -عز وجل- أنه ينجي المؤمنين ويهلك الظالمين.
الطاغية شؤم على نفسه وعلى قومه لأنه يضلهم عن الرشد وما يهديهم إلى خير ولا إلى نجاة. قال الله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه:79].
النعم تقتضي الحفظ والشكر المقرون بالمزيد، وجحودها يوجب حلول غضب الله ونزوله. قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا قول موسى عليه السلام لهم: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى﴾ [طه:86].
الله غفور على الدوام لمن تاب من الشرك والكفر والمعصية وآمن به وعمل الصالحات، ثم ثبت على ذلك حتى مات عليه. قال الله: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ [طه:82].
إن العجلة وإن كانت في الجملة مذمومة فهي ممدوحة في بعض المواطن كالمسارعة في الخيرات. إن العجلة وإن كانت في الجملة مذمومة فهي ممدوحة في الدين. هذا في الطبعة السادسة، ثم في السابعة قالوا فهي ممدوحة في بعض المواطن كالمسارعة في فعل الخيرات، وهذا أجمل وأحسن؛ لأن قولهم فهي ممدوحة في الدين وقد تكون في بعض الأمور المتعلقة بالدين غير ممدوحة، ويشهد لذلك ما سيأتي بعد: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ﴾ [طه:114]، لكن في بعض المواطن كالمسارعة في الخيرات فهذا حسن كما قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [البقرة:148].
قال الله سبحانه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه88:89].
فأخرج لهم عجلًا، أي فأخرج السامري من تلك الحلي لبني إسرائيل عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ، قالوا جسد عجل لا روح فيه، له صوت كصوت البقر، إذًا هؤلاء من بني إسرائيل جمعوا ما لديهم من الحلي، إما من أجل أن يلقوه ويرموه تنزهًا عن هذا الحرام لأنه في الأصل ليس ملكًا لهم، ولذلك تعجب بعضهم فقالوا واعجبا لهم إنهم كرهوا أن يكون معهم هذا الشيء الحقير وإذا بهم يرضون بعبادة العجل من دون الملك الخبير سبحانه وتعالى، فهم تنزهوا عن هذا الحلي ثم أعطوه، فأخذه هذا السامري، فبعد أن وضع في النار وأُذيب إذا به يضع بقايا من أثر الرسول وهو جبريل، أي من أثر فرس جبريل عليه السلام كان قد قبضها، فلما ألقاها قدر الله -سبحانه وتعالى- أن يكون من ذلك أن ينشأ هذا العجل الذهبي الذي قد صنع من الذهب بعد انصهاره، فإذا به عجل جسد له خوار.
وهنا قد اختلف المفسرون في هذا الأمر، فمنهم من قال هو في صورة حي وليس بحي، بدليل قوله عجلًا جسدًا، فنص على أن هذا العجل جسد والجسد المراد به جسد بلا روح، وإنما قالوا إذا دخل الهواء من دبره صوت من فمه، إذا دخل الهواء من دبره، صوّت وأحدث صوتًا من فمه.
فحينئذٍ فرحوا وتعجبوا وقالوا: ﴿هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ﴾ وهذا لسفاهة عقولهم، ومنهم من قال: بل سَيَّره الله عجلًا جسدًا وروحًا، لذلك قالوا المراد بقوله: عجلٍا جسدٍا له خوار، أي عجلًا حيًّا له لحم ودم، قالوا وهذا هو المراد بقوله: عجلٍا جسدٍا له خوار، بل نسبه السمعاني إلى الأكثرين من المفسرين لكن هنا قالوا في التفسير: قالوا جسد عجل لا روح فيه، إذ جعلوه جسدًا بلا روح وإنما هو صورة فكان إذا نُفخ فيه أو دخله الهواء صوَّت، فحينئذٍ يرون أن هذا هو الإله.
وقد أثار بعضهم سؤالًا وقال: كيف صنع بنو إسرائيل ذلك؟ وهم منذ عهد قليل ووقت يسير أن نجاهم الله عز وجل من كيد فرعون وبطشه، فكيف يتركون الإيمان بإله موسى عليه السلام القوي المتين ويتجهون إلى هذا؟ قال بعضهم: إن الاستعباد الطويل والذل الكبير الذي أورثهم إياه فرعون أورثهم سخافة العقول. قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:54].
فمن سلمه الله منهم كان عنده شيء من هذه البلاهة التي حاول موسى عليه السلام أن يقضي عليها، وأن يوجههم إلى عبادة الله سبحانه. ثم أيضًا إفساد السامري، قال بعضهم لأنه لا يعلم عنه، إنه كان صاحب سوء وصاحب مكر فصدقوه فيما ذهب إليه، لا سيما وقد شوش عليهم وقال: هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ. قال بعضهم: أي فنسي موسى وذهب يبحث عنه وها هو موجود ليس بحاجة إلى أن يبحث عنه، ونسأل الله السلامة من هذه الجهالة، قال: ﴿فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ﴾ [طه:88]، أي نسيه موسى وتركه هنا واتجه إلى هناك، فرد الله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه:89]، أفلا يرون، يعني ﴿إِلَّا﴾ يرى هؤلاء الذين فتنوا؟ والمراد بقوله ﴿إِلَّا﴾ يرون؟ يعني ﴿إِلَّا﴾ يعلمون؟ ﴿إِلَّا﴾ يعلم هؤلاء أنه لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا أي أن العجل لا يرد عليهم، هذا معنى لا يرجع إليهم قولًا، لا يرد عليهم، فحتى على قول من قال من المفسرين إنه صار عجلًا حيًا بلحم ودم، إلا أن البهيمة لا تنطق ولا ترد، ولو أن الإنسان كلم بهيمة ما أجابته ولا ردت عليه، فهذا حاصل ما كان، فكيف يجعلون الأنعام يجعلون البهيمة؟ يجعلون العجل إلهًا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ فهو لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه في صورة عجل وإما أنه عجل.
