مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة آل عمران — الجزء 5

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 268 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً﴾ (آل عمران: 113) وهذا من إنصاف القرآن الكريم، فهو يذكر أن أهل الكتاب منهم المؤمنون ومنهم دون ذلك، كما قال ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 66) فهنا قال ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً﴾ (آل عمران: 113) ليسوا على درجة سواء؛ بل هم متفاوتون، وهذا كما قلت من عدل القرآن وإنصافه، فذكر الله بعض أهل الكتاب الذين هم على طاعة، فقال ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113) قائمة ما معنى قائمة؟ قالوا هنا في المختصر {قائمة بأمر الله ونهيه} إذاً ﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ (آل عمران: 113) يعني: قائمة بأمر الله ونهيه، ﴿وَقِيلَ﴾: قائمة بتلاوة الكتاب يعني: تتبتل وتتضرع إلى الله، أو: قائمة في تأمل هذا الكتاب، ولذلك قال بعض العلماء من أهل التفسير: -يلحق بقيام الليل من كان يعيش في ليله مع القرآن الكريم متدبراً أو قارئًا أو دارساً للعلم، فهي أمة قائمة بأمر الله تمتثل أمره، وهؤلاء حين بلغهم مجيء النبي -صلى الله عليه وسلم -آمنوا به ومن أدرك النبيَّ منهم آمن به، ولذلك قالوا هنا في التفسير {كانت هذه الفئة قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -، ومن أدرك منهم هذه البعثة أسلم} وقد جاء في حديث ابن مسعود عند أحمد وغيره {أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم -خرج ذات ليلة بعد أن أخَّر صلاة العشاء، فوجد بعض الصحابة وهم ينتظرون فقال: -ما ينتظر هذه الصلاة ما ينتظرها من أهل الأرض إلا أنتم ثم قرأ ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً﴾ (آل عمران: 113)، فهذا ظاهره أنّ الآية نازلة فيهم، ولكن يقال: إذا كان هذا في أهل الكتاب فالاستدلال بهم أو الاستدلال بالآية في حق أهل الإيمان من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم -هو من باب الدخول الأولي، والله أعلم، فإذا كان أهل الكتاب متفاوتين، وإذا كان لبعضهم الفضل فإنّ لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم -النصيب الأوفر والقدح المُعلَّى في ذلك -رضي الله عنهم أجمعين.

قال الله سبحانه ﴿يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ﴾

﴿يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام، تكرر ذكر هاتين الشعيرتين، أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاء قبله ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ وجاء قوله ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: 110) وهنا ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 114)، وهذا يدل على مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (آل عمران: 114)

﴿وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 115)

﴿وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ﴾ (آل عمران: 115) أي: وما يفعله هؤلاء من خير فلن يضيع عليهم ثوابه ﴿فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾: يعني لن يضيع الله عز وجل عليهم ثوابه، لم؟ لأنّ الله شكور، والقراءة الأخرى ﴿وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ بأسلوب الخطاب يعني ما تفعلونه من خير فإنَّ الله سبحانه سيعطيكم ثوابه، وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. سبحانه وتعالى. نعم.

• قضى الله تعالى بالذل على أهل الكتاب لفسقهم وإعراضهم عن دين الله، وعدم وفائهم بما أخذ عليهم من العهد.

• أهل الكتاب ليسوا على حال واحدة؛ فمنهم القائم بأمر الله، المتبع لدينه، الواقف عند حدوده، وهؤلاء لهم أعظم الأجر والثواب. وهذا قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• أعظم ما يميز هذه الأمة وبه كانت خيريتها -بعد الإيمان بالله -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: -. قال الله سبحانه ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)

• قضى الله تعالى بالذل على أهل الكتاب لفسقهم وإعراضهم عن دين الله، وعدم وفائهم بما أخذ عليهم من العهد: لذلك قال الله سبحانه ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 112) وقال قبل ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110)

• أهل الكتاب ليسوا على حال واحدة؛ فمنهم القائم بأمر الله، المتبع لدينه، الواقف عند حدوده، وهؤلاء لهم أعظم الأجر والثواب. وهذا قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113) لأنّه بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم -لا بد من الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (آل عمران: 116)

تقدم نظير هذه الآية في صدر سورة آل عمران ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 10) وجاء التعبير هنا بقوله ﴿لَن تُغْنِىَ﴾ (آل عمران: 116): لأنهم كانوا يظنون أنّ المال نافعهم وأنه مغنيهم، وهذا فيه بيان أنّ الله هو الحي القيوم، كما تقدم في صدر السورة، فالله -عز وجل -هو الذي يقيم عباده، وهو الذي يغنيهم ويعطيهم، فينبغي أن يتعبدوا وأن يذلُّوا وينكسروا له، والله يغنيهم من واسع فضله -سبحانه وتعالى -وقالوا هنا في التفسير {لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، لن ترد عنهم عذابه ولن تجلب لهم رحمته} فقوله ﴿لَن تُغْنِىَ﴾ (آل عمران: 116) يشمل المعنيين: لن ترد عنهم العذاب ولن تجلب لهم الرحمة، بل ستزيدهم عذاباً وحسرة؛ لأنه سيسأل عن هذا المال الذي جمعه من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟

قال الله -سبحانه وتعالى –﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 117)

