سورة آل عمران — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الذي اختارها عدد من المفسرين هنا وهو الأولى بالقبول: -أنّ المراد بقوله ﴿وَكَرۡهٗا﴾ ما يقع من استسلام الكافرين لتقديرات الله -سبحانه -عليهم من المرض والسقم وغير ذلك من تقدير الله -سبحانه وتعالى -؛ فالله إذا قدَّر لكافرٍ أن يكون فقيراً فإنّه يكون فقيراً، وإذا قدر على أحدٍ منهم أن يكون مريضاً؛ فإنّه يكون مريضاً، فيخضع ويستسلم لقدر الله، ولا يستطيع أن يهرب أو أن يفر من هذا القدر. كما قال الله ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩﴾ [الرعد: 15] قالوا: أيضًا الظلال تخضع وتنكسر لله وتستسلم لله -سبحانه وتعالى -. نعم.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ضلال علماء اليهود ومكرهم في تحريفهم كلام الله، وكذبهم على الناس بنسبة تحريفهم إليه تعالى: لذلك قال ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 78)
• كل من يدعي أنه على دين نبي من أنبياء ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ لم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام فهو ناقض لعهده مع الله تعالى: قال الله ﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 82) إذا كان النبي مأموراً بذلك باتباع النبي ومؤازرته ومناصرته والإيمان به فكذلك أتباعه، ولذلك H0
• أعظم الناس منزلة العلماءُ الربانيون الذين يجمعون بين العلم والعمل، ويربون الناس على ذلك ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)
• أعظم الضلال الإعراض عن دين الله تعالى الذي استسلم له سبحانه الخلائق كلهم بَرُّهم وفاجرهم.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83)
قال الشيخ حفظه الله:
﴿قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 84)
هذه الآية قريبة من الآية التي سبقت معنا في سورة البقرة وهي قوله -سبحانه وتعالى -﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ﴾ (البقرة: 136) [البقرة: 136] فهما آيتان قريبتان أو آيتان متقاربتان في اللفظ كما ترون؛ لكن هذه الآية صدرها ﴿قُلْ ءَامَنَّا﴾ (آل عمران: 84) وهناك ﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ فالخطاب هناك كان لعموم المؤمنين، وهنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -والناس له تبع؛ لكن لما تقدَّم ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم -وما يتعلق بتأييد الأنبياء له، وأخذ الميثاق عليهم ناسب -والله أعلم -أن يوجَّه الخطاب إليه ﴿قُلْ ءَامَنَّا﴾ (آل عمران: 84) وترتب على هذا أنّه تعدي الفعل {أنزل} بــ {على}؛ لأنّ القرآن {الوحي} أُنزِلَ عليه مباشرة -صلى الله عليه وسلم؛ لكن لما ذكر قوله ﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ (البقرة: 136) لأنّه أُنزِل إلى الناس عن طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم -المنزَّل عليه، ثم قال الله -سبحانه وتعالى -﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ (آل عمران: 84) فنحن لا نفرق بين أنبياء الله ورسله ومعنى ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ (آل عمران: 84) أي: أنّنا نؤمن بهم جميعاً، وتقدَّم أنّه لا تعارض بين قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ (آل عمران: 84) وبين ما ورد من تفضيل بعض الرسل على بعض كقوله ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253) فإنّ هذه المُفَاضلة لا تعني التفريق؛ وإنما بيان ما لكل واحد منهم من فضل كما بينه الله -سبحانه وتعالى -؛ وإنما لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ في الإيمان، فنحن نؤمن بهم جميعاً، ونعلم أنّ الإيمان ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بالرسل كلهم.
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ تقدَّم يا أيها الإخوة الكرام أنّ هذه السورة الجليلة سورة آل عمران قد عُنِيت التوحيد والثبات على الهداية، ولذلك بيَّنتْ: -أنّ الإسلام هو الدين الحق وأنّ ما سواه فهو باطل، لذلك تقدم قوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (آل عمران: 83) وهنا قال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85) وتقدَّم أيضاً: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ﴾ ٱلْإِسْلَٰمُ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ فعُلِمَ من ذلك أنّ كل دين سوى دين الإسلام فهو على باطل، والله قال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ﴾ (يونس: 32) [يونس: 32] وذلك أنّه لا يتأتى نقلاً ولا عقلاً أن يدعوَ نبي إلى توحيد وأن يدعو الآخر إلى تنديد، أو أن يدعوَ ثالث إلى عبادة أكثر من إله، هذا لا يتأتى ولا يُمكن ولا يُقبَلْ نقلاً ولا عقلاً! ومن هُنا فإنّ هذه الدعاوى الباطلة التي تدعو إلى ما يُسمَّى بالدين الإبراهيمي لا شك في بطلانها وأنَّ الخليل إبراهيم -عليه السلام -بريءٌ من ذلك كل البراءة، فهو كما قال الله ﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67) [آل عمران: 67] ودعوى أنّنّا نقبل هذا كله! فنُصَّحِح كل هذه الديانات هذا تحريفٌ وزور ولا يمكن بحال من الأحوال والله قال ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ (آل عمران: 19) [آل عمران: 19]، وفرقٌ بين أن أعلم عقيدتي وبين أن أنظر كيف أتعامل مع غيري، فالتعامل شيءٌ وأن نعرف لأهل الكتاب حقهم وألا نظلمهم فهذا شيء آخر؛ وأمّا أن نأخذ بدينهم ومعتقدهم، وأن نُصَّحِّحَ معتقدهم فهذا أمرٌ آخر لا ينبغي لمسلم أن ينجرف وراء تلك الافتراءات والدعاوى الباطلة في مثل هذا الباب.
