سورة المطففين
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
ســــــورة المطففين
سورة مكية
مقاصد السورة
من مقاصد السورة: تحذير المكذبين الظالمين من يوم القيامة وبشارة المؤمنين به
تعليق الشيخ حفظه الله
التعريف بالسورة
سورة المطففين سورة مكية، هذه إحدى السور التي وقع اختلاف بين العلماء في بيان مكيتها أو مدنيتها، فمنهم من قال إن السورة مكية ومنهم من قال إن السورة مدنية ومنهم من قال بعضها مكي وبعضها مدني ومنهم من استثنى آيات فقد وقع خلاف طويل وكبير بين أهل العلم في سورة المطففين، ومنهم من قال بل هي آخر سورة نزلت قبل الهجرة ومنهم من قال بل هي أول سورة نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وعندنا حديث عند ابن ماجة والنسائي في التفسير H0 للسنة النبوية وهذا الدليل أن سورة المطففين من السور المدنية أو إن شئت فقل من أوائل السور المدنية التي نزلت عقب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وبهذا نخالف ما ذكروا هنا من قولهم مكية، على أن الخلاف في ذلك قوي والعلم عند الله، أما قولهم (من مقاصد السورة تحذير المكذبين الظالمين من يوم القيامة وبشارة المؤمنين به) فهذا واضح وظاهر ولذلك من صدر السورة جاء ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ﴾ وتكرر فيها الكلام عن حال هؤلاء أيضًا ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ وبعد ذلك ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ﴾ وجاء ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ وجاء ( ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ﴾) فالسورة الكريمة تبين حال المؤمنين حال الأبرار واحل الفجار وما كان من شأنهم في الدنيا من عمل الفجار للطالحات ومن عمل الأبرار للصالحات وما يكون في الآخرة وأن الجزاء من جنس العمل فكما أن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يسخرون من الذين ءامنوا ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ لذلك قالوا ( تحذير المكذبين الظالمين من يوم القيامة وبشارة المؤمنين به) ولذلك مما تتميز به السورة الكريمة (بدايتها) فإنَّ بدايتها ذكر الويل وهذا جاء في هذه السورة وفي سورة الهمزة فقد افتتح الله سورة الهمزة أيضًا بقوله ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ فعندنا سورتان كريمتان جليلتان افتتحهما الله سبحانه وتعالى بهذا التهديد والوعيد الشديد (ويل) وهذا يدل على أن السورة فيها شيء من التهديد وفيها شيء من الوعيد الكبير لهؤلاء المطففين وإذا كان هذا في المطفف الذي يمنع بعض الحق فكيف بالظالم، هذا كله الذي يمنع الحق كله، هذا كله لهذا التكذيب وهذا الإجرام، ثم قالوا ( وبشارة المؤمنين به) هذا هو الجانب الآخر لذلك جاء الحديث عن الأبرار وعن جزائهم، والعلم عند الله تبارك وتعالى. نعم.