ضرب الله مثلاً لنفقة هؤلاء الكفار لبيان أنها نفقة محبطة لا قيمة لها ولا وزن؛ لأنَّها لم تصدر عن إيمان أصحابها، فلذلك يصيرها الله هباءً منثوراً، قال ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ﴾ (آل عمران: 117) أي: ما ينفقه هؤلاء الكافرون ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ (آل عمران: 117) ما المراد بالصر؟ الصر: هو البرد الشديد ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ (آل عمران: 117) ظلموا أنفسهم يعني: أصابت الزرع، ظلموا أنفسهم بالمعاصي وغيرها، قال الله ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: فأتلفت الزرع، مع أنهم كانوا يرجون منه الخير الكثير، وقد تقدم معنا في سورة البقرة ذكر بعض الأمثال القرآنية التي بين الله فيها بطلان انتفاع الكفار بصدقاتهم بسبب كفرهم وريائهم، قال الله ﴿فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 117) ولما كان هذا المثل مثلاً لأمر واقعي حالي ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ (آل عمران: 117) فقال ﴿وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 117) أي: يستمرون على الظلم؛ لذلك لم تدخل {كانوا} كما في غيرها من الآيات الأخرى ﴿وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (الروم: 9) لكن هنا قال ﴿وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 117) لأنّ الله قبلها قال {﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى﴾ هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾} فالحديث عن الحال

ثم قال الله محذراً أهل الإيمان من موالاة أهل الكفر: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ (آل عمران: 118) يعني: لا تتخذوا أخلاء وأصفياء ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ (آل عمران: 118) ما معنى من دونكم؟ يعني: -من غير المؤمنين، ونحن بهذه الآية نتذكر ما سبق أيضًا في قوله سبحانه ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 28) وهكذا نجد سور القرآن الكريم: تجد الآيات يُذكِّر بعضها ببعض ويأخذ بعضها بعنق بعض، فيترابط البدء مع الختام وكذا الوسط.

قال الله ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (آل عمران: 118) ما معنى: لا يألونكم خبالاً؟ يعني: -لا يقصرون في طلب مضرتكم وفساد حالكم، فهم لا يقصرون في ذلك ﴿وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ﴾ (آل عمران: 118) أي: -يتمنون حصول ما يضركم ويشق عليكم، هذه أمنية لهم يريدون تحقيقها ﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ (آل عمران: 118) ظهرت الكراهية والعداوة على ألسنتهم بما يطعنون فيكم ويوقعون بينكم الشرور والعداوات ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (آل عمران: 118) ما تضمره الصدور أكبر مما أظهروه، فإذا كان الأمر كذلك فكيف تتخذون هؤلاء أولياء وأصفياء؟ ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 119)

﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ﴾ (آل عمران: 119) ها أنتم أولاء، ما معنى أولاء؟ أولاء: بمعنى هؤلاء وإنما الهاء التي تدخل على {هؤلاء} يقال لها هاء التنبيه، لكن {أولاء} هنا مُنادى لحرف نداء، وحرف نداء محذوف، أي: ها أنتم يا أولاء {يا هؤلاء} يا أهل الإيمان ﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 119) تحبون هؤلاء من أهل الكفر ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِۦ﴾ (آل عمران: 119) أنتم تؤمنون بالكتب كلها، أي: وهم لا يؤمنون هذا لم يذكره الله -سبحانه -لكنه مفهوم ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِۦ﴾ (آل عمران: 119) هم ليسوا كذلك ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ (آل عمران: 119) إذا قُدِّر أن وقع لقاء بينكم وبينهم ﴿قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟﴾ (آل عمران: 119) وإذا خلوا: انصرفوا وانفرد بعضهم ببعض، فلقاءهم بالمؤمنين لقاء طارئ؛ وأما مقابلتهم لمن كان على شاكلتهم أمر مستمر، لذلك عبر عنه بالخلوة، ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾ (آل عمران: 119) أي: وإذا انفرد بعضهم ببعض عضوا أطراف أصابعهم غماً وغيظاً بما أنتم عليه من الوحدة، كرهوا اجتماعكم وأرادوا فرقتكم لذلك قال ﴿عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 119) هذا فيه أنّ اجتماع المؤمنين يكرهه أهل الكفر، ويشمئزون لذلك، وأن هذا يغيظهم كل الغيظ، ثم قال الله مبيناً كراهتهم وعداوتهم لأهل الإيمان فقال:

﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120)

قال بعض المفسرين: لما ذكر الحسنة ذكر معها المس، ولما ذكر السيئة ذكر معها الإصابة قالوا: والمس أدنى الإصابات والمعنى: إن تمسسكم حسنة ولو قليلة أيُّ حسنة تصل فإنها تسوءهم يكرهونها، لا يحبون أيَّ خير يصل إليكم، إن تمسسكم حسنة ولو كانت قليلة ولو كانت خفية تسوءهم وإن تصبكم سيئة مع إنّ الإصابة والمصاب يجعل العدو يلين في بعض الأحيان لعدوه؛ فالإنسان قد يُعادِي آخر، فإذا أُصيب عدوه بمصاب فقد يكون ذلك سببًا في رقة قلبه والتهاون معه، أمّا هؤلاء ﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ (آل عمران: 120) وهي مصيبة ﴿يَفْرَحُوا۟ بِهَا﴾ (آل عمران: 120) فهم لا يرغبون إلا في ذلك في كراهية الخير لكم ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا﴾ (آل عمران: 120) العلاج والمخرج: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120) وقد تقدم يا أيها الإخوة الكرام أنّ السورة الكريمة من مقاصدها الدعوة إلى الثبات على الهداية، وتقدّم أنّ من طرق الثبات على الهداية الصبر والتقوى، وهذه إحدى الآيات الواردة في ذلك، فنريد منكم أن تذكروا لنا الآيات التي بين الله فيها -سبحانه وبحمده -وجوب أو الدعوة والحث على الصبر والتقوى في هذه السورة الكريمة قال ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120)