وأيًا ما كان الأمر فهذا ليس بصالح لأن يكون إلهًا ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه:89]، والمعنى أنه لا يرجع إليهم قولًا، ولذلك لم يُنصب الفعل في قوله يرجع، لأن الرؤيا بمعنى العلم، فلذلك قال ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ يعني أنه لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى﴾ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى﴾ [طه:90]، ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى﴾ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ أي ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ رجوع موسى عليه السلام، يا قومي ﴿أَنَّمَا﴾ فُتنتم به، ما في صياغة العجل من الذهب وخواره إلا اختبار لكم ليظهر المؤمن من الكافر، ولذلك من قال من المفسرين إنه صار عجلًا حقيقة يقول هذا على سبيل الابتلاء، كما يقع الابتلاء في آخر الزمان بالمسيح الدجال، حينما يفعل ما يفعل فهذا من الابتلاء الذي يقدره الله ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾، قال ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى﴾ [طه:90] في عبادته وحده وأطيعوا أمري بترك عبادة غيره ﴿قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾ [طه:91]، ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ﴾ أي لن نزال مقيمين على عبادته حتى يعود إلينا موسى، قال هذا المفتونون بعبادته.
﴿قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟﴾ [طه:92]، هنا تقدير، فلما رجع موسى إليهم ورأى ما رأى، ﴿قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟﴾[طه:92]، ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ حين رأيتهم ضلوا بعبادة العجل ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [طه:93]، أن تتركهم وتلحق بي؟ أفَعصيت أمري لك حين استخلفتك عليهم؟ إذًا قوله ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ عن ماذا؟ أي ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ عن اتباع واللحوق في أثري لتخبرني وتعلمني ولتنجو منه ولتتركهم، قالوا وقصد بذلك موسى عليه السلام أنَّ هارون وهو الإمام عليهم والمستخلف عليهم، إذا رأى من قومه ما يكره فعليه إذا لم يستطع تصحيح الخطأ أن يفارقهم، لأن هذا أدل على أنه غير راض لصنيعهم.
فاستفيد بذلك أن القيم على الناس إذا لم يستطع تغيير منكر فإنه يزول عنهم ويتركهم وشأنهم، فهذا الذي ذكر به موسى عليه السلام أخاه هارون عليه السلام، لكن هارون عليه السلام من جهة أخرى بيَّن له عذرًا فيما ذهب إليه، لماذا لم يتبع موسى عليه السلام؟ ولماذا بقي معهم؟ ولم يستمر في سيره خلفه ليصل إليه ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه:94]، قال يا ابن أمَّ، قالوا وهو ابن أبيه وأمه، وهو شقيقه، ولكن قال يا ابن أمَّ من باب أن الأم معروفة باللطف والرحمة والشفقة، والمعنى: يا ابن أمَّ كن رفيقًا بي ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ﴾، استفيد من ذلك أنه أخذ برأسه وبلحيته، كما دلت على ذلك الآيات.
قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ﴾ وقوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى﴾ فيه دليل على أن اللحية من سنن المرسلين لا تأخذ بلحيتي، فكان صاحب لحية ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ هناك ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أو هناك من استجاب لكلامي وهناك من لم يستجب، فحينئذٍ تحدث الفرقة وربما إذا تركتهم وأتيتك سيحدث بينهم اقتتال وحرب ضَروس، لكن لعلهم لهيبتهم لي، ولعلهم لبقايا احترام منهم لي فإنَّ هذا يمنعهم عن حدوث الفرقة، فحينئذٍ هذا الذي جعلني أصبر ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه:94]، وإني لم أحفظ وصيتك فيهم لأنه قال له ﴿ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:142]، فقال له: أخلفني في قوم، فكيف وأنت جعلتني خليفة عليهم؟ فالأصل ﴿إِلَّا﴾ أفارقهم إلا بإذنك، فإني بقيت على أصل أمرك لي ووصيتك لي.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ﴾ [طه:95]، جاء في الآيات الأخرى أنه دعا: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى﴾، فدعا لنفسه ولأخيه، وقد علم عذر أخيه عليه الصلاة والسلام، وإنما فعل موسى عليه السلام ما فعل لشدة غضبه، وقد فصلنا القول في ذلك أكثر فيما جاء فيما سبق في آيات سورة الأعراف.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ﴾ [طه:95]، فما خطبك يا سامري؟ ما شأنك أنت يا سامري؟ ما الذي دفعك إلى ما صنعت؟ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ﴾ [طه:96]، رأيت ما لم يروه، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى﴾ [طه:96] قبضت ﴿قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾، قالوا قبضة من تراب من أثر فرسه، رأيت جبريل على فرس، قالوا حين نزل جبريل عليه السلام بالوحي إلى موسى، اطلع عليه السامري بتقدير الله سبحانه، وقد يرى الملك لبعض البشر، ولذلك جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ وهو بين ظهراني أصحابه، في حديث جبريل المشهور حين سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، وكذلك فقد كان بعض الصحابة كعمران بن حصين رضي الله عنهما تسلم عليه الملائكة. فلما رأى ذلك قال: قبضت ﴿قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾ من أثر فرسه، ولذلك هنا تقديرات، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ﴾ فرس جبريل عليه السلام، فالمراد أثر الفرس، وبعضهم يقول حافر الفرس، الرسول، والمراد بالرسول هنا جبريل، ولم يمضِ له ذكر في الآيات، لكن قال بذلك جمهور المفسرين، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه:96]، طرحتها في هذا العجل الذي صار له خوار ﴿وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى﴾ [طه:96] حسنت لي نفسي ما صنعته، هذا الذي ذكره المفسرون هنا في المختصر هو ما قال به جمهور أهل التفسير، وهو أن المراد بالرسول جبريل عليه السلام، وأن معنى من أثر الرسول من أثر فرس جبريل، وإن لم يتقدم لجبريل في الآيات لكن هذا مما قالوه وتناقلوه ووردت فيه بعض الروايات وبعض الآثار، لذلك احتج به الأكثرون.