قال الله -سبحانه - ﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (آل عمران: 86).
﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا﴾ (آل عمران: 86) ما معنى {يهدي} هنا؟: -يُوَفِّق، لذلك أحسنوا هنا في المختصر قالوا {كيف يوفق} إذاً كيف يهدي؟ يعني: كيف يوفق الله ﴿قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ﴾ (آل عمران: 86) وذلك أنّ رجلاً كان قد أسلم ثم ارتد ثم بعد ذلك أراد مرة أخرى أن يعود للإسلام، فقال الله ﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ (آل عمران: 86) ثم إنّ الله فتح لهم باب التوبة أيضًا فقال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 89) فالآيات الكريمة جمعت بين الترغيب والترهيب، ولتبيِّن أنّ مسألة الردة مسألة خطيرة، فلذلك هذا الذي بادر بالردة كانت الآيات موجهة له ومبينة عظيم ما هو عليه من باطل أو مبينة ما عليه هذا الإنسان من باطل فقال ﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ﴾ (آل عمران: 86) وقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (آل عمران: 87) يعني: ولا هم يؤخرون. ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 89) فحينئذٍ تُقبَل توبته، ولذلك قال الله ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾ فقوله فيمت ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (البقرة: 217) في أنّه لو تاب قبل الموت قَبِلَ اللهُ توبته.
ثم جاءت الآية التي بعد ذلك قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ (آل عمران: 90)
وهذه الآية قد وقع إشكال في فهمها وذلك أنّ الله -سبحانه -قال ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) فلم يفتح لهم باب التوبة والآية التي سبقت ﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ﴾ (آل عمران: 86) وفتح لهم باب التوبة لكن هنا قال ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) فكيف ذلك؟ لذلك اختلف المفسرون في توجيه هذه الآية التي فيها ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) ومن أمثل الأقوال التي قيلت في هذه الآية أنّ المراد بهم: -ثم ازدادوا كفراً إلى أن ماتوا على ذلك فأرادوا التوبة عند الغرغرة أو عند حضور الموت فحينئذٍ لن تقبل توبتهم؛ لأنّ الوقت قد فات، وهذا ما بينه هنا أصحاب المختصر إزالة للإشكال الوارد في فهم الآية، فقالوا هنا في المختصر {إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم واستمروا على كفرهم حتى عاينوا الموت} تأملوا هذا الكلام؛ ﴿أَنَّمَا﴾ ذكروه لإزالة هذا الإشكال لأنّ الله قال ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) والرسول -صلى الله عليه وسلم -قال {إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر} وقال الله – سبحانه -﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٔـٰنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 18) [النساء: 18] إذاً ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) كيف نفهم الآية؟ أي: إذا حضرهم الموت عاينوا الموت، ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا﴾ (غافر: 85) [غافر: 85] فحينئذ لا ينتفعون بهذا الإيمان لذهاب وقته، وكذلك إذا طلعت الشمس من مغربها كما هو معلوم.
ومن أهل العلم من فسر الآية ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) قالوا: أي: لن يوفقهم الله للتوبة، يعني هؤلاء شأنهم إلّا يوفقهم الله؛ لأنهم تلاعبوا بهذا الدين، ففسروا عدم قبول التوبة: -بعدم التوفيق لها. وقال آخرون: وهذا ذكره ابن جرير الطبري ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ﴾ (آل عمران: 90) أي: كفروا بالنبي -صلى الله عليه وسلم -من هؤلاء اليهود بعد إيمانهم به قبل مجيئه، يعني هم كانوا يؤمنون بالرسول قبل مجيئه ويقولون سيأتي رسول وهو محمد كما سبق بيانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ﴾ (آل عمران: 90) أي: درسوه ثم ازدادوا كفرًا ازدادوا طغيانًا وحسدًا ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) أي في السيئات التي هم عليها، أي حتى يتوبوا فعدم قبول التوبة بسببه أنهم على الكفر ولم يدخلوا في الإسلام أصلاً، ولم يدخلوا في الإسلام -في الاعتناق الحق -بالنبي -صلى الله عليه وسلم -بعد مجيئه، قال الله ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ (آل عمران: 90)
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (آل عمران: 91) تأملوا -يا أيها الإخوة الكرام -هذه الآيات الكريمة كلها في وعيد الكفار، وفي بيان أن الله لا يقبل من العبد إلا التوحيد إلا الإيمان به ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (آل عمران: 91) إذاً هؤلاء استمروا على الكفر إلى أن حضرهم الموت؛ وأما هؤلاء فقد ماتوا على الكفر. ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (آل عمران: 91) ولذلك يقال له {قد أردت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب أبيك. ﴿إِلَّا﴾ تشرك بي شيئًا فأبيت إلا الشرك.} كما جاء في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم -. نعم.