تعليق الشيخ على المتن
تعليق الشيخ حفظه الله:
قال الله سبحانه ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ افتتح الله السورة بهذا الوعيد وبهذا التهديد ويل للمطففين هلاك وخسار للمطففين. من هم المطففون يا ربنا؟ بينهم الله فقال ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
الذين إذا اكتالوا من غيرهم يستوفون حقهم كاملا غير نقص ( وإذا كالوا للناس) إذن ما معنى كالوهم يعني كالوا لهم وكذلك أو وزنوهم يعني وزنوا لهم، وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون الكيل والميزان إذن هم ليس عندهم عدل ولا إنصاف، فهم إذا أرادوا أن يزنوا لأنفسهم أو اكتالوا لأنفسهم فإنهم يزنون أتم ميزان بل يريدون الزيادة لأنفسهم على ما تستحق وأما إذا وزنوا لغيرهم أو كالوا لغيرهم فإنهم ينقصون الناس ويبخسونهم، وقد قال بعضهم أصل المادة، مادة التطفيف، تدل على النقص اليسير، فإذا كان هذا وعيداً وتهديداً وويلاً لهؤلاء المنقصين هذا النقص فكيف بمن ينقص نقصاً كبيراً ويمنع الحق كله ويظلم الناس لا شك أن الويل له أيضًا بلا شك، قال الله ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ … ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ وهذا جاء في صدر السورة ليدلنا والله أعلم على أن ديننا كما أن فيه صلاح أو إصلاح المعتقد ففيه إصلاح معاملات الناس، فديننا ليس مقصوراً على العبادات وإنما فيه العقائد والعبادات والمعاملات فلذلك جاء في أول السورة التحذير من التطفيف وهي معاملة من المعاملات التي تجري بين الناس وقد ذكر الله عز وجل لنا في غير موضع من القرآن قصة نبي الله شعيب عليه السلام وقد ذكر شعيب لقومه ما كان يقع منهم وحذَّرهم من هذا وقال ﴿وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ﴾ وقال ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ﴾ إلى غير ذلك مما ورد في هذا ثم قال ﴿أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ ما الذي يحملهم على هذا لو كان يوقن هؤلاء بالبعث والقيام ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ما تجرأوا على التطفيف وهذا فيه أن فساد المعاملات ناتج عن نقص إيمان العبد وضعف إيمانه وأن كلما قوي الإيمان كانت معاملة العبد أفضل ولذلك هما قرينان: الإيمان والعمل الصالح ولذلك ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالله وصدق في إيمانه عمل الصالحات لذلك قال ﴿أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ وفي هذا حضٌ لهم وتعجب من أمرهم لماذا يقع منهم ذلك؟ ﴿أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ إذا كانوا حقيقة يقرون بالبعث فهذا ليس فعل من يوقن بالبعث لأن من يوقن بالبعث يخاف من الله ومن يخاف من الله لا يتجرأ على ارتكاب ما حرم الله سبحانه وتعالى ﴿أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ وتأمل التعبير القرآني ولم يقل( ﴿إِلَّا﴾ يعلم أولئك أنهم مبعوثون) ولم يقل ( ﴿إِلَّا﴾ يوقن) وإنما قال ( ﴿إِلَّا﴾ يظن) أن من ظن أن هناك بعثاً فإنه يعمل له، يقول ( لعل هناك بعثاً فإنه يعمل به فكيف بمن يوقن) ومن يوقن ويؤمن بالله حقاً وصدقاً فإنه يعمل بالطاعة وينزجر ويترك ما حرم الله سبحانه وتعالى، ﴿أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ هذا اليوم الذي يقوم فيه ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهذا أحد أسباب تسمية يوم القيامة بيوم القيامة، فهو يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين وأعظِم بهذا اليوم وهو يوم شديد ويوم عصيب ونسأل الله سبحانه أن يثبتنا قال ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ثم قال ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌ﴾ أيضًا بقوله وما أدراك الذي فيه التهويل والتفظيع ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ﴾ قالوا أن كتاب أهل الفجور من الكفار والمنافقين لفي خسار من الأرض السفلى إذن ما المراد بسجين خسار في الأرض السفلى في النار، النار في الأرض السفلى وهذا موضعها ومكانها نار جهنم نسأل الله السلامة، قال ﴿كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ﴾ هل الكتاب المرقوم في هذا المكان ليس هذا هو المراد والمعنى إن كتابهم لا يزاد فيه ولا ينقص إذن قوله سبحانه وتعالى كتاب مرقوم أي كتاب هذا الكتاب كتاب مرقوم، ليس المراد أن سجين نفسه كتاب مرقوم وإنما كتاب هؤلاء الذي فيه جزاءهم كتاب مرقوم ومعنى مرقوم أي أنه ثابت لا يزول ولا يزاد فيه ولا ينقص ثم قال ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ فبعد أن قال ويل للمطففين قال ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ وتأمل وجه الصلة بين سورة المطففين بين صدرها وبين ما جاء في سورة الانفطار ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾ وهنا قال ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ﴾ به إلا......