بل قال الواحدي: قال ابن عباس وجميع المفسرين، فعبر أن هذا قول جميع المفسرين، قال ابن عباس وجميع المفسرين يريد أثر فرس جبريل عليه السلام، وقال الألوسي: ما ذكر في تفسير الآية هو المأثور عن الصحابة والتابعين وتبعهم جل أجلة المفسرين، هناك من أهل العلم من قال: هذه آثار إسرائيلية ليس لنا أن نقبلها، وهذا من الدخيل، إذًا ماذا نصنع؟ قالوا: نبقى على ظاهر الآية الكريمة، فكيف نبقى على ظاهر الآية؟ قالوا الرسول هو موسى عليه السلام، وإنما عبر عنه بالرسول تعظيمًا له لكن الدنيا غرت السامري.
وقالوا معنى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾، يعني أخذت شيئًا من تعاليمك، أخذت شيئًا من تعاليمك ومن هديك، ثم قال: فنبذتها طرحت هذا الهدي وابتدعت، يقول له: نعم، أنا تعلمت منك بعض الهدي ولكني ابتدعت وتركت هذا المنهج الذي به إلى هذا، قال بذلك أبو مسلم الأصفهاني، ثم تابعه عليه الرازي وعدد من المفسرين كأبي حيان وابن عاشور وغيرهما، لكن الذي عليه الأكثرون وجماهير المفسرين سلفًا وخلفًا على إثبات هذا الذي وراء.
بل إن ابن عاشور مع أنه تكلم في ذلك، إلا أنه يقول: هذا ليس موجودًا عند بني إسرائيل، ليس موجودًا في كتب بني إسرائيل، قصة فرس جبريل عليه السلام، قال: فلعله مأخوذ من القصاص وننأى والله أعلم بالمروية عن السلف الصالح بأن يكونوا قد أخذوها عن القصاص، وإنما هذا مما تنقل وقبل ولا مانع من قبوله والعلم عند الله تعالى، وهذه مسألة تجعل الإنسان يتكلم في باب آخر ليس المقام مقام ذكره، وإنما هي قضية الإسرائيليات، وأن بعض ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنها لا تقبل بمرة هذا الكلام فيه إشكال، فإنَّ الإسرائيليات قد يحتاج إليها، ومنها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود.
وأيضًا حينما يقول قائل: إنها كلها ﴿أَنَّمَا﴾ وردت في أمور زائدة عن المعنى، بمعنى جاءت في تفاصيل القصص وما إلى ذلك، فمما الجهل به لا يضر ومما العلم به لا ينفع، فيقال: وماذا تقول في تفسير الآية إلا بمثل ذلك؟ إذا احتجت إليه قلت به، وإلا فإنك ستتبنى ما قاله غيرهم كأبي مسلم ومن تبعهم من المفسرين، والعلم عند الله تبارك وتعالى، قال ﴿وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى﴾ [طه:96]، ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ [طه:97]، هذه عقوبتك، أن ﴿لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أي لا أمُس ولا أُمَس، والمعنى أنه أُمر بهجره، أمر موسى عليه السلام بهجر السامري، هذه عقوبته أن يهجر لا يمسه أحد ولا يمس أحدا، وهذا فيه هجران أهل البدع والضلال.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:97]، فقوله "لنحرقنه" قالوا أي لنشعلن عليه نارًا حتى ينصهر، ثم لنذرينه في البحر حتى لا يكون له أثر، بعضهم قال بقوله "لنحرقنه" هذا فيه دلالة على أنه صار لحمًا ودمًا، لأن اللحم والدم عند التحريق ييبس، إذًا في حالة الاحتراق ييبس، فالذي يتعرض للاحتراق ويتأثر بالاحتراق هو اللحم والدم، وأما الذهب إذا بقي ذهبًا كما هو فمع تحريقه فإنه يذوب ولا يُقال ثم "لننسفنه في اليم نسفًا"، فقال بعضهم: هذا يدل على أن الله عز وجل جعله عجلًا حقيقيًا، لكن كان هذا على سبيل الابتلاء والعلم عند الله تعالى، ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [طه98:97]، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا﴾ فلا يفوته سبحانه علم شيء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
خداع الناس بتزوير الحقائق مسلك أهل الضلال، كما فعل السامري وخادع، ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ﴾ [طه:88].
الغضب المحمود هو الذي يكون عند انتهاك محارم الله. ومن هذا غضب موسى عليه السلام، فسببه انتهاك بني إسرائيل أو كثير منهم محارم الله سبحانه وتعالى.
في الآيات أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يُخالطوا. ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ [طه:97]
في الآيات وجوب التفكر في معرفة الله تعالى من خلال مفعولاته في الكون. ولذلك قال: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:98].
وقال قبل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه:89]
، وفي قوله تعالى: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:97]، ففيه الدعوة إلى النظر والتأمل.
قال الله سبحانه: ﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:99]، أي مثلما قصصنا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول خبر موسى وفرعون وخبر قومهما، نقص عليك أخبار من سبقوك من الأنبياء والأمم لتكون تسلية لك، فهنا يبين الله -سبحانه وتعالى- أنه عليه أنباء السابقين وأخبار الأنبياء والمرسلين من أجل الإفادة وأخذ العظة والعبرة، وما تقدم يا أيها الإخوة الكرام من قصة موسى وفرعون، وكذا من قصة السامري لا يخرج عن مقصود السورة الذي مضى بيانه فيما سبق.
فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن السورة هي السورة التي تبين أن الوحي واتباع الوحي سبيل السعادة، وأن ترك الوحي سبيل الشقاء، فإنَّ موسى عليه السلام وهو رسول الله وكليمه نصره الله وأيده، ولما كان بنو إسرائيل معه مؤمنين نصرهم الله عز وجل، ولما وقع من السامري ما وقع وتخلى عن الشريعة ووقع فيما وقع فيه من ترك للحق، كانت عاقبته في الدنيا قبل الآخرة، فقال: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:97]، وعلى قول من قال من المفسرين أن معنى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه:96] أنه أخذ شيئًا من الوحي ثم تخلى عنه، ففيه أن من ترك الوحي شقي في الدنيا قبل الآخرة، ولو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه أخذ هذا من أثر فرس جبريل، فما كان ليؤخذ من الملك ما يكون سببًا للشرك، بل كان ينبغي أن يكون دالًا على الطاعة والإيمان.