• لا ينجي المرء يوم القيامة من عذاب النار إلا عمله الصالح، وأما المال فلو كان ملء الأرض لم ينفعه شيئًا.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• يجب الإيمان بجميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى، وجميع ما أنزل عليهم من الكتب، دون تفريق بينهم: وهذا في قول الله ﴿قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (آل عمران: 84)
• لا يقبل الله تعالى من أحد دينًا أيًّا كان بعد بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -إلا الإسلام الذي جاء به: قال الله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85) ولذلك جاء
• مَنْ أصرَّ على الضلال، واستمر عليه، فقد يعاقبه الله بعدم توفيقه إلى التوبة والهداية: ﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ﴾ (آل عمران: 86) وقال في الختام ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (آل عمران: 86)
• باب التوبة مفتوح للعبد ما لم يحضره الموت، أو تشرق الشمس من مغربها، فعندئذ لا تُقْبل منه التوبة: لذلك ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: 90) فحمل على هذا المعنى والعلم عند الله، بخلاف الآية التي قبلها ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 89) فإنها محمولة على ما كان قبل ذلك.
• لا ينجي المرء يوم القيامة من عذاب النار إلا عمله الصالح، وأما المال فلو كان ملء الأرض لم ينفعه شيئًا: ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ﴾ (آل عمران: 91).
قال الشيخ حفظه الله:
قال الله -سبحانه -﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92)
بعد أن بين الله -سبحانه وتعالى -أنّ الكافر لا ينتفع يوم القيامة بالأموال التي جمعها في الدنيا؛ فإنها تذهب عليه سدى، بيَّن الله أنّ هذه الأموال كان لها وقت بإنفاقها {وهو وقت الدنيا مع الإيمان} فقال ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92) فهذا الإنفاق يحبه الله ويرضى عن صاحبه وهو الإنفاق في الدنيا للمؤمن؛ لا أن يأتي يوم القيامة أنه سينتفع بمال كان قد جمعه في السابق، ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92) وحين سمع هذه الآية بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم -كأبي طلحة -رضي الله عنه – {أتى النبي -صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين وقال يا رسول الله إنّ الله قال ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92) وإنّ أحب أموالي إليّ غير حال، وكانت حديقة مستقبلة المسجد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم -يدخلها ويأكل منها من ثمر طيب وشراب طيب. قد يكون هناك صدقتان على المقدار نفسه والقدر نفسه والكم نفسه؛ لكن الشخص يميل إلى أحدهما دون الآخر فيكون البذل بهذا المحبوب إليه أفضل؛ لأنه يعوِّد المرء على إيثار محبة الله -ايثار ما يُرضِي الله سبحانه -على ما يهواه الإنسان، وهذا مراد هذه الآية ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92)
﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 93) قد يتوجه سؤال هو ما وجه العلاقة؟ والصلة؟ بين هذه الآية والآيات السابقة أو الآية السابقة؟ يمكن أن يُستنبَط هذا من عدة أوجه -والعلم عند الله – منها: -
أنّ إسرائيل هو يعقوب -عليه السلام -فقوله ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ﴾ (آل عمران: 93) أي: إلا ما حرم يعقوب على نفسه، والذي حرَّمه يعقوب على نفسه -عليه السلام -لحوم الإبل وألبأنها، مما كان يحبه -عليه السلام -فلما شفاه الله من مرض ألمَّ به، جاء في بعض الروايات {أنّه كان يشتكي عرق النسا، فحينئذ حرَّم على نفسه الأكل من لحوم الإبل والشرب من ألبانها؛ مع أنّها لم تكن محرمة؛ ولكنَّه نظر إلى أحب شيء إليه فمنع نفسه منها، أو فمنع نفسه منه} فهذا فيه قوله ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92) فهذا في باب الإنفاق، وهذا في باب منع النفس.
والوجه الآخر -والعلم عند الله -أنّ هؤلاء من اليهود أرادوا أن يطعنوا في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم حينما دعاهم إلى الإسلام وإلى ملة الخليل إبراهيم، وكذا دعا الرسول النصارى إلى ذلك، فقالوا: أنت تزعم يا محمد أنّك على ملة إبراهيم، كيف وأنت تأكل بعض الخبائث؟ وأنت لا تحرم بعض ما هو حرام من لحوم الإبل وألبان الإبل وما إلى ذلك، فردَّ الله -عز وجل -عليهم وقال ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ﴾ (آل عمران: 93)
ومَنْ قال لكم أنّ هذا كان محرماً على إبراهيم؟ هذا لم يكن محرماً على إبراهيم؛ فأنتم تفترون على الله الكذب ﴿فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ﴾ (آل عمران: 93)اقرؤوها وانظروا ما الذي كان محرماً على إبراهيم -عليه السلام -وما الذي كان قبل يعقوب -عليه السلام -؟ ومتى حُرِّمتْ هذه الأشياء؟ واعلموا أنّ ما حرم عليكم بعدُ كان بسبب ظلمكم كما قال ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) فالآية الكريمة ترد على هؤلاء زعمهم: أنّ دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم -فيها خلل، وأنّها ليست موافقة لملة الخليل إبراهيم -عليه السلام -.