أثيم) فالذي يتجرأ والذي يكذب بيوم الدين ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ قالوا ليس الأمر ما تصور هؤلاء المكذبون بل غلب على عقولهم وغطاها ما كانوا يكسبون من المعاصي فلم يبصروا الحق بقلوبهم فمعنى ﴿بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾ يعني غطى على قلوبهم وعقولهم هذا الذي يكسبون فجعلهم لا يفهمون الحق ولا يعونه، وقد جاء في حديث النبي ﷺ «إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَت في قلبِه نُكتةٌ سوداءُ، فإذا هو نزعَ واستغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُه، وإن عادَ زِيدَ فيها حتى تعلوَ قلبَه» وذلك الران الذي ذكر الله ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ فالذنب على الذنب وكسب الآثام بعد الآثام يجعل على القلب طبقة سوداء وحينئذ لا يعي الإنسان الحق فضلا عن أن يتبعه فهو لا يعرفه ولا يتبعه ﴿كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يتمتعون بالنظر إلى وجه الله الكريم، بل يكونون محرومين من رؤية الله في جنات النعيم ولذلك استدل بعض الأئمة كالشافعي وغيره يرحمه الله بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم قال (لما حجب أعداءه دل على أن أولياءه يرونه سبحانه وتعالى لأنه لو كان الجميع محجوبين فما فائدة أن يجعل الله في وعيد الكافرين المكذبين هذا الذي ذكره) ( كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) فالآية فيها دليل بمفهومها بمفهوم المخالفة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى في جنات النعيم كما جاء التصريح بذلك في قوله ( ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾) ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا۟ ٱلْجَحِيمِ﴾ قالوا أي لداخلوا النار يعانون حرها هناك فرق بين قوله: لصالوا، وقوله: لداخلوا فقوله لصالوا يشمل معنيين الدخول والاحتراق في هذه النار، لذلك قال لداخلوا النار يعانون حرها فالصلي معناه الدخول ومقاساة هذه النار، نسأل الله السلامة قال سبحانه ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ هذا جزاؤكم قد كنتم به تكذبون فانظروا ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ﴾ هكذا القرآن فيه ترهيب وترغيب فيه الوعيد والوعد وهكذا ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ﴾ قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ بأسلوب وما أدراك الذي يدل على معنى التفخيم والتعظيم هنا أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم إذن ما معنى كتاب مرقوم أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم لا يزول ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي مقربو كل سماء من الملائكة وهذا يدل على جلال هذا الجزاء وعظمته ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ … ﴿عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ نسأل الله الكريم من فضله ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ ولذلك قال (وجوه يومئذ ناضرة) وقال (مسفرة) قال ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ فالإنسان حينما يكون متنعماً بنعيم عال يظهر هذا في وجهه وفي نضرة وجهه، ثم قال ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ … ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ قال ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ قالوا يسقيهم خدمهم من خمر مختوم على إنائها إذن ما معنى ﴿مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ أي الخمر الذي ختم على إنائها فهذا معنى مختوم أي وضع عليه الختم وكأنه لم يستعمل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ للدلالة على أنه شريف كريم يتمتع به أهل الجنة ثم قال ﴿خِتَـٰمُهُۥ مِسْكٌ﴾ أي تفوح رائحة المسك منه إلى نهايته (ختامه) قال بعضهم الختم الذي عليه: مسك أو قال بعضهم نهايته آخره مسك أو تفوح رائحة المسك منه من أوله إلى آخره فجمع له بين الشراب الحسن وبين الطعم الحسن وبين الرائحة الطيبة الحسنة ثم قال ﴿وَفِى ذَٰلِكَ﴾ أي مثل هذا الجزاء العظيم في هذا الجزاء ﴿فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ وانظر يا رعاك الله أين هذا من صدر السورة ويل للمطففين أين هؤلاء المطففون الذين طففوا والذين انقصوا والمكاييل والموازين وهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم فهؤلاء تنافسوا في دنيا زائلة ولم ينفعهم هذا وأما التنافس الحقيقي المطلوب التنافس في الآخرة ولذلك فالسورة تبين لنا أن هناك تنافساً مرغوبا فيه وأن هناك تنافساً مرغوباً عنه فالتنافس المرغوب فيه المطلوب هو التنافس في العمل للآخرة وأما التنافس المرغوب عنه الباطل وهو : الظلم من أجل الوصول إلى الدنيا الزائلة وإلى تحصيلها بطريق غير مشروع، قال ﴿وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسْنِيمٍ﴾ يخلط هذا الشراب المختوم من عين في الجنة يقال لها عين تسنيم قال بعض العلماء في قوله ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ قالوا هي عين في أعلى الجنة يشرب منها أهل الجنة صافية خالصة، ويشرب سائر المؤمنين منها مخلوطة بغيرها قالوا إن الناس درجات فهناك المؤمنون وهناك الأبرار وهناك من هم أعلى وهم المقربون فالمقربون يشربون منها خالصة وأما غيرهم فيشربون منها مخلوطة وقد تقدم نظير هذا ونحن نتكلم عن سورة الإنسان ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ فبعض العلماء فسر قوله (عباد الله )؛﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ قالوا هما المقربون وفسروا هناك بما جاء هنا في سورة المطففين (عينا يشرب بها) ولم يقل أيضًا يشرب منها وتقدم هذا يقال له أسلوب التضمين أي عيناً يتلذذ بها ويرتوي بها المقربون فليس شرباً فحسب لأن الإنسان قد يشرب ولا يتلذذ وقد يشرب ولا يهنأ ولا يرتوي أما هذا فهو شراب فيه هناء وفيه ارتواء وفيه تلذذ فلذلك تعدى الفعل بالباء لا بمن كما هو المعهود في تعدي الشرب بـ من قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ﴾ أي في الدنيا ﴿وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ ساخرين منهم ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ﴾ لم يفكروا إلا في الدنيا فهم في الدنيا في سرور، وسينقلب هذا السرور إلى حزن قال ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ﴾ ﴿وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ﴾ يعني هم ليسوا بمسؤولين عنهم فلماذا يرمونهم بالضلال؟ فلماذا لا يتركون المؤمنين يفعلون ما يريدون؟ بل حكموا عليهم بالضلال، وبذلك قال (وما وكلهم الله على حفظ أعمالهم حتى يقولون قولهم هذا) ثم قال ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالجزاء من جنس العمل فهذه الآية من الآيات الصريحة الواضحة الجلية في بيان أن الجزاء من جنس العمل، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ﴾ ثم تقوم القيامة ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ على الأرائك ينظرون إلى ماذا ينظرون إلى وجه الله الكريم ينظرون إلى النعيم ينظرون إلى ما هم فيه مع الحور العين مع النعيم مع الفاكهة، هذا عام حذف المتعلق للدلالة على العموم، ينظرون إلى ما يشاءون ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ قالوا لقد جوزي الكفار على أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالعذاب المهين ولذلك هذا الاستفهام فيه تهكم به وفسروه هنا (هل ثوب) لقد جوزي على أنه يفيد التحقيق وتقرير هذا الأمر ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ وانظر يا رعاك الله كيف أن هذا جاء بالتعبير ثوب، وكأن هذا ثواب لهم وهذا عين التهكم بهم فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقربين وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجنبنا الظلم قليله وكثيره.
من فوائد الآيات
1- الجشع من الصفات الذميمة في التجارة ولا يسلم منه إلا من يخاف الله وهذا في قوله ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
2- تذكُّر هول القيامة من أعظم الروادع عن المعصية ﴿أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾
3- خطر الذنوب على القلوب ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
4- حرمان الكفار من رؤية ربهم يوم القيامة وهذا في قوله ﴿كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾
5- السخرية من أهل الدين صفة من صفات الكفار قال تعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ﴾
بعد هذا ننتقل إلى تفسير سورة المطففين بعد أن فرغنا من تفسير سورة المطففين،
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)