فأيًا ما كان الأمر، ففيه أن من ترك اتباع الهدى شقي في الدنيا ثم أن الشقاء الأكبر يكون في الآخرة كذلك، والعلم عند الله كذلك إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن مقصود السورة كما ذهب إليه بعضهم عناية الله بأوليائه، فقصة موسى عليه السلام تقوم على هذا الباب، فمن عناية الله -عز وجل- بموسى أنه نصره على فرعون، وأنه أيده بالسحرة أنفسهم وهم خصومه تحولوا إلى أنصار ناصرين للحق ناطقين به، وهم الذين دفعوا شبه فرعون وهم الذين ردوا عليه وتكفلوا بالرد عليه، فهذا أيضًا من عناية الله -سبحانه وتعالى- بأوليائه، ومن عناية الله -عز وجل- بأوليائه ما وعد الله به موسى عليه السلام من إنزال التوراة عليه.
وكذلك قصة السورة من أو بداية القصة في بداية الأمر من أن الله أوحى إليه، وهذا من عناية الله بكليمه موسى عليه الصلاة والسلام ﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ [طه100:99] وَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ ﴿مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ المراد بقول ﴿وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ القرآن الكريم ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ [طه:100] أي عن القرآن ﴿فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا﴾ [طه:100]، تأملوا يا أيها الإخوة الكرام، من أعرض عنه. وفي أول السورة: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [طه3:2]، وهنا جزاء المعرض: ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا﴾ إثمًا عظيمًا ﴿خَالِدِينَ فِيهِ ﴾ [طه:101]، أي في هذا الإثم ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًا﴾ [طه:101].
﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:102]، أي ينفخ الملك في الصور، وهو القرن كما جاء تفسيره H0.
قال بينهم يتهامسون بقولهم ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾، لبثتم ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ شيء؟ قالوا لبثتم في القبر، في البرزخ، وبعضهم قال في الدنيا إذا قولهم ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:103] بما يتعلق؟ قال بعضهم أي لبثوا في مدة البرزخ، وقال بعضهم أي في الدنيا إلا عشرة، أي عشرة أيام أو عشرة ليال قالوا هنا إلا عشر ليال ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾، وقولهم عشر ليال، قد يقول قائل ﴿أَنَّمَا﴾ اختاروا ذلك لأن كلمة "عشر" جاءت بدون تاء، لم يقل عشرة، والأصل أن ليلة يذكر العدد فيقال عشر ليال ويقال عشرة أيام، لكن يقال في حالة الحذف إلا عشرة يصح الأمران، فإذا قال إلا عشرًا يصح أن يقال عشرة أيام أو عشر ليال، عند حذف هذا التمييز، فحينئذ يجوز الأمران والوجهان، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:104] نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ أي بما يتسارون به، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي أوفرهم عقلًا ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:104]، ليس عشرًا وإنما لبثتم يومًا واحدًا، قالوا: وكيف ذلك؟ كيف وقع عندهم أولًا النسيان؟ الأصل أن الذي مكث في الدنيا مكث مدة طويلة، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن هذا متعلق بالدنيا، مكث ستين سنة، سبعين، ثمانين. فقالوا: قالوا هذا من باب الذهول، لأن الإنسان عند رؤية الشدائد ينسى ما سبق، فعمره كله الذي قضاه نسيه ونسي ما فيه، وحينما رأى الأهوال تذكر أن الدنيا ما كانت إلا يوم، وكذلك البرزخ بالنسبة لشدائد يوم القيامة، أو أن المعنى والعلم عند الله أن هذا كان على سبيل المقارنة، حينما رأوا يومًا وما أيقنوه من الخلود في العذاب ودخول النيران، قالوا هذه الدنيا وهذا البرزخ بالنسبة للآخرة لا يزيد عن يوم، فلذلك كان أعدلهم طريقًا من يقلل المدة، لأن المدة قليلة بالنسبة لمدة الآخرة والله أعلم.
﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ [طه:105]، يسألونك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول عن حال الجبال يوم القيامة، فقل الجبال يقتلعها ربي، ولذلك هنا يسألونك عن الجبال، يعني ماذا إلى ما سيؤول أمرها؟ فالمراد بالسؤال عن الجبال يعني السؤال عن حال الجبال يوم القيامة، فقل ينسفها، قالوا: جاء هنا "فقل" أدخل الفاء مع أنَّ المعروف في الإجابة عنه "ويسألونك" في القرآن "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾" بدون الفاء، فقال بعضهم: للدلالة على سرعة في الجواب ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ [طه:105]، للدلالة على المبادرة بهذا الجواب، وقال بعضهم: لأن السؤال هنا على سبيل التقدير، فمعنى "ويسألونك" وإن يسألوك عن الجبال فقل فالمراد السؤال المستقبلي، إن سألوك عن الجبال ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ [طه:105]، ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه:106] والجبال لها مراحل وأحوال كما تقدم بيانها في بعض المواضع، ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:10]، إلى غير ذلك، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف:47]، ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:3]، إلى غير ذلك.
قال الله سبحانه: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه105:106]، قالوا فيترك الأرض التي كانت تحملها مستوية لا بناء عليها ولا نبات، وهذا معنى "قاعًا صفصفًا".