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 121)

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (آل عمران: 121) في المختصر أي: {واذكر -﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي -حين خرجت أول النهار من المدينة} قالوا {خرجت أول النهار} من التعبير بقوله ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 121) لأنّ الغدو أو الغداة هذا في الصباح، فهذا معنى الخروج في أول النهار ﴿تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ (آل عمران: 121) أي: تُنزلهم مواقع القتال وهذا كان في أُحد على قول جمهور المفسرين؛ فالحديث هنا حديثٌ عن أحد، ويدل على ذلك كما سيأتي بيانه بإذن الله؛ أنّ الله قال بعد ذلك ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) فواو العطف تدل على المغايرة في الحديث ابتداءً كان عن غزوة أحد وتذكير ببعض ما وقع فيها، ثم بعد ذلك جاء حديث عن غزوة بدر ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123)

وقال ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 121) قد يقول قائل: ما وجه الصلة بين هذه الآية والآيات السابقة، قال بعض المفسرين: والعلم عند الله أنّ الله لما ذكر عداوة هؤلاء الكافرين وأنه يغيظهم إيمان المؤمنين واجتماعهم وائتلاف قلوبهم، بين الله -سبحانه وتعالى -أنّ المخرج لهم أن يتصدوا لهؤلاء، ومن التصدي لهم ما وقع من النبي -صلى الله عليه وسلم -وأصحابه في التصدي للكافرين والمشركين في الغزوات كغزوة أحد، وأيضاً قوله ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120)، وقوله ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾ (آل عمران: 186) دعوة إلى الصبر والتقوى، فبين الله أنّ ما وقع من المسلمين في غزوة أحد سببه وقوع خطأ من بعض الأصحاب رضوإن الله -عز وجل عنهم -فيذكرهم الله سبحانه بأن المخرج من المأزق ومن الفتن هو الصبر والتقوى، ولذلك سيأتينا بعد ذلك قوله ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: 125) وقد اختلفوا هل هذا وقع أو هذا حديث عن بدر؟ أو حديث عن أحد والعلم عند الله تبارك وتعالى. نعم.

• الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكون بالصبر وعدم إظهار الخوف، ثم تقوى الله والأخذ بأسباب القوة والنصر.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• نَهْي المؤمنين عن موالاة الكافرين وجَعْلهم أَخِلّاء وأصفياء يُفْضَى إليهم بأحوال المؤمنين وأسرارهم: قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (آل عمران: 118)

• من صور عداوة الكافرين للمؤمنين فرحهم بما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ المؤمنين من بلاء ونقص، وغيظهم إن أصابهم خير: وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا﴾ (آل عمران: 120)

• الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكون بالصبر وعدم إظهار الخوف، ثم تقوى الله والأخذ بأسباب القوة والنصر: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا﴾ (آل عمران: 120).

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 122)

هذه الآية الكريمة لها صلة واضحة وجلية بالآية التي سبقتها، وهي قوله سبحانه ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 121) وقد تقدَّم أنّ هذا ﴿أَنَّمَا﴾ كان في غزوة أحد على قول جمهور أهل التفسير، فهنا يقول الله سبحانه ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ (آل عمران: 122) ما المراد بالطائفتين؟ الطائفتان هما: بنو سِلمة وبنو حارثة {أو إن شئت فقل: جماعة من بني سِلمة وجماعة من بني حارثة}، كما جاء بذلك الخبر في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله تبارك وتعالى عنهما -﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ (آل عمران: 122) أي: هموا بالضعف والهم بالرجوع، حين رجع المنافقون؛ ولكن مع ذلك قال جابر -رضي الله عنه – {وما أحب أو وما يسرني أنّ الآية لم تنزل؛ لأنّ الله قال ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾} والمعنى: أنّ الله قد عصمهما، فقد همَّت طائفتان أن تتبعا ما كان عليه أمر المنافقين، وذلك أنّ المنافقين رجعوا، وقالوا ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ﴾ (آل عمران: 167) أنتم لن تقاتلوا ولن يحدث بينكم وبين المشركين قتال، فرجع عبد الله بن أبي ومعه قرابة ثلث الجيش، وبقي المسلمون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فهمت طائفتان أن يلحقا بهؤلاء المنافقين لكن الله عصمهما، لذلك قال ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ لذلك مع أنّ في الآية عتاباً إلا أن في الآية إكراما، وهو أنّ الله -سبحانه -قد تولى أمرهما فحفظهما، فقال ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 122) ولذلك ينبغي للعبد أن يتوكل على الله في أموره كلها، وأن يلجأ إليه وأن يفتقر إليه وألا يظن في نفسه أنه يقدر على ما يريد دون عون الله سبحانه وتعالى له،

فإذا لم يكن هناك عون من الله للفتى..................... فأول ما يجني عليه اجتهاده

قال الله سبحانه بعدها ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123)

ثم ذكرهم الله سبحانه بما وقع في بدر فقال ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) إذا كان قد وقع في أحد ما وقع بسبب بعض المخالفة التي وقعت من بعض الصحابة -رضوإن الله عز وجل عليهم وعنهم -فقد ذكرهم الله سبحانه بالنصر والتمكين الذي وقع في غزوة بدر بالرغم من قلة العدد والعتاد فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) قالوا هنا في التفسير أي {وأنتم مستضعفون وذلك لقلة عددكم وعتادكم} ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: 26) وهذا المعنى قد تكرر معنا، وتكرر في سورة البقرة أيضًا في قوله ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 249) فقال هنا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) اعلموا أنّ النصر والتمكين يكون بتقوى الله وشكره، وليس بكثرة العدد المجردة عن ذلك.

﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ (آل عمران: 124)

اختلف أهل التفسير أيضًا ما المراد بهذه الآيات؟ أو أين كان مجيء هذه الآيات؟ أو حديث هذه الآيات عن أي شيء تتحدث؛ لأنّ الله يقول ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ﴾ (آل عمران: 124) ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقعة كان هذا؟

1 -فمن قائل يقول: كان هذا في غزوة بدر وهذا قول الأكثرين وهو الصواب، لأن الآية امتداد للآيات السابقة، فقوله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (آل عمران: 123) بعدها ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 124) أي {في المختصر} {اذكر -﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي -حين قلت للمؤمنين مثبتًا لهم في معركة بدر} فالحديث عن غزوة أحد انقضى، وجاء الحديث هنا عن غزوة بدر

2 -بعض المفسرين يقول: بل هذا وقع في غزوة أحد، وكان هذا وعداً لهم؛ لكنهم لما لم يحققوا ما أراد الله عز وجل منهم، لم يتحقق لهم هذا الذي ذكره الله -سبحانه وتعالى -في هذه الآية، ودفعهم إلى هذا أيضًا أنّ الله في سورة الأنفال يقول ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9) فقالوا: إنّ الذي ورد في غزوة بدر إمداد الصحابة بألف من الملائكة، وأما الثلاثة آلاف والخمسة آلاف فهذا وعد كان سيقع لهم في أحد لكنه لما لم يثبت بعض الصحابة في أماكنهم، ونزلوا منها، لم يتحقق لهم ذلك.

لكن الأقرب -والعلم عند الله -أنّ الكلام لا يزال في غزوة بدر، وأنَّ هذه الآية لا تتعارض مع آية سورة الأنفال فسورة الأنفال حدثتنا عن ألف من الملائكة لكن الله في آخر الآية قال بألف من الملائكة ﴿مُرْدِفِينَ﴾ وفي القراءة الأخرى وهي متواترة ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يعني: متبعين بغيرهم، إذاً: -كان الفوج الأول الألف، ولا يمنع أن يكون هناك زيادة عن الألف، وجاءت هذه الآية ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ (آل عمران: 124) فهي تدل على زيادة، وإذاً فلا منافاة بين آية سورة الأنفال وآية سورة آل عمران، فآية سورة الأنفال تدل على أنّ الألف يُتبعون بغيرهم، وجاءت سورة آل عمران لتبين هذا العدد الذي سيُتبع، فقال الله في ذلك ﴿بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ﴾ (آل عمران: 124) وجاءت هذه الآية الكريمة لذكر الزيادة، ثم قال الله سبحانه وتعالى ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: 125) قالوا هنا في التفسير: في قوله ﴿مِّن فَوْرِهِمْ﴾ قالوا: {من ساعتهم} وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ﴾ (آل عمران: 125) يعني: وإن يأتوكم من ساعتهم ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: 125)، وبعضهم جعل معنى ﴿فَوۡرِهِمۡ﴾قال: من وجههم، وقال بعضهم: من غضبهم لأنّ الغضب يكون له ثورة، وأيضاً في قوله ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: 125) قالوا: معلمين أنفسهم وخيولهم بعلامة ظاهرة، فكانت لهم سيما يُعرفون بها عليهم السلام.

ثم قال الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126)

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟﴾ (آل عمران: 127) قالوا هنا في المختصر {أراد به أن يهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل، ويخزي طائفة أخرى، ويغيظهم بهزيمتهم، فيرجعوا بفشل وذل}.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (آل عمران: 128)

قالوا هنا في المختصر {لما دعا الرسول على رؤساء المشركين بالهلاك بعد ما وقع منهم في أُحد؛ قال الله له: ليس لك من أمرهم شيء، بل الأمر لله، فاصبر إلى أن يقضي الله بينكم، أو يوفقهم للتوبة فيسلموا، أو يستمروا على كفرهم فيعذبهم، فإنهم ظالمون مستحقون للعذاب} هذا معناه: أنّ قوله سبحانه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ (آل عمران: 128) له سبب نزول، وسبب النزول الذي ورد في ذلك روايتان مشهورتان صحيحتان: -

إحداهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا على جماعة من المشركين، من هؤلاء الذين شجُّوا رأسه -صلى الله عليه وسلم -فقال: -{اللهم العن فلانا وفلانا والعن فلانا وفلانا} ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (آل عمران: 128) يعني لا تلعنهم، فاللعن: طرد من رحمة الله، وما يدريك؟ لعلهم أن يتوبوا إلى الله ولعلهم أن يُسلِموا.