ومن جهة أخرى فإنّ اليهود يرفضون القرآن بدعوى أنّ التوراة شريعتهم، والقرآن قد جاء بما يخالفها وهم لا يقبلون النسخ، فيقال لهم: فماذا تقولون فيما جرى من يعقوب -عليه السلام -وماذا تقولون فيما وقع في التوراة؟ ثمّ بعد ذلك فالآية تقرر: أنّ النسخ موجود في الشرائع، فلا غرو إذًا أن يقع هناك نسخ بالقرآن الكريم بما سبقه من الكتب.
قال الله -سبحانه -﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ وحينئذ كما قالوا هنا {في المختصر}: {فبهتوا ولم يأتوا بها} وهذا مثال يدل على افتراء اليهود على التوراة وتحريف مضمونها، وما كان للرسول -صلى الله عليه وسلم -وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب أن يعلم ما في التوراة، أو أنهم لن يجدوا هذا فيه، وأنّ هذا مما حرفوه، ما كان له أن يعلم شيئًا من ذلك لولا أنّ الله -سبحانه وتعالى -قد أعلمه به، وفي هذا أيضًا دليل واضح وبرهان ساطع على بطلان ما زعمه كثير من أهل الاستشراق من المستشرقين حينما ادعوا أنّ القرآن مصادره التوراة، والإنجيل، وأنّ القرآن مستقى من كتاب من كتب السابقين من أهل الكتاب، فكيف ذلك؟ وفي القرآن الكريم بيان تحريف هذه الكتب وبيان ما فيها مما غيروه ومما بدلوا، صحيح أنّ الكتب المنزلة من عند الله وهي حقة لكنه وقع فيها التغيير والتُبديل فكيف يقال أنّه استقى منها هذه العلوم -صلوات الله وتسليماته عليه -.
ثم قال الله – سبحانه -﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 95) إذا وضحت لكم المحجة واستبان السبيل ﴿فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 95) ولما جاء ذكر إبراهيم -عليه السلام -ناسب هذا أنّ يُذكَر البيت الحرام الذي بناه الخليل إبراهيم -عليه السلام -ورفع قواعده، فجرَّ هذا إلى الحديث عن مكة، والحديث عن الكعبة؛ فقال: -﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 96)
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 96) أي: للعبادة؛ لأنّه قد يقول قائل: أوليست هناك بيوت كثيرة كانت قبل الكعبة؟ يقال: بلى هناك بيوت، لكن المقصود هنا البيت لوضع للعبادة لعبادة الناس عموماً وليس العبادة الخاصة لكل فرد في بيته أو البيوت التي تكون للسكنى، لذلك قالوا هنا في التفسير {إنّ أول بيت بني في الأرض للناس جميعاً من أجل عبادة الله هو بيت الله الحرام} ولذلك لما سُئِلَ النبي -صلى الله عليه وسلم – {عن أول بيت وُضِعَ في الأرض أول، قال: المسجد الحرام، ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قيل: كم بينهما؟ قال: -أربعون سنة} كما ثبت في الصحيحين.
قال الله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 96) وبكة: هي مكة؛ لكن قيل: إنّه قيل لها بكة من {البك}، والبك: الازدحام؛ للدلالة على أنَّها ستصير بلداً مزدحماً بأهله {مثابة للناس}، قال بعضهم البك قريبٌ من الدك؛ لأنّها تدُّكُّ أعناق الجبابرة، ولا يقصد البيت أحدٌ من هؤلاء إلا قصمه الله -سبحانه وتعالى -. وقال بعضهم: لأنّ الناس يقصدون هذا البيت باكين يبكون من خشية الله -سبحانه وتعالى -، كلُّ هذه أقوال قيلت في أصل مادة بكة، قال الله -سبحانه وتعالى -﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 96) قد جعل الله هذا البيت مباركاً قالوا هنا {في المختصر} {كثير المنافع الدينية والدنيوية} هو كثير المنافع دنيا ودينا، في أمور الدنيا فيفيد الناس منه. ويعود عليهم بالخير والبركة، وقضاء مصالحهم الدنيوية، ويكون فيه فتح أبواب خير وخيرات وسعة وأرزاق للناس، ثمَّ وهذا هو الأعظم: البركة المتعلقة بالآخرة، من ذلك: عظم الثواب فيه، وأنّ الصلاة فيه بمئة ألف صلاة فيما سواه، وغير ذلك من الفضائل الجليلة والكريمة، وأنّ العمرة لا تكون إلا عن طريقه بأن يطوف بالكعبة المشرفة، وكذلك مناسك الحج منها الطواف بالبيت، إلى غير ذلك مما هو معلوم، قال الله ﴿وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ فهو فيه هداية للعالمين جميعاً، ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ﴾ (آل عمران: 97) أي: في هذا البيت علامات ظاهرات على شرفه وفضله. كالمناسك والمشاعر، قال ﴿مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (آل عمران: 97) أي: من هذه الآيات البينات {مقام إبراهيم} فلذلك بعضهم جعل قوله ﴿مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (آل عمران: 97) بدل من قوله ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ﴾ (آل عمران: 97) بعضهم قال: بدل بعض من كل؛ لأنّه جزء من هذه الآيات وبعضهم قال ﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 97)هنا بمعنى:مقامات لذلك المقام اختلفوا فيه، فمنهم من قال: -المراد مقام إبراهيم وهو ما فسَّروه هنا فقالوا {الحَجَر الذي قام عليه إبراهيم لما أراد رفع جدار الكعبة} وقد قالوا: إنّه كان ملتصقاً بالكعبة، ثم أُخِّرَ في زمان عمر -رضي الله عنه -عند ازدحام الناس في الطواف، فهذا هو المقام هو المعروف الآن بمقام إبراهيم. وقد صلى النبي -صلى الله عليه وسلم -خلف