فلذلك بعضهم قال يعني سهلة قاعًا سهلة مستوية، ومعنى صفصفًا يعني خالية ملساء ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا﴾ [طه:107]، لا ترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناظر إليها في الأرض من تمام استوائها ميلًا ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا، إذ لا عوج فيها ولا أمت، الارتفاع الانخفاض والعوج الاعوجاج، قال بعضهم الأصل أن يُستعمل العوج مع الأشياء الحسية، والعوج مع الأشياء المعنوية، فيقال هذا شيء فيه عوج يعني عوج ظاهر، وأما في الأمور المعنوية يقال هذا في طريقه وفي سلوكه عوج، لكن هنا عبر الله ترى فيها عوجًا فعبر عن المحسوس بالشيء الذي هو من قبيل المعنوي، قالوا للدلالة على نفي الاعوجاج عنها ولو دق ولو دق، لأن الإنسان في الدنيا إذا قيل له هل ترى هذه البيوت هل ترى فيها اعوجاجًا؟ فيقول بنظري ليس اعوجاج، هل ترى في هذه الأرض شيئًا من العوج؟ يقول ليس فيها شيئًا، لا أرى فيها شيئًا من العوج، أما العوج هذا لا يدركه إلا المختص، حينما يقيس قياسًا دقيقًا، فلما قال ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا﴾ أي ولو بعد بحث وتأمل، لا ترى فيها ليس فقط للنظر الظاهري.
قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ﴾ [طه:108]، يتبعون صوت الداعي إلى المحشر، لا معدى لهم عن اتباعه، ﴿وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:108]، أي صوتًا خفيًا.
﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا﴾ [طه:109]، فيه بيان أن الشفاعة المقبولة لها شروط، إذنُ الله للشافع ورضاه عن الشافع وعن المشفوع فيه، بعض العلماء جعل ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ [طه:109]، تتعلق بالشافع، ورضي ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا﴾ [طه:109] في المشفوع، وبعضهم عكس، وبعضهم عمم وهو قريب بأن يقال يأذن الله للشافع والمشفوع فيه وكذلك يرضى الله عن الشافع والمشفوع فيه ورضاه بأن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد، لأنه لا شفاعة للكافرين، ولذا فإنَّ الشفاعة المنفية في القرآن محمولة على الشفاعة في الكافرين، كما قال الله سبحانه: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ﴾ [المدثر:48]، وهم الظالمون المعنيون في قوله: ﴿مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:18].
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا﴾ [طه:110]، قالوا هنا يعلم ما يستقبله الناس من أمر الساعة ويعلم ما استدبروه من دنياهم، إذًا هم فسروا ما بين أيديهم بالمستقبل وما خلفهم بالماضي، ومنهم من يعكس، ومنهم من يعكس كما تقدم معنا مرارًا. قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا﴾ [طه:110]، ولا يحيطون به، على من يعود الضمير في قوله "به"، قالوا هنا ولا يحيط جميع العباد بذات الله وصفاته، فأعادوا الضمير على الله. إذًا "ولا يحيطون به" أي بالله علمًا، ومن المفسرين من قال: "ولا يحيطون به"، أي مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، من الذي يحيط بكل الماضي وكل المستقبل؟ وبين القولين تلازم بحيث أننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لا يحيطون بما مضى وما استقبل، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علمًا، فمن باب أولى لا يحيطون بالله علمًا، فمن لم يُحِطْ بهذا لا يُحِطْ بالله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ﴾ [طه:111]، ذلت وجوه العباد للحي القيوم سبحانه وتعالى، وقد ورد أن الحي القيوم اسم الله الأعظم، وقد ورد ما يدل على ذلك، وقد جاء هذا في هذه الآية الكريمة، وكذلك في سورة آل عمران: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:2]، وكذا في سورة البقرة، وتقدم الكلام هنالك عن قضية اسم الله الأعظم وما ورد فيها من أخبار H0ق.
وأما الظلم الحق فالله لا يظلم ولا يهضم حق أحد.
قال:﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾ [طه:113] تقدم معنا أن معنى "صرفنا" نوعنا وبينا، لعلهم يتقون، صرفنا فيه من الوعيد من تهديد وتخويف، لعلهم يتقون، رجاء أن يخاف الله، رجاء، من الذي يرجو؟ هم يرجون، يعني وهم راجون أن يتقوا الله، فقلنا الرجاء مصروف إليهم هم، أو لكي يتقوا الله، أو يحدث، قال: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:113]، يعني ينشئ لهم القرآن موعظة واعتبارًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
القرآن كله تذكير ومواعظ للأمم والشعوب والأفراد، وشرف وفخر للإنسانية. لذلك سماه الله ذكرًا، قال: ﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:99]، لأن الذكر كما تقدم مرارًا فيه معانٍ، فالقرآن ذكر مذكر، والقرآن ذكر لأنه أعظم ما يذكر به العبد، والقرآن ذكر لأنه شرف لمن اتبعه، فهذا كله في معنى الذكر.
لا تنفع الشفاعة أحدًا إلا شفاعة مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ قوله في الشفاعة. وهذا يرجح أن قوله ﴿وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا﴾ [طه:109] أي للشافع، فرضي قوله بأن قبل قوله في هذا المشفوع فيه، وكما تقدم فإنَّ قبول الشفاعة ووجود الشفاعة من باب إكرام الله للشافع، وإلا فالرب الكريم في غنى أن يشفع أحد في أحد وهو أرحم الراحمين، لكن هذا من إكرام الله عز وجل للشافع.
القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها. ولذلك قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:113].
من آداب التعامل مع القرآن تلقيه بالقبول والتسليم والتعظيم، والاهتداء بنوره إلى الصراط المستقيم، والإقبال عليه بالتعلم والتعليم. لذلك حذرنا الله فقال: ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا﴾ [طه:100]، إذًا المطلوب أن يقبل عليه الإنسان لا أن يعرض عنه.
ندم المجرمين يوم القيامة حيث ضيعوا الأوقات، حيث ضيعوا الأوقات الكثيرة وقطعوها ساهين لاهين معرضين عما ينفعهم، مقبلين على ما يضرهم. ولذلك قالوا كما قال الله: ﴿يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه103:104].
وتأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، هم يرون أن الدنيا أو البرزخ يوم أو عشرة أيام، فلو أن الإنسان أدرك هذه الحقيقة وأن ما يتعبه في الدنيا سيذهب سريعًا وينقضي، وأن الأثر سيبقى فإنه بفضل الله لن يضيع وقته، بل يحافظ عليه كل المحافظة، ويعلم أن ما يفوته فإنه لا يمكنه أن يعوضه، لذلك قالوا إن الوقت سريع التقضي أبي التأتي، فهذا فيه تذكير الإنسان باغتنام الفرص.
قال الله سبحانه: ﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]؛ فتعالى الله وتقدَّس وجلّ الملك الحق الذي له ملك كل شيء، قال الحق، قالوا الذي هو حق وقوله الحق، فالله من أسمائه الحق، قالوا: والحق هو الثابت -سبحانه وتعالى-.
والله هو الحق؛ فقوله حق، ووعده حق وصدق، قال: (ولا تعجل بالقرآن من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ﴿يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (114) ) [طه: 114].
قال بعض العلماء: لما ذكر الله القرآن وأنه صرف فيه من الوعيد وقال: ﴿وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى﴾ (طه: 42) [طه: 42]فربما يفهم من ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه أن يعجل بتنزيل القرآن الكريم، وإذا نزل عليه أن يبادر بحفظ ما نزل إليه، فلذلك قال الله له منبهًا: (ولا تعجل بالقرآن من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ﴿يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (114) ) [طه: 114]؛ وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا نزل عليه شيئًا من القرآن حرك به لسانه يريد أن يحفظه فطمأنه الله فقال: (﴿لَا تُحَرِّكْ﴾ به لسانك لتعجل به (16) إنّ علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه) [القيامة 16- 18].
وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ﴾؛ مناسب أيضًا لصدر السورة ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ فلا تتعجل، (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) [طه: 2] نحن نطمأنك فأنت ستحفظ القرآن وتقصه كما أوحي إليك وتبينه كما بيّن لك دون أن يذهب عنك شيء منه بفضل الله -سبحانه وتعالى-.
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ﴾ قالوا: ولا تسرع ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول بقراءة القرآن مع جبريل ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينهي إليك إبلاغه، (وقل ربّ زدني علمًا (114) إلى ما علمتني واستفيد من ذلك أن المتعلم ينتظر حتى يفرغ المعلم من تعليمه.
فالله أرشد نبيه -صلى الله عليه وسلم- إلى ﴿إِلَّا﴾ يتعجل وإنما ينتظر حتى يفرغ جبريل –عليه السلام- مما يوحي به إليه، وفيه أن الله -سبحانه وتعالى- قد تكفل بحفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- للقرآن الكريم.
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (114)؛ وحتى لا يظن أن الله حين ينهر رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن العجلة في القرآن أن مراد ذلك ﴿إِلَّا﴾ يطلب المزيد، لا، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (طه: 114) (114) ولكن إذا أتاك العلم فتمهل وتثبت فيه، ولذلك فرقٌ بين الأمرين:
فرق بين أن يتعجل الإنسان.
وبين أن يكون الإنسان مستزيدًا من العلم.
وكثير من الطلاب لا يميزون بين ذلك؛ فبعضهم يظن أنه حينما يتعلم كثيرًا دون تثبيت فهو ممن يستزيد العلم، وليس كذلك.
فإنَّ تثبيت محفوظك وإتقان ما علمت هذا لا ينافي الاستزادة في العلم، ومن هنا قال بعضهم: إن من قراءة كتاب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ خير من قراءة ثلاثة كتب، ولأن تعيد الكتاب الذي تقرأه والمتن الذي تحفظه والآية التي تحفظها والحديث الذي تحفظه هذا أفضل من أن تستزيد في... دون إتقان.
فتأمل هنا: (ولا تعجل بالقرآن من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ﴿يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (114) ) معناه تمهل؛ وهذا التمهل لا ينافي الاستزادة فأنت تسأل الله الاستزادة، ومع ذلك أنت غير متعجل، لذلك فالإنسان الذي يتقن محفوظه ويتقن ما علم هذا ما يقال عنه إنه لا يستزيد من العلم، وأما الإنسان الذي يستكثر بالعلم كثيرًا دون إتقان فهذه ليست استزادة حقيقية.
قال: (وقل ربّ زدني علمًا (114))؛ قالوا: لم يرشده الله إلى طلب الزيادة في المال أو الجاه، وإنما أمره أن يستزيده من العلم وهذا يدل على شرف العلم وفضله على المال، وقد ذكر العلماء في ذلك كلامًا كثيرًا يمكن الرجوع إليه من أكثر ما ذكر مقارنة بين العلم والمال ابن القيم –رحمه الله- في كتابه النفيس [مفتاح دار السعادة].
قال: (وقل ربّ زدني علمًا (114) ﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ (115)) [طه: 114-115].
قالوا هنا في المختصر: (ولما ذكر الله قصة موسى وما اشتملت عليه من إعراض فرعون وغفلة بني إسرائيل، ذكر قصة آدم عليه السلام حثًّا على رجوع من نسي إلى طاعة الله) كأنه يقول: كونوا رجّاعين فها هو أبوكم آدم –عليه السلام- نسي لكنه رجع بفضل الله –سبحانه وتعالى-، فلا تكونوا من الناسين المستمرين على النسيان، فالإنسان ينسى، والإنسان سمي إنسانًا لنسيانه، ولكن فرق بين من يتذكر ويعتبر ويرجع وبين من لا يعتبر.
وأيضًا والعلم عند الله إن ذكر قصة آدم –عليه السلام- له مناسبة؛ فإنَّ الله لما أهبط آدم –عليه السلام- أهبطه وبيّن له أنه سيعطيه الوحي، وأن الوحي به السعادة، وأن تركه فيه الشقاء، وهذا هو الأصل الذي تدعو إليه السورة والمقصود الذي تبينه السورة، لذلك جاء فيها: (فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فمن اتّبع هدأي فلا يضلّ ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكًا) [طه: 124]؛ ففيه تذكير بالرسالات والوحي من البداية من بداية الأمر من وقت إهباط آدم –عليه الصلاة والسلام-.