وجاء في الرواية الأخرى: أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم -قال {كيف يُفلِح قومٌ شَجُّوا رأس نبيهم} فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (آل عمران: 128)

ولا تعارض في ذلك، فيقال: إنّه قال {كيف يفلح قوم}، ثمَّ إنّه دعا عليهم أيضًا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآية الكريمة، واستدل بعض العلماء بهذا كله على أنّه لا يجوز لعن المعين في الدنيا. فلا يجوز أن تلعن شخصاً بعينه؛ بأن تقول: {لعنة الله على فلان}، وهو حي في الدنيا لأنك لا تدري، لعله أن يرجع، ولعله أن يتوب إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وهذا في المشرك فكيف بغيره؟ فهناك فرق بين اللعنة العامة: كأن يقال لعنة الله على الكافرين، أو لعنة الله على الظالمين، فهذا لا مانع منه وهو ما جاء في القرآن الكريم، وبين أن تكون اللعنة بأن يلعن فلاناً من الكفار أو المشركين. فإذا كان هذا لا يزال حياً؛ فإنه: لا يجوز لعنه؛ لأننا لا ندري بما يُختَم له ولعله أن يتوب إلى الله ويهديه الله سبحانه وتعالى إلى صراطه المستقيم،

ثم قال الله عز وجل ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 129)

وقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًا مُّضَـٰعَفَةً ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 130) من الآيات التي مناسبتها خفية، ولذلك حاول عدد من أهل التفسير قديماً وحديثاً أن يقفوا على وجه المناسبة، في ذكر هذه الآية والتحذير من الربا في وسط الحديث عن غزوة بدر وأحد، ما وجه ذلك؟ وما وجه العلاقة والمناسبة؟ ولهم في ذلك كلام طويل والعلم عند الله تبارك وتعالى وهي اجتهادات: -

ومما يقال في هذا المقام -والعلم عند الله -أنّ الله لما ذكر بدراً وذكر أنه نصرهم وهم قلة، فبين أنّ هناك قلة محمودة وهي القلة المؤمنة فهم قلة لكن الله عز وجل رفع قدرهم وأعزهم؛ وأما صاحب المال الزائد الذي يرابي بهذا المال فهي زيادة؛ لكنها زيادة لا قيمة لها؛ بل هي زيادة باطلة جائرة لا يقبلها الله بل يمحقها.

ومن وجوه ذلك أيضًا -والله أعلم- أن باب الربا يتعلق بالمعاملات، والربا يضر بالمجتمع أيَّما ضرر، وهذا معناه أنّ مما يفت في عضد الصف المسلم أكل الربا، وكأنّ الله عز وجل يحذِّرهم من أن يأكل أحدهم الربا أو أن يكون هناك تهاون في باب الجهاد بسبب أكل الربا، حتى إن بعض أهل التفسير ذكر أنّ بعضاً وقع في شيء من الليونة بسبب العلاقة التي كانت بينه وبين المشركين من العلاقات المالية، قال الله عز وجل كما سيأتينا بعد ذلك ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ وكما ذكر عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه – {أنّه كان يرى أنّه لو أقسم بالله عز وجل أن أحداً منهم لا يريد الدنيا لكان باراً في قسمه فيما يحسب} ما كان يظن أنّ أحداً يريد الدنيا حتى أنزل -سبحانه وتعالى -الآية ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ إلى غير ذلك مما يقال في هذا الباب والعلم عند الله.

والوقفة التي ينبغي التنبيه عليها أيضًا هنا وهي قوله ﴿أَضْعَـٰفًا مُّضَـٰعَفَةً﴾ (آل عمران: 130) فإنّ هذا كما يقول أهل العلم ليس قيداً للاحتراز وإنما هو لبيان الواقع، لبيان أنّ هذا كان حال أولئك فقد كانوا يأكلون الربا أعني أهله {كانوا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة} يأتي الشخص ليقضي فلا يجد ما يقضي أو ما يسدد به، فيقول: ولا تزال الزيادة تزداد يوماً بعد يوم، فحينئذٍ حذَّرهم الله فقال ﴿لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًا مُّضَـٰعَفَةً﴾ (آل عمران: 130) وليس المعنى: أنه يجوز أكل الربا إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة، كأن كانت ضعفاً واحداً مثلاً فإنّ هذا ليس مراداً في الآية الكريمة وجاء قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279) لبيان أنّه لا يقبل في الربا لا كثير ولا قليل والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال الله: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 131)

ففيه: أنّ طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -طريق حصول الرحمة في الدنيا والآخرة جعلنا الله من المرحومين في الدنيا والآخرة.

• الذنوب -ومنها الربا -من أعظم أسباب خِذلان العبد، ولا سيما في مواطن الشدائد والصعاب.

• مجيء النهي عن الربا بين آيات غزوة أُحد ليشعر بشمول الإسلام في شرائعه وترابطها بحيث يشير إلى بعضها في وسط الحديث عن بعض.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيات]

• مشروعية التذكير بالنعم والنقم التي تنزل بالناس حتى يعتبر بها المرء: لذلك جاء التذكير في قوله ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ (آل عمران: 122) وبعدها ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (آل عمران: 123).

• من أعظم أسباب تَنَزُّل نصر الله على عباده ورحمته ولطفه بهم: التزامُ التقوى، والصبر على شدائد القتال: وهذا قد تم التنبيه عليه مراراً، وأنّ سورة آل عمران ركزت على هذا، وبينت أنّ الصبر والتقوى طريقان عظيمان للنصر والتمكين والثبات على الهداية.