مقام إبراهيم والله قال ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: 125) [البقرة: 125] ولذلك شُرِعَ للطائف بعد الطواف أن يصليَ ركعتين عنده، أو أن يصلي خلف المقام ركعتين؛ أو أنّ المراد بالمقام: -مقامات إبراهيم يعني المقامات التي قامها إبراهيم -عليه السلام -فيدخل فيها عموم الشعائر وهذا قول مثال في معنى مقام إبراهيم ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ (آل عمران: 97) أي: هذا من الآيات البينات أيضًا ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ (آل عمران: 97) أي: -من دخله يزول الخوف عنه ولا يناله أذى، يشعر بالأمن والأمان، وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أنّ معنى قوله – سبحانه -﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ (آل عمران: 97) أي: ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ أي فأَّمِّنُوه، فتكون الجملة خبرية لكنها في معنى الطلب في معنى الانشاء: {ومن دخله فآمنوه}، وذلك ليرتفع الإشكال، إذا قال قائل أنّ هناك من دخل الحرم ولم يؤمن وربما حدث بعض الاغتيالات وبعض الحروب وبعض الاعتداءات كما جرى في بعض الأحوال، فكيف ذلك والله قال ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا﴾ (آل عمران: 97) فيقال هذا على سبيل الأمر والتوجيه، أي: ومن دخله يلزمكم أن تؤمنوه.
قال الله -سبحانه -﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 97) هذه الآية على قول فريق من أهل العلم هي آية فرضية الحج؛ فالآية التي صار الحج فريضة من الفرائض وركناً من أركان الإسلام هي هذه الآية، ومنهم من قال: بل قوله – سبحانه -﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) [البقرة: 196] وترتب على ذلك خلاف بين أهل العلم من المفسرين والفقهاء؛ لأنّ قوله ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) هذا كان في السنة السادسة من الهجرة فيما جرى في الحديبية؛ وأمّا هذه الآية فإذا نظرنا إلى سياق الآيات، وأنّ الآيات تتحدث عن وفد نصارى نجران فقد كان هذا في السنة التاسعة من الهجرة، والنبي -صلى الله عليه وسلم -في السنة التاسعة أمر علياً -رضي الله عنه – وأيضاً أبا بكر الصديق -رضي الله عنه -بما أمرهما به من الذهاب للحج ثم كان حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة التي حجت بها النبي -صلى الله عليه وسلم -وإنما ذهبوا قبله لبيان ﴿إِلَّا﴾ يحجَّ بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان، وأيضاً في حجة الرسول -صلى الله عليه وسلم -قال: {إنّ هذا الزمان قد استدار كهيئته يوم ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾} لذلك قال بعضهم: هذا يدل على أنّ الحج على الفور لأنّه حج بعدها وكان مشتغلاً في السنة التاسعة بعام الوفود؛ وأمَّا الذين قالوا: إنّه كان في السنة السادسة فرجحوا أنّ الحج على التراخي، وأنّه يمكن التأخير شريطة أنّ يكون الإنسان عازماً على الحج حين الاستطاعة فهذا من الخلاف الوارد بين هذا وذاك، وقوله ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 196) فيه أمر بالإتمام، ولا يلزم من الأمر بالإتمام الأمر بالبدء؛ أمّا هذه الآية فهي للدلالة على وجوب الحج ابتداءً ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: 97)، وقوله ﴿مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: 97) بدل بعض من كل فقوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 97)، من المراد بالناس؟ قال: من استطاع، فعرفنا أن الواجب أو أنّ وجوب الحج: ﴿أَنَّمَا﴾ هو على المستطيع، وهنا لفتة جميلة: لم يقل الله: ولله على من استطاع الحج حج البيت؛ فلم يبدأ بمن استطاع، وإنما قال ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 97) فعمم ابتداءً استفاد من ذلك بعض أهل العلم: أنّ الحج من حيث هو فرض كفاية؛ وأما على المستطيع فهو فرض عين: بمعنى: -لا يجوز في عام من الأعوام أن يخلو الحج أو أن يخلو هذا البيت من حجاج؛ بل لا بد أن يكون في كل عام هناك حجاج فيكون قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 97) بصفة عامة هذا حج لازم بأن يُقصَد البيت بأداء النسك؛ وأما فرض العين: فهذا على المستطيع، ثم قال الله ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 97) هل معنى ذلك أنّ من ترك الحج فهو كافر؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يكفر؛ ولكنّه مقصر تارك لركن من أركان الإسلام إذاً فما معنى قوله ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ إذا أردنا أو فهمنا أن المراد بالكفر: الكفر الأكبر فيكون المراد بذلك من جحد الشريعة أو شعيرة الحج إذًا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ بجحوده بأن أنكر فريضة الحج بعد ثبوتها، ودلالات الآيات الصريحة عليها؛ أو {من كفر النعمة}؛ بأن ترك نعمة الله -عز وجل -عليه وكان عليه أن يشكر الله، وأن يقصد هذا البيت لأداء النسك ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 97).
﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 98) قد تقدم قريب من هذه الآيات، ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (آل عمران: 99) لكن هناك لم يكن فيها {﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾} وهنا جاء {﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾} وبعدها {﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾}، وتقدم أنّ الذكر {﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾} وتوجيه ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم -بدلالة أهمية ما يذكر بعد ذلك، ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 98) فهذا إنكار لهذا السبب الذي وقع منهم؟ لماذا يقع منكم هذا الكفر؟ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 98)
﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 99)
﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ﴾ (آل عمران: 99) لماذا ﴿تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أهل الإيمان؟ ﴿مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (آل عمران: 99) تريدونها أن تكون معوجة؟ وتطلبون لدين الله ميلاً عن الحق إلى الباطل، ﴿وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ فيه التحذير من طاعة هذا الفريق من أهل الكتاب الذي يسعى سعياً حثيثاً لصد المؤمنين عن دين الله لإضلالهم. كما مضى معنا في قول الله -سبحانه -﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران: 69).
• متابعة أهل الكتاب في أهوائهم تقود إلى الضلال والبعد عن دين الله تعالى.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كَذِبُ اليهود على الله تعالى وأنبيائه، ومن كذبهم زعمهم أن تحريم يعقوب -عليه السلام -لبعض الأطعمة نزلت به التوراة: وهذا في قول الله -سبحانه وتعالى -﴿۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (آل عمران: 93) إلى قوله ﴿فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (آل عمران: 94)
• أعظم أماكن العبادة وأشرفها البيت الحرام، فهو أول بيت وضع لعبادة الله، وفيه من الخصائص ما ليس في سواه: قال الله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 96)
• ذَكَرَ الله وجوب الحج بأوكد ألفاظ الوجوب تأكيدًا لوجوبه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 97) ولذلك دلالة الوجوب هنا من قوله {على الناس} وعلى تدل على تحتُّم هذا الشيء المذكور ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: 97) ثم قال ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 97)
• متابعة أهل الكتاب في أهوائهم تقود إلى الضلال والبعد عن دين الله تعالى وذلك في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 100)
قال الشيخ حفظه الله: -
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101)
قوله ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ بعد أن قال الله -سبحانه -﴿إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 100) فالآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا﴾ (آل عمران: 100) فيها تحذير شديد للمؤمنين من أن يطيعوا هؤلاء من أهل الكتاب، ثم قال الله سبحانه ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ هذا الاستفهام اختلف فيه المفسرون، ولعل أقرب ما يقال فيه إنّه للاستبعاد، أي: يُستَبعَد أن يقع منكم كفر بالله وأنتم بفضل الله -سبحانه وتعالى -﴿تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ﴾ (آل عمران: 101) صلى الله عليه وسلم، فأنى لكم أن تكفروا! ومن ثمَّ فلا تطيعوا هؤلاء الذين يدعونكم إلى الكفر بالله؛ لأنّ معكم ما به تتحصنون، وما به تمتنعون عنهم، وعن الحاجة إلى الاستماع لكلامهم، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101) والاعتصام بالله: اعتصام بكتابه واعتصام بسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -؛ ولئن كان الرسول -صلى الله عليه وسلم -قد توفيَّ فإنّ سنته باقية فقوله ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ﴾ فالرسول -صلى الله عليه وسلم -كان بين ظهراني الصحابة وبينهم، وبعد وفاته لا تزال سنته قائمة محفوظة موجودة بيننا فمن اعتصم بالكتاب والسنة لن يضل كما جاء عن نبينا -صلى الله عليه وسلم – {وإني تارك فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي} كما جاء في بعض الروايات.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102)
﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ (آل عمران: 102) قالوا هنا في المختصر {خافوا ربكم حق المخافة} فجاء تفسير ذلك عن ابن مسعود -رضي الله عنه -{أن يُذكَرَ الله فلا يُنسَى وأن يُطَاع فلا يُعصَى وأن يُشكَر فلا يُكفر} فهذا معنى تقوى الله: حق تقاته: {أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يُذكَر الله فلا يُنسى وأن يُشكَر فلا يُكفَر} -سبحانه وتعالى -وقوله ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ (آل عمران: 102) لا حاجة إلى دعوة أن الآية منسوخة؛ لأنّ بعض المفسرين ذهب إلى أن الآية منسوخة بقوله ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) [التغابن: 16]، ولكن يقال هي مفسرّة لقوله ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16): اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة – سبحانه -﴿هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) قالوا هنا في المختصر {واستمسكوا بدينكم حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك} وبهذا يندفع الإشكال في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) لأنّ الواحد يقول أنّه لا يأمن على نفسه عند الموت فكيف يُنهى عن الموت إلا على الإسلام، فيقال: أنه مأمور بأخذ الأسباب التي تكون عوناً له على الثبات، فإنّه من سنة الله -سبحانه وتعالى -: أنّ من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه، فمن عاش على طاعة الله وُفِّقَ لها وخُتِمَ له بها، وهذا معنى ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132) نسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن يرزقنا حسن الخاتمة.