قال: (﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ (115)) ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾؛ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ماذا؟ قالوا: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ بعدم الأكل من الشجرة، لم يبينه، قالوا هنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، قال بعضهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أي ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تصريف القرآن، أو ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ موسى -عليه السلام- فهذا يحتمل احتمالات كثيرة.
وأولى من هذا أن يقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ أي في الزمان السابق، لذلك بعضهم علّق على ما قرره بعض النحويين من حذف المضاف إليه ونية معناه؛ قالوا: لا حاجة إلى أن ننوي المعنى هنا، وإنما يكون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يعني في السابق دون أن نعين شيئًا معينًا والعلم عند الله، ومحل ذلك في دراسة النحو والمطولات فيها.
قال: (﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ (115) ) فنسي ما معنى فنسي؟ قالوا هنا في التفسير: فنسي الوصية وأكل من الشجرة.
هنا يأتي سؤال: هل هذا النسيان بمعنى الذهول؟ أم أن هذا النسيان بمعنى الترك المتعمد؟ بمعنى هل نسيان آدم عليه السلام كان نسيانًا عن غير عمد كما يقال: فلان نسي الشيء يعني ذهل عنه، أو أن يقال: إن نسي بمعنى ترك، كقوله سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 44) [البقرة: 44]؛ يعني تتركون وتهملون فالنسيان يأتي بمعنى الترك المتعمد، يقال: نسي فلان وترك عن عمد.
ومنه قوله: (فاليوم ننساهم) [الأعراف: 51] نتركهم عن عمد؛ لأن ربي لا ينسى كما هو معلوم.
للعلماء في النسيان هنا قلان:
منهم من قال: فنسي يعني فذهل، وكأن إبليبس لما فتنة أو غره بما غره به من أكل الشجرة وقال له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ (طه: 120) [طه: 120] وأغراه بذلك فنسي وذهل أي ذهل عن أمر الله –عز وجل- له أو عن نهي الله له من الأكل من الشجرة.
والقول الثاني: أن قوله: (فنسي) يعني فترك أمر الله بدليل: (ولم نجد له عزمًا (115) ) أي ثباتًا وصبرًا على هذا، بل وقع في المخالفة بسبب إغراء إبليس، وبدليل قوله: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾ فإنَّ قوله: وعصى يدل على التعمد؛ لأن العصيان لا يستعمل إلا مع التعمد.
فلذلك رجح كثيرون أن المراد بالنسيان الترك المتعمد والعلم عند الله، لكن بسبب أنه ما ظن أن إبليس يقسم له بالله كاذبًا حينما أقسم له: (إنّي لكما لمن النّاصحين) [الأعراف: 21] كما تقدم بيانه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة الأعراف.
القول بأن النسيان بمعنى الذهول يأتي عليه إشكال فلماذا وقع له ما وقع من أن الله قال -سبحانه وتعالى-: (فبدت لهما سوآتهما) والإنسان لا يؤاخذ على النسيان، الإنسان لا يؤاخذ على ما نسي فيه، فالإنسان فلو وقع في خطأ أو في ذنب ناسيًا لا يعاقب عليه؛ أجاب من قال بذلك؛ هذا في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وأما النسيان فكان مؤاخذًا به ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فلا يمنع أن يكون كان مؤاخذًا حتى على النسيان، ولذلك في قول ربنا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: 286) [البقرة: 286] قال الله: قد فعلت، وفي الحديث: H0؛ فهذا جواب من قال إن النسيان بمعنى الذهول.
وأما من قيل بأن النسيان بمعنى الترك المتعمد؛ فالأمر فيه واضح وهو أقرب عندي لقوله: (وعصى آدم ربّه فغوى (121) ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ (122))؛ على أن هذا والعلم عند الله ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصير آدم –عليه السلام- نبيًا فحينئذٍ لا إشكال في مثل ذلك، فالأمر في ذلك أيسر؛ لأن قول: (ثمّ اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى (122)) ومن اجتباء الله –عز وجل- له لأن صيّره نبيًا فلا إشكال حينئذٍ فيما وقع لآدم -عليه السلام- من أكل الشجرة في الجنة.
قال الله سبحانه: (ولم نجد له عزمًا (115) ) ﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾ (طه: 115) [سورة طه:115].
لأنه قد يقول قائل: ما الحكمة في أن يجعل الله آدم -عليه السلام- في الجنة مدةً، وربي قادرٌ أن ينزل آدم -عليه السلام- وأن يهبطه إلى الأرض دون أن يدخل الجنة أصلًا، لكن هذا فيه عدة فوائد، بل فوائد كثيرة؛ من هذه الفوائد:
أن يرى المثال العملي التطبيقي في معاداة إبليس له، وكيف أنه يخرجه من نعيم عظيم فكذلك في الدنيا يريد أن يبعده عن الوحي وعن السعادة في الدنيا ثم السعادة في الآخرة والعلم عند الله تعالى.
قال: (وإذ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إِنَّ هَٰذَا ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ﴾ (117) ).
قريبٌ من هذه الآيات ما مضى في سورتي البقرة والأعراف، فلذلك لا نطيل الكلام في بيانها لكن نقف وقفات يسيرة فيما اختصه الله في هذه السورة كقوله: (إنّ هذا عدوٌّ لك ولزوجك فلا يخرجنّكما من الجنّة فتشقى (117))؛ قوله: فلا يخرجنكما نسب الإخراج إلى إبليس، فلا يخرجنكما؛ لأنه سبب الإخراج فلا يخرجنكما وإلا هو بتقدير الله، ثم قال: (فتشقى (117)) لم يقل: فتشقيا ﴿أَنَّمَا﴾ قال: فتشقى فنسب الشقاء إلى آدم وحده -عليه السلام-.