• الأمر كله لله تعالى، فيحكم بما يشاء، ويقضي بما أراد، والمؤمن الحق يُسَلِّم لله تعالى أمره، وينقاد لحكمه: ولذلك ربنا قال للرسول – صلى الله عليه وسلم -﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (آل عمران: 128) ما يدريك؟ لعل هؤلاء يتوبون! وقد تاب الله عز وجل على بعضهم، فدخلوا في الإسلام كما لا يخفى، فدخل خالد بن الوليد -رضي الله عنه -في الإسلام وعكرمة ابن أبي جهل -رضي الله عنه -في الإسلام إلى غير ذلك من هؤلاء، قال الله -سبحانه وتعالى -﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (آل عمران: 128)

• الذنوب -ومنها الربا -من أعظم أسباب خِذلان العبد، ولا سيما في مواطن الشدائد والصعاب: ولهذا قلت إنَّ هذه إحدى المناسبات أنّ الربا ربما كان سببًا في وقوع هذا التقاعس، أو وقوع هذا الضعف في غزوة أحد كما بين الله سبحانه وسيأتينا بيان لذلك أكثر فيما سيأتي من آيات بإذن الله تبارك وتعالى، بعد أن كان المسلمون منتصرين، وكانت الغلبة لهم.

• مجيء النهي عن الربا بين آيات غزوة أُحد ليشعر بشمول الإسلام في شرائعه وترابطها بحيث يشير إلى بعضها

في وسط الحديث عن بعض، وهذا كثير في القرآن وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.

قال الشيخ حفظه الله:

﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133)

هذه الآية الكريمة معطوفة على الآيات السابقة التي فيها ذكر أوامر جليلة وعظيمة ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوٓا۟﴾ والقراءة الأخرى {سارعوا} هكذا بدون وأو؛ وكأن ﴿سَارِعُوٓاْ ﴾ تفسير لقوله ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ (آل عمران: 132) كيف نطيع الله والرسول؟ بالمسارعة، فقال ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ (آل عمران: 133) وأنت تجد في القرآن الكريم في باب الآخرة يأتي الحديث عنها بالاستباق والمسارعة والتنافس، ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ (المطففين: 26) ﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الحديد: 21) وهنا ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ (آل عمران: 133) وهذا فيه أن فعل الخيرات سبب في تكفير السيئات؛ لأنّ هذا السبيل للمغفرة ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ﴾ (آل عمران: 133) أي: بفعل الطاعات وترك المعاصي ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133) وذكر عرضها دليل على عظمتها؛ فإذا كان هذا العرض فكذلك الطول كما لا يخفى.

قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134) هذه بعض أوصاف المتقين ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133) من هم يا ربنا؟ قال ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ (آل عمران: 134) قالوا هنا في التفسير {حال اليسر والعسر} فالسراء: اليسر، والضراء: العسر، وهذا ما جاء في الحديث {إن أصابته السراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له} وهنا المعنى: أنه ينفق في وقت يسره ووقت عسره، وهذا معنىً نبيل؛ فإنَّ النفقة في وقت العسر لها شأن عظيم، ولذلك قال عمار بن ياسر -رضي الله عنه -{ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار} تكون مقتراً ومع ذلك تنفق! فكيف لو يسر الله عز وجل عليك، ولذلك أفضل الصدقة {أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر} فهذا أفضل ما يكون، فلذلك أثنى الله على المنفقين في السراء والضراء فينفقون في الحالين: إذا وسَّع الله عليهم أنفقوا، وإذا ضيَّق عليهم أنفقوا أيضًا قال ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134) وهي درجات متتابعة فأدناها كظم الغيظ، وبعد ذلك العفو وبعد ذلك ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134) بأن يُحسِن إلى مَن أساء على هذا حمل بعض الآية الكريمة فجعلوها مراتب يتبع بعضها بعضاً، وكلها من محاسن الأخلاق.

قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135)

﴿إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ (آل عمران: 135) هنا: فسروا الفاحشة قالوا {كبيرة من الذنوب} ﴿أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ (آل عمران: 135) قالوا {أو نقصوا حظ أنفسهم بارتكاب ما دون الكبائر} ففُسِّرت الفاحشة: بالكبيرة، وفسر قوله ﴿أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ (آل عمران: 135) بما دون الكبيرة، وهذا يعني: أن {أو} هنا: تقتضي المغايرة، وهذا معنى له وجه، وهناك من المفسرين من فسر: ﴿أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ (آل عمران: 135) بما هو أوسع: جعلوه من قبيل عطف العام بعد الخاص قال الله: ﴿ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 135) ذكروا الله تعالى بألسنتهم أو ذكروه في قلوبهم: بأن تذكروا أن الله مراقبهم، وأنّ الله مطلع عليهم، ﴿فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهذا فيه أنّ الذي يجعل العبد يستغفر ويجعل العبد يقلع عن المعصية تذكره ربه سبحانه وتعالى؛ فإذا تذكَّر لم يجترئ على الاستمرار في المعصية، ﴿وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 135) هذه جملة معترضة؛ وإلا فالكلام: {فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا}؛ لكن بين هذا وذاك قال الله: ﴿وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ (آل عمران: 135) يعني: ولِمَ لا يتوبون إلى الله؟ ولِمَ لا يستغفرون؟ وهل يستطيع أحد أن ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾! فلا ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ -سبحانه وتعالى -فهو ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾ سبحانه وتعالى، قال ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135) لم ﴿يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟﴾؛ بل تراجعوا وتابوا إلى الله -سبحانه وتعالى -، وذلك أن الإصرار مصيبة وأيُّ مصيبة!، ولذلك قالوا: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع إصرار؛ فإنّ العبد إذا أصر على الصغيرة؛ فإنّها لا تزال كذلك حتى تصير كبيرة، ولذلك قالوا: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ (آل عمران: 136)