قال الله ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)
هذا مناسب لما تقدّم ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101) ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 103) قالوا هنا في المختصر {وتَمسَّكوا -﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون -بالكتاب والسُّنَّة} حبل الله: الكتاب والسنة، قد ورد في بعض الأحاديث أنّ القرآن الكريم حبل الله فهو حبل الله -سبحانه وتعالى -﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 103) فمن استمسك به حفظه الله ووقاه الله الشرور ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ نهي عن التفرق ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ قال القرطبي: {وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع}؛ لأنّ بعض الناس قد يقرأ ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ فيظن أنّه لا يجوز الاختلاف في الفروع الفقهية مع أنّ الاختلاف وقع بين أهل العلم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ الأصل ﴿إِلَّا﴾ يقع هناك اختلاف في الأصول فهناك الحق وهناك الباطل، وأما الفروع فإنَّ الخلاف فيها كثير، ولذلك قال القرطبي: {وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع فإنّ ذلك ليس اختلافاً إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع}
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران: 103) تذكير بنعمة الله ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103) هذه الآية فيها تذكير للأنصار بفضل الله -عز وجل -عليهم وذلك أنّه كانت هناك حروب طاحنة تقع بين الأوس والخزرج، مرة ينتصر الأوس ومرة ينتصر الخزرج، وكانوا يتذكرون يوم بعاث، ويقع بينهم ما يقع من اقتتال، وقد جاء في بعض الروايات عن ابن عباس -رضي الله عنهما – {أنّ بعض الأنصار تحدثوا فوقع بينهم القتال أو كاد يضرب بعضهم بعضاً} فأنزل الله -سبحانه وتعالى -الآيات ينهاهم -سبحانه وتعالى -عن الافتراق ويذكرهم بنعمة الله عز وجل عليهم}.
قال ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا﴾ (آل عمران: 103) وهذا فيه أنّ الإيمان والحق يؤلِّف ولا يفرِّق، فالإيمان بالله والاعتصام بحبل الله هو سبب الألفة، ولذلك قالوا: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، فمن رام أن يجمع الناس على أمر ما حتى وإن كانوا على ضلالات؛ حتى وإن كانوا على الباطل فهو في ذلك على خطأ كبير؛ وإنما الذي يجمعهم هو الحق، فإذا عرفوا الحق واتبعوه اجتمعت القلوب، لأن الحق واحد ولأنّ الحق تتآلف القلوب المنصبة عليه؛ لأنه من عند الله -سبحانه وتعالى -؛ بخلاف آراء البشر فإنها لا تنضبط ولا تتفق، قال الله ﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ (آل عمران: 104) جماعة تدعو إلى الخير ﴿مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ (آل عمران: 104) منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنّ {مِنْ} هنا لبيان الجنس، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنها للتبعيض، فإن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إنها للتبعيض فمعناه: إنّ هذه الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هي جزء من الأمة، فيكون هذا على فرض الكفاية؛ وأمّا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ (آل عمران: 104) يعني: ولتكونوا أمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ (آل عمران: 104) ولذلك بعضهم قال: إنّه قريب من أسلوب التجريد؛ كأنه استخرج منهم ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21) مع أنهم هم الأمة كما في قوله -سبحانه -﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21) [الأحزاب: 21] قال الله سبحانه ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 114) فسروا هنا المعروف قالوا في المختصر {الذي دل عليه الشرع وحسنه العقل} والمنكر قالوا {الذي نهى عنه الشرع وقبحه العقل} وذلك أنّ العقل يحسن ويقبح؛ فالعقل يدرك حُسنَ كثير من الأشياء ويدرك قبحها؛ لكنه لا يترتب ثواب ولا عقاب إلا بالشرع، وهذا هو الوجه الحق أو الوجه الذي تجتمع به الأدلة في هذا الباب فيما يتعلق بالحسن والقبح العقليين. فالعقل يقول: إنّ الأمانة حسنة ويقول: إن الخيانة قبيحة، وكذلك يقول: إن الصدق حسن وإنّ الكذب قبيح؛ لكنَّ الذي رتب على ذلك ثواب أو على ذلك عقاب هو الشرع قال الله ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)
﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105) ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟﴾ (آل عمران: 105) فهذا نهي عن التفرق ﴿وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105) أمر بالاعتصام ونهي عن التفرق.
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 106)
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (آل عمران: 106) قال بعضهم كما ورد عن ابن عباس: {تبيض وجوه أهل السنة}، فيبيض الله وجوههم لأنهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ نسأل الله أن يبيض وجوهنا، وأن يجعلنا من أهل الإيمان ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ (عبس: 38) [عبس: 38 -39]، قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ قالوا هنا في المختصر {يقع عليهم هذا العذاب العظيم يوم القيامة، حين تَبْيَضُّ وجوه أهل الإيمان من الفرح والسعادة، وتَسْودُّ وجوه الكافرين من الحزن والكآبة} ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (آل عمران: 106) ثم بدأ بقوله تأمل ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (آل عمران: 106) ولذلك قالوا هنا لف ونشر غير مرتب، يعني قال تبيض وتسود، ثم بدأ يفرق يعود مرة أخرى إلى التفصيل، فبعد أن بدأ بقوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (آل عمران: 106) حين جاء للتفسير أو التفصيل قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (آل عمران: 106) فبدأ بالذين اسودت فهذا يقال له لف ونشر غير مرتب، ويسميه كثير من علماء البلاغة بالمُشَوَّش، لكننا لا نسميه هكذا في القرآن الكريم، لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ غير مرتب، قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (آل عمران: 106) ومن الحكم في ذلك والله أعلم: -أن يبدأ الحديث بالذين تبيض وجوههم فيكون نعم البدء ونعم الختام.