قالوا: بعضهم يقول: لمراعاة الفاصلة؛ أبى، فتشقى، ولا تضحى؛ هذا يعلل به.
وتقدّم معنا أن مراعاة الفاصلة لا يكفي وحده في التوجيه يضم إلى ذلك والعلم عند الله؛ أن حواء تابع لآدم، تابعة لآدم فنص على قوله: فتشقى؛ باعتبار أنه الأصل في ذلك وهي تابعة له.
الأمر الآخر: قالوا: فتشقى؛ لأنه المسؤول عنها والقيّم على أمرها في حياته الدنيا فلذلك عبّر عنه فقال: (فتشقى (117))؛ لأنه سيتولى أمرها فيما بعد.
(إنّ لك ﴿إِلَّا﴾ تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى)؛ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: فيه أسلوب قطع النظير عن النظير؛ لأن الأصل أن يقول فيما يتبادر إلى الأذهان (إنّ لك ﴿إِلَّا﴾ تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى)؛ فالمناسب للجوع ظمأ، والمناسب للعري الضحي أو الاحتراق بالحرارة؛ لكن هنا جمع فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ﴾ (طه: 118) لا تضحى، فهذا أسلوب معروف في علم البديع اسمه قطع النظير عن النظير.
وقوله: (إنّ لك ﴿إِلَّا﴾ تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى)؛ فيه بيان أصول ما يحتاج إليه الإنسان في الحياة؛ فالإنسان يحتاج إلى الطعام، يحتاج إلى الشراب، يحتاج إلى الملابس، إلى الثياب، يحتاج إلى الكّن والاستقرار المقر السكن الذي يؤيه، فقال: أنت لك في الجنة (إنّ لك ﴿إِلَّا﴾ تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى)؛ لأن الإنسان يؤتى من خلو باطنه أو من إحراق باطنه، ومن خلو ظاهره أو من إحراق ظاهره، فالإنسان إذا خلا بطنه أؤتي ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، وإذا أحرق بطنه أصيب.
وكذلك في الظاهر إذا أحرق في الحرارة أصيب، وكذلك إذا كان هناك عري وخلل من الملابس أصيب وكان هناك ابتلاء، فجمع الله بين هذا.
ثم قال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ﴾ [طه: 20]؛ لم يقل: فقال يا آدم، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: (قال يا آدم)؛ قالوا: لأن في ذلك شبه كمال الاتصال، جواب عن سؤال مقدر؛ لأن قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ﴾ فماذا قال؟ (قال يا آدم).
أو أن قوله: (قال يا آدم) تفسير للوسوسة فهو بيان لها، فاستغني بذلك عن دخول الفاء أنه تفسير للوسوسة.
(قال يا آدم هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (120) )؛ وتقدم معنا أنه يقول: لا يقل قائل: كيف وسوس إليه الشيطان وقد طرد من الجنة؟
فهذا قدّره ربه، فيمكن أن يقال: إنه لا يمنع من ذلك أن يكون قريبًا من الجنة يكلمه، وأنهما يكونان قريبين منه فيسمعون وسوسته لهم، فلذلك لا إشكال في ذلك.
أو أنه دخل الجنة ليس على سبيل الإكراه، وأنه منع من دخول الجنة على سبيل الاستقرار والإقامة والله أعلم، أو أنهما ربما تجولا فخرج من الجنة ثم عاد إليه علم ذلك ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ -سبحانه وتعالى-، كل هذا لأننا لسنا في حاجةٍ إلى قصة الحية، وما أدراك ما الحية فإنها تالفة غير ثابتة والعلم عند الله تعالى.
قال: (﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ (120))؛ فيه أن الإنسان جبل على حب الدنيا وطول العمر، كما جاء H1.
قال: (فأكلا منها) أي من شجر الجنة (فبدت لهما سوآتهما)؛ فإنَّ قيل: جاءت بالجمع سواءات هذا جمع، ولكل منهم سوءة فلم يثنهما فيقال: لكل إنسان سواءتان قبل ودبر، فذللك حمع.
أو أن يقال والعلم عند الله: إن التثنية إذا أضيفت إلى ضمير فإنَّ الافصح فيها الجمع، إذا جاءت كلمة مثناة ثم أضيفت إلى ضمير ولو كان للتثنية فالأفضل في هذه التثنيىة أن تتحول إلى جمع، وقد تقدم معنا في سورة التحريم: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4) [التحريم: 4]؛ فهذا هو المعروف في هذا.
قال الله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ (طه: 121)؛ أي شرع، لذلك يقولون: هي من أفعال الشروع، قال: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ (طه: 121) ينزعان من أوراق شجر الجنة، قال: (من ورق الجنّة وعصى آدم ربّه فغوى (121) ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ (122))؛ قالوا: فتعدى إلى ما لا يجوز له.
(ثمّ اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى (122))؛ أي اختاره الله وقبل توبته ووفقه إلى الرشاد ثم صيّره نبيًا.
قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا﴾ (طه: 123)؛ اهبطا على من يعود الضمير في قوله: اهبطا؟ المراد به آدم وإبليس.
ودليل ذلك: أن حواء طوي ذكرها في الآيات أصلًا؛ فالآيات السابقة: فتشقى، (إنّ لك ﴿إِلَّا﴾ تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشّيطان) لم يقل: إليهما فالكلام عنه؛ لأنَّها تابعة له، وبناء عليه قال: اهبطا المتحدث عنهما، والمتحدث عنهما آدم وإبليس، والله تعالى أعلم.
وهناك قال: اهبطوا؛ فدل ذلك على أن المراد بهم آدم وحواء وإبليس، فلما قال هنا: اهبطا وحواء تابعة لآدم فعلم أن الهبوط الآخر هو لإبليس.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (طه: 123)؛ أيضًا ذكر العداوة للإنس بعضهم لبعض أقوى منها أن تكون عداوة للجن هذا أشرف في هذا الباب.