يذكرهم الله بسننه الإلهية؛ فإنّ الله له سنن لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحابي أحداً ولا تُجامِل أحداً، ﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 138) أي: هذا القرآن ﴿بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.

﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)

﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟﴾ (آل عمران: 139) أي: ولا تضعفوا ﴿وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ (آل عمران: 140) أي: جراح وقتل، وهذا وقع في أُحد ﴿فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ﴾ (آل عمران: 140) هذا من الله سبحانه وتعالى تسلية لأهل الإيمان -سبحان الله -فالله جل وعلا قدَّر لهم الهزيمة بعد الانتصار، وبعد ذلك يسليهم وهو قادر على أن يمنع عنهم تلك الهزيمة؛ لكن الدرس ما كانوا ليتلقوه ولا ليأخذوه مأخذ الجد إلا بعد وقوع الهزيمة، فقدَّر الله الهزيمة ثم بعد ذلك سلّاهم وسرّى عنهم ونصح لهم سبحانه عز وجل فقال ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 140) فهذه الأيام يصرِّفُها الله لذلك قالوا: يوم لنا ويوم علينا ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَرُّ، فالأيام دول، قال ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ (آل عمران: 140) أي: هناك حِكَمٌ من هذا الذي وقع يعلم رب العزة سبحانه علماً يترتب عليه الجزاء ويظهر وينكشف، ويتخذ منكم شهداء فهناك من قُتِل ومن قُتِل فهو شهيد في سبيل الله من هؤلاء المؤمنين المخلصين، فكان من حِكَم وقوع هذه الهزيمة ومقتل بعض المؤمنين من صحابة الرسول الأمين اتخاذُ الله منهم شهداء -صلى الله عليه وسلم -ورضي الله عنهم أجمعين.

• النظر في أحوال الأمم السابقة من أعظم ما يورث العبرة والعظة لمن كان له قلب يعقل به.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيات]

• الترغيب في المسارعة إلى عمل الصالحات اغتنامًا للأوقات، ومبادرة للطاعات قبل فواتها: وذلك في قوله ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 133) وقولهم هنا: {اغتناماً للأوقات ومبادرة للطاعات قبل فواتها}، هذا مستفاد من المسارعة، فالمسارعة تقتضي اغتنام الوقت وعدم تضييعه.

• من صفات المتقين التي يستحقون بها دخول الجنة: الإنفاق في كل حال، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق.

• النظر في أحوال الأمم السابقة من أعظم ما يورث العبرة والعظة لمن كان له قلب يعقل به: قال الله سبحانه ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137)

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 141)

هذه من تتمة بيان حكم الابتلاء فالله -عز وجل -يبتلي عباده لحكم منها: التمحيص، فيتميز الصف، ويستبين المؤمن من غيره، والمحق من المبطل فهذا من حكم الابتلاء: التمييز والتمحيص، ومن حكم الابتلاء: تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، ومن حكم الابتلاء: رفعة الدرجات، ومن حِكَم الابتلاء بالجهاد هنا: اتخاذ الشهداء ومحق الكافرين، هذه الحكم تتعلق بالجهاد.

قال الله سبحانه ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 142)

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (آل عمران: 142) يعني: أظننتم؟ لذلك قالوا: إن هذا يُراد به الإنكار، وقال آخرون: يُراد به النهي والتوبيخ، يعني: لا تحسبوا، لا تظنوا أن الله عز وجل يدخلكم الجنة دون أن يتبين المجاهد والصابر من غيره ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ﴾ (آل عمران: 142) الجنة: ليست رخيصة؛ وإنما الجنة غالية ونفيسة، وحفَّت بالمكاره ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ﴾ (آل عمران: 142) والله يعلم سابقًا مَن سيجاهد؟ ومن لن يكون مجاهداً؛ لكن انظر إلى تعبير القرآن! قال ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ﴾ (آل عمران: 142) لذلك قالوا: هذا كناية عن نفي المعلوم، قال هنا: ولما يعلم الله هو عالم في السابق، لكن هذا المعلوم لا يكون معلوماً لدى الناس حتى يقع؛ وأمّا هو عند الله فهو معلوم سابقاً كما تقدم معنا مراراً في مثل هذه الآيات، كما قال الله سبحانه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (محمد: 31) وأيضاً تقدَّم في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143) وقلنا من بعض الأوجه المعروفة في ذلك: أي: لينكشف علمه ويظهر، وليترتب عليه الثواب والعقاب؛ لأنّ الله لا يحاسب على علمه السابق، فهنا قال ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 142)

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143)