قال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم﴾ (آل عمران: 106) فيقال لهم: أكفرتم؟ وقوله أكفرتم بعد إيمانكم؟ هذا التوبيخ والتعجب من حالهم أيضًا أو التعجيب من حالهم ﴿فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 106)
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (آل عمران: 107) ما معنى {ففي رحمة الله}؟ قالوا هنا في المختصر: {فمقامهم في جنات النعيم} إذاً أطلق الرحمة والمراد بها مكان الرحمة، والمراد بها الجنة، لذلك قالوا مجاز مرسل، فالمراد بقوله {في رحمة}: -في الجنة، بدليل قوله بعدها ﴿هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (آل عمران: 116) وهم ﴿أَنَّمَا﴾ يكونون خالدين في الجنة جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 108).
• وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن به فلاح الأمة وسبب تميزها.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاعتصام بالكتاب والسُّنَة والاستمساك بهديهما أعظم وسيلة للثبات ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، والعصمة من الضلال والافتراق: ولذلك قال الله ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ (آل عمران: 103) إلى آخر الآية، وقال ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101) هذا فيه أنّ الاعتصام بالكتاب والسنة من أقوى وأكبر أسباب أو وسائل الثبات على دين الله -سبحانه وتعالى -فعلى العبد أن يستعصم وأن يعتصم العبد بالكتاب والسنة ليثبته الله عز وجل.
• الافتراق والاختلاف الواقع في هذه الأمة في قضايا الاعتقاد فيه مشابهة لمن سبق من أهل الكتاب: ولذلك قال ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105) لذلك H0.
• وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن به فلاح الأمة وسبب تميزها: لذلك قال الله ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)
قال الشيخ حفظه الله:
قال الله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ (آل عمران: 109)
قالوا هنا في المختصر {ولله تعالى وحده مُلْكُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، خَلْقًا وأَمْرًا} فقوله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾ (آل عمران: 129) يعني لله وحده خلق مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأيضاً أمر مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ كما قال ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54) [الأعراف: 54] وقولهم ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأعراف: 54) من باب أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر كما تقدم التنبيه عليه مراراً، ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ (آل عمران: 109) إليه تعالى مصير أمر كل خلقه فيُجازي كلاً منهم على قدر استحقاقه. كما قال ﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ (الشورى: 53) [الشورى: 53]
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110)
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (آل عمران: 110) قالوا: كنتم أي: -في قدر الله وعلمه، لذلك عبر بقوله ﴿كُنتُمْ﴾ أو قوله ﴿كُنتُمْ﴾ كان هنا بمعنى: {وُجِدتم} فتكون تامة، يعني: وُجِدتم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 110) وقد جعل الله هذه الأمة خير الأمم، كما H1نُونَ بِٱللَّهِۗ على الإيمان؛ لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿أَنَّمَا﴾ ينتفع مع الإيمان، فقوله ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ بأن تثبتون على الإيمان، أو الإيمان الكامل الذي يكون معه عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ومداومة عليه، ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110) قالوا في المختصر: {قليل يؤمنون بما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم -وأكثرهم هم الخارجون عن دين الله وشريعته}.
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (آل عمران: 111)
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾ (آل عمران: 111) هذا فيه تسلية لأهل الإيمان، لا تخافوا يا أهل الإيمان من هؤلاء؛ فإنهم ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾، والأذى: -هو أدنى الضرر، كالاذى الذي يقع باللسان من استهزاء وسخرية ونحو ذلك؛ فإنّ هذا ضرر يسير لا يضركم إلا أذى، والله ناصركم ﴿وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ (آل عمران: 111) تكون الهزيمة ﴿ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (آل عمران: 111) ما السبب في ذلك؟ قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ (آل عمران: 112)
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 112)
فقوله ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ (آل عمران: 112) بمثابة الجملة التعليلية ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟﴾ (آل عمران: 112) أي: جُعِلَ الهوان والصغار محيطاً باليهود، ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ (آل عمران: 112) كأن الذلة قد نُصبِت عليهم فعمتهم وشملتهم لذلك قال ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟﴾ (آل عمران: 112) أينما وُجِدوا ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 112) قالوا في المختصر {فلا يأمنون إلا بعهد أو أمن من الله تعالى} يعني إنّه في الأصل في ذلة وهوان، ولا يجدون شيئًا من طعم الأمن والأمان ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ ومن الناس والعهد، قال الله ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 112) رجعوا بغضب من الله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ﴾ (آل عمران: 112) الحاجة والفاقة، ما السبب في ذلك؟ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران: 112) وهذا تذكير بما سبق في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: 21) قال ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 112)
ثم قال ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران: 113)