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ﴾ (آل عمران: 143) حينما عرفتم قدر الشهداء الذين قُتِلوا في بدر، وما لهم من عظيم الثواب عند الملك تمنى كثير منكم الموت ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ عاينتموه ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ فاثبتوا ولا تتقهقروا واصبروا فهذا وعد الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143) قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) آيات عظيمة فيها توجيه وتربية للمسلمين عموماً وللصحب الكرام خصوصاً -رضي الله تبارك وتعالى عنهم -﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) صلى الله عليه وسلم هذا قصر موصوف على صفة ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ وهو الموصوف ﴿إِلَّا رَسُولٌ﴾ (آل عمران: 144) يعني: قصره على صفة الرسالة؛ مع أنّ للرسول صفات أخرى هنا القصر مناسب للواقع؛ لأنّ بعضهم حينما ظنَّ أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم -لا يمكن أن يموت فهذا فيه أنّه نسي أنّه رسول، وخفي عليه الأمر، إذ مقتضى أنّه رسول أنّه عبد، وإذا كان عبداً فالعبد يموت فإنّ موته أمر واقع في الحال أو في الاستقبال سيقع فلا وجه لإنكاره؛ وإنما المهم الثبات على منهاجه وأن تموتوا على ما مات عليه -صلى الله عليه وآله وسلم -، ولذلك بعضهم قالوا أيضاً: هو مع كونه كذلك من جهة أخرى قصر قلب لمن زعم أو لمن توهم لمن توهم أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم -لا يمكن أن يُقتَل أو أن يقع له قتل -صلى الله عليه وعلى سلم -أو أن يقع له موته، أو توقع أنّه أيضًا رسول ومع ذلك لا يقع له ذلك، فسواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بذلك: أن الأمر إلى قصر القلب على الأول أو قصر التعيين على الثاني؛ أياً ما كان فإنّ الله -سبحانه وتعالى -قرر حقيقة أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم -فقال ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) وقد تذكَّر أبو بكر الصديق هذه الآية تمام التذكُّر -رضي الله عنه -عند وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -الحقيقية وإلا فإنما وقع في أُحد ما هي إلا إشاعات، ولم يمت الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة كما هو معلوم وإن كان قد تعرض لكثير من الأذى بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم -فقد كسرت رُبَاعيته وشُجَّ رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم وأُدمِيَ وجهه إلى غير ذلك مما وقع عليه وله صلوات ربي وتسليماته عليه، وأُشيع بين الناس أنه قد قُتِل وقد حفظه الله تعالى وحماه، لكن لما توفي الرسول -صلى الله عليه وسلم -وقع ما وقع من بعض الصحابة الكرام الأجلاء، وعلى رأسهم الفاروق الجليل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -وقام أبو بكر -رضي الله عنه -خطيباً بعدما دخل على الرسول وقبَّله، وقال مقولته الشهيرة العظيمة: التي رواها البخاري وغيره {من كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت وقرأ الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) يقول عمر: فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى اهويت إلى الأرض وكأني لم أسمع بهذه الآية ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾} وكذا عدد من الصحابة كأنهم لم يسمعوا بالآية ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، وذلك أنّ هذه الآية تحتاج إلى عظيم تأمل والمواقف يثبت من يثبته الله تبارك وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى ﴿أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) وهذا فيه أنّ الدعوة أبقى من الداعية، وأنّ الداعية إلى الله مهما بلغ قدره وعلا شأنه وزاد علمه فإنه يموت. وأما الدعوة فهي أعظم ﴿مِنْ أَىِّ﴾ داع، ولذلك ينبغي أن يكون التعلق بالدعوة وبالدين وبالقرآن وبسنة الرسول الكريم. صلى الله عليه وسلم قال ﴿وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) وذلك أنّ الثبات من الله: من ثبت فقد شكر الله، ولعل هذا والله أعلم من أسرار الختام بهذا ﴿وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) وأيضاً لما ذكر الله غزوة بدر ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) فالتقوى طريقٌ للشكر، وكأن من اتق الله حقق الشكر، ولذلك جاء في الآية التي بعدها أيضًا ﴿وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: 145) كتاب مقدر كما قال الله ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ فهو مسمى ومحدود. قال ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ وقد جاء تقييد هذا في قول ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ (الإسراء: 18) فيعجِّل الله له فيها ما يشاء لمن يريد قال ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 146) أيضًا تذكير بأحوال الأنبياء السابقين فكما سبق في الآيات ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ (آل عمران: 137) وهنا قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ﴾ (آل عمران: 146) كم من نبي ﴿قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 146) قالوا هنا في الشرح {وكم من نبي من أنبياء الله قاتل معه جماعات من أتباعه كثيرة} فالربي: التابع الذي يتبع هذا النبي، فالمراد بالربي بقوله ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 146) أي جماعات. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟﴾ (آل عمران: 147)، تكون كلمة «قولهم» خبرَ «كان» مقدَّمًا، يعني: ليس لهم قول إلا هذا القول، هذا يعني هذا ديدنهم، يقولون ويلهجون ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا﴾ (آل عمران: 147) تجاوزنا في أمرنا ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 147)فتقبل دعاءهم ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

• تختلف مقاصد الناس ونياتهم، فمنهم من يريد ثواب الله، ومنهم من يريد الدنيا، وكل سيُجازَى على نيَّته وعمله.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• الابتلاء سُنَّة إلهية يتميز بها المجاهدون الصادقون الصابرون من غيرهم: ولذلك قال الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 142)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة